islamaumaroc

في موضوع العلاقة بين القرآن والإنسان المعجزة المستمرة

  دعوة الحق

105 العدد

علاقة القرآن بالانسان علاقة وثيقة حقيقة، يتفق مدلولها مع مدلول الروح التي تتمثل من خلال القرآن، وهي روح عملية واقعية، تستهدف التفتيح والتطوير وتحقيق التقدم الانساني على كل مستوياته.
العلاقة هذه بين القرآن والانسان، هي علاقة ايجابية مثمرة، بهذا المعنى ! وجانب الايجابية في هذه العلاقة، آت من القرآن بطبيعة الحال، لانه هو الذي خلق بالفعل الاحوال الايجابية المتآنية من علاقته بالانسان، أما الانسان، فقد كان سلبيته أحيانا يصل الى حد التنكر للمضامين الانسانية في القرآن، لكن الكتاب الكريم هو من سعة الافق، بحيث لا يزال بسلبية الانسان حتى يحياها الى ايجابية واعية مثمرة.

المعجزة التي أحدثها القرآن الكريم، بتحويله، المجتمع العربي الى مجتمعه مهند وهاد، عالم ومعلم، خبير ورائد، وأع لابعاد مسؤولية اخلاقية ذاتية توخذ فيها النفس بأشد ما توخذ به نفس مسؤولية وملتزمة، وواع في نفس الوقت لابعاد مسؤولية موازية، مسؤولية على نفس المستوى الفكري والاخلاقي، تتعلق بالاخرين، ببقية العالم كله، بكل من هو حي عاقل على ظهر البسيطة ومن يجوز أن يحيا على ظهرها في كل زمان ومكان، الى ان يؤول أمر الدنيا هذه الى فناء.
المعجزة هذه، وحيدة من نوعها، وليس لاي أن يجد لها، ما يقارنها به، الا أن يذهب الى التمحل في المقارنة، والتمنع في ربط الامور بعضها ببعض، ومن الواضح أن التكلف في المقارنات، ليس من شأنه أن يؤدي الى استخلاص شيء ايجابي وموضوعي وعقلاني من هذه المقارنات.
المعجزة القرآنية من جهة تأثيرها على مجتمع الجاهلية، وما صنعته في هذا المجتمع من ظواهر خارقة، لا يستطاع الاتيان لها بتعليل قائم على حساب المقدمات والاستنتاجات العادية، هذه المعجزة، ليس  لها ما تعلل به الا انها معجزة وكفى، ولا نستعمل التعبير هكذا بالمفهوم المألوف، بل والمبتذل، الذي أصبح له، مثل ما يقال- مثلا – "معجزة علمية" أو " معجزة مالية" أو غير ذلك ! ان المعجزة هنا، المعجزة التي أحدثها القرآن في حظيرة المجتمع العربي الجاهلي، لها كل مدلولها اللغوي الصرف البريء من التزيد والمغالاة وما حكم ذلك، ان المراد بالمعجزة القرآنية، في تأثيرها عل جهلة العرب، وتكييفها لهم، بالصورة التي تكيفوا بها، واكمالها ذلك التكيف، بالسرعة، وبالتلقائية التي تم بها بالفعل كل هذا، مما يعجز أي انسان لا عن الاتيان بمثله، بل حتى عن مجرد تصور عوامل وأسباب موضوعية له، حتى اذا أمكن تصور أسباب وعوامل يعتقد أنها مفسرة للظاهرة الموجودة، فان مثل هذا التفسير لا ينطبق على مثل هذا الامر، الا بصورة تقريبية، وبحسب مقاييس التفسير التي نستعملها لادراك الوقائع والظواهر العادية، والامد المائل في تحول العرب السريع بتأثير القرآن، ليس هو من الامور العادية، التي يمكن أن تنطبق عليها مقاييس التفسير العادية، ولكي ندرك بعض ملامح الصورة، صورة الحالة التي وقعت، دون أن نستطيع النفوذ الى ادراك "العلل" المعجزية الكامنة وراءها، يجب أن نستعيد لأذهاننا أحوال الادراك والتصور عند الانسان، وهذه الاحوال، بما تبدو به من تفاوت، تقوم لا كأساس فقط لتقييم نسبة الذكاء والغباء عند الناس، بل تقوم في ضمن ذلك، كمقياس لتبين درجتهم من التقدم أو التخلف! ومن مظاهر التقدم أو التخلف العقلي من هذا القبيل، قدرة الافراد أو المجتمع بالتالي، أو عدم القدرة لديهم على اتخاذ الموقف الفكري المستقل، المتحرر من تبعية الخضوع الأعمى للعادات والمواضعات المتوارثة، ان اتخاذ الموقف العقلي الصحيح رهين بنوع من التحرر من هذا المعنى، وبقدر ما يكون الفكر متخلفا، والتصورات المنبثقة عنه ساذجة فطيرة، بقدر ما يصعب تطوير فكر على هذا الفرار، واكسابه – على الاخص – قدرة التنقل من منطق الاعتياد الاعمى الى المنطق المنبثق عن وعي وإدراك وتصميم فكري أصيل، واذا ما أمكن أحداث تطوير عقلي بهذا المستوى في حق مجتمع من المجتمعات، فان ثمرة ذلك لا يمكن أن تنضج في جيل أو في جيلين، بل تتطلب مرور دهور وأجيال، ونحن نرى في عصرنا الحاضر، اجماعا وتضافرا عالميا على أحداث تطوير عقلي ما في المجتمعات المتخلفة، ولكن النتيجة المتأتية عند ذلك ضئيلة، أو في حكم المنعدمة أحيانا، أما اذا نظرنا الى مثل هذا الامر من زاوية الحياة العربية الجاهلية، فاننا نجد أفراد المجتمع العربي الجاهلي قد عاشوا على جملة من العادات المتوارثة، متأصلة عن عوامل مختلفة، تفاعل بعضها مع بعض، لتنتهي مع الامد الطويل الى صياغة شخصية الفرد العربي الجاهلي، على ما نعرفها عليه شخصية "جاهلية" وكفى بهذا الوقف اداة تعبير عن الحالة العقلية التي كان عليها المجتمع العربي قبل نزول القرآن! أن أبرز ما كان بارزا في نطاق ذلك المجتمع هو انه كان مجتمع أعراف وتقاليد، قبل أن يكون مجتمع تعقل أو تفكير، على أي منحى ايجابي جدي يكون عليه التعقل والتفكير، أعراف وتقاليد اجتماعية من كل نوع، ناشئة في عمومها عن جملة من الاعراف والتقاليد الفكرية تنطوي بطبيعتها على التغاضي عن أي اعتبار عقلي آخر، الا اعتبار المتابعة والاحتذاء الاعمى الذي توجه هذه الاعراف والمواضعات العقلية.
