islamaumaroc

القرآن "المبين"

  دعوة الحق

105 العدد

كان اهتمام المسلمين الاولين بالقرآن الكريم، وحرصهم على الحيلولة دون تطرق اللحن أو التحريف الى لفظه، وعنايتهم بالتدليل على مجاراة استعمالاته اللغوية كلها لكلام العرب، كان كل ذلك من الاسباب الاساسية في تدوين اللغة، وجمع الاشعار، ووضع المعاجم والقواميس وما الى ذلك.
لقد أنزل القرآن بلسان عربي "مبين"، هذا شيء قرره القرآن نفسه، ويؤكده أن العرب الذين نزل بين ظهرانيهم، وبلغتهم، كانوا يسمعونه فيفهمونه بسهولة، ويتأثرون به غاية التأثر، ولا يشكل عليهم منه شيء، سواء في ألفاظه أو تراكيبه، أو استعمالاته النحوية والبلاغية.
كانوا يسمعونه، فينفذ الى وجدانهم، ويحرك سواكثهم، ويثير عقولهم، وينفعلون به انفعالا، لا يترك لهم مجالا للتفكير في هذه اللفظة أو تلك، أو هذا الاستعمال أو ذاك.
وما أن بعد العهد بعض الشيء بزمان الوحي، وعهد السليقة والفطرة السليمة، واتسعت الفتوحات، واتصل العرب بغيرهم من الامم، اقبلت هذه الامم على تعلم اللغة العربية التي لم تكن بالنسبة اليها لغة فطرة وسلقية، حتى بدأ الناس يقفون عند بعض الاستعمالات اللغوية أو النحوية أو البلاغية في القرآن، يحللون ويفسرون، ويختصمون في بعض الاحيان، ويحاول البعض أن يجد من ذلك منفذا للطعن في القرآن ولو من طرف خفي، ويحاول البعض الاخر أن يسد الباب دون ذلك الطعن، بالتماس الأشباه والنظائر من كلام العرب الاقدمين للتدليل على سلامة الاستعمالات القرآنية، من لغوية ونحوية وبلاغية.
وتوسع المتوسعون في ذلك حتى أصبح الناس أمام ظاهرة غربية وان لم تبد لهم هم غريبة في ذلك الحين، هذه الظاهرة هي أن النصوص الأدبية الجاهلية، الغير المقطوع بصحتها في مجموعها قطعا كاملا، أو التي لا ترقي- على الاقل- في الجزم بصحتها الى مستوى القرآن، أصبحت هذه النصوص الجاهلية هي الاصل، الذي تقاس عليه الاستعمالات اللغوية القرآنية، ويستدل به على صحة هذه الاستعمالات اللغوية القرآنية، ويستدل به على صحة هذه الاستعمالات وسلامتها.
ومر على ذلك زمن طويل، قبل أن يأتي الدكتور طه حسين في العصر الحديث، ليحطم هذه القاعدة أو هذه الظاهرة، وليقول، ان القرآن هو أقدم نص عربي مقطوع بصحته وصل الينا، واننا لا ينبغي أن نلتمس التدليل على سلامة استعمالاته اللغوية والنحوية والبلاغية، بالاستدلال من كلام العرب الاقدمين الذي لم يدون الا في عصور متأخرة، بل ان عكس ذلك هو الصحيح، أي أن نتخذ القرآن هو الاصل، وهو المقياس وهو المعيار، فتقبل من الاستعمالات اللغوية الادبية القديمة ما وافقه ونقف موقف الشك من كل خالفه من هذه الاستعمالات.  
وقد بنى الدكتور طه حسين نظرته هذه، على شكه في كثير من الشعر الذي يروى للجاهليين، ذلك الشك الذي بسطه بسطا في كتابه المتداول المعروف "في الادب الجاهلي" والذي يعتبر طبعة أخرى لكتابه "في الشعر الجاهلي" والذي أثار عند ظهوره ضجة عارمة، اضطر معها الدكتور طه حسين في النهاية أن يعد له بالزيادة والنقص، ثم يصدره باسم آخر، هو "في الادب الجاهلي".
