islamaumaroc

من وحي القرآن

  دعوة الحق

105 العدد

في الندوة التي انعقدت يوم السبت 28 رمضان المعظم بكلية الآداب بالرباط، بين مجموعة من المتخصصين في الإسلاميات أتوا من مختلف العالم الإسلامي، تقدم الأستاذ الجليل السيد علال الفاسي بعرض كان موضوع مناقشات الندوة.
وتتخلص الفكرة الأساسية التي راج حولها الحوار في:
"ما هي الوسائل العلمية لبعث إسلامي ؟"
والصفحات التي تلي، مجمل لتدخل أخينا الأستاذ محمد عزيز الحبابي:

مستقبلنــا
علينا أن نستخلص، من تطور الفكر الإسلامي، عناصر جديدة تتناسب ومواقف جديدة. إن العقائد الموجودة في عالم يتغير باستمرار لا يمكن تصورها إلا في صيرورة.
فإذا كان من اللازم علينا أن نتكيف في كل يوم مع ثقافتنا وفلسفات أخرى، من أجل كل ما يتصل بحياتنا المادية، وإذا كان مصير كل منا يوجد مرتبطا بمصير شعب بكامله تتساكن فيه مختلف العقائد والجنسيات، بله مصير قارة أو قارات، فكيف يتأتى الاستمرار على إيقاع بطيء في نطاق الفكر والفكرولوجيات؟
إن لكل عصر واقعه وحقائقه، كما يقول القرآن: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) [الرعد: 38]، ولن يحقق الإنسان ذاته، بأصالة وصدق، إلا عند ما ينجح في اتخاذ أحسن المواقف إزاء هذه الأوضاع مع ما فيها من واقعية وشمول، فالإسلام مطالب بأن يواجه الحضارة الصناعية بفكر واقعي وبنظرات جديدة متعمقة حتى النهاية، في المشاكل الأرضية، ولن يؤخذ إصلاح المجددين المسلمين بكامل الاعتبار، ولن يقتدى بهم إلا بمقدار ما ينجحون في توفيق المطلق والخلود مع نسبية الأرض وتغيرها وتوفيق الإيمان مع الأعمال اليومية، فعليهم إذن أن يعيدوا النظر من أجل وعي جديد، إنها عملية تطهير روحي وسلوكي تفرض نفسها إزاء الواقع المعاش.
                                                * * *
كان المفكرون ينطلقون من الله لمعرفة العالم، وقد آن الوقت لننطلق من العالم نحو الله، مع الآخرين، وعوضا عن مشاهدة الله والزهد، يجب أن  نكون شهداء على آثار خلقه تعالى: فلنخرج من انطواء الذات لنعمل، ولنصير أفرادا ذوي فعالية، أي ليكون كل واحد منا إنسانا بكل أبعاد الإنسانية، وأن نقيم العمل من جديد، فبالعمل، وفي العمل، يلتقي الإنسان بالإنسان، وتنشأ علاقات مع الله، إذ العمل واسطة بين الناس، وواسطة بين الإنسانية والتعالي.

