islamaumaroc

دعوة القرآن في الماضي والمستقبل

  دعوة الحق

105 العدد

أربعة عشر قرنا خلت على نزول القرآن الكريم الذي كان بداية انطلاق الاسلام، كان الدليل القاطع على صدق نبوة الرسول عليه السلام، ولم يكن في الوسع أن تكون للنبي حدة على صدق رسالته الا في هذا الكتاب المعجز المبين.
ومن العسير أن نأخذ أنفسنا في البحث عن أسرار اعجاز القرآن، هذا الاعجاز الذي أصبح فنا قائما بذاته شغل المفكرين المسلمين وما يزال، يرى بعضهم أن الاعجاز في الكلمة القرآنية وما فيها من طاقة توحي للنفس بالقوة والتفكير، ويرى بعضهم أن الاعجاز في التعبير القرآني وما في بيانه من سحر، ويرى آخرون ان القرآن معجز بما فيه من قوانين تشريعية خالدة وما فيه من أقاصيص عن سيرة الاولين وحياتهم، ويرى فريق منهم أن الاعجاز في سرد مغيبات الاحداث، ويذكر فريق آخر أن الاعجاز في الصرفة عن المعارضة.
ولكن الحقيقة التي لا شك فيها ان الذين سمعوا القرآن انقلبت حياتهم رأسا على عقب، فبعد ما كانوا أميين يعيشون في صراع وشقاق أصبحوا أمة حية قوية العقلية، قوية الايمان، تؤدي رسالتها الانسانية وتشعر بعبء مسؤولية تحرير الانسانية جمعاء من الجهل والضلال والتأخر، واذا بها أمة تترك الجزيرة العربية متجهة الى فارس والصين والهند وما وراء النهر من ناحية الشرق أو الى افريقيا شمالها ووسطها واقصاها من ناحية الغرب، ثم تتجاوزها الى جزيرة اسبانيا وتعبر شمالها الى ان تقف في بلاط الشهداء، وتكاد ان تسير متجهة الى الشرق لتتصل بفتوح المسلمين في آسيا الوسطى لولا أن تقف العقبات دون تحقيق هذه الأمنية، ولم تكن هذه الامة الجديدة تفتح الارض والبحار وانما كانت في نفس الوقت تغزو مجاهل الفكر أيضا، فالقرآن الذي جعل منها أمة هادية مهدية جعل منها أمة شاعرة مفكرة أيضا، فقد عطف المسلمون على دراسة القرآن ليبحثوا عن الكلمات اللغوية واشتقاقاتها ويتجاوزون الكلمة الى العبارة القرآنية وبلاغتها وبيانها وبديعها فاذا بالباحثين والمنقبين أمام فنون لسانية بليغة خصوصا بالكتب العديدة والتآليف الواسعة، واذا هذه الدراسة أصبحت مصدرا للعلوم اللسانية والأدبية والنقد ثم أخذوا يبحثون في القرآن على أساس ما فيه من التشريع والاحكام وقوانين استنبطوا منها الفقه وأصول التشريع المدني والجنائي وقوانين العلاقات الفردية والاجتماعية والأممية ثم درسوا العقيدة الاسلامية في القرآن، وتجادلت مختلف الطوائف في فهمها، واضطروا أن يترجموا الحكمة اليونانية والفارسية والهندية كما اشتغل فريق منهم بتحليل الجوانب العلمية والرياضية، فعرفوا من القرآن كروية الارض واختلاف الليل والنهار عليها وسير النجوم في مداراتها، وبذلك كان القرآن الكريم مصدر دراسة مختلفة الاتجاهات والاختصاصات كما اشتغل كثير من المفكرين بشرح القرآن وتفسيره مل حسب تخصصه فكانت حياة النهضة الاسلامية ترتكز على القرآن الذي كان دستور المسلمين والاسلام والذي كان مصدر الدراسات الفقهية والفلسفية والصوفية والعلمية أيضا.
وقضى الله أن يظل القرآن محفوظا بعنايته ولكن مسخت عقول كثير من المسلمين وقست قلوبهم فاذا هم يقرأونه وفي آذانهم وقر لا يعطيهم شيئا ولا يمدهم بمعرفة ولو اقبلوا عليه متفهمين واعين كما اقبل عليه آباؤهم لكان مصدر خير كبير ولغير الله ما بهم عندما يقرأون القرآن مخلصين واعين.
