islamaumaroc

نظرات في إشعاع القرآن

  دعوة الحق

105 العدد

القرآن دعامة حضارة
امتازت الحضارة الاسلامية بكونها حضارة "كتاب" في جوهرها وأصلها، بمعنى أن القرآن الكريم كان منطلق هذه الحضارة، وسرعان ما أصبح مدارا لها ومرتكزا.
ومن العوامل التي ساعدت على انبثاق الحضارة الاسلامية وانطلاقها من كتاب الله، كون القرآن خاطب البشر جميعا" أن هو الا ذكر للعالمين، وأقام الامر بينهم على أساس المساواة والتكافؤ والتعارف والتسابق الى التقوى التي هي وحدها مقياس التفاضل بينهم: " يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، ان أكرمكم عند الله أتقاكم".
وقد كانت هذه الدعوة أول حرب معلنة ومنظمة ضد العنصرية والميز بين البشر، وعليها تدور فلسفة التاريخ الاسلامي ونظريته، وتنطوي تخت لواء هذه الدعوة، بطبيعة الحال، فكرة الوحدة والوجدانية، ومحاربة الشرك الذي كان شعار التفرقة والقبلية ورمزها.
استهدف القرآن تنظيم حياة المجتمع البشري الذي دعا اليه فوضع أسس التشريع والمعاملات، وأقام قواعد السلوك والاخلاق، واختط بالعبادات الطريق الذي يطهر النفوس ويوصل النفوس ويوصل الى الله، تكمله في كل ذلك السنة النبوية.
دعا القرآن الى خشية الله ومراقبته في السر والعلن، كما حض على العلم والعمل، والتعاون والصبر، والعدل والاحسان، والقوة والاستمساك بالحق دون خشية من مخلوق، ودعا الى التمتع بطيبات الحياة الدنيا في نطاق الفضيلة والتوسط والاعتدال.
ولقد خاطب القرآن المشاعر ببيانه وأمثاله ومواعظه، كما خاطب العقول بحجته ومنطقه واستدلالاته، واهتمامه بحياة الفرد والمجتمع، وبذلك أثار اهتمام الناس وتطلعهم، وأيقظ أذهانهم وأثار عقولهم.
نزل القرآن نجوما، وتدرج مع أغراض الدعوة وحاجاتها وما أحاط بسيرها من وقائع وأحداث، هذه الدعوة التي استمرت نحو ربع قرن.
وقد اكتمل نزول القرآن فبقي مجموعا بالحفظ والاستظهار في قلوب النبي وصحبه يتلون آياته ويتدارسونه  ويتفقهون فيه، وفي حياة الرسول بدأ تدوين الكتاب في الرقاع، واضطلع بهذه المهمة كتبة الوحي المعروفون، وجمع القرآن ورتبت آياته، يأمر من الصديق وفي خلافته، كما رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحينما تقلد عثمان خلافة المسلمين أمر بنسخ المصحف الذي استنسخه الخليفة الثالث وبعث به الى الامصار وقع اجماع المسلمين، وأحرق ما سواه من الصحف.
وبع ذلك عرف رسم القرآن- بالشكل والتنقيط وتجويد الخط- تحسينات بدأت في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان (النصف الثاني من القرن الاول للهجرة) وسارت شوطا بعيدا في أواخر القرن الثالث للهجرة، وما تلاه من عصور، وجاء عصر الطباعة فعرف المصحف طبعات أنيقة جيدة وفي متناول ملايين المسلمين.
شغل القرآن المسلمين، روحا وشكلا، فظهرت علوم متصلة به (أسباب النزول، القراءات، الناسخ والمنسوخ، رسم القرآن، المحكم والمتشابه، التفسير...) ودفع كتاب الله العلوم الاخرى الى الامام فنشأ الفقه، والعقائد، وعلم الكلام، والتصوف، والنحو، والبلاغة، ودرس النقاد الآثار الشعرية والنثرية على ضوء بيانه، واستمد منه الكتاب والشعراء واستلهم منه المؤرخون نظرية التاريخ وفلسفته، واتخذ منه العباد وأهل الزهد أنيسا ودليلا ومرشدا.
ودار حول القرآن جدل طويل تأثر بالنظريات والافكار التي انفتحت عليها الحضارة الاسلامية، و من ذلك القول بخلق القرآن الذي أثار في عهد المأمون العباسي فتنة ومحنة، ومن ذلك أيضا الجدل حول صفات الله والقول بالجبر أو الاختيار...
