islamaumaroc

القرآن وذكرى مرور أربعة عشر قرنا على نزوله

  دعوة الحق

105 العدد

اخرج ابن أبي حاتم وابن الانباري وغيرهما عن ابن عباس قال: نزل القرآن جملة واحدة من عند الله تعالى من اللوح المحفوظ الى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة على جبريل عليه السلام عشرين ليلة، ونجمه جبريل عيه السلام على الرسول الاعظم صلوات الله عليه- عشرين سنة، وفي رواية انه انزل ليلة القدر في رمضان ووضع في بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزل نجوما في عشرين- ثم اقرأ: "وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا".
ونزوله في مدة عشرين سنة قد لا يتفق مع اقامة الرسول الاكرم بالمدينة عشر سنين وبمكة ثلاث عشرة سنة، والتحق بالرفيق الاعلى وهو ابن ثلاث وستين على ما صح، نعم أجابوا- أن ما زاد على العشر حذف اختصارا على عادة العرب في أساليبها القولية انها تحذف الكسر في كلامهـــا.( 1) وكان ينزل به جبريل عليه السلام على ما قيل هنا –خمس آيات- أخرج البيهقي في الشعب عن عمر رضي الله عنه أنه قال: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فان جبريل عليه السلام كان ينزل به خمسا خمسا وعي أبي نضرة قال: كان أبو سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة وخمس آيات بالعشي ويخبران جبريل عليه السلام نزل به خمس آيات خمس آياته، ويظهر أنه الغالب في النزول والا فقد صح أنه نزل بأكثر من ذلك وبأقل.
وهذا سر قوله تعالى: "لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا" نزل هكذا بعضه أثر بعضه ليقرأ على الناس بتوءدة وتأن فيسهل عليهم حفظه، ويكون ذلك أعون على تفهم معناه "وفائدة قوله: ونزلناه بعد قوله: فرقناه- بيان ان ذلك التنزيل لمقتض وهو التنزيل على حسب الحوادث والنوازل التي كانت تجري في عهده صلى الله عليه وسلم اعتقادا وعبادة واجتماعا، حيث لا يلبث روح القدس بنفث في روعه صلوات الله عليه بما يكون وما لا يكون حكما ناجزا في النازلة لا يدع لهواجس النفس وخلجاتها مكانا للاضطراب والريب الشيء الذي نرى له الرب جلت عظمته يهدد على لسان رسوله الاكرم محمد عليه السلام الذين قد لا تطمئن نفوسهم للكتاب المقدس متطاولين ومغيين ايمانهم قائلين: "لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا"، "قل آمنوا به أو لاتومنوا" أي آمنوا بهذا القرآن الذي لو اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثله لم يأتوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا- أو لا تومنوا به فان ايمانكم به لن يزيد في خزائن رحمة الله ولا ترككم للايمان به ينقص ذلك.
وزاد سبحانه معللا عدم المبالاة بهم واحتقار شأنهم قائلا: "ان الذين أوتوا العلم من قبله اذا يتلى عليهم يخرون للاذقان مسجدا ويقولون سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا" أي وان تكفروا به فان العلماء الذين قرأوا الكتب السالفة من قبل نزول القرآن، وعرفوا ان الله سيبعث نبيا – يخرون لله سجدا شكرا له على انجاز وعده بارسالك يا محمد حين يتلى عليهم هذا القرآن- ويقولون في سجودهم: تنزه ربنا عن خلف الوعد انه كان وعده آتيا لا محالة- فان لم تومنوا به فقد آمن به أحسن ايمان من هو خير منكم، وفي هذا تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وازدراء بشأنهم.
