islamaumaroc

أمة القرآن من القرآن

  دعوة الحق

105 العدد

كانت الغاية الشريفة الاولى التي قصدت اليها وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية من توجيه الدعوة الى من وجهت اليهم من علماء المغرب للمشاركة في موسم المحاضرات الدينية التي تلقى عادة تحت اشرافها بواسطة الاذاعة والتلفزة بمناسبة حلول شهر رمضان من كل سنة، :"ان تعم الفائدة مختلف الاوساط المغربية".
وكانت الغاية الثانية من دعوتها تلك، :"ان يكون علماء الدين قاموا بواجب الارشاد والتوجيه الاسلامي".
وعند ما تلقيت الدعوة للمشاركة أخذ خاطري يجول فيما عسى أن يكون أوجب واجبات الارشاد والتوجيه في هذا الظرف بالخصوص، هذا الظرف الذي وجهت فيه "لامة القرآن" ضربة لم يسبق أن وجه اليها مثلها في جميع مختلف الظروف العصيبة التي مرت عليها خلال مراحل تاريخها المتعاقب، ولم يسبق الى ذهني ان يكون اوجب من أي واجب من واجبات التوجيه والارشاد غير تنبيه المستمعين من (أمة القرآن) في هذا البلد أو في غير هذا البلد الى مكمن الداء، واصل البلاء فيما نزل من المحن و المصائب التي كانت آخرها في موطن الاسراء والمعراج أجدر بأن يقال فيها ما قيل في أخرى سبقتها:
لمثل هذا يذوب القلب من كمد
                        ان كان في القلب اسلام وايمان
ولم يكن مكمن الداء واصل البلاء فيما حل بالمسلمين سوى انحرافهم عن نقطة البدء التي كانت مبدأ ظهورهم على وجه الارض كمسلمين، هادين ومهتدين وغالبين لا مغلوبين، ومعزوزين لا اذلاء، وفاتحين لا مفتوحين، وحاكمين لا محكومين.
وما كانت نقطة البدء تلك، ولا تكون، ولن تكون أبدا سوى "القرآن"، القرآن الذي نزل به الروح الامين على قلب محمد بن عبد الله في شهر رمضان، "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان"، بينات من الهدى الى الخير العام، خير الجسد وخير الروح، خير الفرد وخير المجتمع، خير الدنيا وخير الآخرة، بينات من الفرقان بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الطيب والخبيت، بين المنجي والمهلك.
كان الانسان قبل نزول القرءان على الحالة التي وصفها القرءان حين قال الله تعالى: "تالله لقد ارسلنا الى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم، وما أنزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يومنون"، وقد وصف النبي (ص) غضب الرب على انسان ما قبل نزول القرءان حين قال في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه: "ان الله نظر الى الخلق فمقتهم عربهم وعجمهم الا بقايا من أهل الكتاب"، ولكن رحمة الله التي سبقت غضبه تجلت في أن بعث محمدا للعالمين بشيرا ونذيرا، وصدق الله :( وما أرسلناك الا رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا)، وصدق رسول الله حين وصف هذه الرحمة التي حبا الله بها خلقه برسالته فقال: (انما انا رحمة مهداة).  
ولقد كانت نقطة البدء في التوجيه الالاهي للرسول المبعوث الى العالمين بالقرءان، ان نبهه الى نقل المسئولية الملقاة على عاتقه، فقال جل وعلا يخاطبه: "انا سنلقي عليك قولا ثقيلا"،  ولم يكن ثقل القرءان الا العمل بما جاء به كما جاء ذلك عن الحسن البصري وقتادة، وأخبره سبحانه وتعالى بأنه ليس بدعا من الرسل السابقين في أن جعل لكل منهم عدوا من المجرمين يحاول صده عما أنزل اليه بكل وسائل الاغراء والايذاء، وان عليه أن يتمسك بالذي أوحي اليه، وحذره أن ينفلت أو ينحرف، أو ينخدع وينصاع، والا ناصر لمن خذله، فقال تعالى:" وان تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله، ان يتبعوه الا لظن وان هم الا يخرصون"، وقال تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل ان هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم، انك اذن لمن الظالمين"، وقال تعالى: "وان احكم بينهم بما انزل الله، ولا تتبع أهواءهم واحذرهم ان يفتتونك عن بعض ما انزل الله اليك"، وقال عز من قائل:" وان كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا اليك لتفتري علينا غيره واذا لاتخذونك خليلا، ولولا ان ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا، اذا لاذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا سبيلا".