الا أنه، رغم تعدد النظريات، وتشعب الجدل وما أصاب الحضارة الاسلامية من مد أو جزر، فقد بقي القرآن هو هو مرجع المسلمين وأمامهم، منزها عن كل تحريف أو زيادة أو نقصان.
وجاء العصر الحديث بعلومه وصناعته وتعقيداته فظهر من بين المسلمين رجال مصلحون اضطلعوا بالدعوة لتجديد أمر الدين والاستمساك بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، مع الاخذ بأوفر نصيب من الحضارة العلمية الحديثة، وبذلك عاد القرآن منطلقا لنظريات التجديد والنهوض الاسلامي ودعوة المسلمين الى التحرر والتقدم والانبعاث، وظهر رجال فضلاء، على صعيد العالم الاسلامي، اضطلعوا بعبء الدعوة، أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وجمال الدين القاسمي، ومحمد اقبال وتلاميذهم  في جميع انحاء العالم الاسلامي.
كان القرآن دعامة الحضارة الاسلامية، في أزهى عصورها، يذكي جذواها وبحثها على الانطلاق والارتقاء، ويثير أمامها سبل البقاء وعاد القرآن، بعد ركود أصاب العالم الاسلامي منطلقا للدعوة الى حضارة جديدة في عالم متقدم ومعقد، مادي في جوهره وشكله وأدواته.
وانطلقت في أرجاء العالم الاسلامي تساؤلات كثيرة: هل يتضامن المسلمون ؟ هل يوجد القرآن من جديد كلمتهم ؟ هل يمكن التوفيق بين الدين، متجددا، وبين الحضارة المادية الجديدة ؟
وما يزال القرآن الكريم هو هو، كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يثير اهتمام المؤمنين ويدعوهم الى التأمل، ويبعث في نفوسهم الخشوع والخشية، يتدارسه العلماء بنظر جديد وفكر متطور وسط عالم حائر، غريب الاطوار، سريع التحول، شديد القلق.

القرآن وأهل المغرب
شهد المغرب، في أول عهده بالاسلام، حدثين جليلين كان لهما الاثر البعيد في تاريخه الديني والسياسي والاجتماعي:
الاول -  حركة استعراب المغاربة التي بدأت في القرن الاول للهجرة، (السابع الميلادي) وما رافقها من ايفاد الفقهاء، وخاصة في عهد عبد الملك ابن مروان وعمر بن عبد العزيز، لتعليم المغاربة كتاب الله وتثقيفهم في أمور الدين.
الثاني- تأسيس جامعة القرويين بفاس (245 هـ 859م) وهي الجامعة التي حافظت طوال العصور على استمرار الثقافة القرآنية بأصلها وفروعها، ومكنت لتثبيت المذهب المالكي في ديار المغرب.
ان هذين الحادثين العظيمين قد طبعا تاريخ المغرب بطابع الوحدة الدينية والسياسية، وأبقاه بعيدا عن تأثير النزعات المذهبية المتطرفة منها والمنحرفة التي حاولت أن تتسلل الى المغرب فلم يكتب لها الانتشار والبقاء بالرغم من بعض الفتن التي أحدثها ظهورها، ومنها فتنة الخوارج.
ومنذ الصدر الاول من الفتح الاسلامي الى الآن ظل القرآن الكريم والسنة النبوية مثار عناية المغاربة وموردهم الرئيسي.
واذا كان أهل المغرب قد استبد بهم، منذ العصر الاول الذي اعتنقوا فيه الاسلام، الاشتغال الزائد بالفروع فلعل ذلك كان راجعا الى حرصهم على فهم أحكام القرآن والحديث فهما صحيحا بالرأي والحجة وصدق التأويل لبعد بلادهم عن مهبط الوحي ومراكز النقل والرواية والاسناد، فما كان لهم أن يخوضوا في التفسير والشرح من غير نظر ولا تمحيص في آراء الصحابة والتابعين والمجتهدين وأئمة الدين.
ومع ذلك فقد قامت دعوة بعض أمراء المغرب- وخاصة في عهد المرابطين والموحدين- على أساس الرجوع الى الاصل (القرآن والحديث) ونبذ الفروع التي تشبعت وشغلت الفقهاء واشتط  بعضهم في العناية بها.
وقد عنى المغاربة، في جميع العصور، بالقرآن حفظا وتفسيرا وقراءة ورسما، وكانوا بعلم القراءات والرسم أكثر عناية، ولعل سبب ذلك راجع الى حرص علماء المغرب على حفظ كلام الله منزها عن اللحن والخطأ والتحريف وسوء القراءة التي يترتب عليها سوء الفهم واختلال المعنى.