  ولا يتصرف اهتمامنا في هذا النطاق الموجود الان، الى النظر في أصول وعوامل هذه الحالة، التي عاش عليها العقل العربي الجاهلي دهورا وأجيالا متطاولة، فقد تكون الاتباعية البسيطة، التي خضع لها فكر العرب في جاهليتهم الطويلة، ناشئة عن طبيعة البيئة التاريخية التي حاطت بحياة هذا الفكر، وأثرت عليه بصور مختلفة، وقد تكون هناك عوامل مزاجية أو غيرها، مما كان له أثره في هذا المقام، الا أن الذي يعني من كل ذلك، ان الاتباعية عند المجتمع العربي الجاهلي لم تكن تنطوي على اية ملابسة مهمة من ملابسات الاختيار، وانما كانت اتباعية فكرية "جاهلية" بكل ما يشير اليه ذلك من عدم التبين، والتثبيت واتخاذ الموقف الواعي المستنير، واذا شئنا استجلاء بعض المعطيات التفصيلية مما يتعلق بهذا الامر، فأمامنا كشف طويل جدا، يمكن على أساسه استعراض الصفات العربية الجاهلية التي لن نستعرضها بالفعل، لان عرض تفاصيل من هذا القبيل، يضطرنا الى افاضة في القول، ليس لها من داع في هذا النطاق الخاص، الذي أخذنا به، ولكن ذلك لا يصدنا عن الاشارة الى بعض الصفات القليلة البارزة، لمجرد تصور الابعاد الهائلة التي تكونت فيها جوانب القضية التي نعرض اليها في هذا المجال. 
أولا- ضيق الافق الفكري، وقد كان صفة عقلية بارزة في نطاق المجتمع العربي الجاهلي، قبل أن يتفتح وعي العرب على هدي القرآن، وتنضج ملكاتهم في استبحائهم منه، وتأثرهم به، والواقع أن شيئا ما لم يصب وحدة العرب وتماسكهم السياسي والاجتماعي بقدر ما أصابهم بذلك ضيق الافق الفكري الذي كانوا متصفين به، أن ذلك الضيق الفكري، لم يكن يبيح للفرد العربي الجاهلي، أن يتصور مفهوما موضوعيا لعلاقته بالمجتمع الخاص الذي يعيش فيه، وعلاقته بالمجتمع الانساني في عمومه، ومن ثم كان فكر العربي الجاهلي في حد ذاته مشكلة مزمنة، تستعصي- في الاحوال المادية- على كل بادرة تفتيح وتطوير يقصد منها ربط العقلية العربية ببقية العالم، وجعلها على بصيرة من أمرها، بالنسبة لما هو قائم في العالم من أوضاع، وما يسوده من قيم وأفكار.