والمسلمون يتلون القرآن صباحا مساء ويرددون كلماته في خلوتهم وفي مجالسهم ويستشهدون بالآيات في علومهم ومعارفهم ولكنهم لا يعون دعوته ولا يفهمون مراميه وأغراضه، وانما يتلونه بألسنتهم ولا تتجاوز التلاوة حناجرهم ولا تعى عقولهم شيئا مما يدعوهم اليه من تفكر وتذكر، ولا تستجيب عواطفهم لما يأمر به من محبة واخوة قد خرج علميا من تشريعاتهم وقوانينهم وأصبحت جامدة أو معطلة وابتعدوا عن دعوته فاذا قلوبهم قاسية أو أشد قسوة من الحجارة ونبذوا ظهريا كل تعاليمه، واستوردوا نظريات أجنبية عنهم وآراء بعيدة عن بيئتهم وعقليتهم ووجدانهم حتى أصبحوا غرباء في ديارهم وبذلك تغيرت حالتهم من العزة الى الذلة ومن الغنى الى الفقر ومن العلم الى الجهل ومن الوضوح الى الغموض، وتداعت عليهم أمم وهم كثرة ليسوا بقلة، ولكنهم كغثاء السيل، ومن الغريب في شأن هذه الامة أن التعاليم التي فرطوا فيها تولاها أعداؤهم فاذا الكنيسة التي تختلف في الأقاليم الثلاثة وطبيعة روح المرأة وتستبد بالكتاب المقدس أصبحت تترجم هذا الكتاب وتضعه في أيدي المؤمنين بها ليكون مقرءا من جميع المؤمنين به، واذا بفريق منها يدعو الى بساطة الفن وتحطيم الايقونات Iconoclaste ، واذا فريق منها كذلك يؤول النصوص الدينية لينفي التشبيه، واذا كثير من الفلاسفة والحكماء يرددون تعاليم الاسلام فينكر نيوتن فولتير وسلطة الرهبان ويدعون الى الدين الطبيعي المستمد من العقل لا من تعاليم الكنيسة، بل ينادي (جوته) في ألمانيا بأن الاسلام اذا كان كما وصفته الكتب فهم المسلمون لانهم دعاة حرية الفكر والفضائل الانسانية، وينتهي قبله القرن السابع عشر وهو يردد شعار كلمة عمر بالثورة الفرنسية كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.
أما المسلمون فلم ينتقضوا للتدبر في القرآن حتى روعتهم مدافع الغرب فاستيقظوا ولم يجدوا عندهم من بقايا حضارتهم الا القرآن المحفوظ بعناية الله، أما عالم الاسلام فدكته الايام دكا، فالأندلس أصبحت مسيحية وتخلت تركيا عن الخلافة الاسلامية فازدادوا تفرقا وحيرة ولكنهم اعتصموا بالقرآن فكان بداية الحركة السلفية التي نادت بالرجوع اليه فأمدها بقوته التي لا تقهر وطاقته التي لا تنفذ، واستطاع المسلمون عندما رجعوا الى القرآن يتلونه وكأنه ينزل عليهم لاول مرة كما يقول اقبال، ان يستمدوا منه قوة لمواجهة العدوان المسلح وتسرب المبشرين والضغط السياسي والغزو الفكري المتتابع في معاهد التعليم الاجنبي وما يكتبه أعداء المسلمين من المستعمرين والمأجورين وما تذيع الصحف والمجلات وتنشر القصص والمقالات من دعوات لينبذ الاسلام وتفويت معاليمه وتعطيل أحكامه والرجوع عنه الى المسيحية أو الإلحادية الماركسية، وهذه الدعوات على اختلاف مشاربها واتجاهاتها كانت في معظمها تخضع لتأثير الصهيونية العالمية، والاستعمار الغربي اللذين تحالفا معا على حرب القرآن لانه قوة جارفة ترد الطغيان والجور فعمدوا الى ترجمته محرفين كما طبعوه طبعات ممسوخة ليغيروه فما وصلوا الى شيء مما أرادوا واعتمدوا على المال لتحويل المسلمين عن الاسلام فاشتروا من العملاء أنفسهم بأن لهم الدنيا ولكنهم مع ذلك لم يستطيعوا ان يشتروا المؤمنين جميعا لان الاسلام محفوظ في القرآن وهو بيد المؤمنين جميعا راسخ في صدروهم مردد في أفواههم فلم يستطيعوا ان يغيروا ما عصمه الله من التغيير ولا أن يطفئوا نور الله بأفواههم وأخيرا لجأوا الى القوة العارمة يسفكون الدماء ويسعون في الارض فسادا، وما يزال المسلمون في حربهم الضروس يحملون القرآن بين أيديهم شعارا في هذه المعركة بين الحق والباطل والايمان والفكر والاستقامة والانجراف.
