islamaumaroc

المعجزة

  دعوة الحق

105 العدد

"قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرءان، لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا."   سورة الاسراء
على مدى أربعة عشر قرنا من الزمان.
وكلما دار عام القمر دورته وهل هلال شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.
وقف التاريخ خاشعا مبهورا يرنو الى ليلة القدر ويطوي اليها الآماد، كي يستجلى سر المعجزة التي بدأ بها عصر جديد للانسان..
قبل ان يبزغ نورها الاسنى، كانت الظلمة قد اشتدت ونشرت لفاعها الاسود على هذه الارض.
دولة الرومان، معقل المسيحية، تترنح تحت معاول الصراح المذهبي، بعد ان أنهكها الصراع الحربي مع الفرس، تنازعا على مناطق النفوذ والسلطان.
ودولة الفرس، معقل المجوسية، تصلى نارها المعبودة، وقد سطع لهبها في معابد المجوس واحتدم أوارها في المعارك الحربية.
والديانة الموسوية قد آل أمرها الى عصابات من يهود، صرفت كلمات الله من مواضعها، ونسيت رب موسى، سبحانه وتعالى، فعطفت على وثنها الذهبي المعبود، لا تخشع لرب سواه.
والوثنية تمارس سحرها العتيد في صميم الجزيرة العربية، فتغشي أبصار العرب وبصائرها، وتعطل عقولهم وضمائرهم، فهم على أوثانهم التي خلقوها بأيديهم، عاكفون..
في تلك الظلمة الغاشية، كان حتما أن يبزغ نور فجر جديد..
فجر تطلعت اليه إرهاصات ملأت جزيرة العرب مبشرة برسول آن مبعثه...
تحدث بها الكهان من عرب والرهبان من نصارى والأحبار من يهود، واتجهت روافدها من هنا ومن هناك، فتركزت حول البيت العتيق: مثابة حج العرب من قديم الزمان، وأقدم بيت عبد فيه الله على الارض.
إرهاصات، ان يتهمها المحدثون ويعملوها على مخترعات السمار ومتحولات الرواة، فالذي لا شك فيه أن التاريخ أرهف سمعه لها، ولمح فيها – على أي وضع أراده لها متهموها- نذر تحول مرتقب، وتعبيرا عن قلق جائح تجاه الأوضاع التي كانت تسود العالم كله في القرن السادس الميلادي، وتطلعا الى نور ينسخ ظلمات ليل طال..
ثم لما بزغ النور في ليلة القدر، عجب الناس أن يكون المصطفى بشرًا مثلهم، ابن امرأة من قريش تأكل القديد...
واستغربوا أن ينزل عليه الوحي من السماء في تلك البقعة المنعزلة من غار حراء بظاهر مكة، عاصمة الوثنية العربية، وانه لبشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وتجوز عليه أعراض البشرية مثلما تجوز على كل البشر !
                                                   * * *
وعلى مدى تلك القرون الطوال، ما يزال التاريخ كلما استرجع ذكرى تلك المعجزة، خشع مبهورا يتعجب كيف تهيأ لبشر أمي أن يواجه الدنيا بدين جديد يحطم جبروت الوثنية ويتحدى عتو الارستقراطية، ومعجزته الكبرى كتاب، كلمته الأولى "اقرأ".
كتاب عربي مبين، لم يأت يلفظ لا يعرفه العرب، ولا أضاف حرفا لم يعهدوه في حروف هجائهم، لكنه ما كاد يتلو كلمات منه، حتى بدأ تحول حاسم وخطير، في حياة العرب وحياة الانسانية جميعا !
ولقد فرض الكتاب اعجازه من أول البعث، فمنذ تلا المصطفى عليه الصلاة والسلام ما تلقى من كلمات ربه تعالى، أدركت قريش ما لهذا القرآن من اعجاز لا يملك أي عربي، يجد حسن لغته وذوقه الاصيل، الا لتسليم بأنه ليس في طاقة بشر، ومن هنا كان حرص طواغيت الوثنية على أن يحولوا بين العرب وبين سماع هذا القرآن، فكانوا اذا أهل الموسم وآن وفود القبائل للحج، ترصدوا لها عند مداخل مكة، ليحذروا كل وافد من الإصغاء لها جاء به محمد بن كلام لم يدروا بم يصفوه !
قالوا هو شعر، وقالوا هو سحر، وقالوا هو كهانة! وقد عرفوا الشعر وجزه وقصيدة، والسحر وتمتمته ورقاه، والكهانة وزمزمتها، وما جهلوا أن القرآن ليس شيئا من هذا كله، فكانت حيرتهم في أمره، اقرارا منهم بأن له من السلطان على العقول والافئدة، ما لا يعرفون له شبيها الا في أخذة السحر ونفوذ الكهانة وأسر الشعر.
"فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا يقول كاهن قليلا ما تذكرون، تنزيل من رب العالمين."
