islamaumaroc

كيف يتفق ارتباطنا بالقرآن الكريم

  دعوة الحق

105 العدد

قبل ان أشرع في تحليل فكرة الارتباط بالقرآن الكريم التي يجب أن تكون دائما أساسا لتمييز شخصية المسلم وتحقيق ذاتيته على الصعيد العالمي.
أحيى هاته الفكرة السامية التي أوحت بتنظيم مهرجانات وتجمعات خطابية وتخليد مقالات وأبحاث في أمهات الصحف والمجلات المغربية المرموقة مراحل الاحتفال بذكرى مرور أربعة عشر قرنا على انبثاق نور الوحي الالاهي وبداية نزول القرآن الكريم كلام رب العالمين لربط الصلة بين الناس وربهم على أسس من الايمان الصادق والحب المتبادل والاخلاص العميق.
والحقيقة ان احتفالا كهذا وكتابة أبحاث ومقالات في موضوع القرآن، والكتاب المقدس، لمن شأن كل ذلك ان يحيي في نفوسنا املا جديدا بأن الاسلام سيعيد دولته وصولته، وستعود له كرامته بين العالمين، وسيجد المسلمون في مشارق الارض ومغاربها ان اعتناقهم للاسلام لم يكن بالصدفة ولا يدافع تقليدي بحيث يتجسم مثلا تجسم الخرافات والاساطير في الاديان الاخرى لما عبرت عن ذلك الاية الكريمة: "انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون"
لقد مر على نزول القرآن منجما وبحسب الاحداث والوقائع أربعة عشر قرنا وهو هو كما انزل لم يقع فيه تغيير ولم يلحقه تحريف ولا تزوير ولو في لفظ من ألفاظه بل وفي حرف من الحروف، وانما التحريف والتغيير- ويا للاسف- وقعا في أعمال معتنقي دين القرءان الذي نزل لاسعادهم وضمان رفاهيتهم وازدهارهم دنيا ودينا "وابتغ فيما آتاك الله الدار الاخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله اليك، ولا تبغ الفساد في الارض، أن الله لا يجب المفسدين".
وتشكل هذه الظاهرة الهامة في حياة القرآن الكريم المنيرة الخالدة عنصرا أساسيا في عبقرية الاسلام وبقائه وتأهيله لان يكون دين البشرية بلا استثناء، ويكون محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان نبي الرحمة ورسولا لجميع أمم الارض قاطبة، "وما أرسلناك الا رحمة للعالمين، وما أرسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا، قل يا أيها الناس أتي رسول الله اليكم جميعا الذي له ملك السماوات والارض، لا الاه الا هو يحيي ويميت".
فقد قاوم القرآن أعاصير الزمان، ولم تنطل عليه الحيل مهما أتقن حبكها وأحكم نسجها ولو على أيد الذين استطاعوا أن ينالوا من غيره من الكتب السماوية الاخرى وفي ضمنها التوراة والإنجيل الذي أصبحا محرفين يتنافيان كلية وأجزاء مع رسالتي موسى وعيسى ابن مريم ومن جاء قبلهم وبعدهم من الانبياء والمرسلين لان الاسلام وحدة متكاملة وحلقات متماسكة منذ خلق الله الكون وبعث اليه آدم الى يومنا هذا "واذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتومنن به ولتنصرنه، قال أقررتم وأخذتم على ذلكم أصري، قالوا أقررنا، قال اشهدوا وانا معكم من الشاهدين".
ان ارتباط المسلمين بالقرآن الكريم يجب أن يكون عن طريق دينه وعن طريق لغته معا، لانه لا يتحقق الكمال البشري الا بهما مما جرب هاته الحقيقة سلفنا الصالح والمسلون الاولون الذين قاموا بدور كبير في نشر الاسلام واعلاء كلمة القرآن ولم يكونوا يتخلفون عن الركب والمتقدم للقتال في سبيل نشر الاسلام واعلاء كلمته بين العالمين "ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين، وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم، ولئن صبرتم لهو خبر للصابرين" صدق الله العظيم.
ان الفلسفة التي نشأت بعد الفئة الاولى من المسلمين والتي أصبحت تدعو الى فصل لغة القرآن عن دينه قد أساءت فهم التشريع الاسلامي وأخطأت حين غاب عن اذهانها ان اعجاز القرآن كامن في ألفاظه المنسقة وله ترجمته مهما اتقنت، وقام بها متضلعون في الثقافة العربية وللغات الأجنبية الاخرى التي يراد ترجمة القرآن اليها، كما يمكن أن تفي بالمراد من اعجازه، كما أنها لا تعطي النظرة الكاملة للقرآن الكريم، كتاب رب العالمين، وان كانت تقرب القرآن الى افهام غير العرب ان الامم الاسلامية غير العربية يدرك معظمها هاته الحقيقة ويتحسرون لضعف تلك الروح التي كانت تواكب جيوش الاسلام الفاتحة والمتجسمة في نشر تعاليم القرآن ولغة القرآن معا، وتعلم أنه حتى في الوقت الحاضر هناك أمم اسلامية عظمى لو وجدت مندوحة وامكانيات لجعلت لغة القرآن هي لغتها الرسمية، وفي طليعتها الباكستان، ونحن لا نعزو قصورها عن تحقيق ذلك لتقاعس العلماء ورجال الدين واللغة فحسب بل نعده أيضا ناشئا عن الاستعمار الشرقي والغربي الذين اجهزا على الامة الاسلامية قاطبة ولم ينج من دسائسه وويلاته أي قطر مسلم، وقد كان من أكبرهم الاستعمار الاجنبي البغيض ان يقضي على لغة القرآن كمرحلة هامة في القضاء على تعاليم القرآن حتى يتهود المسلمون أو ينتصروا وبذلك يقضي عن كل معارضة له لانها تأتى طبعا من الاسلام ومن دستوره الحكيم "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل ان هدى الله هو الهدى، ولئن لتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم، انك لمن الظالمين الذين آتيناهم الكتاب بتلونه حق تلاوته، اولئك يومنون به، ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون".     