ومهما كانت المبادئ تخون أصحابها عند ما تتغير البيئات والازمان وفعالية الدعوة فان القرآن لم يخن المسلمين قط واعتقد انه لن يخونهم أبدا، فمنذ نزول أول أية منه وهو يهيب بالناس أن يقرؤوا الى نزول آخر آية منه مفعمة بالرضى وهو مصدر رحمة بالمومنين وسلام بالناس كافة لم يكن سببا في أزمة أو في حرب رغم أن كثيرا من المؤمنين اقحموه في هذا الجدال السياسي أو في الجدال الحربي، فقد رفعه أصحاب معاوية على الحراب حينما كادوا أن يغلبوا في حربهم مع الامام علي فأوقف حروبهم الى أن تحاكموا الى ما فيه من حق ويقين، وقبل هذا التاريخ بقليل لم يستنكف النوار على الخليفة عثمان أن يريقوا قطرات من دم رأسه ممزوجة بقطرات من دم زوجته على صفحاته شهدت على أن الله تعالى سيكفيه شر الظلم وينتقم لدمه المسفوك في حروب داهية، وتجرأ عليه الوليد الاموي فيما يروي بعض المؤرخين فمزق صفحاته ولكن الله مزق ملكه حفظا للقرآن وتبكيتا لاعدائه، وأثار خلفاء بني العباس مشكلة خلق القرآن ونحوا في هذا الصراع السياسي كثيرا من المفكرين وأصحاب المذاهب الكلامية من معتزلة وسنية وغير ذلك من الفرق وعذبوا كثيرا من المفكرين بهذا الموضوع الخطير الذي لم يثره القرآن وانما اثاره السياسيون والدوجماتيكبون، ثم اختلف المفسرون وعلماء الكلام في عبارات القرآن التي تفيد التشبيه فمنهم من أولها عن ظاهرها ومنهم من أخذها على حقيقته فاختلفوا بينهم اختلافا شديدا أثار حروبا قلمية ودموية، ونعرف في  المغرب ذلك الصراع الحاد بين المرابطين الذين يؤولون والموحدين الذين أولوا فسموا بالمجسمين، واختلف الفقهاء كذلك في فهم نصوص القرآن وكان أصحاب أبي داود في العراق وأصحاب ابن حزم في الاندلس يفهمون القرآن على ظاهره في كل ما تعطي الكلمة اللغوية من أبعاد وتطرف فريق من غلاة الشيعة والمتصوفة في الاخذ بباطن القرآن لا يفهمون منه كلماته على حقيقتها وانما يؤولونها تأويلا يناسب معتقداتهم ومعطيات وجدانهم، وهكذا انحرف هؤلاء عن الطريق المستقيم الذي سنه القرآن رغم أنه كتاب رحمة ومحبة وهدى واتفاق وجمع كلمة وتوحيد المسلمين كافة، على ان القرآن الكريم محروس بعناية الله لم يتأثر بشيء من ذلك بل ظل محفوظا في نصه وتلاوته مهما يختلف المفسرون، فكل هذه التفاسير جانبية عنه تتلاشى مع الايام ويبقى القرآن الكريم رحمة للناس كافة.
كما ترجم كثير من المستشرقين القرآن الى لغتهم بل ما من لغة في لغات العالم الا وتتوفر على ترجمة للقرآن الكريم، وليس من شك أن ترجمة القرآن تنبع من روح الذين ترجموه فمنهم من استخف بآياته وأحكامه وتشريعاته فجاءت الترجمة مهلهلة ضعيفة تنقصها الروح ونزاهة الفكر، ومنهم من حاول أن يقدم القرآن في حرارة لغته وسمو دعوته ولكن هؤلاء جميعا لم يبلغرا الى ما أرادوا لسبب بسيط هو أن للقرآن بلاغته العربية الخاصة به وأسلوبه المعجز وهو في لغته لا يحتمل تقديما وتأخيرا ولا استبدال كلمة بأخرى وكما جاء في القرآن وهو يتحدى بلغاء العرب (قل لو اجتمعت الانس والجن على أن ياتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا).
