islamaumaroc

دلالة القرآن على صدق الرسول (صلعم) في نظر الفيلسوف ابن رشد

  دعوة الحق

105 العدد

ان هداية الله للبشر هي أعظم نعمه على نبي الانسان حتى يعرفوا ربوبيته ويحسنوا شكره وعبادته، ويترسموا مواقع رضاه فتتطهر نفوسهم بتقواه وبحسن سلوكهم ومعاملاتهم بهداه.
وان معجزة الوحي شغلت العقول قديما وحديثا فآمن بها كل من شرح الله صدره، وجحدها من اتبع شهواته وهواه، ولكنها شقت طريقها في الوجود الانساني ووجهت المجتمعات في مختلف أطوار التاريخ الى أكرم الفضائل، واتخاذ خير الوسائل لتحسين الاوضاع، وبناء الحضارات واكتساب المعلومات في جميع الاصقاع، وان جحد وجود الوحي الملحدون وكابر في هدايته المتنطعون، واذا كان شرف العلم بموضوعه وغايته، فموضوع العلم الديني معرفة رب العالمين بأوصاف ربوبيته، وعبادته بما شرعه على السنة رسله حق عبادته وغايته وتمرته هداية ربانية للنفوس، ورقي وسمو للارواح، وتربية لها بالتحلي بفضائل، هي العنوان الكامل لكل صلاح ونجاح.
وكثير من الاخوان يذكرون في مناسبة التعرض لانزال القرءان كيفية نزوله على الرسول، وأول ما نزل منه على قلبه الامين دون الاشارة الى محتوى رسالته الخالدة، مع أن الكيفية والشكل هو حرز للمصون، وغشاء فقط للجوهر المكنون، والسيف الصيقل في الحرب قيمته في قطعه وحده، لا في حليته وغمده.