ثانيا- هناك صفة عقلية أخرى، يمكن اعتبارها من مميزات الافراد ثم الجماعة في نطاق الوضعية الجاهلية التي كانت قائمة حينئذ، وهي صفة سلبية ايضا، مثل سابقتها، مع ما ينجز عن السلبية هذه من نتائج سلبية كذلك، والصفة التي أقصد، هي صفة الحسية، أو المغالاة فيها، الى القدر الذي لا يترك منافذ تفكير حول ما وراء الحس الا بقدر ضئيل جدا، ومحدود الاثر بقدر كبير، حسبة العربي الجاهلي، كانت انعكاسا لحسية مجتمعه القبائلي العرفي، وهو مجتمع كان مطبوعا بنتائج هذه الحسية المغالية، تظهر معالمها عليه في مختلف آفاق حياته ومسالكه في التفكير والتقييم والاستنتاج والسلوك، والواقع أن الحسية في حد ذاتها، ليست – بالضرورة- صفة نقص فيمن هو موصوف بها، من ذوي التفكير المادي الحسي، الا ان الحسية لا ينبغي أن تكون مرادفة لمعنى الانغلاق الذهني، حتى لا يكاد المرء لا يتبين من الحياة، ومن آفاقها الا ما يحيط به، أو بعض ما يحيط به من كيانه البدني أو الوجود المباشر الذي يلامسه، وذلك – اذا ما كان في صورته العادية، فهو شأن الافراد في بداية- تكون مداركهم، حتى اذا تكونت هذه المدارك استوى هؤلاء الافراد، عقولا حساسية مستبطنة، تلمس من الوجود المباشر حقيقته المائلة، ولكن تتحسس له وراء الحقيقة المائلة منطوياته المعنوية العديدة، وآفاقه المجردة، ومن الملحوظ، ان ارتقاء الافراد على هذا المستوى – يسير- في الاحوال الطبيعية على حسب مراحل العمر طفولة ورشدا، لكن مجتمعا كالمجتمع العربي الجاهلي، لم يستطع أن يتخلص من طور الطفولة، كما ذكرنا، فبقى فكره متلبسا بها، لا يستطيع أن يتجاوز نطاق الحسية الضيقة، على الرغم من أنه كانت تبدو عليه بعض الميول المترقعة- نوعا ما- كغرامه بالبلاغة والفصاحة، وشغفه بالصور المعنوية من هذا القبيل، لكن هذا الميل كان محدود الافق هو بدوره، كمحدودية أفق الفكر العربي بعمومه، الامر الذي كان يجعل من الصور البلاغية في كثير من الاحيان مجرد وسيلة تعبير عن نوازع الحس، وأبسط أنواع الميول والغرائز التي لا تخضع لانضباط عقلي مهذب وقد انبنى على "حسية" الفكر العربي الجاهلي، وعجزه- في الكثير- عن التسامي الى آفاق أكثر رحابة من مجرد لمس ظواهر الوجود المباشر- انبنى على ذلك أن غرق العرب في نوع من الوثنية، بعد من أكثر الوثنيات حسية ومادية، كما تدل على ذلك قصص العرب وصور حياتهم قبل ظهور الاسلام، وتلك الوثنية، قد جعلت من الفكر العربي، فكرا غير قابل للتفتح على عالم المعنويات الا بالقدر الذي لا تؤدي فيه هذه المعنويات الى تربية جذرية للعقل، وتعميق لمعطياته، وقد عاش الاغريق قبل ذلك تجربة التفكير الميتافيزيقي، متغلغلين به الى درجات بعيدة، ولكن محدودية التفكير الانساني وضعفه الطبيعي، لم يمكن الفكر الاغريقي نفسه أن يصل – في موضوع العلاقة بين الدين والانسان- الى اقرار صورة أخرى غير تلك النظرة الى الالهة الخرافية التي تعكس عند متخيليها سذاجة ملحوظة في التصور والإدراك، تتفق مع طفولة الفكر الانساني ونقص عوامل النضج – بالتالي- فيه، أما المجتمع العربي الجاهلي، فقد كان في تصوراته ومداركه لا يقل سذاجة في التصور والادراك، وخرافية بالنتيجة لذلك، الا انه يبدو أكثر إيغالا في الحسية، وعدم القدرة على التجريد، تبعا لما اتسم به ذلك المجتمع من ضيق أفق عقلي، وما كان عليه من تقوقع فكري عازل، الامر الذي لم يكن يسمح له أن يتجاوز حدود البيئة الوثنية التي كان ملتصقا بها، وهي وثنية مغالية في الحسية الى درجة السذاجة الصبيانية كما أسلفنا.
                                             *  *  *
من هذا المنظور- ولو أننا لمحنا له مجرد تلميح عابر فقط- يمكن أن نتبين مظاهر المعجزة التي حدثت والتي تتمثل في أن مجتمعا على هذه الصورة المتخلفة جدا، قد تحول في وقت وجيز- وبصورة لا يستطاع تعليلها بمقاييس التعليل العادي – قد تحول فعلا من الصورة التي رأينا الى صورة مناقضة لها تمام المناقضة، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أساس التحول لهذا، بطبيعة الحال، ولم يكن للرسول في كل ذلك، وسيلة أكثر فاعلية واضمن نتيجة، من هذا القرآن الذي هذب وهدى، وعالج فشفى وأحدث – على أضخم صورة موجودة- التحول المعجزي الذي سجلته المراحل الاولى للدعوة، وقد كانت تلك المراحل باتة حاسمة في حد ذاتها، لم تفتقر الى زمن طويل، لكي تنضج عواملها، وتتوافر لها فاعلية كاملة، واستمر الزمن بعد ذلك متلاحق بعضه ببعض، واستمرت المعجزة معه، معجزة القرآن بكل نصاعتها وقوتها وفعاليتها العظيمة، وقد نزل القرآن بين قوم أميين في الغالب، فكان مصدر إيحاء عقلي لهم، وسبب اشراق روحي في نفوسهم، اشع عليهم من ينابيعه التي لا تنضب، فادى الاشعاع الى ما أدى اليه من تهذيب وتقويم وتسديد، وكان ذلك هو المعجزة الكبرى التي ذكرنا من قبل، اما استمرار المعجزة بعد هذا، فيتمثل بعض منه فيما يلي:
1) جمع القرآن وتدوينه، وقد يبدو هذا الامر من قبيل الاشياء العادية، أو بالاقل من الاشياء غير المعجزية، وذلك نظر من لا يلم بشيء كاف عن طبيعة الامور الواقعة، ولا يرى القضايا الا من وجه واحد، بينما لها، أي هذه القضايا، اوجه عديدة ومتكاملة، ان جمع القرءان قد مر بأدوار مختلفة، وابتدأ تدوينه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما التحق النبي بربه، وحدثت المواقع التي أدت الى استشهاد القراء، وأهمها موقعة اليمامة سنة 12 هـ كان ذلك داعيا- كما نعلم- الى جمع كل ما كان متفرقا من القرآن في الرقاع وغيرها، حيث تم ذلك الجمع بأسلوب في التحدي والثتبت والضبط، وهو معجزة علمية في حد ذاتها بالنسبة لعقلية أقوام لم تكن لهم في الاصل بيئة علمية أصيلة، حتى جاء الاسلام فخلق فيهم هذه البيئة، وكون عندهم العقلية العلمية التي هي ملازمة لها، لم كان المصحف العثماني بعد ذلك، سبيلا لاقصاء كل اختلاف في القراءات بزيادة أو حذف وأدى الى ضمان الصورة الحقة التي عليها القرآن لما أنزله منزله سبحانه وتعالى.