ولكن عمل هؤلاء المستشرقين كان ابلاغ دعوة القرآن الى المتكلمين بغير لغته، ومهما اختلفت قيمة عملهم فهم دعاة اسلام شعروا بذلك أو لم يشعروا، وأحبوا ذلك العمل أم كرهوه، فالقرآن بقي دستور الاسلام وكتاب العربية وهو يقرؤون الاسلام في ترجمة القرآن ويعرفون التفكير الاسلامي في ترجمة القرآن كذلك، وكما يستمعون الى حلاوة جرسه ويتأثرون بسمو نظرياته وكأنهم يصغون الى قطع غنائية رائعة فيعرفون الكثير عن هذا الكتاب الذي قاد المسلمين طيلة أربعة عشر قرنا وسيظل يقودهم الى ان يرث الله  الارض ومن عليها.
وكما ترجم المستشرقون القرآن الى هذه اللغات ترجمة لا تخلو من عناية فان كثيرا من الشعوب والامم التي انضوت تحت لواء الاسلام وكان منها من لا يحسن اللغة العربية اضطر سوقة العلماء أن يترجموا سورا وآيات من القرآن الى لغاتهم وعلى هذا النحو نقل بعض فقهاء سوس وبالأخص في عصر الموحدين جزءا من القرآن، فكتب المهدي بن تومرت آيات من القرآن باللغة البربرية وفعل هذا كثير من حفاظ القرآن في فارس وفي تركيا أيضا ولكن هذا لا يمكن أن يسمى ترجمة بالمفهوم العلمي وانما كان نقلا لفقرات من القرآن، والمقصود منها شرح العبارات القرآنية وتقريبها للافهام، أما هذه الشعوب وهذه الامم سواء منها في الهند أو في الصين أو اندونيسيا أو في الباكستان أو في بلاد الترك أو في بلاد فارس أو في بلاد البربر فهم يحفظون القرآن ويتقنون حفظه ويحاولون ان يجعلوا لغته هي لغتهم ولذلك كان صحيحا ما يقوله بعض  المفكرين من أن القرآن الكريم لم يحفظ اللغة العربية فقط ولم يطورها فحسب بل جعل منها لغة الاسلام فتغلبت لغته على الحناجر والحدود الطبيعية والجغرافية وعجمة الالسن وجعلت المسلمين سواء في روسيا أو في افريقيا السوداء يتكلمون اللغة العربية ويكتبون بها وبذلك وسعت اللغة العربية مختلف اللهجات واللغات والتعابير الفنية والفلسفية والعلمية ودونت بها العلوم بمختلف شعبها وكانت العربية الى وقت متأخر لغة العلم والفلسفة والدين والادب ولغة الشعوب الاسلامية جميعها، ويحدثنا تاريخ المغرب عن ابن بطوطة الرحالة المغربي الذي خرج من طنجة فتكلم بلغته العربية في آسيا الوسطى وفي الهند وفي الصين وفي بخارى وفي افريقيا السوداء ولم يكن في حاجة في معظم هذه البلاد الى مترجم وانما كان يجد صعوبة في التعبير في بعض الاماكن ولدى طبقات خاصة من الناس ولسنا في حاجة الى الدليل على أن هذه الوحدة اللغوية انما يرجع الى القرآن لا غير.
واذا كانت خطوات المستقبل تتقفى خطوات الماضي، فمن المحقق ان المسلمين اليوم في حاجة الى ان يعتصموا بالقرآن، ومن حقنا أن نتساءل عن طريقة الاعتصام وعن الاسلوب الذي سنتبعه في ذلك، فلست أريد ان نقرأ القرآن كما كان اليهود يقرأون الثوراة، ولست أريد أيضا أن نفهم القرآن منحرفا بعيدا عن واقعنا، ولهذا فمن الواجب أن ندون معجما قرآنيا حتى نتفق على دلالة كلماته وان نفهم نصوصه فهما واعيا يتفق وتطور العلم والمجتمع الإنساني ويتناسب والوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي نعيشه لهذا يجب ان تنشأ لجنة لتفسير القرآن تضم المختصين في العلم والدين والادب والاجتماع والاقتصاد والقانون، فهؤلاء يستطيعون بعلمهم أن يفسروا القرآن تفسيرا متكاملا، وأن يدخلوه الى الجماعة الاسلامية بحيث لا يظل خارجا عنها وهم الذين يهبؤون لرجال الترجمة التبشير بالاسلام النص المعتمد في دلالاته اللغوية وتفسيره، وعملهم هذا سيساعد رجال التربية والتعليم على تبسيط المناهج القرآنية في البرامج التربوية.
