islamaumaroc

كم من رجل لو أقسم على الله لأبره

  دعوة الحق

105 العدد

نص المحاضرة الدينية الجامعة التي القاها سيد البلاد صاحب الجلالة أمير المؤمنين مولانا الحسن الثاني نصره الله وأيده في شهر رمضان المعظم أمام علماء الاسلام في المشرق والمغرب الذين حضروا الدروس الدينية الرمضانية التي عقدت بالضريح الحسني، مساء يوم السبت 14 رمضان المعظم 1387 (16 دجنبر 1967).
وقد تناول حفظه الله في درسه القيم شرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه "كم من رجل لو أقسم على الله لابره".
قال صاحب الجلالة أمير المؤمنين نصره الله وأيده:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الرسول الصادق الامين.
أما بعد فان أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ربنا اننا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الاحاديث، فاطر السماوات والارض انت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين.

أيها السادة
أيها العلماء الافاضل
جردت العادة في نهاية دروس رمضان أن أتطفل على مائدتهم وما هو من اختصاصاتكم، فنحن لسنا من الفقهاء ولا من المحدثين ولا من المفسرين المتخصصين، فسلفا نرجو منكم التسامح، كما أننا نطلب من الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على تفسير هذا الحديث وشرحه وتطبيقه تفسيرا وشرحا وتطبيقا يزيدنا ايمانا وتعلقا بملة اشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

التذكير من مهام الراعي
وقد تذكرت بهذه المناسبة مثلا عربيا عاما أصوغه في قالب فصيح وهو يقول: (لا تتخل عن عادات، بسبب لك تركها معادة)، اذن فما علينا الا ان نحافظ على هذه العادة، ونسهم معكم بنصيبنا لا كمفسر ولا كمحدث ولا كعالم ولا كأستاذ، ولكن كراع عليه مسؤوليات الراعي، ومسؤوليات الراعي_ كما تعلمون _ هي مسؤوليات جسام ومتعددة في أنواعها وأزمنتها وأمكنتها، ولما كانت هذه الرعاية تصادف شهر رمضان الذي هو شهر الصيام والامساك عن كل معصية، وشهر الإنابة الى الله تعالى _ صارت رعايتنا_ اعتبارا للزمان وللمكان في شكل تقديم بعض النظريات من شأنها أن تعزز جانب الدين في قلوبنا وتثبت عليه أقدامنا.

كم من رجل لو أقسم على الله لابره
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(كم من رجل لو أقسم على الله لابره)
انني وجدت هذا الحديث لطيفا في مبناه، عظيما في معناه، وجدته بابا مفتوحا وافقا فسيحا لا حد له ولا نهاية أمام كل عبد مسلم، وقبل أن أشرح هذا الحديث وأطبقه على ديننا وعلى دنيانا وعلى المسلمين أجمعين، أود بطريقة موضوعية_ أن لم أقل بطريقة حديثة_ أن أظهر فضل هذه الديانة، ديانة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، على سائر الديانات الاخرى، حتى يمكننا اذ ذاك أن نقيس أعمالنا ومعاملاتنا بالديانة الاسلامية، وحتى يمكننا أن نبشر أنفسنا ويبشر بعضنا بعضا انه من الممكن أن يكون منا في كل زمن وفي كل وطن ذلك الرجل الذي اذا أقسم على الله أبره.

الاسلام مسك ختام الرسالات السماوية
انني اطلعت في صحيح الامام مسلم على حديث لا أحفظ نصه يشبه فيه النبي صلى الله عليه وسلم الديانات والرسل، يقول فيه عليه السلام ما معناه: مثل الديانات والرسل كمثل بيت أقيم ولم تبق فيه الا لبنة، وأنا لبنة ذلك البيت: اللبنة العليا، بيت القصيد، واسطة العقد، الخاتمة، مسك ختام الرسالات والنبوءات، فاذا نحن طبقنا هذا الحديث على تطور الانسانية وعلى تطور الديانات وجدنا أن الديانات السماوية وبالاخص التي نعرف عنها والتي ما زلنا نقرأ عنها هي رسالات ثلاث: رسالة موسى عليه السلام وما تبعها، ورسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