وقد يعجب المرء من هذا التوفيق الذي حالف الاسلام والمسلمين حتى أدى بهم الى ما حفظ لهم الكتاب وصانه من الزيغ والتحريف، واذا كان للمرء أن يعجب بهذا ويذكره في ضمن النعم التي أوليها الاسلام والمسلمون فان له أن يعجب أكثر من ذلك اذا وضع في الاعتبار طبيعة الظروف تتميز بأمية القوم في أغلبهم، كما أسلفنا، ثم تتميز ثانيا بالفتنة التي نجمت عن حرب الردة، وما كان من الجائز أن تؤدي اليه من تشتيت الجهود، وتثنيت المصادر الحية التي يوجد في صدورها القرآن، ثم تتميز ثالثا بانسياح العرب بعد ذلك في أقطار الارض فاتحين ومختلطين بغيرهم من الامم، وما كان من الجائز أن يؤدي اليه ذلك من اختلاف في القراءات، قد يبلغ مستوى الاختلاف حول الزيادة أو النقص في بعض الآي، ثم تتميز تلك الحالة رابعا، بوجود المناوئين والكائدين للاسلام ممن كان من المفروض أن تؤدي مكائدهم الى أحداث البلبلة والاضطراب في حفظ الناس للقرآن، وهو لما يزل غير مدون في مصحف نهائي، كمصحف الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه، تلك كلها حقائق لا بد أن يعيها المرء جيدا، ليتصور أية معجزة حدثت، فضمنت للمسلمين كتابهم محفوظا ومصونا من العبث الذي أصيبت به كتب أخرى غير القرءان.
2) ان هناك الى هذه الحقائق كلها حقيقة بارزة بالبداهة، وذات أهمية كبيرة في الامر، وهي أن القرآن- بعد ما دون وجمع بين دفتي المصحف العثماني- فان مستودعه مع ذلك، لم يكن هو المصحف المكتوب فقط، بل بقيت الصدور مستودعه الدائم الذي لا ينقضي، وبقي المسلمون احفظ أمة لكتابها، تختلف بذلك عن غيرها من الامم، التي لا يلم فيها بالنصوص الدينية الا خاصة الاحبار والرهبان، وتلك ميزة للمسلمين ينعكس منها جانب من روح الاسلام الذي هو مشاع بين كل من هو ناطق بالشهادتين، لا وصاية فيه لاحد على أحد الا وصاية النصح والارشاد المتبادل.
3) المجال الواسع، الذي انفتح امام القرآن لبلوغ رسالته الى مختلف أمم الارض، وذلك بصورته الكاملة المصونة من العبث كما أراد الله سبحانه وتعالى لها ذلك، وهذا جانب آخر من المعجزة التي لها في الواقع أكثر من وجه، وأكثر من جانب، وقد كان القرآن، أساس كل اتصال بين العرب وغيرهم من ذوي الحضارات العريقة أو غيرهم من ذوي المستوى الحضاري الاقل، وعند ما كان المتحضرون يدلون بما لديهم من معطيات الثقافة والمدنية، كان العرب يدلون بالقرآن، وبما يشمله القرآن من حقائق الاولين والاخرين، وآداب ونواميس وأحكام، بهرت غير العرب، كما بهرت العرب من قبل، وقادت الجميع الى الاخذ بالكتاب الخالد، والاخذ نتيجة لذلك، بمضمون الدين الذي يعبر عنه هذا الكتاب الخالد، وقد عجب الناس طويلا من سرعة الفتوح العربية وانتشارها بين أطراف الارض على نحو ما انتشرت به، ولابد أن نتذكر بصدد هذا، أنه كان للقرآن في ذلك، الاثر البليغ الذي لم يفقه أثر آخر غيره، ولنتخذ من فتح العرب لاقطار المغرب في هذا المقام، فقد وجد العرب في فتوحاتهم بالشمال الافريقي صعوبات في بداية الامر، لم يلاقوا مثلها في عدد من الاقطار التي فتحوها، ونعلم أن البربر قد تأرجحوا بين الاستسلام للفتح العربي والتنكر له أمدا طويلا، والتعليل الذي يورد في العادة لتفسير هذه الظاهرة يتخلص في أن البربر لم يكونوا يعلمون في البداية من أمد الدعوة ومحتواها الفكري والاخلاقي ما يجب أن يعلموه، ولعل الكثير منهم لم يكونوا يرون في الانسياح العربي باقطار المغرب الا انه مجرد عملية غزو وافتتاح وكفى، بيد أن طول احتكاك البربر بالعرب، واستمرار الوجود العربي بامصار المغرب، قد ساعد على تفتيح أعين البربر على ما يجب ان يفتحوا اعينهم عليه، وتبين لهم أخيرا أن الامر ليس أمر