وسنكون بهذا العمل نعيش القرآن وتعاليمه ولا نشعر بمركب ازدواج المفارقة بين تعاليم تستمع اليها ونتأثر بها ولكننا لا نحياها ولا نعيشها، لن يكون عمل هذه اللجنة هينا، ولم يكون برنامجها ارتجاليا أو عشوائيا ولن تكون خاصة ببلد من البلدان أو بقطر من الأقطار، فيجب أن تكون من كل البلاد الاسلامية وان تكون في كل البلاد الاسلامية كذلك وتضم ممثلين عن مختلف الأقطار الاسلامية، وليس معنى ذلك أنني أقلد رجال السياسة عندما يدعون الى هيئة أممية وانما أدعو الى ذلك لسبب بسيط جدا ذلك أن القرآن ملك للجميع والدين الاسلامي دين عام، ومن حق هذه الشعوب المسلمة أن تعرف دينها وتفهم القرآن، وهذه الشعوب مختلفة اللغات، مختلفة العوائد، مختلفة الانظمة ومن المحقق أن الاسلام كدين عالمي لا يضيق بهذه الانظمة ولا بهذه الاعراف ولذلك فمن الواجب أن يظل منسجما مع طبيعة هذه الشعوب كما كان من قبل، وأخشى اذا استبدت بهذه الجمعية أمة من الامم أن تفسد في معظم الشعوب الاسلامية طبيعتها التلقائية في فهم الاسلام، وربما نفسد حقيقة الاسلام من حيث اننا نصلحه بل نضعف من شأنه بينما نظن اننا نسعى الى تقويته، وسوف لا يصطدم عمل هذه اللجنة بمختلف النشاطات المحلية المركزة في الهيئات الثقافية والجمعيات الدينية، كما انه لا يصطدم بالعمل الجاد الذي تؤديه الجامعات الاسلامية هذه الجامعات التي يجب أن تضطلع بمسؤولياتها الدينية والتي يجب إحياؤها سواء في القرويين أو في الازهر أو في الزيتونة أو النجف ...أو في تمبكتو... والتي يجب أن يكون لها برنامج جديد ومنهاج جديد سواء في دراسة الاسلام أو دراسة المجتمعات الحديثة على هذه التطورات الفكرية المعاصرة.
فمن واجب هذه المؤسسات أن تقوم بمهمة الدراسات الاسلامية والعربية وتكون اختصاصيين في هذه الموضوعات سواء كمفكرين أو كمخططين تربويين في تطوير العالم الاسلامي روحيا وفكريا وأدبيا وأخلاقيا، ومع الاسف فمعظم الجامعات الاسلامية فقدت شخصيتها أو آخذة في فقد شخصيتها لتدخل في اطار التعليم الجديد، وهي اذ تفعل ذلك تسير متأثرة بالتفكير الغربي الذي يفصل بين الدين والدنيا، ويعطي تحديدا للعلم خارجا عن نطاق الدين ومع الاسف الشديد فهذا العمل يعبر تعبيرا صريحا عن عدم فهم الاسلام كدين اجتماعي لا كدين ضمير ووجدان، واذا كان العالم الاسلامي تحت ظروف قاهرة تخلى عن الخلافة الاسلامية فلم يبق لديه الا هذه الجامعات التي ستظل حارسة الاسلام، والتي يجب أن تقيم وحدة جامعية في شكل اتحاد جامعي، يضم الازهر وجامعة السنوسي في ليبيا والزيتونة بتونس والقرويين بالمغرب والنجف بالعراق والمقاصد في لبنان ومعهد الحديث للمدينة المنورة، وعليكرة في الهند ومعاهد الشريعة الاسلامية في اندونيسية والصين وبخارى حتى تكون هذه الوحدة أساسا لمركزية التفكير الاسلامي، واعتقد أن هذا العمل اداري لا يضايق عمل لجنة احياء القرآن بقدر ما يساندها وتستفيد منه، ولست أتصور أن عملها سيكون سهلا اذ عليها أن تصدر مجلة وتؤسس عدة أندية وتتولى توجيه محاضرات ومناقشة كل ما جد من النظريات والاراء الفلسفية والاقتصادية والاجتماعية بل تتولى ترجمة الابحاث الايدولوجية في مختلف المستويات والتوجيه الاذاعي والصحفي والتلفزة في البلاد الاسلامية، وتتجاوز ذلك الى مراقبة كل ما يصدر عن الاسلام من آراء مغرضة أو منحرفة وعليها أن تستعمل لغة العصر من قصة مسرحية وأفلام تثبت فيها الروح الاسلامية على أساسها السلفي النبيل.
نقش على الاحجار وعلى الجص وعلى الخشب الايات الكريمة التي تعبر بمفهوم كلماتها مالا تعبر عنه الصور والتماثيل الرخامية...وفي الواقع أن الفن الاسلامي محا التجسم ليقود الى البساطة في التعبير من الداخل النفسي، ولكن ليس تعبير البساطة الفنية وانما هي آيات قرآنية مشحونة بمعاني خالدة وسواء في القصور أو في جدران المساجد أو في سقوف البيوت أو اسكافات الابواب.
