islamaumaroc

معنى نزول القرآن

  دعوة الحق

105 العدد

اختلف العلماء في معنى نزول القرآن، فمنهم من يقول: خلقه الله وهذا- طبعا- ممن يقولون بخلق القرآن...
ومنهم من يقول بمعنى الاعلام، وظاهر أن هذا ممن يقولون بأزلية القرآن...أما ابن تيمية فيقول: أن ليس معناه الا النزول الحقيقي الذي هو من أعلى الى أسفل وينكر أن يكون ورد لفظ  النزول أو الانزال بغير هذا المعنى، ولهذا فهو يخرج كل ما يوهم وروده بغير هذا المعنى مخرجا يجتهد فيه كثيرا ويبذل فيه من العناء والتكلف شيئا غير قليل...(الرسائل) وهكذا نرى ابن تيمية يقرر النزول على حقيقته السالفة حتى في الحديث الذي يقول: ان الله ينزل الى سماء الدنيا ليلة النصف من شعبان أو ما معناه، فلقد أخبر ابن بطوطة في (رحلته) أنه حضره مرة وهو يخطب على منبر الجامع (يعني جامع دمشق) فكان من جملة كلامه ان قال : ان الله ينزل الى سماء الدنيا كنزولي هذا ونزل درجة من درج المنبر...!
قال ابن بطوطة وكان لهذه القولة وأمثالها ما حمل الناصر (يعني ابن قلاوون) على سجنه بالقلعة حتى مات...
والذي يظهر لي أن إنزال القرآن على معناه اللغوي الذي قرره ابن تيمية: من السماء الى الارض بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم وكان ينتظر الوحي من السماء كما وقع في فترة الوحي وكما وقع في تحويل القبلة من بيت المقدس الى الكعبة: قد نرى تقلب وجهك في السماء..وأما قوله: وأنزلنا الحديد فالمتبادر منه (خلقنا) وفي تفسيره بغير هذا تكلف فالنتيجة أن النزول في القرآن وفي الحديث ورد بمعنى النزول من فوق الى أسفل وورد بغير ذلك مثل: خلق، والهم...وهل هو حقيقي فيهما أو حقيقي في الاول فقط مجاز الباقي في الظاهر الاخير: ففي القاموس يقول: النزول الحلول، وفي الصحاح نحوه...
وأما القول بخلق القرآن فمسألة من أمهات المسائل الدينية والمباحث الكلامية أثارها المسلمون في أيام المأمون أو أثارها المأمون ولم يأل جهدا في حمل العلماء على القول بأن القرآن مخلوق ونال المخالفين له شر عظيم...
وللالوسي في الجزء الاول من تفسيره تحقيق فيها انتهى الى دحضها وأبطال القول بخلق القرآن...
وأما مسألة، أزلية القرآن فالتحقيق أن الأزلي انما هو المعاني، لا الألفاظ، فهي حديثه لا ريب وعلى ذلك فاذا قلنا مثلا:  يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله...الخ، ان هذا كلام الله وهو طبعا أزلي، فمعناه أن معنى هذه الألفاظ كلام الله.
ونظير هذا: الحاكم اذا أخبرنا بحكم وقال هذا قول الملك فمعناه أن هذه الاوامر أو هذه النواهي هي مدلول كلام الملك لا أن الألفاظ هي نفسها كلامه.
وللعلامة بناني في مبحث الدلالة قول فصل في هذه المسألة، (شرح السلم) وعلى ذلك فهل الالفاظ لجبريل أو للنبي ؟ هذا سؤال يجيب عنه من يبحث في الحديث: أنزل القرآن على سبعة أحرف.