حرب أو غزو، بقدر ما هو أمر حركة تحرير وتقويم وتطوير، عليهم أن يتدمجوا في تيارها، لصالحهم هم، قبل أن يكون لصالح غيرهم، بل عليهم أن يحاولوا امتلاك زمام التيار هذا، ويضبطوا حركته القوية الغامرة، ويتبينوا جيدا مواقع اقدامهم منه  وموقفهم فيه، حتى يمكنهم أن يصبحوا من مالكي عنانه، وموجهي دفته، لا ان يكونوا مجرد مسوقين، لا يدلهم في الامر ولا تدبير، وكان عهد موسى بن نصير بالمغرب حاسما في هذا المعنى، حتى أصبح البربر بعد ذلك- بفضل الاقتناع الذي لهم بالاسلام- بمثابة خط الدفاع الاول عنه، وفي مقدمة الركب الذي يرود له الافاق الجديدة بالاندلس وغيرها، وقد كان القرآن مادة الاساس في كل هذه التحولات التي وقعت، وضامنا نتيجتها على النحو الذي حصلت به هذه النتيجة، اذ أن القراء والفقهاء من العرب، كانوا قد انتشروا على عهد موسى بن نصير بين القبائل البربرية يعرفون رجالها نصوص الكتاب الحكيم، ويتدارسون معهم آياته وأحكامه، حتى تم على أساس ذلك التفهم البربري بأكثر ما يكون متانة وعمقا لحقيقة الدعوة، وحقيقة الكتاب الذي يعبر عنها، وأدى هذا التفهم كما ذكر – الى ما أصبح عليه الامر بعد ذلك من شديد الصلة بين البربر والاسلام، والتحامهم بالقضية الاسلامية، الالتحام الذي أفضى الى ما هو معروف من أصالة المركز الاسلامي بهذه الديار، وما سقناه عن المثال المغربي، ينطبق على كثير من الحالات الاخرى من هذا القبيل في غير المغرب، فالقرآن كان بين أيدي العرب، وسيلة مهمة جدا في تعبيد السبيل أمامهم نحو الامم الاخرى، وتبليغ الدعوة اليها، واقناعها بأن أمامها حالة جد ايجابية معروضة عليها، وتتطلب منها حسن اختيار، وحسن ممارسة لما تختار، وتلك ظاهرة نفسانية، من بين أكثر ما هو معروف من ظواهر النفس، وأعراض ردود الفعل النفساني، فالشعور عند الجماعة كما عند الافراد، بان هناك مجرد حالة مهاجمة لهم، تستهدف اكتساحهم وابتلاعهم لمجرد الاكتساح والابتلاع فقط- مثل هذا الشعور داع بطبيعة الحال الى اثارة شعور ملازم هو شعور رد الفعل، وتحريك عوامل رد الفعل هذا على نحو عملي، وليس هناك ما يخفف من شدة رد الفعل الذي ذكرنا، ويجرده من صبغته كبادرة مقاومة، أو محاربة،  الا الشعور الذي قد يحتاج الجماعة، أن الامر الذي تواجهه، ليس هو أمر تهديد بالاكتساح لمجرد الاكتساح، وانما هو حركة التقاء فكري حضاري، المراد منه التفاهم على الحسنى، والتضافر على اقامة موازين للحق والعلم والخير، موجهة لصالح الجميع، وذلك ما بدأ فعلا للمجتمع البربري الذي كان دائم الانتفاض على العرب، فاذا بهذا المجتمع وسورة الانتفاض تخفت عنده الى النهاية، فيما تلتهب في نفس الانسان بهذا المجتمع حمية من نوع معاكس، حمية من أجل القرآن، لاخذ حاملي رسالة القرآن، حمية جعلت من البربر عماد البعثات الفاتحة في شبه الجزيرة الايبرية والاقاليم الاوربية الواقعة منها الى الشمال، وأهلتهم- على أساس ذلك- لتحمل رسالة في التاريخ، هي رسالة تحقيق الاسلام الاوربي الغربي ورعايته لمدى قرون.
                                                *  *  *
واستمر الزمن بعد ذلك، متلاحق بعضه ببعض، واستمرت المعجزة معه، معجزة القرآن، بكل نصاعتها وقوتها وفاعليتها العظيمة، وقد انقضى القرن الاول على المسلمين، وبدأ القرن الثاني، والرسالة القرآنية قد بلغت من آفاق الارض حدودا بعيدة جدا، سواء في الشرق أو في الغرب واتخذ الموقف العربي صورته المتبلورة، التي تتمثل في وجود مواطئ قدم للعرب جملة الرسالة القرآنية على ربى الشام والعراق وفي جبال افريقيا والاندلس، أو على هضاب فارس وما جاورها، أو غير ذلك من مواقع الارض الافريقية أو الاسوية أو الاوربية.