سواء كان الشك في الادب الجاهلي يقوم على أسس سليمة أم لا، فان الذي لاشك فيه أنه لا يمكن أن يرقى من حيث الصحة الى درجة القرآن الكريم، الذي هو أول نص عربي وصل الينا، موثوق بصحته تمام الثقة، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
والقرآن بعد ذلك، ليس أول نص عربي موثوق بصحته وصل الينا فحسب، بل انه زيادة على ذلك، أقوم أجمل وأرقى نص في اللغة العربية على الاطلاق بل ان اعجازه في كل ذلك كان هو معجزة الاسلام الكبرى، معجزته الخالدة، التي تحدى بها الخلق جميعا ان يأتوا بسورة من مثله، وحكم الله تبارك وتعالى حكمه القاطع، بأنهم لن يستطيعوا ان يأتوا بسورة من مثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
ولن نعدو الحقيقة والواقع اذا قلنا، ان آية لغة من اللغات، لا تتوفر من بين جميع نصوصها الادبية الرائعة، على نص، يرقى في درجته الى درجة النص القرآني في اللغة العربية، أو يفعل في قارئيه ومستمعيه مفعول القرآن في قارئيه ومستمعيه من العارفين باللغة العربية، ولو لم ترق معرفتهم بها الى حد كبير.
ونحن نريد أن نخلص من كل ذلك الى تقرير قضية على جانب كبير من الأهمية، هي اننا نحن العرب المسلمين جميعا، لا نستفيد في تعليم أبنائنا لغتهم العربية الفصحى، استفادة كبيرة، من نص القرآن، كأقدم نص عربي موثوق به وصل الينا، وكأرقى وأجمل وأقوم نص في اللغة العربية على الاطلاق.
نعم، اننا لا نهمل اهمالا كليا، ولكننا نكاد نقصر النظر اليه، على انه فقط كتاب هداية وارشاد، وهو كذلك فعلا، ولكنه الى جانب ذلك نص أدبي رفيع، كان ينبغي أن نستفيد منه أعظم الاستفادة في تقويم السنة أبنائنا، والارتقاء بأذواقهم، وارهاف حسهم اللغوي، وطبع ملكاتهم بالاسلوب الارقى والامتن، والاصح والاجمل،  وكل ما الى ذلك من أفعال التفضيل.
ان تلقين القواعد شيء مهم وأساسي في تعليم اللغات، قواعد النحو والصرف والبلاغة وما اليها، ولكن الاجماع معقود على أن ذلك لا يكفي، وانه لابد معه، وقبله، وبعده، من وضع النصوص الادبية الرفيعة بين أيدي التلاميذ والطلاب، وتعويدهم على فهمها، وتذوقها، وتحليلها، واعتصارها، لتعطي كل ما يمكن لها أن تعطيه، لابد من النموذج اللغوي الرفيع، للتشبع به ومحاولة احتذائه، ذلك الاحتذاء الذي يكون شعوريا أحيانا، ويكون غير شعوري في كثير من الاحيان ؟
ونحن نفعل ذلك فعلا، فتضع بين أيدي التلاميذ والطلاب نماذج من الشعر والنثر تبتدئ بامرئ القيس، والنابغة، والاعشى، وطرفة بن العبد، وتنتهي الى البارودي، وشوقي، وحافظ، مارة بالمتنبي والمعري والبحتري وأبي تمام، وبالجاحظ، وابن المقفع، وعبد الحميد الكاتب، وبالحريري وبديع الزمان الهمداني، وغير هؤلاء وأولئك.
ولكنا قلما نضع بين أيديهم النص الارقى والامثل النص المعجز في اللغة العربية، المثل الاعلى، النموذج المصفى، الذي هو القرآن الكريم.
وخذ أي كتاب من كتب الادب، أو من كتب تاريخ الادب في المدارس الثانوية والابتدائية، بل خذ المحاضرات التي تلقى في الادب في الجامعات على اختلافها، فستجد نفسك أمام سيول وسيول من النصوص الادبية قد لا يكون القرآن من بينها، واذا كان، فانه قد لا يأخذ من الحيز، أو من الوقت، أو من الاهتمام، الا مقدار ما يمكن أن تأخذه مقامات الحريري، أو خمريات أبي نواس، أو أهاجي جرير والفرزدق والحطيئة.
وسواء هنا في المغرب أو في غير المغرب من البلاد العربية الاسلامية فان الشكوى قائمة قاعدة، من ضعف الملكة اللغوية عند التلاميذ والطلاب بل وعند كثير من المتخرجين في الجامعات، فمنهم من يعجز عن تحرير كلمة تحريرا سليما، وأكثر الذين يكتبون منهم بسهولة يكتبون بأسلوب مهلهل، متخاذل، واهي الاركان، بل قد ينقصه الحد الادنى من السلامة اللغوية في كثير من الاحيان.