الاديان من حيث الزمان والمدلول والرسول....
واذا أردنا أن ندخل في هذا الشرح بالتمحيص وجب علينا أن ننظر الى هذه الديانات من وجوه ثلاثة:
1) زمانها
2) مدلولها
3) الرجل الذي دعا اليها.
أما عن الزمان فقد قبل_ وانا مقتنع بذلك_ في هذا المجلس، وفي الكتب وفي مجالس أخرى، أن لكل مرسل بديانة معجزات تناسب زمانه، فمعجزة موسى كانت من جنس السحر لكثرة السحرة في عهده، ومعجزة عيسى عليه السلام كانت من جنس الطب لانتشار الطب في زمانه، فقد أبرا الاكمة والابرص وأحيى الموتى باذن الله، ومعجزة محمد صلى الله عليه وسلم هي القرآن المعجز، فقد خلق صلى الله عليه وسلم أميا فجاء بهذا القرآن الذي ليس له مثيل، والذي تحدى فصحاء العرب وبلغاءهم_ وما أكثرهم في زمانه أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا.
أنا أقدر هذه الاقوال كلها، الا انني أعتقد أنه من المستحسن أن أزيد بعض التفسيرات في هذا الباب:
كلنا يعلم أن موسى ازداد في مصر أيام الفراعنة، وأن الفراعنة كانوا على علم عميق، وبالاخص الرهبان الذين كانوا يحيطون بهم ويفتونهم في أمرهم، والذين كانوا يسيرون حقيقة سياسة الدولة، لم يكونوا على علم عميق بالسحر فقط، بل كانوا بالاضافة الى ذلك على علم بجميع الرياضيات التي كانت معروفة اذ ذاك، فلم تكن اذن العصا التي أوحى الله الى موسى أن يلقيها الا معجزة مناسبة.
كان موسى يعرف خواص الزئبق، وأنه اذا ألقى في الحرارة أو وضع تحت الشمس أخذ يطول ويطول فيتحرك بالعصا، فكانت معجزة موسى عليه السلام على حد فهم أهل زمانه.
ولا ننس أن البشرية كانت اذ ذاك في جهالة جهلاء فكانت تأخذها الخشية وتفر اذا امطرت عليها السماء بالضفادع، لانها لم تكن اذ ذاك تعرف أن هذا شيء ممكن وعادي، لان الضفادع تبيض في الاودية والانهار، وحينما تمتص الشمس بخار الماء تأخذ معه ذلك البيض الذي يكون صغيرا جدا فينمو في السحاب، واذا به ينزل يوما ما في صورة ضفادع، شيء وقع، أظهره الله في ذلك الوقت على يد موسى ليمكنه بذلك أن ينفد الفكر البشري مما كان مخيما عليه من الجهل وعدم معرفة هذه الاسرار.
ومما هو معروف في بلاد الشرق وأرض الكنانة _ أن السماء تمطر بعض المرات ماء أحمر، لان الرياح لما تأتي تأخذ الماء والبخار ومعه شيء من الطين الاحمر فيتكون الماء عند التقاء السحاب فينزل الماء كأنه دم، وكان من معجزة موسى عليه السلام أنه طلب من الله أن تمطر السماء ماء أحمر حتى يزد جربه فرعون وقوم فرعون، لا السحرة، ونحن نعلم اليوم علم اليقين أن سيدنا موسى عليه السلام كان من تلاميذ الرهبان قبل أن يأتيه الوحي، فقد قرأ عليهم كثيرا، وأخذ عنهم كثيرا، وبذلك تمكن من معرفة ما ينفع به شعب مصر ومن يحدق به من الشعوب الاخرى من الاشياء التي تستلفت الانظار الى أهمية بعض الاحداث الكبيرة والظواهر الكونية العظيمة.