فما الحقيقــة ؟
هل الحقيقة في عالم المثل، أم في عالم العرف والعادات؟
إذا اعتبرنا المسلم كهدف يجب أن يحقق ويكتسب، صار حاملا لحقيقة غير مجردة.
فالعمل، كقيمة محسوسة، يرد الإنسان إلى نفسه، ويدخله في التاريخ، هكذا يصير المسلم شاهدا على وجود الحقيقة الإنسانية والصدق والأصالة، مما يستلزم حسن التدبير، ومعرفة أفضل السبل لاستعمال تعاليم القرآن والسنة، أنها عملية مزدوجة: تشذيب وتطهير.
الحقيقة في أساسها ليست واحدة، فهي عند المسلمين غيرها عند سواهم (على اختلاف صور الإلحاد والحلولية...) وإن لم تكن الحقيقة سوى فترة من فترات صيرورة ديالكتيكية فهي، مع ذلك، ليست ذاتية محضا، أو موضوع مشاهدة، وليست توكلا أو تعاليا مطلقا، إن حقيقة مجردة تجريدا صرفا، وغير مستندة على أي نطاق محسوس، ودون صلة بالواقع الحي المعاصر، لا يستحق أن يطلق عليها اسم حقيقة، لأنها بعيدة عن المعاملات، (أي كل الفعاليات التي تكون القسط الأوفر من الفقه). فحقيقة الوحي شيء، أما تبرير كل شيء بالوحي فشيء آخر.
باستطاعتنا أن نبعد النظر في شرح كل آية أو كل حديث، دون أن نشك في الحقيقة الإلهية والقيمة الجوهرية للقرآن، أو بعض ما جاء في السنة، فعلى من يريد شرح نص ديني أن يكون مفسرا، وفي نفس الوقت فيلسوفا، لأن دور الفقيه اليوم، كدور المحدث، لم يعد منحصرا في الشرح فحسب، فهو مطالب أيضا بالبحث عن التكييف المناسب، فبدلا من البحث الحرفي الجامد، يجب أن يحصل تأمل واع للنصوص، وفحص دقيق للتاريخ الواقعي، كما يعانيه الإسلام اليوم وكما تعانيه الاتجاهات الموازية له ( 1).
هناك خاصية للوحي، كما أن هناك خاصية للتأمل في الوحي، واتصال الخاصيتين وتفاعلهما هما اللذان أخصبا الفكر الإسلامي، في عصوره المجيدة (مثل عصر المعتزلة، وعصر ابن رشد).
لا يكون الوحي كشفا وهداية إلا بقدر ما ينسجم ومستوانا حيث يتأنسن بالحوار مع تأملنا وبحثنا على أن نتقدم ونتفتح، وهذا لا يتأتى إذا أنزلت التعاليم جاهزة ومكتملة، بكيفية نهائية، فالشرط الضروري لتحقيق فعالية تستهدف إصلاحا حقيقيا هو قابلية الدين للتأنسن والتكيف المستديم، وكذلك الجهود التي لا تبذل إلا لمواجهة حقائق الساعة، من أجل الفاعلية فحسب، لا يتمخض عنها إلا تطور مصطنع.
فتضافر التوق إلى الحقيقة مع التجند من أجل الفعالية هو الطريق المعبد الذي يؤدي إلى تجديد أصيل.
هذا الطريق يقود إلى معرفة دينية، ولكنها معرفة تكافح من أجل سعادة مادية، في هاته الدنيا: أيها يحفز الاهتمام بالتكيف المستمر مع الواقع الحالي الذي يستنير، بدوره، من نور الحقيقة. وسيبقى التراث الإسلامي الأصلي السماد الذي يسمح للتقاليد المكتسبة بالازدهار والتفتح نحو المستقبل، كلما انطلقنا من تعريف المسلم بأنه "من سلم الناس من لسانه ويده" (حديث).
بهذا سيسترجع الإسلام قدرة التوتر نحو شموليته البدئية، من جهة، ومن جهة أخرى، سيروي غليل ظمأ المسلمين إلى المثل الأعلى المزدوج، أي الحصول على خيرات الدنيا وجزاء الآخرة معا ( 2).
إنه بحث واقعي عن الحقيقة، بغبطة وحماس، هكذا سينفذ عالم الغيبيات دون أن يكون عائقا عن تحقيق حاجيات الفكر، والعلم، والعمل.
إذا لم يحصل توافق تام بين العلم والمعتقدات الدينية، فذلك لا ينتج عن اكتشافات علمية خاصة، ما دام الإسلام لا يتناقض معها، بل يتبناها ويستسيغها.
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)‏.
خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)‏.
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)‏
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)‏
عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)
هذه أولى الآيات التي أنزلت على محمد وهو بغار حراء، وفي "العلق" إشارة إلى النشأة الأولى للكائن البشري، ولفت نظر إلى علم الأحياء ( البيولوجيا والفيزولوجيا). حقا، قبل معرفة "فرائض الطهارة" "ومناسك الحج"، مثلا، يجب أن نتعرف على الإنسان، هذا الكائن الذي خلق "من علق" ثم أصبح أحسن المخلوقات وأعزها على الخالق، فالمسلم مدعو إلى تعلم العلوم "الشرعية" والعلوم "الحكمية"، لأن الإسلام يتبنى كل المعارف، ألم يخلقه الله "الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم"؟
فإذا قاومت الدين بعض الاكتشافات، جاز الاعتراض بعدم اختصاص العلم للإجابة على الأسئلة التي يطرحها الدين، العلم مبني على الملاحظة، والتحليل، والاستنتاج، في حين أن الدين يعاني، باطنيا: تجربة يحياها المؤمن مباشرة، فالخلاف يظهر عند ما نحاول مقابلة ما نلاحظه بما نعانيه.
وفي الواقع يوجد العلم، لأن ظواهر الأشياء والكائنات لا تختلط بماهيتها، فاستحالة هذا المزج: بين الظواهر والماهيات، لتتيح لنا العلم، كما تتيح لنا الميتافيزيقا والديانة. تلك ثلاثة ميادين للنشاط الفكري الإنساني تتواجد، من غير أن تتداخل.
                                                * * *
لقد أحل الإسلام "فكرة الأمة" محل العصبية القبلية: فالأمة معشر شمولي حيث إكرام الضيف، وقول الحق، وحماية الضعفاء واللاجئين، كلها مبادئ أساسية، هذا هو اتجاه الشخصانية الإسلامية كما تحدده، أو على الأقل تلخصه، الآية القرآنية الآتية:
(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ:
 مَن قَتَل َنَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ،
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا،
وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة: 32].
ونجد صدى هذه الآية يتردد في حديثين، من جملة أحاديث كثيرة، يستخلصان مبادئ الأخلاقية الإسلامية ومفهوم الإنسانية والإنسان في الإسلام.
"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
"من فرج على مؤمن كربة من كرب الدنيا، فرج الله عليه كربة من كرب الآخرة".
(و.....) "الله في عون العبد، ما دام العبد في عون أخيه".
ذلك شعار السلوك الأمثل للمسلم في الحياة، يفترض الحكمة الشهيرة: "أعن نفسك، يعنك الله".
                                          * * *
يقول المثل: "لو أنصف القاضي لاستراح الناس"، ونظن أنه من الممكن أن يقال: "لو أنصف الناس لاستراح القاضي"... ومعنى "إنصاف الناس" هو احترامهم للحقيقة وللواقع، وسينصف المسلمون عندما يتناولون القرن العشرين، فلا يحكمون على منجزاته الحضارية وعلى تياراته الفكرية إلا بعد دراستها بجدية وإتقان، فتبقى استنتاجاتهم ملاصقة للواقع، مقدسة للحقيقة، إذ ذاك سنكون قد بنينا مستقبلا على أسس أخلاقية الإسلام يتبنى مكتسبات الحضارة المعاصرة.

1)  - طبعا، الأمر لا يتعلق هنا بموضات وأذواق عابرة، لحقبة معينة... 
2) - هذا المثل الأعلى هو ما يلخصه الحديث: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا". 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here