وانه لمنظر جميل أن نرى الفسيفساء البديعة التركيب تضم آيات قرآنية مكتوبة بخط جميل مغربي أو أندلسي وترى الفنانين نحتوا على رخامات اللحود آيات قرآنية تعبر عن مصير الانسان الى خالقه، وحقيقة الموت التي لا يمكن أن يفر منها أي مخلوق، والبقاء لله وحده دون غيره...كل الايات التي تبعث في النفس عظمة الخالق وتشعر الانسان بحقيقته كمخلوق ومصيره النهائي الذي ينتظره، وهذه الايات القرآنية التي تمكن في القلوب يعبر عنها الفنان المغربي بعبقريته في النحت والتصوير والرقم والتخريم، وهكذا دخل القرآن للحياة المغربية وطبعها بطابع قوي سواء بلغته أو تعاليمه أو توجيهه، وسواء في التربية أو القانون أو التعليم أو الأخلاق أو الفن، فالمغرب مصحف يتحرك، وايمان بالاسلام تجسم في شعب قوي الايمان.
نموذجية لا ترهق التلميذ الصغير كما كانت ترهقه من قبل.
واذا كان المغرب الحديث فتح نوافذه على الحضارة الغربية واقتبل كثيرا من أنظمتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فانه ظل متشبعا بروحه الدينية، هذه الروح التي تعتمد على القرآن الذي يرى فيه استمرار الشخصية وضمانا لمستقبله، وهو في كل المدارس ذات النظام العصري والمواد الحديثة يهتم بتعليم القرآن ولم يكن يكتفي المغاربة بذلك بل يبعثوا بأطفالهم الى الكتاب مساء بعد دراستهم بالمدرسة نهارا.
ومعظم الذين درسوا بالمدرسة الحديثة كانوا ينضمون جزءا من أوقاتهم بالكتاب يحفظون ما تيسر من القرآن في أوقات الاجازة أو بعد نهاية حصة الدراسة المسائية، وان دل هذا على شيء فهو دليل على ايمان المغاربة بتعليم القرآن وحرصهم الشديد على حفظه منذ عهد طفولتهم، ولم يكونوا يقتنعون بالدراسة على ضعفاء المعلمين، فقد تعودوا أن يختاروا من بين فقهاء المغاربة الذين يتوفرون على شخصية روحية تعتبر أساسا لتكوين شخصيتهم ولذلك ظلوا متمسكين بالتراث الحضاري والثقافة الاسلامية، هذه الثقافة التي تناسب طبيعتهم التي تؤمن بالحرية الانسانية فاستطاعت أن تخلق وتنمي في الانسان ضميرا اجتماعيا حرا ألف بين الناس مهما اختلفت ألوانهم وعقائدهم دون أن يفسد ارادتهم الحرة، ولهذا فنظامهم التربوي يلائم بين الذاتية والتطور، لان المبدأ الاساسي الحر سيظل مخيما على علاقة الفرد بالمجتمع الحر الانساني المتدين، وكما يرى ( نوينبي) وهو علم من أعلام التاريخ المعاصرين، فان الذين هو عماد المجتمعات التي عليها تقوم الحضارات، بل تسيطر على تفكيره التاريخي ضرورة وجود الروح الدينية مهما كانت مسيحية أو اسلامية أو بوذية هندوسية.
والواقع ان التربية الروحية ضرورة لتكوين الشخصية شأنها شأن التربية الجسدية والعقلية، وتهذيب الروح حسب القوانين التربوية فن قائم بذاته، فيمكن تطوير الروح وتربيتها على حدة، وتربية الروح انما تكون عن طريق معرفة الله والايمان بالشخصية الانسانية، ولاشك أن كل تعليم يخلو من عنصر التربية الروحية تعليم لا يفيد الانسانية، وان كلمة التربية الروحية مشوسة فماذا يراد بهذه التربية ؟ انها تربية المحبة والخير والجمال والعزم والثقة في الروح الانسانية، هي تربية مشاعة، تنمو وتزدهر بطريقة تلاوة النصوص الدينية القرآنية وفهمها فهما صحيحا مع تدريب على ممارسة الواجبات الدينية التي هي الرياضة الروحية وكما أن العقل انما ينمو بالرياضيات والجسد ينمو بالرياضة الجسدية والتمارين العضوية، فكذلك التربية الروحية لابد لها من تدريبات وممارسة طقوس، وهذا يتوقف على المربي الصالح الذي يكون نموذجا صادقا، وصدق المعلم في تغلبه على نفسه وكبحه لشهواته.