ما هو أول ما نزل من القرآن
وما هو آخر ما نزل ؟

اختلف العلماء في الاجابة عن هذا السؤال اختلافا شديدا ففي الاتقان:
ان منهم من قال: ان أول ما نزل: اقرأ باسم ربك وهذا هو الصحيح (كما في كتب السيرة والحديث) ومنهم من قال يا أيها المدثر، ومنهم من قال الفاتحة، ومنهم من قال بسم الله الرحمن الرحيم ومنهم من قال غير ذلك...
وكذلك الشأن في آخر ما نزل  فعن البراء بن عازب يستفتونك...وعن ابن عباس آية الربا ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا..) وعنه وعن غيره غير ذلك من الاقوال...أما المشهور في كتب السير فهو: اليوم أكملت لكم دينكم...ولقد أخرج مسلم عن ابن عباس أنه سورة اذا جاء نصر الله...الخ ولقد حاول القاضي أبو بكر الباقلاني أن يوفق بين الروايات المتضاربة فقال: ان كل ما في أمرها ضرب من الاجتهاد وغلبة الظن فكل يخبر بحسب ما علم...ولكن حل هذا المشكل يتأتى على هذا الوجه اذا لم تختلف الروايات وتتعدد عن شخص واحد كما حصل عن عبد الله بن عباس فقد روى عنه ما ينيف على أربعة أقوال متناقضة...وحينئذ فكيف يتطرق فيها ما ذكر القاضي؟ أيقال ان ذلك أيضا بحسب ما كان يتجدد من حفظه في السؤال بعد السؤال ؟ أظن أن هذا بعيد...

ما هي أسباب النزول ؟
قال الجعبري: أن نزول القرآن على قسمين: قسم نزل ابتداء (يعني من غير سبب) وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال...
ونحن ندرس هذا القسم الثاني معتمدين في ذلك على استقراء ما ورد في القرآن والسيرة، ولم أرجع في هذا الاستقراء الى مرجع لاني لا أعرفه (انظر الخضري!) وأسباب النزول كثيرة: منها:
1- حادثة تحدث فلا يتبين وجه  الصواب فيها فتنزل الاية في شأنها، أما مبينة حكمها كحادثة الرفث ليلة الصيام وكحادثة المخلفين الثلاثة وأما مبينة وجه الحق فيها كحادثة الافك وأنه كذب وزور..
2- ومنها قول باطل يقوله كافر أو ضعيف الايمان فتنزل الاية رادة عليه مثل: وقالوا لولا انزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا.. الخ ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم...الخ.
3- ومنها سؤال يوجه الى النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل عن الخمر والميسر فيجيب القرآن: فيهما أثم كبير...الخ.
4- ومنها رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كمسألة تحويل الكعبة: قد نرى تقلب وجهك في السماء...الخ.
5- ومنها التفسير لما اشكل على بعض القراء كالخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر.
6- ومنها أمر يجتهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يصيب فتنزل الاية أو الاي عاتبة: عنا الله عنه لم أذنت لهم...الخ ما كان انبيء أن يكون له أسرى...الخ، عبس وتولى..الخ (الصحيح ان النبي قد يجتهد ويخطئ ولكنه لا يقر على خطئه كما هنا...)
7- ومنها ان يخفي النبي صلى الله عليه وسلم أمرا في نفسه يريده مخافة أقوال الناس فتنزل الاية: واذ يقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك...الخ.
أو يتورع من أمر أحل له فتنزل الآية عاتبة: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك...الخ (وجائز للانسان أن يمتنع أو يتورع من حلال اذا لم يكن في ذلك مجابهة للتشريع ومحل العتاب في الآية انما هو في الحقيقة أن حرم النبي ذلك ابتغاه مرضاة أزواجه ومعلوم في الاصول ان الكلام اذا قيد بقيد فروح الكلام هو ذلك القيد..
والمحرم انما هو تحليل ما حرم أو تحريم ما حلل عنادا: قل من حرم زينة الله- الخ، قل لا أجد فيما أوحى الى محرما...الخ أما لغير عناد كامتناعه صلى الله عليه وسلم من أكل الضب فجائز..)