فما هي حجة صدق الوحي ؟
ألف الفيلسوف الاسلامي ابن رشد رحمه الله كتاب مناهج الادلة، فأزال بها عن القلوب والعقول كل شبهة وعلة، ونحن نقتطف منه زهرات في الحديث عن رسالة خاتم النبيئين وصدق الوحي اليه من رب العالمين، قال رحمه الله: كون القرءان دلالة على صدق نبوته عليه السلام ينبني عندنا على أصلين قد نبه الكتاب عليهما: أحدهما أن الصنف الذين يسمون رسلا وأنبياء معلوم وجودهم بنفسه، وان هذا الصنف من الناس هم الذين يضعون الشرائع للناس بوحي من الله، لا بتعلم انساني، وذلك انه ليس ينكر وجودهم الا من أنكر وجود الامور المتواثرة كوجود سائر الانواع التي لم نشاهدها والاشخاص المشهورين بالحكمة وغيرها، وذلك انه قد اتفقت الفلاسفة وجميع الناس الا من لا يعبأ بقوله وهم الدهرية على ان هاهنا أشخاصا من الناس يوحي اليهم بأن ينهوا الى الناس أمورا من العلم والافعال الجميلة بها تتم سعادتهم، وينهونهم عن اعتقادات فاسدة وأفعال قبيحة، وهذا فعل الأنبياء.
والاصل الثاني ان كل من وجد عنه هذا الفعل الذي هو وضع الشرائع بوحي من الله تعالى فهو نبي، وهذا الاصل أيضا غير مشكوك فيه في الفطر الانسانية، فانه كما انه من المعلوم بنفسه ان فعل الطبيب، كذلك أيضا من المعلوم ان فعل الانبياء عليهم السلام هو وضع الشرائع بوحي من الله وان من وجد منهم هذا الفعل فهو نبي.
ثم أشار الفيلسوف ابن رشد الى تنبيه القرءان على قضية بعث الرسل المعلومة عن طريق التواثر من غير القرءان بقول الله تعالى: "انا أوحينا اليك كما أوحينا الى نوح والنبيئين من بعده" وقوله: "قل ما كنت بدعا من الرسل".
وفي نفس الموضوع استدل الفيلسوف ابن رشد على كون شرائع الانبياء بوحي من الله قائلا: ان ذلك يعلم بأمرين بما ينذرون به من وجود الاشياء التي لم توجد بعد فتخرج الى الوجود على الصفة التي انذروا بها، وبما يأمرون به من الافعال، وينبهون عليه من العلوم التي ليست تشبه المعارف والاعمال التي تدرك فتعلم، (يعني بذلك المعجزة)، ثم قال: وذلك ان الخارق للمعتاد اذا كان خارقا في المعرفة بوضع الشرائع دل على ان وضعها لم يكن يتعلم، وانما كان بوحي من الله، وهو المسمى نبوة، وقال أيضا رحمه الله: ان المعجزة في العلم والعمل هو الدلالة القطعية على صفة النبوة، واما المعجزة في غير ذلك من الافعال فشاهد لها ومقو".
هذا بعض ما سجله ابن رشد في شأن بعثتة الرسل والدلالة العقلية على صدقهم في دعواهم الوحي بما أبرزوه من علوم خارقة دون تعلم، وشرائع هادفة من غير ممارسة لدراسة القوانين والحياة في بيئة علمية تبعث الشك فيما جاء به الأنبياء من علوم وعقائد وأخلاق ضمنت الحياة السعيدة لمن آمن وعمل بها في أي زمان، وكل من تتبع قصص الانبياء مع أممهم، وادراك الحكمة التي تتفجر من عقولهم، والشرائع التي أوحى الله اليهم، يزيد يقينا بصدقهم وامانتهم وتبليغهم رسالات ربهم الى خلقه، وانتفاء شبهة الكذب والخيانة وعدم تبليغهم لشريعة الله ودينه الى العباد.
وقال الامام أبو القاسم الراغب الاصبهاني: لكل نبي آيتان أحداهما عقلية يعرفها أولو البصائر من الشهداء والصالحين ومن يجري مجراهم.
والثانية حسية يدركها اولوا الابصار من العامة.
فالاولى ما لهم من أصولهم الزكية وصورهم المرضية وعلومهم الباهرة ودلائلهم المتقدمة عليهم و المستصحبة لهم الى آخر كلامه.
وهكذا يتفق ابن رشد والراغب على معرفة الانبياء بالمعارف الباهرة، والاخبار عما لم يكن فيكون ومن المناسب ان نذكر بعض الأمثلة من الامور الموحى بها الى الرسول التي اكتشفت أو التي وقعت بعد ما اخبر بها الرسول على الصفة الذي ذكرها، أولها حفظ القرءان من التغيير والتبديل الذي طرأ على الكتب المقدسة قبل القرءان، فانه محفوظ بلغته اولا، ولا يوجد كتاب مقدس محفوظا بلغته الاصلية غير القرءان، كما انه محفوظا بلغته الاصلية غير القرءان، كما انه محفوظ بكلماته وجمله وطريقة ادائه منذ عهد انزاله بعد ما مر على هذا الانزال أربعة عشر قرنا كاملا، كما تذكر الاية الكريمة: "انا نزلنا الذكر وانا له لحافظون"، بخلاف من كان قبلنا، الذين نسوا حظا مما ذكروا به أو كانوا ممن قال الله فيهم: "فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم تم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا".
ومن ذلك أخبار القرءان بعد ما غلب الفرس الروم وكلا الدولتين تجاوران البلاد العربية التي بعث فيها رسول الاسلام، فقال القرءان: "غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين"، أي وهم سينتصرون على الفرس بعد أن غلبهم الفرس فيما دون عشرة أعوام وكذلك كان، وتحقق خبر القرءان.