وما كان لمحمد، وهو الرسول الذي اختاره من يعلم حيث يجعل رسالاته لتحمل أعباء الرسالة الانسانية العامة، الا أن يعد نفسه أعدادا لتحمل هذه المسئولية العظمى، وما ذلك الا أن أسلم وجهه لله وهو محسن مستمسك بعروة (القرءان) الوثقى، حتى أصبح القرءان نورا له يمشي به على الارض في جميع أعماله الخاصة والعامة، مع نفسه ومع الناس، مع الأقربين اليه والابعدين، مع الاصدقاء والاعداء، في السياسة وفي الحكم، وفي السلم وفي الحرب، ومن ثم صح قول عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان خلقه القرءان"، وقد جاء القرءان يشهد على هذا الوصف القرءاني حين قال: "وانك لعلى خلق عظيم".
والمسلمون الاولون الذين عاشروا الوحي، وكانت أذاتهم أسبق الآذان الى سماع نداء القرءان فلبوا النداء، هؤلاء المسلمون الذين سمعوا نبي القرءان وهو يتلو عليهم من أمثال قول الله: "وهذا كتاب انزلته اليك مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ان تقولوا انما انزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وان كنا عن دراستهم لغافلين"، هؤلاء المسلمون الذين أمنوا بمحمد وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه لم يفهموه أول ما فهموا أي معنى لنزول القرءان سوى العمل بما جاء به أمرا ونهيا، والا ان يصبح القرءان خلقا لهن كما كان خلقا لصاحبهم، وفي ذلك جاء قول ابن مسعود (ض) :"كان الرجل منا اذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن".
ونحن اذا تأملنا الايات الكريمة التي يوجه فيها الرب الكريم الخطاب الى الامة الاسلامية على سبيل الامر أو النهي، على سبيل الامر كقوله تعالى: "يا أيها الذين أمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه"، وكقوله تعالى: "يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"، وقوله: "انما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم" "وأصلحوا ذات بينكم" "وتعاونوا على البر والتقوى"، أن على سبيل النهي كقوله تعالى: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ربحكم" "ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار"، "ولا تكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون" "يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون اليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق"، الى غير ذلك من أيات الخطاب القرءاني الموجه الى الامة الاسلامية، اقول اذا تأملنا هذه الايات نجد ان المجتمع الاسلامي لا يمكن ان يتصور لشخصيته المعنوية والواقعية أي وجود الا على معنى وجود متطلبات هذه الايات في تصرفات أفراده، وسلوك انسانه في جميع مجالات الحياة الخاصة والعامة، ومهما تقسو الظروف أو تلين، فان هذا التصور الصحيح للامة الاسلامية على انها العالمة العاملة بالقرءان هو التصور الذي ينبغي أن لا تغيب عن اذهاننا حين نتلو قول الله تعالى: "ولله العزة ولرسوله وللمومنين"، وقوله تعالى: "ولن يجعل الله للكافرين على المومنين سبيلا".
وحين نقرأ تاريخ الذين أعزهم فما اذلهم، ونصرهم فما خذلهم، ورمى لهم حين رموا، في أكثر المعارك، وأغلب الحروب، وأرهب المواقف، فاذا انعكست الاية، ونكست الراية، ورجع الجنود على أعقابهم خاسرين، فاعلموا أن القرءان لم يتل حق تلاوته، ولم تمتثل أوامره ونواهيه، ولم تطبق تعاليمه في شئون الفرد وفي شئون المجتمع،  وصدق الله "أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين أمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون" . " ولينصرن الله من ينصره، ان الله لقوي عزيز، الذين ان مكناهم في الارض اقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وامروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور".