وهذه الصورة المتبلورة في نطاق المادي، كان لابد أن توازيها صورة متبلورة أخرى على مستوى الفكر والعلم والحضارة وما يتصل بذلك، ولم يكن القرآن غائبا في هذا المجال، كما لم يكن غائبا في غيره من المجالات الايجابية الخيرة، والكتاب الكريم – كما نعلم...نزل أول ما نزل- على أساس الدعوة الى سبيل القراءة والكتابة والعلم (سورة القلم) وفتئت السور تتوالى بعد ذلك، تتضمن فيما تتضمنه دعوة الى العقل والمعقولية، وافادات عظيمة في شتى اغراض العلم والمعرفة، الامر الذي كان له التأثير المعجزي على العرب في الصدر الاول كما اسلفنا، واستمر هذا التأثير المعجزي بعد ذلك كما تبين ملامح منه فيما يلي:
1) تكونت في غضون دولة الخلفاء الراشدين، وأثناء الدولة الاموية الى نهايتها، بذور حركة علمية، هي التي نمت فيها بعد، وترعرت الى أن تبلورت في شكل الحضارة العربية الاسلامية، على ما نعهدها عليه من ناحيتها العلمية، وقد كانت هذه البذور خلال القرن الاول وأوائل الثاني كانت أساسية وحاسمة في الامر، بحيث أنه كان على أساسها اتجاه الحركة العلمية، ومصيرها فيها بعد، غير أن الذي يمكن ملاحظته بهذا الشأن، هو أن هذه البذور بكل ما لها من أهمية في اتجاهات الأحوال ثقافة المسلمين وحضارتهم، فقد كان العامل الكبير فيها أي في هذه البذور، هو القرآن الكريم، وما فرضه من مقتضيات عقلية وعلمية، وجهت المسلمين بالضرورة وجهة البحث والاطلاع، وانفتح لهم من ذلك المنفذ الذي قادهم على المدى الطويل، الى بناء ما ابتنوه من جهاز علمي قوي وشامل، فقد وجد المسلمون منذ البداية- أن هناك ضرورة ملحة لتقعيد قواعد التشريع في الدولة، بعد أن صارت- أي الدولة- جامعة لامم وأجناس، لابد أن ينتظمها تشريع منظم وشامل، يستوعب قضاياها الدينية والدنيوية وهي قضايا يتخذ بعضها صيغة المشاكل في كثير من الاحيان، نظرا لتشعب الاتصالات وتداخل الثقافات والحضارات في كيان الدولة الاسلامية التي كان عليها أن تهضم كل ذلك، وتستوعبه وتضع الاساس الديني والدنيوي الاسلامي، البديل عنه، ولا شك أن تقعيد التشريع، كان أساسه النظر في القرآن، وهذا النظر قد جعلت منه دواعي الحاجة العلمية والعملية، جعلت منه نظرا متشعب المناحي، كثير المقتضيات، ذا صلة بمختلف ضروب المعرفة الموجودة، والتي كان من اللازم أن توجد، وهكذا كان النظر في القرآن داعيا للنظر في لغة العرب ومنطوياتها اللفظية والمعنوية، وداعيا للنظر في القصص والتواريخ والايام، وداعيا للنظر أيضا في الحديث وقنونه،  ورجاله، تم كان حافزا بعد ذلك على النظر في الفلسفة والمنطق والجدل، وغير ذلك من العلوم التي ارتبط النظر فيها بعضه مع بعض، وكانت نقطة الانطلاق في كل ذلك هي القرآن، وكان في ذلك تكريس لمعنى العلمية والعرفانية المرتبطة بكتاب، نزل أول ما نزل بذكر القراءة والعلم والقلم.
2) التيار العلمي الذي خلقه القرآن في كيان المجتمع العربي الاسلامي، لم ينحصر – كما قد يبدو عند النظر السطحي- في خصوص المواضيع الدينية واللغوية والفلسفية والتاريخية وما في حكمها، لقد اتجهت اهتمامات المسلمين أيضا الى العناية بالعلوم المادية المختلفة من طب وطبيعة وكمياء وغيرها، ويجب اعتبار الصلة الرابطة في هذا المجال ايضا بين القرءان، واتجاهات المسلمين من هذا القبيل، وتبرز لنا من هذا المعنى نقطتان: (ا) وجود عدد من السور متضمنة مسائل من العلم المادي من طب وحيوان وفلك وغيره، ولا بد أن تكون الرغبة في تفسير مثل هذه الآيات العلمية داعيا الى التوسع في بحث المضامين العلمية التي تشير اليها، الامر الذي من شأنه أن يوجه الاهتمامات الى العلوم المادية المختلفة، كما توجهت هذه الاهتمامات بالفعل، خصوصا وقد تهيأ للعرب اتصال مبكر ببعض المصادر الحية لهذه العلوم، كالطب، مثلا، فقد توافرت الروايات القائلة أنه وجد في البلاد عدد من الاطباء النصارى واليهود عملوا لفائدة الخلفاء، وقد أفاد العرب منهم في البداية عمليا، تم كانت الاستفادة النظرية التي أدت الى معرفة علمية مستقلة بالطب وغيره، اكتسبها العرب، وخصوصا بعد ان نضجت ملكاتهم العلمية بالقدر الذي نضجت به خلال القرون التالية للقرن الاول الهجري، (ب) هناك بالاضافة الى السور والآيات العلمية التي تضمنها القرآن، آيات أخرى- وهي كثيرة- تشتمل في مضمونها على توجيه الى العلم وحث على النظر في الحياة والطبيعة، وكل ذلك له- بطبيعة الحال تأثيره الفاعل في اذهان قوم، يوجد القرآن مصدر توجيههم الاول والاخير، ومكمن استيحائهم، ومورد تكييفهم العقلي، على نحو ما تم عليه ذلك التكييف العقلي.