ومن أخبار القرءان التي تحققت في أجلى مظهر ان سورة "انا فتحنا لك فتحا مبينا" نزلت بعد رجوع النبي من العمرة التي أرادها في السنة السادسة من الهجرة فمنعته قريش، وكان صلح الحديبية، وفي هذه السورة: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله آمنين، وبعد سنتين كان وحصل فتح مكة بالفعل فدخل الناس بعد هذا الفتح في دين الله أفواجا.
والنبي وان كانت رؤيته التي هي حق وقعت قبل عمرته الا ان هذه الرؤيا المتعلقة بدخول مكة لم تكن معينة الزمان حين حصلت للرسول فتحققت بعد ذلك بسنتين فقط، والمقصود هو تحققها في الواقع وان تراخى الزمان ومثلها في التحقق بعد تراخي الزمان رؤية نبي الله يوسف عليه السلام حيث تحققت بعد كبره ومكوثه بالسجن وتوليته أمر مصر فقد كانت الرؤيا في صباه كما حكت الاية القرءانية: "اذ قال يوسف لابيه يا أبت أني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين، قال يا بني لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيدا"، فبقيت هذه الرؤيا في طى الغيب والكتمان حتى تولى أمر مصر فكان ما قصه الله في القرءان حيث قال: "ورفع أبويه على العرش فخروا له سجدا، وقال يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقا.   
ومن أخبار القرءان التي تحققت الوعد الصادق من الاستخلاف في الارض وتمكين الدين الاسلامي فيها بعد الخوف والضعف وهو المذكور في قول الله تعالى "وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلهم من بعد خوفهم أمنا.
ومن ذلك ان بعض المسلمين كانوا يحرسون النبي بعد العداوة الشديدة التي أظهرها له أعداء الاسلام، فلما نزل قول الله تعالى:" والله يعصمك من الناس"  صرف النبي من كان يحرسه موقنا بحفظ الله له وعصمته له من الناس، فلم تحدث له أية آفة منهم حتى وافاه الاجل عليه الصلاة والسلام.
هذا زيادة على ما اشتمل عليه القرءان من العلوم الالاهية وأصول العقائد الدينية وأحكام العبادات وقوانين الفضائل والآداب وقواعد التشريع السياسي والمدني والاجتماعي بما في ذلك الاحوال الشخصية وغيرها مع موافقة مبادئه وقواعده لكل زمان ومكان، ويقول الفيلسوف ابن رشد ان معرفة وضع الشرائع لن تنال الا بعد المعرفة بالله وبالسعادة الانسانية والشقاء الانساني وبالامور الاراديات التي يتوصل بها الى السعادة، كما يذكر حاجة واضع الشرائع ان يعرف ما يكون به الجمهور سعيدا من هذه المعرفة وأي الطرق التي ينبغي ان تسلك بهم في هذه المعارف، وهذا كله بل أكثره ليس يدرك بتعلم ولا صناعة ولا حكمة، وقد يعرف ذلك على اليقين من زوال العلوم وبخاصة وضع الشرائع وتقرير القوانين والاعلام بأحوال المعاد، ولما وجدت هذه الامور كلها في الكتاب العزيز على أتم ما يمكن، علم أن ذلك بوحي من عند الله وأنه كلامه ألقاه على لسان نبيه، ولذلك قال تعالى منبها على هذا: "قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا".
وزيادة في تأكيد عدم تعلم الرسول أو تلقيه لاي معلومات جاء قول الله تعالى: "وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك اذا لارتاب المبطلون".
هذا ومشركو قريش أعرف الناس بسيرته وحاله قبل دعوى الرسالة فلم يكذبوه في هذا، وينبغي ان نختم هذا الحديث بحديث ورد في صحيح البخاري من اخباره عن المغيبات حيث قال عليه: يوشك الفرات ان يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه، قال ابن التين شارح الحديث انما نهى عن الاخذ منه لانه للمسلمين فلا يأخذ منه الا بحقه فناحية الفرات من العراق والكويت وايران هي المناطق الغنية بالبترول الذي يسميه أهل هذا العصر الذهب الاسود وكان كنزا مخفيا قبل ان ينكشف ويظهر كما كان الناس يومنون بقول النبي بوصفه خبرا نبويا دون معرفة كيف يتحقق، ويمكن والله أعلم أن تكون الاشارة به الى هذه الثروة البترولية التي صارت عماد حركة العالم المعاصر مع تسمية أهل العصر لها الذهب الاسود.
وبعد فان القرءان هو الذي أعلى شأن الامة العربية بعد انحطاطها، فجمع شملها بعد شتات وقوى عزائمها بعد ضعف، وبوأها أشرف مكانة في الوجود، مكانة المرشد المعلم المهذب للاخلاق، الباعث للروحانية المثلى، والقيم الاخلاقية، التي رفعت من شأن المسلمين، بل من شأن الانسانية بوجه عام، فسعى ان نراجع ديننا ونعتصم من جديد بشريعة القرءان التي صاحبتها السعادة والفلاح والرشاد، كما صاحبتا العزة التي كتبها الله للمومنين حيث قال تعالى: "ولله العزة ولرسوله وللمومنين".

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here