وبلغت العناية بعلم القراءات ذروتها في عهد الدولة السعدية، ويقول استاذنا الجليل السيد عبد الله كنون: وحسبك دليلا أن وقف القرآن الذي وقع الاجماع عليه وجرى العمل به في المغرب منذ ذلك الوقت الى الان، انما وضع في هذا العصر- أي العصر السعدي- وكان واضعه هو أبو عبد الله الصمائي الهبطي المتوفى سنة 930.(*)
وقد خلف علماء المغرب كتبا في تفسير القرآن الكريم ولم تبلغ الشهرة التي بلغتها تفاسير علماء المشرق وبعض علماء الاندلس من أمثال الطبري والزمخشري والجلالين (المحلى، والسيوطي) وابن العربي المعافري، وربما يرجع ذلك الى قلة عناية المغاربة بنشر مآثرهم والتعريف بها، وخاصة منذ ظهور الطباعة في العصور الحديثة.
ومن العلماء المغاربة الذين اشتغلوا بالتفسير: أبو بكر بن الجوزي المعافري السبتي، ( في عصر المرابطين)، ومحمد عبد الجليل الاوسي القصري، ويوسف المزدغي الفاسي، وأبو الحسن الحراني المراكشي، ( في عهد الموحدين)، وابن العابد الفاسي وابن البناء العددي، وأبو القاسم السلوي، وابن البقال، (في العصر المريني) والحاج الشطيبي، والمنصور الذهبي، وعبد الرحمن العارف، وعلي بن عبد الواحد الانصاري السجلماسي، (في عهد الدولة السعدية)، والتاودي ابن سودة، وابن عجيبة، والطيب ابن كيران، (في عهد الدولة العلوية الحاكمة)
ألف معظم هؤلاء العلماء الافاضل تفاسير كاملة أو لاجزاء من كتاب الله المنزل، وقد ضاعت بعض هذه التفاسير وطوى بعضها الآخر عالم النسيان.
أما العلماء الذين اشتغلوا بعلم القراءات والرسم وبرزوا في هذا الميدان فنذكر من أعلامهم: أبا عمران الفاسي (القرن الخامس الهجري)، وأحمد بن الحطيئة التميمي (عصر المرابطين)، ومحمد ابن غازي المكناسي، وعلى ابن بري، ومحمد بن ابراهيم الخراز مؤلف "مورد الظمآن في علم الرسم" ومصنفات أخرى، وابن المرحل، وابن آجروم صاحب كتاب "البارع في قراءة نافع"، وكلهم عاشوا في عهد الدولة المرينية، ونذكر من العصر السعدي: عبد الواحد ابن عاشر الذي شرح "مورد الظمآن" للخراز، وأبا عبد الله الصماتي الهبطي مؤلف "تقييد وقف القرآن" الذي جرى عليه العمل في المغرب كما أسلفنا، وأبا العباس الغسائي، أما عصر الدولة العلوية، الذي غلبت فيه العناية بالحديث والشرح والحواشي على الاشتغال بالتفسير والقراءات والرسم وغيرها من العلوم القرآنية، فيمكننا أن نذكر من العلماء الذين عنوا بهذا الميدان، أبا زيد الفاسي مؤلف "اللمعة في قراءة السبعة"، والبدراوي صاحب "التوضيح والبيان"، والحسن الباعمراني مؤلف " أعراب القرآن".
وفي جميع العصو ولع المغاربة ولعا شديدا، في الحواضر والبوادي، بحفظ القرآن الكريم وتعليمه في الكتاتيب القرآنية التي عمت المدن والقرى، الا أن عناية عامة أهل المغرب كانت أقل بالتجويد والترتيل وتدبر آيات القرآن وفهم معانيه، وخاصة في عصور الانحطاط المتأخرة، التي عم فيها الجهل وفشت البدع والتقاليد الضالة، حتى أصبح كتاب الله المنزل "يسرد" في المقابر والمساجد "سردا" دون وعي أو تدبر، وما زالت هذه الطريقة سائدة الى الان، مع ما فيها من مخالفة لآداب التلاوة وواجب التدبر، قال الله تعالى:
"ورتل القرآن ترتيلا"، وقال: "كتاب أنزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الالباب" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي اذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله"، وهذه الخشية تأتي، ولا شك، من الاستغراق والتدبر حسن الترتيل وفهم معاني كلام الله.