وهناك قضية أخرى جديرة بالالتفات اليها في موضوع التأثير القرآني خلال العصر التالي للصدر الاول ذلك هو ما تم منذ القرن الاول، والذي يليه، من انصهار الكثير من أفراد الشعوب الداخلة حديثا الى الاسلام في مضمار الثقافة الاسلامية العربية، وبالاخص بروز عدد من أفراد الامم المختلفة (أي الموالي) في نطاق الثقافة الاسلامية العربية، كعوامل فعالة منتجة، بل وكرواد مبدعين، يأتون بمثل ما أتى به العرب في حظيرة الثقافة المشتركة بين الجميع، ويذهب بعضهم مذهبا أكثر تفوقا، فيأتي بأكثر مما أتى به مماثلوه من العرب الاقحاح، وقد برز من بين الموالي في رواية الحديث أعلام من مثل مجاهد ومحمد ابن مسلم، وعطاء وعكرمة، وعرف من كبار النحويين، مثل سيبويه والفارسي والزجاج، واشتهر من الفقهاء وغيرهم عدد مثل ذلك كثير، وبطبيعة الحال، فان النظر الديني- وأساسه القرآن- كان داعيا مباشرا أو غير مباشر لذلك، فقد التقت- في هذا المجال- نفسية التشبع بروح الاسلام عند هؤلاء الموالي، وعقلية علمية منتجة، متوافرة عندهم في الاصل، فكان تفاعل ذلك في عقولهم، أساسا لما أتوا به من مبادرات منتجة، أهلتهم لما تأهلوا له في نطاق العلوم الدينية، وما يتصل بها، ولو لم يكن الداعي الديني- القرآني أساسا في هذا الشأن لكان نبوغ الموالي موجها الى حملة من العلوم الدنيوية التي ورثوا الاحتكاك بأصولها في مثل هذا النبوغ الذي أبرزوه في حظيرة العلوم الدينية، التي أنشأها الاسلام ونمى رصيدها بروحه ومقتضياته، والمهم في هذا الامر من أساسه، ليس هو مجرد المشاركة العلمية من قبل هؤلاء الموالي، في مضمار الثقافة العربية الاسلامية، وانما المهم- أكثر من ذلك- هو ما تشير اليه هذه المشاركة من انصهار الفكر العجمي والعربي ضمن بوتقة واحدة، واندماج العجم في حركة ثقافية عالمية، تقوم على أساس من لغة العرب وأدبهم، وترتكز على القرآن الذي تعبر عنه هذه اللغة، وما ترتبط بالقرآن من علوم وفنون تشبعت الى هنا وهناك، مع أن نقطة انطلاقها واحدة كما ذكرنا، وهي القرآن المجيد.
                                                *   *   *
واستمر الزمن بعد ذلك متلاحق بعضه ببعض، واستمرت المعجزة معه، معجزة القرآن بكل نصاعتها وقوتها وفاعليتها العظيمة، وفي عصرنا هذا، عصر اصطراع المذاهب والنظريات الوضعية، وتصادم الاتجاهات والنوازع الفكرية، وتنكر الكثير من هذه المذاهب والنوازع لامد الروح وما تدعو اليه الاعتبارات الروحية من مثاليات حسنة، في هذا العصر، وما يصطرع فيه من أضداد، يبرز القرآن الكريم، كما كان منذ أربعة عشر قرنا، وكما لابد أن يكون- الى قيام الساعة- كتاب هداية لمن أضلته المسارب المظلمة في الحياة، ومصدر اشراق لمن غمت عليهم الآفاق، ومنبع ايحاء لمن أيسوأ من نجوع وحي العقل المجرد، واقتنعوا انه غير موصل الانسانية- بمفرده- الى أقوم طريق- وان كان قد أوصلها الى مركب شديد التعقيد من الانجازات التقنية مشكلة الانسان الآن، انه قد  ابتدعها دون ان يستطيع السيطرة عليها، وكونها من غير أن يكون له في المصير المؤدية اليه، قدرة اشراف كاف، أو مراقبة فعالة، في هذا النطاق، نطاق هذا العصر، نستطيع أن نتبين بعضا من أوجه العلاقة بين الانسان الحاضر والقرآن، وأن كل نظرنا في هذه العلاقة، غير مستوعب وانما هو من قبيل التمثيل لا غير، ثم أنه منبثق على معطيات موضوعية، وأخرى محتملة فقط، أو في حكم الاحتمال.