ان من يجوب الاقطار الاسلامية ويطلع على تقاليدها وعوائدها يدرك من جهة مدى تمسكها بالاسلام، ومن جهة اخرى يرى ان اشياء كثيرة من لغتها ما زالت تطبع حياتها وتؤثر في مدى فهمها للاسلام وبذلك ينشأ البون بين من اعتنقوا الاسلام عن طريق القرآن وعرفوا لغته ودينه وبين من عرفوا دينه فقط، وربما يكون ذلك أعظم عائق لقيام وحدة اسلامية ينشدها جميع المسلمين في مشارق الارض ومغاربها.
ومن هنا نتحقق خطورة ما يرتكبه الذين عوا ويدعون الى التفرقة بين لغة القرآن وبين دينه، هؤلاء الذين لم ينتبهوا بعد الى الخطر المحدق بالامة الاسلامية والذي لا يعرفه حق معرفته الا الذين تعلموا الدين واعتنقوه عن طريق اللغة العربية لانها اللغة الوحيدة التي تستطيع ان تبلغ القرآن كما انزل دون ان تلحق به بعض التغيير المعنوي الذي قد ينشأ من تبديل لفظ عربي بمقابله في لغة أخرى لا يفي بالمراد به أو يزيد على المقصود، كذلك تنتفي بعض الاشراقات والاشعاعات الروحية التي تلازم القرآن الكريم حين تلاوته بلفظه، ولعل الذين منعوا الترجمة من علماء الامة الاسلامية كانوا يقصدون من ذلك عدم تحريف القرآن عن معناه الاصلي وعدم اخصاعه للتراكيب والمفردات الوضعية وهو كتاب سماوي نزل بلغة عربية قدر الله لها أن تستوعبه ونفي بالمراد من نزوله وتبليغه للناس كما أراده الله تعالى، وتلك خاصية خص بها اللغة العربية كما خصها بأن تكون لغة أهل الجنة، وأن يكون نبي العالم كله من العرب.
كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (أحب العرب عن ثلاث: لاني عربي، والقرءان عربي، ولسان أهل الجنة في الجنة عربي) ولا أستطيع التعليق عن هذا الحديث وأورده كما حفظته دون أن أتعرض اليه باسناد، لاني لا استحضر روايته الان، فمعذرة من القراء الكرام.
ان اهمال تحفيظ القرآن وتلقينه للنشء المسلم يعتبر حدثا خطيرا في الاسلام وطامة كبرى وجناية على الصبيان ونبذا للامر النبوي الكريم الذي يقول: "أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وقراءة القرآن".
ونحن نعلم مدى البون الشاسع من ناحية العقيدة والدين بين من ينشأون في أحضان مجتمع يعتني بالقرآن وأهله، ويتلوه  ويتبرك به، وبين من ينشأون وهم يجهلون القرآن، لانهم لم يتعلموه قط ولم ينشأوا في مجتمع أيضا تعلم القرآن الكريم، فكيف يمكن الملاءمة بين هؤلاء وأولئك في حظيرة واحدة وفي مجتمع واحد، اللهم ان يكون هناك تنازل من احد الطرفين عما تنشأ عنه لصالح الطرف الاخر.
ومن هنا يجب ان تفكر الامم الاسلامية في مشارق الارض ومغاربها في وضع سياسة تعليمية موحدة وتخطيط ثقافي موحد يراعي واقع الامة الاسلامية ويوافق بين ماضيها وحاضرها ويستجيب لمتطلبات العصر الحديث عصر الذرة والصاروخ دون أن يقع اهمال للجانب الديني او اخلال بما يتطلبه الاخذ بأسباب الحضارة الحديثة.
واننا لنأمل ان تكون دعوة الاحتفال بذكرى القرآن الكريم وقد عاش بين ظهران المسلمين أربعة عشر قرنا كاملة كما انزل، دون ان تستطيع اية يد ممها بلغت من القوة والصلابة والصراحة ان تنال منه او تحدث فيه أي تحريف او تزوير- نأمل – ان يكون الاحتفال بالقرآن الكريم نقطة انطلاق ايجابية في اخراج الامة الاسلامية من الحالة التي توجد عليها، وقد حدث بينها وبين تعاليم القرآن بون شائع الى حالة جديدة تتجدد فيها مفاهيم الاسلام وعقلية المسلمين على ضوء ما صارعهم من احداث وما لحقتهم من نكبات، وعلى ضوء واقعهم وما تتطلبه حياة هذا القرن وما بعده، لانهم خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتومن بالله وحده. 
وان تعميم المصحف الكريم بين المساجد والمدارس والمتاجر والمصانع وجميع البيوت، و المداومة على تلاوته وقراءته وتدبره لمن شأن ذلك، ان يخلق عهدا جديدا في فهم القرآن وتدبيره واعتباره كتابا مقدسا لا محيد للمسلمين عنه، بل ولا مخرج لهذا العالم من الحيرة التي يوجد فيها ومن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخطيرة التي يتخبط فيها الا باتباع القرآن الكريم  والاسترشاد بهديه واعتباره أساسا في كل شيء.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here