ما فوائد معرفة أسباب النزول ؟
فوائدها كثيرة منها:
1- معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
( وذلك ليتأتى القياس فيما وجدت فيه تلك العلل المتشابهة فالتشريع والحكم كما يقولون يدور مع العلة وجودا وعدما...)
2- تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب.
(وقد اختلف الأصوليون في ذلك والاصح عموم اللفظ لا خصوص السبب).
3- ومنها أن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخصيصه فاذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته فان دخول صورة السبب قطعي واخراجها بالاجتهاد ممنوع كما حكى الاجماع عليه القاضي أبو بكر في التعريف...ولا التفات الى من شذ فجوز ذلك كما حكاه في الاتقان.
مثلا: ألم تر الى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغون ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا.
في هذا المثال تضمنت الآية مع القول المتوعد عليه (باللعن) المقيد الامر بمقابلة المشتمل على أداء الامانة والمناسبة تقتضي دخول ما دل عليه الخاص في العام: ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الى أهلها...  
4- ومنها الوقوف على المعنى وازالة الاشكال الذي قد يأتي من نحو الاشتراك، لهذا قال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها...ونحو هذا قاله ابن دقيق العيد وابن تيمية...فمثلا اذا قرأنا: نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم، ووقفنا على مجرد دلالة (أنى) وقعنا في الحيرة والاشكال: لان أنى تكون بمعنى حيث (أي حيث الاطلاق لا حيث التقييد) وتكون بمعنى كيف...ولكن لو رجعنا الى سبب النزول وهو أن اليهود كانوا يقولون أن الرجل اذا جامع أهله على جنبه مثلا فان المولود يخرج أحول، وان القرآن رد عليهم: اذا رجعنا الى سبب النزول فهمنا أن (أنى) هنا بمعنى كيف لا حيث، وكذلك لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب.
فاذا لم ترجع الى ابن عباس ليبين لنا سبب النزول – وأن أهل الكتاب سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه وفرحوا بذلك – فاننا نرتبك.
5- ومنها معرفة اسم النازل فيه الآية وتعيين المهم فيها.
ولقد قال مروان في عبد الرحمن بن أبي بكر أنه الذي أنزل فيه: والذي قال لوالديه أف لكما...الخ فردت عليه عائشة وبينت له سبب نزول الآية.
وقد يكون من فوائد معرفة السبب معرفة المتقدم من المتأخر فيكون هذا مقيدا أو مخصصا أو معمما أو ناسخا اذا قلنا: أن المتأخر يقيد أو يخصص أو يعمم الاول..
والجهل بسبب النزول كثيرا ما ينجم عنه آراء باطلة من ذلك أن عثمان ابن مظعون وعمرو بن معدى كانا يقولان بحل الخمر احتجاجا بقوله: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ...الخ ولو علما سبب النزول لما تورطا في هذا الرأي الفاسد.
6- ومن فوائده عند الشافعي دفع توهم الحصر في قوله تعالى: قل لا أجد فيما أوحى الي محرما على طاعم يطعمه...الآية قال: لان الكفار لما أحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم فكأنه قال: لا حلال الا ما حرمتموه ولا حرام الا ما حللتموه...والغرض المضادة لا النفي والاثبات على الحقيقة فكأنه قال تعالى: لا حرام الا ما حللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ولم يقصد حل ما وراءه، اذ القصد اثبات التحريم لا اثبات الحل...
هكذا قال الشافعي، أما مالك فيقول بالحصر الحقيقي في هذه المذكورات.