ثم ما خر هؤلاء ساجدين له عن ايمان واطمئنان كالاعراب الذين شهدوا نزوله ووحيه بين ظهرانيهم الا لقداسته واعجازه- الاعجاز الذي يقول عنه يوسف السكاكي الخوارزمي (تـ:626-1229م)  يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن، تدرك ولا يمكن وصفها كالملاحظة، كما يدرك طيب النغم العارض للصوت، ولا يدرك تحصيله لغير ذوي الفطرة السليمة الا باتقان علمي المعاني والبيان والتمرين فيهما، وهذا أبو حيان التوحيدي (تـ: 400-1010م) يقول: سئل بندار الفارسي عن موضع الاعجاز من القرآن فقال: هذه مسألة فيها حيف عن المعنى ذلك أنه شبيه بقوله: ما موضع من الانسان من الانسان- فليس للانسان موضع من الانسان بل متى أشرت الى جملته فقد حققته ودللت على ذاته، كذلك القرآن لشرفه- لا بشار الى شيء الا وكان ذلك المعنى آية في نفسه ومعجزة لمحاولة، وهدى لقائله.
وليس في طاقة البشر الاحاطة بأغراض الله في كلامه وأسراره في كتابه، لذا تعذر على الانسان الاتيان بمثله، لان علمه لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني، ولا يدرك المجموع معاني الاشياء المحمولة على تلك الالفاظ، ولا تكمل معرفته باستيفاء جميع وجوه المنظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض- فيتوصل باختيار الافضل من الاحسن من وجوهها الا أن يأتي بكلام مثله- واذا تأمل المؤمن القرآن الكريم وجده حاز كل القداسة والكمال اللذين لم يبلغهما غيره من أنواع الكلام، ولن يبلغ ذلك- فالقرآن في غاية الشرف والفضيلة حتى لا يرى شيء من الالفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ولا يرى نظم أحسن تأليفا وأشد تلاوة  وتشاكلا من نظمه.
أما معانيه فيقف عندها الوصف اذ هي أعلى من كل علي، وأقدس من أن يحصيها القلم ويحصرها.
اذا يخلص من هذا أن القرآن انما صار معجزا لانه جاء بأفصح الالفاظ في أحسن نظوم الصياغة والتأليف، وقد ضم أصح المعاني- من توحيد الله وتنزيهه في صفاته، ودعائه الى طاعته وبيان طريق عبادته من تحليل وتحريم، وحظر واباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف، ونهي من منكر، وارشاد الى محاسن الاخلاق وزجر عن مساوئها، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه، ولا يتوهم في صورة العقل اليق به منه- مودعا اخبار القرون الماضية، وما نزل من مثلات الله بمن مضى وعائد منهم، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الاعصار الاتية من الزمان جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك أكد للزوم ما دعا عليه، وأحرص على وجوب ما أمر به ونهى عنه، ومعلوم ان الاتيان بمثل هذه الامور والجمع بين اشتاتها حتى تنتظم وتنسق أمر يعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله ثم صار المعاندون له يقولون مرة أنه شعر لما رأوه منظوما، ومرة أنه سحر لما رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعا في قلوبهم وقرعا في نفوسهم يرهبهم ويحيرهم فلم يتمالكوا ان يعترفوا به نوعا من الاعتراف- ولذلك قالوا: ان له لحلاوة وان عليه لطلاوة- ان اعلاه لمثمر، وان اسفله لمغدق، وما هو بقول بشر.
وكم يعجب في توجيه اعجاز القرآن- ما درج عليه فيلسوف الاندلس ابن رشد- 595هـ 1198م قائلا: من المسلم ان القرآن ليس كتاب عقيدة فقط كسائر الكتب المقدسة التي سبقته، ولكنه كتاب عقيدة وشريعة معا.
وهذا أهم ما امتاز به كتب الوحي الاخرى- فكان لهذه الظاهرة المعجزة الكبرى الخالدة خلود الدهر:
(أعظمها معجزة القرآن               تبقى على تعاقب الازمان)
وقد لا يداخل أدنى مسلم ريب في هذه الحقيقة التي سجلها الكتاب المقدس ذاته في الآية التاسعة من سورة الحجر "انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون" هو الكتاب المبين الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - القرآن الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الترداد