                                                * * *
والتاريخ لم يعهد قبل الاسلام، أن يكون "كتاب" معجزة نبي من الانبياء الاولين، ولعله اذ يتأمل في سر المعجزة، يلحظ أن معجزات الانبياء كانت تساير تدرج البشرية في مراحل تطورها من قديمها الاسطوري الى عصر الانسان: موسى عليه السلام تلقى رسالته وقد آن للبشرية أن تجاوز عصر السحر، فكانت معجزته سحرا يغلب أفانين السحرة في زمنه، ليؤمن القوم أن معجزته ليست في طاقة البشر، ويصدقوا بنبوته، ومن ثم يتبعونه وهو يهديهم الى مرحلة جديدة، لكن قومه سرعان ما نكصوا على أعقابهم، وزيفوا كلمات رسالته واستبدلوا بعبادة الخالق، عجلا من ذهب !
ومن بعده تلقى عيسى عليه السلام رسالته وقد آن للبشرية أن تنتقل من عصر عبادة الابطال البديل لعصر تعدد الآلهة...وكانت البطولة حينذاك تقترن بالخوارق، فجاءت معجزة المسيح الخارقة، لكي يؤمن الناس بنبوته المؤيدة بما يجاوز مألوف الخوارق البطولية، ومن ثم يتبعونه وهو يقودهم هاديا الى عصر التوحيد.
لكن معجزة المسيح الخارقة، ما لبثت أن التبست على قومه، فقال أكثرهم بألوهيته، وهو الذي جاء ليتسخ برسالته عصر الشرك وعبادة الابطال ويدعو الى عبادة الخالق وحده.
ومضت سنة قرون على مبعث المسيح، انهكت البشرية خلالها بالصراع المذهبي بين القائلين بلاهوتية المسيح والقائلين بناسوتيته، وآن للعقيدة الدينية أن تتحرر من كل شائبة تمس التوحيد الذي هو جوهر الدين كله، فاصطفى الله سبحانه محمد بن عبد الله خاتما للرسل والأنبياء، بشرا سويا يأكل الطعام ويمشي في الاسواق..
حسما لاي جدل أو شبهة في بشريته، واتقاء لتورط المسلمين في اتخاذه مع الله ألها، وتنقية لجوهر الدين من كل رواسب عصور تعدد الآلهة وعبادة الابطال.
وكانت المعجزة الشاهدة على نبوة هذا البشر الرسول، قرآنا عربيا مبينا يعيى العرب أن يأتوا يمثله، ليصدقوا بنبوته ويتبعوه وهو يقودهم هاديا على الطريق المستقيم الى عصر الانسان الذي لا يقر بعبودية لغير خالقه.
                                                   * * *
واذ جاء الاسلام مصدقا لما يديه من رسالات الله، ومنقيا لجوهر الدين الحق من كل شائبة، اختنقت به الاديان ايذانا بأن الانسانية شارفت مرحلة رشدها وصارت أهلا لاحتمال أمانة انسانيتها وتكاليف وجودها الحر، مهتدية بهذا الكتاب المعجز الذي أعيا العرب أن يأتوا بسورة من مثله، وقد نزل بلغتهم وكانت في عز أصالتها ونقائها، لم تشبها عجمة ولم تختلط بغيرها من الالسن.
ولقد تحداهم القرآن الكريم أن يأتوا بمثله فعجزوا، وجاءت آيات التحدي والمعاجزة في العهد المكي الذي نزلت فيه سبع وثمانون سورة، وبعدها في مستهل العهد المدني نزلت آية البقرة تحسم القضية بقوله تعالى:
"وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين، فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي أعدت للكافرين"
وآمن العرب، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
ومات محمد صلى الله عليه وسلم كما يموت كل البشر " وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل".
وانتهت قضية الاعجاز من مجال اثبات النبوة لبشر رسول، لتظل مطروحة على الاجيال المتعاقبة، التماسا لسر المعجزة..
وبقى هذا القرآن، كتاب الدين كله، وآية التاريخ الكبرى، والمنار الذي يهدي الانسانية في عروجها على مراقي تطورها، وسعيها الدائب لتحقيق وجودها الامثل.
أي تكريم للبشرية أن يصطفى بشر منها نبيا رسولا ؟!
وأي مجد للبيان، الذي هو خاصية الانسان، أن يكون "الكتاب" آية نبوة ومعجزة رسول ؟!
"قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان، لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا". صدق الله العظيم.


*) من مقدمة كتاب فن "الاعجاز البياني للقرآن الكريم" يصدر قريبا بمشيئة الله تعالى. 

  


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here