وفي بعض البلاد العربية- وهذا شيء شاهدناه وسمعناه-يكاد يعتبر درس قواعد اللغة العربية درسا مقيتا غير مرغوب فيه، لا يحضره الطلبة الا لانهم مجبرون على حضوره، ولا يتجاوبون مع معلمه أو أستاذه الا بالقدر الذي يستلزمه النجاح في الامتحان
هذه ظاهرة واقعة، ولابد لعلاجها من البحث عن أسبابها.
وفي اعتقادي أن من أسبابها، بل من أهم أسبابها، أننا في العالم الاسلامي كله، لم نعد نأخذ التلاميذ منذ نعومة أظفارهم باستظهار أجزاء ولو يسيرة من القرآن الكريم.
ونستطيع أن ندرك أهمية هذا السبب بسهولة كبيرة، اذا عرفنا أن الفضل الاول في متانة وسلامة الاسلوب العربي عند كثير من أدباء وشعراء الجيل الذي يعيش الان طور الكهولة والشيخوخة، انما يعود الى ان أفراده فتحوا عيونهم عندما فتحوها على القرآن الكريم، يسمعونه، ويتلونه، ويحفظونه، ويتشبعون به، ويأتي بعد ذلك دور القواعد، بعد أن يكون اللسان قد انطبع، وبعد أن تكون نفس الشخص وكيانه قد تشبعا بالاسلوب القرآني، وتسرب اليهما، واستقر فيهما وامتزج بهما.
تأتي القاعدة لتؤكد المثال والنموذج لا لتخلقه وهي وحدها عاجزة على خلقه على كل حال.
وأي مثال وأي نموذج ؟ انه القرآن الكريم، وكفى
بل اننا نستطيع ان ننظر حتى في أساليب المشاهير من الكهول والشيوخ من الادباء المعاصرين، فنجد أن الذين أتيح لهم منهم أن يكون القرآن مادة أساسية في تعليمهم في صغرهم، يمتاز أسلوبهم نظرائهم الذين لم يتح لهم ذلك، لهذا السبب أو ذالك، مما لا نريد هنا أن نخوض في شرحه وتفصيله.
فقد نجد في بعض كتابات أو أشعار هؤلاء الذين لم يتح لهم أن يتعلموا القرآن في صغرهم، مضمونا يغري بالقراءة، ولكننا تفتقد في أسلوبهم تلك الطلاوة، وذلك الاشراق، وتلك السليقية، التي نجدها عند غيرهم من الذين أتيح لهم أن تنطبع ألسنتهم وملكاتهم في وقت مبكر بالاسلوب القرآني الرفيع.
ونعود الى موضوعنا، فنؤكد مرة أخرى، اننا نرى أن من أهم أسباب ضعف الملكة اللغوية عند الجيل الصاعد، اننا لم نعد تأخذ صغارنا منذ نعومة أظفارهم باستظهار أجزاء ولو بسيرة من القرآن الكريم، وهي نعمة نحرمهم منها دون سبب ظاهر، ووسيلة لتربية الملكة اللغوية نفوتها عليهم، ثم نعود بعد ذلك فتشكو مر الشكوى من ضعف ملكاتهم اللغوية عند ما يكبرون، وقد كان في امكاننا ان نتلافى ذلك، ولكننا لم نفعل، فما أحرانا ان نلوم أنفسنا قبل أن نلومهم، وما أحرانا أن نعمل على تدارك ما فات، فنعلم أولادنا القرآن، وهم بعد أطفال صغار، ونستمر في تعليمه لهم حفظا وفهما وتمرسا بأساليبه، حتى يبلغوا من ذلك ما يراد لهم أن يبلغوه، أو بعض ما يراد لهم أن يبلغوه.
نعم ان مقتضيات العصر، وان سعة وتنوع المعارف التي أصبح على التلميذ والطالب أن يلما بها ليتهيآ للحياة العملية، لم يعودا يسمحان باقتطاع سنوات من العمر للتوفر على حفظ القرآن، ذلك الحفظ الذي قد يتطلب العمر كله أو جزءا كبيرا منه، ولكننا ما نقل ذلك، لم نقل بوجوب حفظ القرآن كله على كل متعلم، فيكفي لكي يبقى القرآن محفوظا في الصدور أن يتوفر على ذلك بعض الطلبة، يتخصصون في القرآن وعلومه حفظا وتجويدا وفهما في معاهد مخصصة لذلك، ولكن ذلك لا يعني أن يبقى غيرهم محروما من الاخذ بحظه من القرآن، وهو حظ يجب أن يكون في مستوى أهمية القرآن، ككتاب هداية وارشاد وتربية وتهذيب، وكنص لغوي أدبي فريد من نوعه، لا يمكن أن يرقى الى درجته أي نص لغوي آخر كيفما كان، سواء في اللغة العربية أو في غيرها من اللغات.