عيسى يحرر الافراد
أما معجزة عيسى عليه السلام فاننا تقرأ في الانجيل أن الولاة_ حينما بزور عيسى عليه السلام بعض المدن والقرى _ لا يشتكون من معجزاته كأحياء الموتى وابراء المرضى بل يشتكون دائما من شيء واحد موجود في تقاريرهم، هو أن عيسى يحشد حوله دائما أقواما وأقواما، وكلما خطب في الناس زاد عددهم وتمردوا فكريا، وصاروا متمردين على الحكم القاتم، فمعجزته الحقيقية لم تكن منحصرة في الطب، بل كانت تحرير الافراد، وكلنا يعلم أن البشرية لم تعرف قط العدد العديد والجموع الكثيرة من الاسارى والعبيدكما عرفتها أيام عيسى عليه السلام، كانت روما مسيطرة اذ ذاك على العالم كله، وكلما دخلت قرية أفسدتها وجعلت أعزة أهلها أذلة واسترقت الجميع، فجاء عيسى عليه السلام بالمساواة بين القوي والضعيف، جاء عيسى بنفي الاستعباد، الانسان حر، فحرر الرجال، وحرر الرقاب، وصار ينادي بالتحرر والحرية، الشيء الذي جمع عليه الآلاف والآلاف من البشر.
ويمكننا أن نقول في موسى وعيسى أن موسى لم يكن له وطن، وأن عيسى كان لاجئا سياسيا في جميع الاقطار التي حل بها، مسألة الوطن مهمة جدا، الشيء الذي سيظهر ميزة أخرى تتعلق بالاسلام.

المعجزة الخالدة...
أما الديانة الاسلامية فاعجاز القرآن هو معجزتها الخالدة، هو المعجزة التي تجعل من المستحيل أن يترجم القرآن بنصه وفصه ومعانيه وبلاغته الى لغات أخرى، الا أن هناك معجزة أخرى تتمثل في الاعجاز الذي نجده في القرآن، فلو أخذنا (الاميين بالتفسير المتعارف عليه لما كان في امكاننا ان نثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل الى الناس كافة، فلا ننس انه كان اذ ذاك الفرس، والبزنطيون، وروما، وفيتاغورس، واريسطو، والشعراء والفقهاء، والمهندسون، والاطباء، فكان الشرق ما عدا الجزيرة العربية_ كله يقرأ ويكتب فاذا نحن قلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل للاميين الذين لا يعرفون الكتابة والقراءة ضيقنا نطاق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.