ومن الأمور المستهجنة في القراءة نطق غير سليم واهمال لقواعد التجويد، وهذا أمر شائع حتى بين بعض فقهائنا وعلمائنا.
ولن يكون علاج هذا الامر الا بايجاد مقرئين متفرغين لهذا الامر يحفظون كتاب الله ويفهمون معانيه ويلمون بعلوم التجويد والقراءات والرسم، ولا يتصدون للقراءة الا بعد أن تجيزهم هيأة معتمدة يكون لها الحل والعقد في كل ما يتصل بالقرآن الكريم (طبع المصحف، وتعليم كتاب الله في المدارس، والتلاوة في المساجد وغيرها...) ولعل الامر يتطلب أحداث مدرسة عليا لعلوم القرآن، أو على أقل تقدير أحداث كرسي للعلوم القرآنية في كلية الآداب، فضلا عن تعميم دروس تجويد الكتاب، والتفسير المبسط في المدارس والمعاهد وأحداث هيأة معتمدة للمقرئين، ونشر التراث المغربي في التفسير والقراءات والرسم.
ولا يخفى على أحد أن سوء ترتيل القرآن وقلة العناية بتجويده وتفسيره تفسيرا مبسطا من الاسباب التي تقلل من اهتمام الشبيبة بالقرآن و لا تتيح لهم تذوقه وتدبر معانيه، وذلك في عصر كثرت فيه المغريات التي تجذب الشبان جذبا، وتعددت وسائل تهذيب الذوق وتربية المشاعر، فكان أولى بتا أن نجيب القرآن الى أبنائنا بحسن التلاوة وحلاوة الترتيل والتجويد وبساطة التفسير ورفع مستوى المقرئين، مما يؤدي الى حسن التدبر والخشية وتطهير النفس.
ان في القرآن عقائد تعرف المسلم بصفات الله، وفيه عبادات تقربه من الله، وفيه تشريع وأحكام، وفيه ثورة لغوية واعجاز وبيان، وفيه مواعظ وحكم، وعبر وأمثال، وفيه دعوة الى الآخرة ودعوة الى الآخذ بنصيب من الدنيا، فهو كلام الله الحي المتجدد الجامع، وما هو بالطقوس الغامضة الجامدة.
لذلك فان واجب المسلم أن يتدبره ويفهمه ويعمل بهديه "ان هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بيدكم..." كما جاء في الحديث، فلنمسك بالطرف الذي حصنا الله به وكرمنا بفضل المحافظة عليه.

القرآن مذاهب التاريخ.
كان في نيتي أن أعرض جملة من آراء بعض علماء الغرب، من مستشرقين وغيرهم، في القرآن الكريم وعلومه، وأن أعلق على هذه الآراء بما يتفق ووجهة النظر الاسلامية في الموضوع، غير أنني رأيت أن هذا العمل يتطلب من طول المعاناة واتساع الوقت، وكثرة الدرس والتمحيص ما لا يجمل معه الاختصار والنظرة الخاطفة.
لقد عني علماء الغرب، والمهتمون منهم بالعلوم الاسلامية على وجه أخص، بالقرآن فدرسوه وترجموه الى لغاتهم، ونظروا في علومه المختلفة، فكانت لهم في ذلك آراء الاسلامية الموثوقة والمتواثرة في أحيان أخرى.
وقد علق الدكتور صبحي الصالح في كتابه القيم "مباحث في علوم القرآن" على بعض آراء هؤلاء المستشرقين، وربما فعل غيره ذلك، الا أنني ما زلت أرى أن هذه المسألة تتطلب دراسة مستفيضة تحيط بجوانب الاراء الغريبة في الوحي والعلوم القرآنية، احاطة شاملة وتنقدها وتعلق عليها.
ونظرا لجسامة هذا العبء فاني آثرت أن أقتصر في هذا المقال على تلخيص محاولة لابراز نظرية الاسلام في التاريخ مستمدة من كتاب طريف بعنوان "مذاهب التاريخ الكبرى، من كونفوشيوس الى توينبي" من تأليف ألبان ويدجرى * وهأنذا أترجم باختصار ما قاله هذا المؤلف الانجليزي عن نظرة القرآن الى التاريخ:
" ترتكز النظرة الاسلامية الى التاريخ على الاعتقاد بوجود الله والاقرار بوحدانيته، ومقاومة الشرك به.