وتأتي بعد ذلك نقطة أخرى، تتعلق بمعاني القرآن، تتعلق بشرحه وتفسيره، ومساعدة التلاميذ والطلاب على فهمه.
ونريد أن نسارع هنا فنقرر، ونحن نتحدث عن شرح القرآن وتفسيره، اننا نرى أن القرآن بأسلوبه السهل الممتنع، أسلوبه المعجز، ربما كان في غنى عن كل  تفسير، فقد نزل بلسان عربي "مبين" بلغة عربية واضحة سهلة قريبة المتناول، لا تعقيد فيها ولا غموض ولا ابهام.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعني عناية كبيرة بشرحه وتفسيره للناس، سواء من المؤمنين أو غيرهم، وانما كان يقرأه كما يوحي به اليه، فيفهمه كل من يسمعه، ويتأثر به، فأما الذين آمنوا فيزيدهم ايمانا، واما الذين كفروا واصروا على كفرهم وجحودهم وعنادهم لاسباب اخرى لا تتصل بالتأثر والاقتناع، فانهم يتولون وهم مدبرون، ويوصون اتباعهم واصحابهم الا يسمعوا لهذا القرآن، وان يلغوا فيه، لانهم اذا سمعوه لم يؤمن عليهم ان يتأثروا به على الفور، والتأثر يسبقه بطبيعة الحال، الفهم، والادراك، والتذوق، واستشعار الجمال والجلال.
هكذا كان شأن القرآن في العصر الاول، وانما احتاج الناس الى تفسيره بعد ذلك لما بعد العهد، وضعفت السليقة، ولم تعد الملكة اللغوية حتى عند العرب أنفسهم في قوتها الاولى، وذلك لأسباب تاريخية ليس هنا مجال شرحها.
ولكن المفسرين لم يقفوا عند حد التفسير الذي يساعد على الفهم، وانما بعدوا عن ذلك بعدا كبيرا، فاتخذوا من القرآن منطلقا لعرض جميع معارفهم وعلومهم في اللغة وفي الفقه، وفي الفلسفة والمنطق والجدل، وفي علوم الفلك والطب والطبيعة والكيمياء وغير ذلك، كما اتخذ منه بعض المفسرين ذريعة لنصرة هذا المذهب أو ذاك، وتأكيد هذه النحلة أو تلك من النحل العقائدية التي اختصم فيها المسلمون كثيرا، وتعددت فيها مدارسهم واتجاهاتهم وأساليبهم في الفهم والتفكير والنظر.
وأصبحنا نتيجة لكل ذلك أمام عدد هائل من كتب تفسير القرآن، ليست في واقعها تفسيرا له بالمعنى الصحيح، فهو في الواقع لا يحتاج الى تفسير، واذا احتاج الناس الى تفسيره لهم بسبب ضعف ملكانهم اللغوية، فانما ينبغي أن يكون ذلك في نظرنا بالقدر الذي لا يخرج عن القرآن نفسه، وبالقدر الذي لا يتعدى شرح بعض المفردات والتعابير، أو النص على أسباب النزول، أو ما الى ذلك مما لا يبعدنا اطلاقا عن النص القرآني نفسه، لانه هو المراد، وهو المقصود وهو الغاية.
أما دروس النحو والصرف والبلاغة، وأما المنطق والجدل اللفظي والعقائدي، وأما الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، وأما الخصومات المذهبية، فلكل ذلك وغيره مجالات اخرى كثيرة، وحشر ذلك كله في تفسير القرآن انما من شأنه أن يبعد بنا عنه، ككتاب هداية وارشاد، وكنص لغوي أدبي رفيع الى حد الاعجاز.
قد يقال: ان كتب التفسير هذه التي نشير اليها لم توضع لعموم الناس، وانما وضعت للطلاب النابهين وللعلماء والمتخصصين.
وهو كلام له وجاهته، وان كنا نرى مع ذلك أن في استطاعة هؤلاء الطلاب النابهين والعلماء المتخصصين أن يشبعوا نهمهم العلمي في مجالات أخرى، وأن يبقى القرآن بالنسبة اليهم، هو القرآن، كما ينبغي أن يكون بالنسبة لجميع الناس.