تزداد منه على ترداده مقة
                     وكل قول على الترداد مملول (2 )
انها الحقيقة الوضاءة التي لا يكاد يماسها حجاب أو يخفيها ستار حتى الساعة والمسلمون في مشارق الارض ومغاربها يتعبدون بتلاوته، ويتدبرون أسرار آياته، جاهليته أنشودتهم التوجيهية في كل المقاصد والاهداف ايمانا منهم بدستوريته الحق، وايقانا بحصيلته الثرية الغنية في كل جانب من جوانب الحياة، وكل غرض من الاغراض سواء فيها الفردية والاجتماعية.
هذا ما حفز بعض الشعوب الاسلامية وفي المقدمة مغربنا الكريم ليقيموا مهرجانا عظيما "بذكرى مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرءان العظيم" اذ قامت كل من وزارتي الانباء والاوقاف والشؤون الاسلامية بالسهر على اختيار مقرئين من أطراف المغرب بواسطة لجنة رشحت لذلك ثم بعد طوافها على عدة مدن اختارت طائفة من القراء، واقتضى الحال إجراء تدريب فني تضمن اعطاء قواعد علمية في التجويد والتنزيل والتحسين والتمرين على ذلك مدة ستة أيام وعلى ضوء هذا وقع احياء الذكرى يوم عاشر رمضان المبارك 1387 – 1967 بمسرح محمد الخامس بالعاصمة- حيث تلا كل القراء المدربين حصة من الكتاب الكريم وعددهم 28 قارئا بمحضر اللجنة ومن أضيف اليها من القراء كالمقرئ الحصري المصري والسيد عبد الرحمن بن موسى وكان كل فرد من أفراد اللجنة يسجل تقديره لكل قارئ.
وختاما كان النجاح حليف خمسة قراء من بينهم قارئة ( 3) واذ صادف المهرجان ذكرى مرور سبعة أعوام على وفاة محرر المغرب البطل الخالد محمد الخامس نور الله ضريحه ختم حفل الذكرى المقام سنويا بالضريح الحسني بتوزيع الجزائر على الثلاثة الاول من الفائزين.
وقد ضمت نقودا ومصاحف من المصحف الخالد الذي أمر جلالة الحسن الثاني أيده الله بطبعه بعدما اختير خطاط فني لذلك ولجنة من القراء للسهر على تصحيحه- تحت اشراف وزارة الشؤون الاسلامية النشيطة، وكان مسك الختام تلاوة الفائز الاول الحاج محمد الحياني آيات بينات من الذكر.
نعم كان هذا التمهيد لاقامة الذكرى الكبرى تحت اشراف الملك المعظم الحسن الثاني ليلة القدر المباركة (27 رمضان 1387) بمسجد أهل فاس- ازاء القصر الملكي- في مهرجان ديني مهيب يتناسب وعظمة الكتاب المقدس وخيرية الليلة- حضره علية القوم من المومنين مغاربة وغيرهم ممن استدعوا خصيصا لحضور الذكرى المجيدة.
وفي نفس الليلة المباركة قامت عدة جمعيات وهيئات (ككل مساجد المغرب) باقامة مهرجانات قرآنية- كلها تلاوة للآي الذكر الخالد علاها نور وشعور من جميع المومنين، خاصة ما كان يتخلل بعض المهرجانات من أحاديث الوحي والتنزيل ومراتبه وكيف كان الرسول محمد صلوات الله عليه يتلقى ذلك.
ادام الله النصر والتأييد للملك المعظم وأعانه على احياء المآثر والذكريات التي لا يعزب عن البال ما تحمله في طياتها من اذكاء الوعي، وبث روح اليقظة والرجوع قليلا الى الوراء والعيش لحظات في أحضان الماضي الجميل الذي ندين لترائه الخالد بشتى المنن تمدنا وحضارة خاصة ما يعود الى تركيز العقيدة واخلاص العمل الصافي الينابيع والتأثر من كثب ( 4) بكل ما يمت الى الاسلام الصحيح بصلة.

1) - وورد في خمس وعشرين بل جاء في ثمان عشرة سنة- ثمان سنين بمكة، وعشر بعدها هاجر، ا هـ من تفسير الالوسي ج: 15 ص 188. 
2) من لامية المديح للبوصيري. 
3) وكان للتلفزة المغربية حظها المشكور في البعث والتقريب. 
4) - من كثب لا عن كثب. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here