islamaumaroc

القرآن الكريم دعوة إلى التوحيد والتجديد والثقة بالنفس

  دعوة الحق

105 العدد

يتراءى في آفاق العقول، ويتغلغل في أعماق القلوب، أن مدرسة القرآن الكريم نهضت بالمسلمين الاولين، نظرا، وعملا، وأدبا، فاضطلعوا بالمهام والمسؤوليات وأدركوا معنى الحقوق والواجبات، وتركوا من العظائم والآثام والصالحات- وحافظت على توازنهم وتماسكم بتربيتهم على الايمان الصادق، والعمل الناطق، والسلوك القيم- ومن شأن الايمان بالله أن ينبت المزية الخلقية التي توضح جانب الانسانية أكثر ما توضحها مزية الناطقية.
هذه المدرسة نهضت بقلوبهم، وحافظت على اخلاقهم، وجعلت منهم رجالا وابطالا يدفعون العار ويحمون الجار "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار" كما جعلتهم وسطا في عقائدهم وعباداتهم ومعاملتهم "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس " أي بما يرضاه الله منكم وبما يراه الناس فيكم من سمو في الاخلاق، ونهوض في الاعمال، ووجود في الافاق، اذ لا يشهد على الناس الا أفضل الناس- والمدرسة هذه تمس الحاجة الى من يتبصر في حقائقها، ويتحقق ببصائرها  ليصل الى الغاية والهدف "قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها".
وانما كانت كذلك لانها تنطق عن الله ولا تنطق عن الهوى، فهي منهج واضح للتربية والهداية، ودستور قائم للحكم والعمل، الا ان نظامها لا يقاس بنظام البشر – وشرعها لا يوزن بشرع البشر، كما انها لا تقبل التبعيض في الايمان والتجزئة في العمل- فأما أن يؤخذ وحيها كلاما لانه وحدة لا تتجزأ، ودعوة لا تتفرق – وأما أن يترك وحيها كلاما فلا تتحرك الحياة بجادتها، بل تتراءى في أفق غير أفقها، وتتعثر في طريق غير طريقها – وأما أن يؤخذ البعض ويترك البعض فلا ولا لان الحياة بذلك تعود حياة مقتضبة أو حياة مغتصبة، لا تسلم من التناقض والافات، ولا تصحبها سعادة الحياة، وسعادة الممات، واسوا من هذا ما اذا كانت الحياة تنسب الى نظامها، ولكنها لا تكتسب من بابها، فان ظاهرها وباطنها لا يلتقيان، وان صاحبها وطالبها لا ينتصران، "افتومنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى أشد العذاب" "قل هل ننبئكم  بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون، انهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بثايات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا".
وسر ذلك أن القرآن دين التجدد والتجديد، لانه نشأ بعد ما قطعت البشرية أشواطا ومراحل في الحياة البدائية، وفي الحياة النظامية، فهو جامع لمرات الكتب السماوية وختام الانظمة الشرائعية – تلك الانظمة التي اختلفت مناهجها، وتعددت مناسكها، كما قال جل وعلا "لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" وهذا الاختلاف كان نتيجة – لمقابلة الطبائع والمصالح، ومراعاة الحاجات والمطامح- ودين الوحدة والتوحيد لانه ينشد الوحدة بين سائر القوى الموجودة في هذا الكون، وليس بين الطبيعية البشرية فحسب،  فلا حرج أن كان لا يقبل التفريق والتبعيض ولا يدع ان كان دين الوحدة والتوحيد – توحيد الله، وتوحيد العبادة لله، وتوحيد سائر الاديان في دين الله، وتوحيد الرسل في التبشير بدين الله، وفي اقامة ذلك الدين الواحد، "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا نتفرقوا فيه" والتوحيد بين العادة والعبادة حتى ان النشاط العادي يعتبر عبادة من العبادات، وما أحسن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم انما الاعمال بالنيات – والتوحيد بين القيم المادية وبين عمل الدنيا وعمل الآخرة – والربط بين السماء والارض وما بينهما في حكم النظر والاستفادة "أو لم ينظروا في ملكوت السموات والارض وما خلق الله منه شيء" "وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون".
وعن هذه الوحدة الكبرى تصدر تشريعات الاسلام وتوجيهاته وتوصياته، وحدوده وفرائضه ونظرياته، فالانسان والحياة والكون والوحدة متكاملة متضامنة، بموجب صدورها عن ارادة واحدة مطلقة شاملة "انما امره اذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون "وبمقتضى ذلك النظام الساري في مجموع الكائنات التي يكمل بعضها بعضا بحكم التعرف اليها والتعامل معها.