والهدف القويم للتربية القرآنية هو تهذيب الاخلاق وتقويمها لان الاخلاق مستمدة من الوحي الالهي، فنحن نتفق جميعا على ضرورة الاخلاق لتقوية كل مجتمع من المجتمعات الانسانية، واذا كان بعض المربين يرون أن الاخلاق تعتمد على أساس للتقويم الفكري لان العمل الخلقي انما هو تعود عقلي، فهو رأي خاطئ اذ أن واقع الحياة يكذب هذا فالأخلاق لا ترتكز على أساس عقلي ما لم تكن مدعمة بالايمان والخوف من الله، والايمان بالله انما ينبثق عن الايمان بالتعاليم الدينية القرآنية، وهي تعاليم انسانية تركز فينا احترام الحرية الانسانية وشخصية الانسان وعقيدته وفكره وشعوره بالتعاون الانساني، ولا شك أن الاخلاق عندما تبنى على الافكار قد تتحرف وقد تضطرب لان الفكر نفسه قد يضطرب وقد يتحرف وقد يضل طريقه فينحرف عن الصدق والاستقامة والرحمة، وليس معنى هذا أننا لا نثق بالفكر الانساني ولكن الفكر الانساني قد يشد ويحلل المحرمات تبعا للأهواء، وبذلك فالايمان بالله هو الضمانة لاستقامة الاخلاق فلا خلاص الا بتعاليم القرآن التي لا تركز المبادئ المثلى فقط، وانما تجمع المؤمنين عليها أيضا، ولا يجوز لنا كمسامين أن نتفرق في عصر يدعو الناس بعضهم الى بعض الى الاتحاد لان في الوحدة قوة، لا سيما اذا كانت على أساس خلقي متين خبرناه عدة قرون فزدنا به ايمانا وثقة.
وكذلك فقد دخل القرآن الكريم حياة الشعب المغربي فنبض كل لسان بآيات منه وتحرك كل فؤاد بمعانيه وكان عنوان حياة المسلمين التي تغيرت من حياة ساذجة غير واعية الى حياة ترتكز على الوعي الدافع للعمل الصالح، وقد عبر الفنان المغربي عن هذا الوعي بازميله ونحته سواء في الجص أو في الخشب أو في الحجارة...فعلى كل خشبة يفرغ عبقرية في آيات قرآنية مكتوبة بخط بديع هو آية أخرى من الفن، بصفة خاصة فقد اهتم المغاربة بحفظ القرآن اهتماما بليغا وليس من الصعب علينا ان نحدد ذلك اليوم الذي تعلم المغاربة فيه القرآن، فالاسلام يحمل معه تلاوة الكتاب المقدس أينما حل، ففي الوقت الذي ورد فيه المسلمون فاتحين للمغرب في عهد عبد الله بن أبي سرح وانتصروا على الرومان في معركة سبيطة عرف المسلمون الافارقة والمغاربة سور القرآن التي تتلى في الصلاة، وكلنا يعرف أن الخليفة الاموي الذي بعث الى المغرب القراء ليفقهوا المغاربة في أمر دينهم، كما نعرف أن هرثمة بن أعين أسس رباطات في شمال افريقيا وكانت بهذه الرباطات مدارسة لدراسة القرآن وحفظه ووعي دعونه.