وعلى كل، فان كثيرا من كتب التفسير المطولة، سواء القديمة منها أو الحديثة، تعتبر ثروات ثقافية هائلة، تستحق العناية، وتستحق القراءة والدرس، فهي معارض واسعة للثقافة العربية الاسلامية، وللعلوم والمعارف الكونية، من نظرية وعملية، فقد دأب كثير من المفسرين، سواء في القديم أو الحديث، أن يتخذوا من القرآن- كما أسلفنا – منطلقا لعرض علومهم ومعارفهم الكثيرة المتعددة.
ويبقى بعد كل ذلك، ان القرآن واضح لا يحتاج الى تفسير، فيكفي أن نقرأه وأن نسمعه بإمعان وتدبر، بقلوبنا وعقولنا معا، بكل كياننا، بكل ذرة فينا، واذا احتجنا الى تفسيره- بسبب ضعف ملكتنا اللغوية – فيجب أن نلتمس ذلك من أقرب الطرق، بحيث لا نضل ولا نتيه، وبحيث لا نبعد أبدا عن القرآن نفسه، القرآن أولا وأخيرا وقبل كل شيء.
وأذكر بهذه المناسبة، أن أساتذتنا ونحن بعد فتيان صغار، عندما اهتموا بمساعدتنا على فهم القرآن وضعوا بين أيدينا تفسيرا بسيطا لا أزال حتى الآن أرجع اليه كلما دعتني الضرورة الى ذلك، ذلك هو التفسير المعروف بتفسير الجلالين، جلال الدين محمد ابن احمد المحلى المتوفى سنة 864 هـ وجلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة 911 هـ وقد بدأه الاول، وأتمه الثاني من بعده على نمطه وأسلوبه وشكله.
وقد دأب الناشرون على أن ينشروا بهامش هذا التفسير كتابا آخر مختصرا ومفيدا، لجلال الدين السيوطي، هو "لباب النقول في أسباب النزول".
ولاشك أن معرفة أسباب نزول الآيات، أي معرفة الظروف التاريخية والنفسية التي اكتنفت واستدعت نزول هذه الآيات، مما يساعد على فهمها وتذوقها واكتناهها.
وتفسير الجلالين، تفسير معروف ومتداول على نطاق واسع، وأهميته فيما نرى، ترجع الى أنه لا يضيف شيئا الى القرآن، ولا يعلق عليه، ولا يبتعد عنه ليتيه في وديان لا قرار لها، كما هو شأن كثير من كتب التفسير القديمة أو الحديثة، وانما يكتفي بتفسير الكلمة، أو توضيح الاشارة، أو النص على بعض "المكملات" أو "الزوائد" التي كثيرا ما يختصرها القرآن بأسلوبه المحكم المركز، المتين الاسر، وذلك كالظروف والاحوال والمجرورات وغيرها.
ومهما يكن، فانه لا يبعد بنا أبدا عن القرآن، وان كان مع ذلك يكاد يلتزم شرح جميع مفرداته وتعابيره، وهو شيء لا نراه ضروريا الى هذا الحد، فليس القرآن من الغموض أو من الصعوبة بحيث تحتاج كل كلمة فيه الى تفسير، وانما يكفي أن يكون المرء على بعض العلم باللغة العربية ليستطيع أن يفهمه ويتذوقه ويتأثر به الى حد بعيد.
وأخيرا، فاننا لا نقصد الى أكثر من أن نؤكد لنوفسنا اننا نقصر في حق أبنائنا عندما نفوت عليهم في تعليمهم فرصة التمرس بالقرآن الكريم منذ نعومة أظفارهم، التمرس به ككتاب هداية وتقويم وتربية وارشاد، وكنص أدبي رفيع، لا يمكن أن يطاوله في رفعته أي نص أدبي آخر.
وكيف وقد أعجز الاولين والآخرين.
وكيف وقد تحدى به الرسول صلى الله عليه وسلم فصحاء العرب وبلغاءهم من أصحاب اللغة العربية الاصليين، أولئك الذين كانت هذه اللغة بالنسبة لهم فطرة وسليقة.
فلنضع القرآن بين أيدي أبنائنا، ولنجعلهم على اتصال دائم به طيلة فترات تعليمهم، ويهديهم ويقومهم ويرشدهم، ويطبع ألسنتهم وملكاتهم بالاسلوب المتين، الاسلوب المعجز، الاسلوب السهل الممتنع.
واعتقد اننا اذا فعلنا، فلن نشكو بعد من ضعف، ملكاتهم اللغوية.
زيادة على أننا بذلك نقوم نحوهم بواجبنا الديني والمدني، وأجب التماس هدايتهم وارشادهم وتربيتهم وجدانيا وخلقيا.
وكل ذلك يتكفل به القرآن، ولن يستطيع غيره أبدا أن يسده مسده في هذا الباب.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here