فاذا كان لامة القرءان شرف خطاب القرءان لها بأنها خير أمة أخرجت للناس، فان ذلك لم يكن لها لانها تسكن مشرق الارض دون مغربها، أو شمالها دون جنوبها، أو لان ربك زاد لها بسطة في الجسم على باقي سكان الارض، وانها كان لها ذلك بشرط شرطه عليها القرءان، وهو انها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فالقرءان لم يقل "كنتم خير أمة أخرجت للناس" وسكت، ولكنه علق ذلك على الصفة حين قال: "تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، فاذا أخلت بذلك الشرط، وخالفت ما أخذ الله عليها من العهد، انعدمت فيها صفة الافضلية، واستخفت ان ينزل بها ما نزل بغيرها من الامم التي خالفت أمر الله، استمعوا معي ان شئتم الى هذا الحديث الذي رواه أصحاب السنن عن نبي القرءان، قال عليه الصلاة والسلام: "ان من كان قبلكم كان اذا عمل العامل فيهم جاءه التاهي تعذيرا فقال يا هذا، أتق الله، فاذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه كان لم يره على خطيئة بالامس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، والذي نفس محمد بيده لتأمره بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضهم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم"، واستمعوا معي أيضا الى هذا الحديث الاخر الذي يرويه الامام أحمد وأبو داوود عن نبي القرءان، قال صلوات الله وسلام عليه: "اذا رضى الناس بالدرهم والدينار وتبايعوه بالعينة، وتبعوا اذناب البقر ضرب الله عليهم ذلا فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم".
في القرءان يا أمة القرءان آية تعدكم بالخلافة في الارض  والتمكين في الدين، والامن بدل الخوف، فراجعوا أعمالهم واسألوا أنفسكم، هل اخلفتم أم أخلفت الاية !؟ ألم يقل الله :"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا".
القرءان كله دعوة الى الاصلاح لا الى الافساد، والقرءان كله دعوة الى التقوى لا الى الفجور, والقرءان كله دعوة الى العدل لا الى الظلم، والقرءان كله دعوة الى القوة لا الى الضعف.
قالوا لكم، انكم غلبتم لانه ينقصكم العلم، قولوا لهم، انما فقدنا العلم لاننا فقدنا أنفسنا، ألم يقل الله؟  "ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
افما ان لكم بعد أن تردوا القلوب الى رباط القرءان بعد ان انفلتت، والى صراط الله السوي بعد ان حادت، واعلموا ان الله الذي سبقت رحمته غضبه فبعث للعالمين نبي القرءان، ضمن لامة القرءان ان يهديها سبل النجاة، ومعالم النصر، اذا هي رجعت الى تعاليم القرءان، فكما انه سبحانه يحيي الارض بالمطر بعد موتها، كذلك يحيي القلوب بالقرءان بعد غفلتها، فاستمعوا الى نداء القرءان حين يقول: "ألم يان للذين أمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون، اعلموا أن الله يحيي الارض بعد موتها"، وقال تعالى: "فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الالباب".
وبعد فاذا كان من واجب الامة الاسلامية ان لا ينقطع فيها واجب التوجيه والارشاد، والتنبيه والايقاظ، على ممر الازمان، ومختلف الاحوال، فان الاكبر انما، والاخر عاقبة، والاجلب لغضب الله وسخطه أن يسمعه الناس في الليل أو في النهار آيات الكتاب الذي لا يغسله الماء، وأحاديث الرسول الذي لا ينطق عن الهوى ثم يتفرقون في الليل أو في النهار مقبلين على الآثام يرتكبونها ولسان حالهم يقول: "سمعنا وعصينا"

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here