ما السر في نزول القرآن منجما ؟
السر في ذلك أمور منها:
1- ما أشار اليه الله في قوله: لنثبت به فؤادك.
2- الاعجاز المتكرر بتكرر الحادثات وهذا يؤخذ من قوله: ولا يأتونك بمثل الا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا.
3- التدريج في التشريع كما حصل ذلك في تحريم الخمر ليكون ذلك أبلغ أثرا في الامتثال.
4- تسهيل حفظه في الصدور.
5- تمرين النبي صلى الله عليه وسلم على امتثال كل الاوامر فلقد قال الله له: انا سنلقي عليك قولا ثقيلا...!
قال الالوسي: وكان شاقا ثقيلا عليه أكثر من غيره لانه صلى الله عليه وسلم مأمور بتحمل هذه الاوامر وتحميلها...
وكذلك كما في البخاري عن عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاقي من الوحي شدة حتى ان جبينه صلى الله عليه وسلم كان يقطر عرقا في اليوم الشديد البرد...ولا أظن أن تلك الشدة التي كان يلاقيها الا لخونه صلى الله عليه وسلم من ذلك العبء الثقيل الذي كان يلقى على عاتقه..وقد وصفه الله بأنه ثقيل...
6- وان لا يضيق به المسلمون الاولون فيقع لهم ما وقع لنبي اسرائيل ويصحبوا به كافرين..ولامر ما نهاهم الله عن أن يكثروا من الاسئلة أما نحن فلم نضق به لاننا نشأنا في الاسلام وورثنا الدين عن آبائنا ولا يخفى ما للبيئة والوراثة من أثر..
7- أن يكون المسلمون الاولون على خشية من أن يرتكبوا ما حرم الله لانهم حينئذ لا يأمنون أن ينزل الله فيهم قرآنا يندد بهم ويفضح سرائرهم وفعلا فقد نزل القرآن في بعضهم كما نزل في المنافقين الذين كانوا يظهرون الاسلام.. وهذا لاشك انه يجعلهم مشفقين كثيرا من أن ينتهكوا حرمات الله فالآية تنزل فيهم أشد عليهم من وخز الابر وأقسى من التقلب على الجمر، بل ان المشركين أنفسهم كانوا يشفقون من أن تنزل فيهم آية لانهم على الاقل يعتبرونها هجوا من النبي لهم فلقد يروى أن امرأة أبي لهب لما نزلت السورة فيها وفي زوجها صارت تبكي وتنتحب وتقول لزوجها أو لاخيه أبي طالب: ان ابن أخيك هجاني...
8- اثبات ان هذا الكتاب من عند الله وليس كتابا خلقه التفكير الطويل ومهد له صاحبه من زمن بعيد، فما هي الا الحادثة تقع فينزل حكمها جديدا كجدتها وما هو الا السؤال يلقى فينزل حكمه وجوابه وكأن كان مهيأ، وما هي الا الشبهات والمجادلات العنيفة حتى يكون الرد والمفحم والحجة البالغة الدامغة، وهكذا...فلو نزل القرآن جملة واحدة لقال القوم ما قالوا.. ولكنه كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لم ينزل الا مسايرا للحياة مصلحا من شأنها على حسب الظروف والحادثات.
ولم أرجع في استخلاص هذه العلل الا الى فكري وبعد ما كتبت هذا اطلعني زميلي على تقييد قيده في ذلك عن الفخر الرازي فأحببت أن أثبته هنا لان فيه بعضا مما ذكرت وأسرارا أخرى لم أوفق اليها..
وها هو التقييد كما هو:
1- انه صلى الله عليه وسلم لم يكن من أهل القراءة والكتابة فلو نزل عليه ذلك جملة واحدة كان لا يضبط، ولجاز عليه الغلط والسهو.
وانما نزلت الثوراة جملة واحدة لانها مكتوبة يقرأها موسى.
2- ان من كان من الكتاب عنده فربما اعتمد على الكتاب وتساهل في الحفظ فالله تعالى ما أعطاه الكتاب دفعة واحدة بل كان ينزل عليه وظيفة ليكون حفظه له أكمل فيكون أبعد له عن المساهملة وقلة التحصيل. 
3- ان تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة على الخلق لنزلت الشرائع بأسرها جملة واحدة على الخلق فكان يثقل عليهم ذلك، أما لما نزل مفرقا منجما فلا جرم نزلت التكاليف قليلا قليلا فكان تحملها أسهل.
4- انه اذا شاهد جبريل حالا بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته فكان أقوى على أداء ما حمل وعلى الصبر على عوارض النبوة وعلى احتماله أذية قومه وعلى الجهاد. 
5- انه لما تم شرط الاعجاز منه مع كونه منجما ثبت كونه معجزا فانه لو كان ذلك مقدورا لبشر لواجب أن يأتوا بمثله منجما مفرقا.
6- كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم والوقائع الواقعة لهم فكانوا يزدادون بصيرة لانه بسبب ذلك كان ينضم الى الفصاحة الاخبار عن الغيوب.
7- انه لما نزل منجما مفرقا والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتحداهم في أول الامر فكأنه تحداهم بكل واحد من نجوم القرآن فلما عجزوا عنه كان عجزهم عن معارضة الكل أولى، فبهذا الطريق ثبت في فؤاده أنهم عاجزون عن المعارضة لا محالة...
8- ان السفارة بين الله تعالى وبين أنبيائه وتبليغ كلامه الى الخلق منصب عظيم فيحتمل أن يقال: أنه تعالى لو أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة أبطل ذلك المنصب على جبريل، أما مع التنجيم فقد بقي ذلك المنصب العالي فلأجل ذلك نزل القرآن منجما...انتهى.