والله متصف بالرحمة، والقدرة، والحكمة، والقدم، والكرم، والعزة، والجلال، وهو قائم بذاته لا يحده زمان ولا مكان.
ومقاصد القرآن الجوهرية هي حمل البشر على ادراك صلتهم بالله الذي لا تخفى عليه من أمور التاريخ خافية، وهو يهدي البشر بواسطة الأنبياء والكتب السماوية، وينفي القرآن عن الله صفة التجسد على صورة البشر.
ان موسى وعيسى نبيان من أنبياء الله، ومحمد هو خاتم المرسلين وأعظمهم شأنا.
حدد القرآن للناس قواعد السلوك، فلهم أن يتقربوا الى الله بالعبادة دون واسطة، ويعتبر الوحي القرآني مدار التاريخ.
خلق الله العالم المادي والسنن الثابتة وجميع الخصائص الاخرى التي تجعل التاريخ أمرا ممكنا ذا مغزى، وعالم الطبيعة متغير "يزيد في الخلق ما يشاء"
وقد أبدع الله الليل والنهار وتعاقبهما فعين أرواحا وجعلها داخل أجسام لتحيا.
ويذكر القرآن أن الله يختص بني آدم بعنايته بذلك لحياة البشر حيزا موقوتا، وخلق الله بني آدم وفضله، اصطفى آدم وجعله في الارض خليفة.
ولطالما نوقشت مسألة ما اذا كان القرآن يعلم الناس حرية الارادة أم لا، أنه يتضمن الاقرار بهيمنة الله وبحرية الانسان، سواء بسواء، من غير أن يخوض في الكيفية التي يمكن أن يتوافق بها الامران في الذهن.
يؤكد القرآن ان الله يسيطر على الاشياء كلها، وهو الذي يلهم النفوس "فجورها وتقواها" ثم ان القرآن يصر على ممارسة الحرية، والله لا يظلم المذنبين بل انهم يظلمون أنفسهم.
يهتم الاسلام بالفرد كما يهتم بالجماعة، والله بحاسب الامم، وكثيرا ما يذكر القرآن ما أصاب أمما من رغد وما أصاب أخرى من هلاك، فالاولى سارت على الصراط المستقيم، والثانية ضلت عنه وزاغت، ذلك أن كل قوم ينالون جزاءهم، لان الله يحكم الناس بالعدل والقسطاس.
يأمر القرآن بقتال الذين يخالفون عن أمر الاسلام والمؤمنين مدعوون الى الجهاد في سبيل الله، بما يتفق وتعاليم القرآن، وعليهم أن يقاموا الشر، ومن الشر ما يصدر عن الناس ومنه ما يصدر عن الشيطان
والاسلام عالمي "لله المشرق والمغرب....أينما قولوا فتم وجه الله".
لا عبرة بالمظهر الخارجي للحضارات، انما العبرة بسلوك النفس الانسانية وتصرفاتها تجاه الخالق والقرآن يوصي بالصبر، لان تحقيق المثل الاسلامية عمل شاق، والله يغفر للتائبين ويعينهم على الخير.
الحياة الدنيا ليست غاية في ذاتها، وللاخرة خير وأبقى".
هذه خلاصة ما قاله ويدجيرى عن القرآن ونظرية الاسلام في التاريخ، وقد تحدث في نفس الفصل عن عبد الرحمن بن خلدون ومحمد اقبال ولخص نظريتهما في التاريخ والتطور.
والواقع أن هذا الموضوع الطريف يتطلب دراسة أوسع يتولاها عالم ضليع في الفكر الاسلامي ومذاهب التاريخ المختلفة يتتبع فيها تأثير القرآن في آراء المؤرخين المسلمين واتجاههم، بوجه خاص، وفي سير التاريخ الاسلامي بصفة أعم.
ومن المسائل التي تستحق مزيدا من الدرس والتمحيص في هذا الباب:
- حرية الانسان ومسؤوليته عن أعماله، وقد أثارت هذه القضية جدلا طويلا بين علماء المسلمين في مختلف العصور.
- عالمية الدعوة الاسلامية وشمولها.
- قيام هذه الدعوة ونشرها على أساس الاقناع وعدم الاكراه أو بحد السلاح
وقد كان لهذه المسائل وغيرها تأثير واضح على اتجاهات المؤرخين المسلمين وطريقتهم في كتابة التاريخ، كما كان لها تأثير على الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية في العالم الاسلامي.

* الترجمة الفرنسية Alban Widgery : « Les grandes doetrines de l’Histoire » - Gallimart, 1965. 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here