ومن ثم كانت العلوم الكونية التي يتعرف اليها الانسان تساعده على ازدهار حياته وتقوية وجوده ونفوذه، اذ كل ما يتعرف اليه الانسان في هذه الحياة يؤهله لاستحقاق الخلافة عن الله في أرضه، ويوسع آفاق حياته، ويفجر طاقات أفكاره، ومن ثم كان للعالم عناية بهذه الموسوعة الاسلامية الكبرى فدرسها دراسة دقيقة وعميقة حتى استفاد منها في سمو شخصيته ونمو نهضته ثم قدرها حق قدرها ومد يده الى ترجمتها وان كان قد ينقصها في بعض الاحيان، اكتشاف المعاني عن طريق طبيعتها، واعتبار السياق في فهم نصوصها.
ولقد مر على وجود هذه المدرسة أطوار وأحداث وقرون وأجيال وما تزال تستقبل الاجيال المتلاحقة بفلسفة حكمتها، ومنطق هدايتها وكمال موعظتها تتدعوا الى معرفة الله وتبين طريق المعرفة- ومناهج الحياة الصحيحة – وتدفع الى النظر في ملكوت السموات والارض- وتشرح صدرها للمناظرة والمحاككة حتى يظهر الحق وينكشف النور، ويتهيأ جو الفطرة التي فطر الله الناس عليها – فالقرآن ترجمة عما في الكون من كمال وجمال وفوائد وخواص – وكلمة الله في الارض أنزله ليعبر بلغته وببلاغته عن قوته ومعجزته ثم عن رحمة الله بهذا الانسان، ثم عن اقامة الدليل على وجود الله من هذا الكون الذي أودعه الله ما شاء من الآيات والشواهد، ثم عن الاتصال بالكون والتعرف عليه عن طريق الدراسة والرحلة والعادة والتجربة- وشهادة على أن خالق هذا الكون أكبر وأعظم، وأجمل من هذا الكون كله، ولذلك استحق خضوع الكون لسلطانه، فليس بين القرآن والعلم أي مسافة بل القرآن هو مصدر الاتصال بالكون وهو الدلالة على ما في هذا الكون كما يعلم ذلك علماء الكون.
وما أحوج العالم الذي أصبح يئن ويضج تحت وطأة الحالة السيئة المؤلمة التي يواجهها في مختلف أرجاء الارض – الى تجربة نظام اسلامي وتطبيقه تطبيقا ساميا، لانقاذ مصيره ومصيره من الوقوع في فوضى عامة لا قرار لها أو في حرب منكرة لا بقاء معها، وذلك ما جعل بعض المفكرين، يغيرون نظرهم في الانظمة السائدة، ويعتقدون أنها عاجزة عن معالجة المشاكل بعدل وسلام، ويتهمونها باشعال نار الحرب ويخلق المشاكل ووضع العراقل أمام الشعوب الزاحفة نحو التحرر المادي، والتقدم الثقافي، الشيء الذي أدى الى فتن داخلية، وحروب دامية.
وما قضية فلسطين وأطوارها الا مأساة الحياة الدنيا – وما قصة اليمن، وقبرس وكشمير، وغير ذلك الا مرآة تنعكس فيها هذه المشاكل الطويلة العريضة – وما التسارع الى التجارب النووية والتنافس في صنعها وبذل الاموال الطائلة في سبيلها الا شيء ينذر بالويل والثبور وشقاء المعمور.
والمنظمة العالمية التي تدين بميثاق حقوق الانسان، وتقرير مصيره تتدحرج بين هذه المشاكل وتتخبط في أمواجها، فهي تتألم مرة بعوامل انسانية، وتتأثر أخرى بعناصر سياسية لا صلة لها بالحق والعدل – وهي في امتحان دائم مع ضميرها ومسؤولياتها.
ولعل الشيء الذي أخر هذه التجربة هو ما عليه المسلمون من التخلف الفكري والمادي – وما آل اليه أمرهم – من التحلل من عهود الاسلام، والتحرر من دين الاخلاق – وذلك راجع فيها، اعتقد – الى أنهم ابتعدوا عما عندهم وحاولوا أن يأخذوا ما عند غيرهم ولكنهم لم يستطيعوا مضغه ولا هضمه فظلوا بدون طائل – والعادة أن الانسان لا يتمكن من الشيء فضل تمكن الا اذا زاوله بملكيته وطبيعته، ولذلك برع المسلمون من قبل في علوم الفلك والطب والطبيعة عند ما نقلوا هذه العلوم الى لسانهم ولغتهم.
وبات من الواضح الآن أن المخرج والخلاص للمجتمع الاسلامي هو الرجوع الى الاخذ بتربية القرآن ونهضته وتعاليمه، والى اصلاح المدارس وتحسين برامجها ومناهجها وتكوين المعلمين والمشرفين عليها تكوينا يقوم على أساس التربية الاسلامية والسيرة النبوية حتى يتأتى للنشء أن يتربى في أحضانها وأن يصعد على سلمها – وينهض نهضة صالحة شاملة تكون ان شاء الله نبراسا يستضيء بها العالم، والله الموفق.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here