ان من أبرز الخواص التي يتميز بها القرآن في يوم الناس هذا، انه – من بين الكتب السماوية كلها- لا يزال الاكثر احتفاظا بالخطوة عند قومه من المسلمين، ينبع ذلك من عظيم الصلة بين القرآن والانسان، وليس لاي عامل مضادان يرد موجبات هذه الخطوة، أو يقلص منها بالقدر الذي لا يعود لها فيه فاعلية حية وقائمة، ولا يقصد بالحظوة هنا مجرد الشعور بالتقديس نحو الكتاب، وانما المراد- أكثر من ذلك- أن الكتاب ما فتىء يتوافر له- وباستمرار- مجال يومي في أذهان الناس بالعالم الاسلامي، وفي حياتهم العامة، بالقدر الذي لا يتوافر للكتب السماوية الاخرى في حياة المنتمين اليها، فالانجيل لم يعد في الاعم الغالب الا كتاب خاصة الرهبان والقسيسين، وليس للعموم المسيحي علم به، بقدر ما للعموم عند المسلمين، ولا تختلف التوراة عن ذلك كثيرا، علاوة على أن الديانة التي تعبر عنها التوراة، ديانة تعيش في نطاق محدود جدا، وليس لها من مجالات التفتيح على العالم، ما للقرآن، والديانة التي يعبر عنها القرآن.
الديانات تواجه من تحديات العصر ما لم يسبق له مثيل من قبل، والتحديات ضد الديانات، تدخل في اطار التحدي الذي بوجهه المنهج العلمي المادي ضد جميع القيم والمواضعات التي لا تدخل- بالضرورة في نطاق التجربة الحسية، وهذه التحديات الموجهة للديانات، توجه بطبيعة الحال الى الكتب السماوية في ضمن ذلك، بيد أن الذي يلحظ بهذا الشأن، أن القرآن الكريم، قد سجل من التفوق قدرا باهرا في مضمار الوقوف ضد التحديات العقلية والتجريبية، التي يواجهها منطق العصر وعقلانيته في مثل هذه الاحوال، ولا أقصد بذلك، ما يذكر أحيانا من كون آيات معينة من الكتاب، تنطبق على قضية كذا وكذا من قضايا العلم، أو أن قضايا العلم تتفق مع مضمون ما جاء في هذه الآية أو الاخرى من القرءان، فالواقع أن الجري وراء مواطن التطابق بين القرآن والعلم شيء غير ضروري دائما، لتأييد مضامين القرآن، لان الكتاب الكريم هو قيمة أبدية خالدة، وليس العلم كذلك، لانه وليد التجربة المنبثقة عن الحس، أو ناشئ عن جملة من المحاكمات العقلية، وكل ذلك قابل لان ينقض بعضه بعضا أو يعدل بعض منه الاخر، كما يقع ذلك في الكثير من الاحيان، ضمن تأرجحات العلم وتبلوراته الدائمة، انما الذي نقصد من موقف القرآن من تحديات العصر، ان هذه التحديات لم تستطع ان تجرد النفوس من الحاجة اليه، كوسيلة استنارة واستعلام واهتداء، اضف الى ذلك، ان المقاصد الانسانية في القرآن، ما زال الحال يكشف عنها أنها أساس- وليس من أساس بديل عنه- لبناء علاقات صحيحة ودائمة، فيما بين المرء ونفسه، وفيما بين الافراد بعضهم مع بعض داخل اطار المجتمع الخاص، أو ضمن نطاق المجتمع الانساني العام، ولا نطلق مثل هذه التأكيدات من قبيل التعصب للمذهب الديني، أو مسايرة للآراء حوله، وانما هي خلاصة تجربة فكرية خالصة، ونتيجة مشاهدات ومحاكمات عقلية يتوصل اليها- بالضرورة- كل من يعمل النظر في مضامين القرآن من جهة، وفي مشكلات العصر الانسانية من جهة أخرى.
3) وليس من الضروري أن يقف القرآن موقف الرد على التحديات وكفى، وانما هناك أساس – وهو معقول جدا، وضروري جدا- لكي يؤدي المسلمون برسالة القرآن اليوم، مثل ما أداه القرآن من رسالات نحو المجتمعات الانسانية في العصور السابقة، ان أزمة العالم اليوم، هي أزمة الحيرة والشك والخوف من المصير، وليس للتقنية ما تستطيعه لضمان اطمئنان انساني، في هذا المجال، وقد تنكر العلم المادي للفلسفة طويلا، وهو الان بصدد الرجوع اليها، الملاءمة بين الحقائق المادية المتطورة في محيطه، والمقتضيات الانسانية التي لم تستطع التكيف مع الواقع التقني في كل أحواله وصوره، ولا يستطيع المرء أن يتصور وجود انسانية، تقوم حياتها على اعتبارات الآلة والتحريك الآلي والانجاز التقني دون أن يبدو من ذلك للانسان أفق معنوي واضح، يبرر له وجوده الانساني من أساسه ويعطي للوجود والمصير مسوغا مقبولا في العقل، متلائما مع الوجدان، ان للانسان في القرآن، كثيرا مما يستقيه في هذا المجال، وليس أمام المسلمين، لكي يضعوا مفاتيح الافادة من القرآن بين يدي انسانية محتاجة الى هذه الافادة، ليس للمسلمين، من أجل ذلك الا أن يعرفوا كيف يعرفون غيرهم بالمضامين الانسانية في القرآن، وكيف يفتحون على ذلك أعين انسانية حائرة في أمرها، لا تكاد تعرف لها مصيرا واضحا.
 
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here