تعقيب:
في العلة الاولى: اختلف العلماء في جوار السهو على النبي صلى الله عليه وسلم والتحقيق أنه محال كما حرر ذلك الشيخ محمد عبده في تفسيره قائلا:
انه لو جاز ذلك لجاز الخلل في الرسالة وهو محال.
أما مايتوهم من أنه صلى الله عليه وسلم حدث له نسيان كما وقع في حديث ذي البدين حينما (صلى) صلى الله عليه وسلم الرباعية اثنتين فسأله ذو اليدين: اتصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله..الخ، فانما ذلك لحكمة التشريع وليس من خلل في الذاكرة وانما هو من الله لينبني عليه تشريع وأحكام ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ولا أنسى ولكن أنسى...الخ.
وأما آية ما ننسخ من آية أو ننسها نات بخير منها أو مثلها..فليس قوله ننسها من النسيان وانما هو من النسا بمعنى التأخير، وعلى فرض أنه من النسيان فهو لا يقوم دليلا الا على امكانه لا على وجوده ووقوعه فغاية ما في الآية شرط وجزاء: ان كان كذا كان كذا أو مهما، وهل وقع ذلك أو لم يقع ؟ يبقى ما هو أعم، والقاعدة الاصولية أنه: ما احتمل واحتمل سقط به الاستدلال..
وتأييد العدم امكان النسيان للنبي صلى الله عليه وسلم في القرآن وانطباع الوحي في حافظته ما رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصفه للوحي واتيان جبريل وأنه: يفصم عني و "وقد وعيت"، فعبر بالماضي صلى الله عليه وسلم تصوير التمكن الوحي منه وتمكنه منه وأنه يتطبع في روعه انطباعا تاما.
وأما يروى عن عائشة في تفسير المعوذتين من أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر وأنه كان يخيل اليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله فالظاهر أن ذلك انما هو في أمور الدنيا لا الرسالة يشعر بهذا قولها: يفعل الشيء.
وأما الحديث الذي رواه البخاري من أن جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان وأنه كان يدارسه القرآن وكان صلى الله عليه وسلم يعرض عليه ما حفظه فكان جبريل يتعهده ليلا ينسى...الخ فهذا لا ينافي أن النبي صلى الله عليه وسلم محال عليه النسيان في أمور الدين.
فجبريل ما كان يتعهده الا ليبقى النبي صلى الله عليه وسلم معصوما من هذا النسيان فنسيانه صلى الله عليه وسلم على كل حال محال يأمر من الله، بجبريل أو بغيره...
والنتيجة من هذا كله أن العلة الاولى غير ظاهرة...أو لا تستقيم...والثانية غير ظاهرة أيضا أمر التساهل موقوف على أمر الله فاذا أمره الله بعدمه فأمره منفذ لا محالة...
وأما الثالثة فهي موافقة لما ذكرته في العلة السادسة.
وأما الرابعة فهي مأخوذة من قول الله: كذلك لنثبت به فؤادك.
وأما الخامسة فهي قريبة مما ذكرته في الثانية...
وأما السادسة فهي قريبة مما ذكرته في الرابعة...
وأما السابعة فهي تكرار لما ذكره في العلة الخامسة.
وأما الثامنة فلا أظن أن التبليغ ملحوظ فيه ترضية جبريل (ص) بمنصبه العالي "السفارة" والله أعلم.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here