islamaumaroc

صلاح الإنسانية في العمل بأحكام القرآن

  دعوة الحق

105 العدد

أدلى صاحب الفضيلة الاستاذ الكبير الشيخ محمد أبو زهرة، لمجلة "دعوة الحق" بالحديث التالي، لمناسبة احتفالات المغرب بذكرى مرور 14 قرنا على نزول القرآن الكريم، وقد كان فضيلته على رأس الوفد المصري الذي لبى دعوة صاحب الجلالة، للمشاركة في هذه المناسبة الدينية الجليلة:

قال فضيلته:
" مضى بحلول شهر رمضان المبارك هذا العام، أربعة عشر قرنا على نزول القرآن، وانبثاق الدعوة الاسلامية، وذلك لاننا في العام السابع والثمانين بعد ثلاثمائة وألف، وذلك التاريخ يبتدئ من عام هجرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم...والهجرة كانت بعد ابتداء نزول القرآن، والبعث المحمدي بثلاث عشرة سنة.
وان هذه الذكرى، احياؤها واجب على جماعة المسلمين، في مشارق الارض ومغاربها، لان احياءها احياء أنفسهم...اذ أنه يذكرهم باجتماعهم منذ عبر التاريخ، في أربعة عشر قرنا...كان الاسلام في أولها، غض الاهاب، خصب الجناب، يغذي الانسانية كلها، ويظلها بنوره، ويمدها بغيض خيرها..
واذا كان المسلمون قد تفرقوا دولا وديلات، و أحزابا وطوائف...كل حزب بما لديهم فرحون.. ومنهم من تناسى تلك الوحدة الجامعة، والغاية الكريمة المؤلفة، فان احياء هذه الذكرى في مؤتمرات جامعة الشعوب الاسلامية من مشرق الارض الى مغربها، طريق معبد لإعادة الوحدة كما ابتدأت، وتذكير المسلمين لما يجمعهم، لينفوا ما يفرقهم... ولذلك نقرر ونكرر القول في هذا، ونعيده، ان احياء المسلمين لهذه الذكرى، احياء لقلوبهم، وتنبيه لما يجب عليهم، وتذكير لهم بما يحيط بهم، ومن يتربصون بهم الدوائر...وليس لهؤلاء الاعداء غاية الا يأفل نجم الاسلام، ويذهب من القلوب، وتتفرق جموع المسلمين، الى فرق، ليأكلوا كل واحدة منفردة عن اخواتها...ثم يتوالى أخذهم للمسلمين من نواصيهم، واحدة بعد الاخرى.
تلك أمانيهم، وهي أماني الشيطان..ولكن علينا نحن المسلمين، أن نتآزر وان نتضافر، وان في احياء هذه الذكرى، تضافرا في القول، وتذكيرا بالوحدة، وان وراء هذا القول العمل على جمع المسلمين في وحدة جامعة، على أعلى ما يتصور من التوحيد الممكن.
هذه اشارة الى الثمرة التي يجنيها المسلمون من احياء هذه الذكرى المباركة.
على أن هذه الذكرى فيها تنبيه الى ما أتى به القرآن، وأحكام الاسلام من خير الانسانية كلها.. ولكي نعرف ما أهداه القرآن، والاسلام للانسانية، يجب أن نرجع الى الوراء قليلا، لان القصر المشيد في أرض، لا تعرف روعته الا اذا عرفت الارض التي بني عليها..لقد كان العالم قبيل النبوة، يموج في شر مستطير، تتخطف الدول الضعفاء في الارض، فكل دولة تصاول الاخرى من غير باعث من فضيلة، انما هي الاطماع التي تسيرها...وضعفاء كل دولة، مأكولون لاقويائها، لا ضابط ينظم العلاقات بين الطبقات، بل قويها، يأكل ضعيفها...ولا حاكم ينظم بين الدول، بل كان العالم في مريج من الشر...حتى صاح "محمد" صلى الله تعالى عليه وسلم، بصوت رهيب عميق، يقول: "ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون"...يردد بذلك آي القرآن الكريم.
ولم يكتف الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بالنداء العميق يردد، بل أخذ الطريق الى العمل، وجعل من الضعفاء قوة...جعلها تحمل الاقوياء على العدل، ان لم يكن بالاختيار فبالاضطرار...وتجاوبت أصداء أعماله في الارض كلها، فبث فيها النور...ومعاني العدل، وآثار لهم سبيل العلم، لان مطلعه كان العلم، فأول نداء كان وجهه القرآن كان: "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق...اقرأ وربك الاكرم، الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم".. ذلك كان الاسلام فتحا جديدا في الانسانية، انتفع به أولياؤه، وقبس من أحكامه أعداؤه، وتغذى بالمعرفة من المسلمين أولياؤهم وأعداؤهم على السواء...فكان عصر النهضة في أوربا احدى الثمرات لاحتكاك الصليبين بالمسلمين، وكانت مساجد قرطبة، ومدارسها تعج بأبناء الفرنجة الذين تغذوا من لبان العلم الاسلامي، ثم نكروا أمر المسلمين، وكان لهم منهم أبشع الجرائم الانسانية.
ان الاسلام كان ثورة على كل ظلم في الارض، واحياء لحقوق المظلومين وحمايتها، وانه لا يزال كتاب الله تعالى قائما كما أنزله الله، يدعو الانسانية كلها الى أن تأوى في ظلاله الوارفة...ويدعو المسلمين الا يهجروه فهو أنسهم وفيه قوتهم، وفي اتباعه عزتهم، ولا يزال النبي يأمرهم ويدعوهم اليه، فهو يقول: "تركت فيكم ما أن أخذتهم به، لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنته"..وعسى أن تكون في هذه الذكرى عودة اليه بعد طول ابتعاد، وبعد أن ذاقوا ذل الاغتراب...وهو يدعو الانسانية اليه ليزيلوا أحقادهم، ويطفئوا نيرانهم، فانهم ان عادوا اليه، عادت القضب الى أجفانها، وأنقذت الخليفة من شرها، والتقى أبناء آدم على محبة من الله ورضوانه، أن خضعوا للقرآن وأحكامه، وعنذئد بحق لابن الارض أن يقول اني قمت العدل فيها وهذا القرآن مفتوح يهدي للتي هي لقوم، اللهم اهدنا ووفقنا للعمل بالقرآن ونشر لوائه بين العالمين، فلا صلاح للانسانية الا به، فان تركوه يستمر الشر في غلوائه، والله أرحم بعباده.
فاذا كانت هذه الذكرى، فيها هذه المعاني فان احياءها جماعيا في حفل تاريخي جامع اعلان لحقائقها، ومن واجبنا أن نتقدم بالتقدير للذين عملوا على اقامة ذلك الحفل الجامع، فنعلن تقديرنا لشعب المغرب الكريم، ولمليكه التقي ابن التقي الذي استطاع ان يؤنس في هذا الحفل المبارك المسلمين بعضهم بعض، وان يؤنسهم بالقرآن، كلام الله تعالى الذي هو حبله الممدود الى يوم القيامة.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here