والواقع أن المغاربة تهافتوا على القرآن الكريم ووجدوا فيه ضالتهم ووحدتهم يقرؤونه ما وسعتهم القراءة ويتلونه ما وجدوا الى ذلك سبيلا، يؤدونه بطريقة (ورش) التي أخذها عن نافع المدني لانه من مدينة الرسول (ص) ثم تجاوزها الى مختلف الاداءات حبا منهم في حذق تلاوته بطرق عديدة، واشتغلوا بتجويده واشتهر في ذلك الكتاب العاصمية والشاطبية وكتبت مآت المؤلفات في فن القرآت والتجويد، وقلما نجد مؤلفا مغربيا لم يكتب في موضوع التجويد والقراءات ولقد صدق الدكتور الاهواني حين قال ان المغاربة سيطروا على هذا الفن واظهروا فيه مقدرتهم، واذا عرفنا أساليب التعليم القرآني كما يرويها الامام سحنون وابن العربي وابن خلدون عرفنا مدى العناية بالقرآن الكريم في المغرب فقد تعود المغاربة أن يدخلوا أطفالهم للكتاتيب القرآنية في سن مبكرة جدا قد تبدأ من الثالثة سواء أكانوا أطفالا أو كانوا طفلات، ويبدأون بتعليمهم سور القرآن القصيرة يحفظونها عن ظهر قلب، وهكذا يستمرون في تحفيظ القرآن حتى اذا كانوا أبناء العاشرة أو الحادية عشرة كان معظمهم يحفظ القرآن ثم يعلمونهم في نفس الوقت من آية خاصة بألفاظ معينة ينظمون ذلك في أبيات يسمونها (النصوص) وقد بالغوا في ذلك حتى انتقد ابن العربي طريقة تعليم القرآن في المغرب وانتقدها ابن خلدون من بعده كذلك، وليس من شأننا أن نناقش هؤلاء ونفاضل بين الطريقة الشرقية والطريقة المغربية، وانما أردت أن أثبت عناية المغاربة بالقرآن واهتمامهم بحفظه وتلاوته، والى عصور متأخرة والقرآن يدرس في الكتاتيب القرآنية وينهي الطفل حفظه بحفلة كبرى تقام بالكتاب وبمنزل الطفل، وقد كانوا في الكتاب يكتبون القرآن بمادة الصمغ السوداء على ألواح خشبية مطلية بالصلصال وكان من عادة المغاربة والأندلسيين ان يرسلوا في هذه اللوحة يوم ختم القرآن دوائر هندسية وتخطيطات منسجمة ويملؤون ذلك بآيات قرآنية في حروف مجوهرة أندلسية وكوفية شرقية ومبسوط مغربي، فتكون اللوحة آية في التناسق الهندسي وهم بذلك يعلمون الاطفال مبادئ الهندسة أيضا، ويحدثنا كثير من المستشرقين عن مشاهدتهم لحفلات ختم القرآن التي كانت تنال اعجابهم واذا كان المؤرخون المغاربة لا يهتمون بوصف هذه المناظر لانهم ألفوها باستثناء الوزان الفاسي الذي أعطى لنا صورة مصغرة عن ذلك الحفل البهيج في ذلك اليوم الخالد في حياة الطفل حيث يشترى للطفل فرس مطهم ويلبس العمامة والسلهام، وفي حفل بهيج يغادر الكتاب الى منزله تتبعه الصبية وهم يرددون الاناشيد، حتى اذا وصلوا الى منزل المحتفل به أخذوا في تلاوة القرآن والاشادة بحافظه، وتقدم للمعلم جوائز نقدية اعترافا بمجهوده لاداء رسالته، على أن مباهج هذا الحفل تنسينا حياة الكتاب القاسية، حيث كان الطفل يقضي به حياة أليمة كانت تبدأ الدراسة في الصباح بعد صلاة المغرب وتلاوة القرآن في المسجد الى بعد صلاة العشاء، باضافة التراويح أو ما يسمى بالتشفيع في شهر رمضان، لا يعرف الطفل فيها طيلة السنة عطلة طويلة المدى، سوى ثلاثة أيام في الاعياد الدينية ويوم الخميس، أما يوم الجمعة فتبدأ الدراسة في الكتاب بعد صلاة الظهر فتستمر طيلة المساء كله وكانت لحياة الكتاب مظاهر خاصة في أسلوبها التعليمي، فالفقيه يملك مجموعة من العصي ويستعين بالفلاقة لا لتقويم الاخلاق فحسب ولكن لمعاقبة من لم يستطيع حفظ ما كلف بحفظه، ولم يكن في الكتاب الا حصير متلاش يجلس عليه مختلف الصبيان، والا ممحاة من الماء لتمحى فيها الألواح وليشرب ماءها من استعصى عليه الحفظ، أما أدوات التعليم فلا تتجاوز مدواة بمادة الصمغ وقلما من القصب واحيانا خشبة مستطيلة صغيرة يتتبع بها الطفل حفظ الآية القرآنية، فلم يكن في الكتاب مصحف ولا دفتر ولا كتاب ولا مداد، وانما هي أدوات بسيطة جدا وتجهيز فقيرا جدا، وحياة قاسية أليمة لا راحة فيها ولا هدوء، وكانت قدرة المعلم تتجلى في قوته على ارهاق أطفاله الصغار بالحركة أثناء الحفظ والصخب أثناء التلاوة وصوت بكائهم وهم يتضورون تحت سباطه التي لا ترحم، وقد اختفت هذه الكتاتيب اليوم تحت تجديدات مدرسية وأصبحت كتاتيب  

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here