 فما هو التأويل اذن؟
 التأويل هو قول النبي صلى الله عليه وسلم (انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق)
فالامي ينقسم الى قسمين:
الامي من الناحية العقل والكتابة والقراءة، والامي من ناحية عدم تطبيق تلك القراءة والكتابة في سيرته وفي معاملاته وفي مبادلاته وفي بيعه وشرائه، وفي زواجه وطلاقه، فاذا نحن أطلقنا لفظة الامي فيمكن أن تكون بمعنى الجاهل الذي لا يقرأ ولا يكتب، ويمكن أن يكون الامي أيضا ذلك الرجل الذي يعرف القراءة والكتابة ولكنه لا يطبقها حسب الشريعة والاخلاق، فعلى هذا التأويل يمكن تفسير قول الله تعالى (هو الذي بعث في الاميين رسولا) بأن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم هي في الحقيقة رسالة للناس كافة.
قصر الامية على جزيرة العرب أو قسم منها شيء معروف، والدليل على أن طرفا من جزيرة العرب لم يكن أميا هو اليمن، فقد ذكر الله سبأ في القرآن وضرب بها المثل، وأن مدنية اليمن وحضارة اليمن وعلماء اليمن لم يكن ليضاهيهم أحد في زمانهم، فالنقطة الاولى هي تمايز بعض الرسالات السماوية على بعضها من حيث الزمن، وميزة رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم جاءت لتعليم البشر وتربيته، فظهر لنا فضل رسالة سيدنا محمد عليه السلام من حيث الزمن.
هؤلاء الرسل....
من هو موسى؟
ومن هو عيسى؟ 
ومن هو محمد؟
كيف كانت حياتهم ؟ وكيف كانت مشاعرهم ؟ ماذا عرفوا من الدنيا ؟ وماذا شهدوا منها ؟ وماذا جربوا .؟ وماذا لم يكتسبوا من التجارب ؟
أما ما نعرف عن موسى فهو قليل، فالتوراة نفسها نرى فيها غموضا بين وقت ووقت، بين الوقت الذي أخذه فرعون ورباه في بيته، وبين وقت النبوءة والرسالة.
ولكن يمكننا أن نتتبعه في وقت نبوءته، فنراه لا يعرف شيئا عن الحالة المدنية، عن حالة الاسرة، ولا عن الحالة التي يعرف فيها ضعف الرجل، والتي يعرف فيها كيف يحلل المشكلة الخلقية أو العاطفية التي تعتري كل واحد من البشر، وانما نجده يقول عند نهاية حياته ما قاله الشاعر فنسى موين وهو يدعو باسم موسى: (اللهم انك خلقتني قويا ووحيدا، فتوفني اليك هادئا)، ذلك لان الرسالة التي أعطاه الله اياها كانت رسالة زجر، كانت رسالة قساوة، كانت رسالة نذير لا رسالة بشير، لانه كان في عراك دائم مع قومه، كان يدعو عليهم بالسوء، كان يقضي حياته كلها في تقويم اعوجاجهم.
ويمكننا ان نقول: ان رسالة موسى عليه السلام كانت رسالة سلبية، لانها كانت تشتمل على النواهي، ولم يظفر موسى يوما من الايام بسرور كالذي ظفر به النبي صلى الله عليه وسلم في حياته،  ولم يرض عن رعيته ولا عن القوم الذين بعث فيهم، فلنسمع الى موسى وآله موسى يتكلمان، في هذه النبذة التي وقفت شخصيا على ترجمتها من التوراة:
 قال الله على لسان موسى:
(الى أي حين سيظل هذا الشعب يهزأ بي ويسخر مني ؟ والى أي وقت سيبقى غير مؤمن بي رغم جميع النعم التي أسبغتها عليه ؟ أنني سأسلط عليه الطاعون، وسأجعل منك أمة أقوى وأعظم منهم).
هكذا عاش موسى عليه السلام في عراك مستمر مع شعبه، وفي مناجاة مستمرة مع ربه، هذا ما أعتقد.

عيسى روح الله وكلمته
أما سيدنا عيسى عليه السلام فمن هو ؟ سيدنا عيسى روح الله وكلمته، سيدنا عيسى لا نعرف عن صباه شيئا، ولا يمكننا أن ننتبه الى حياته أو الى تاريخه الا بعد ما نراه يلتقي مع جان باتيست، ثم يشعر من نفسه أنه مؤهل الى رسالة، فيخلو بالجبل الاسابيع والاسابيع، فيأتي الشيطان فيوسوس، ويحاول أن يدحرجه وأن يجعله في موطن الزلق فيأبى سيدنا عيسى، ومن ثم يخرج عليه السلام ليدعو الى رسالته.

الصورة المخالفة
اننا اذا أمعنا النظر في رسالة عيسى عليه السلام لا نجد أنه غير منسكا من مناسك موسى، بل زاد عليها الشيء القليل، ولكن لم يغير من الديانة اليهودية، لانه كان أولا يهوديا، فبماذا جاء اذن؟ انه لم يجيء بمعتقدات جديدة، فالله موجود، وملائكته موجودون، ولكن رأى الله سبحانه وتعالى من الضروري أن يغير أمام الناس شبح ذلك الاله المنتقم، شبح ذلك الاله الذي لا يعمل الا والهلاك في يده، أراد الله سبحانه وتعالى أن يعطي للناس صورة مخالفة لما يظنونه في الله، فجاء عيسى بانه رب الرحمة ورب المغفرة ورب التوبة، ويمكنني أن أقول هذا، لان الانجيل ليس ما كتبه أو قرأه عيسى فرواه عنه الناس مسترسلا متواصلا كما هو الشأن في القرآن _ لو كان ذلك ما كان في امكاني أن أقول شيئا في هذا الباب _ ولكن بما أن عيسى كان يتكلم بالعبرانية وبعده ترجم الانجيل الى اللاتينية والعربية والانجليزية والفرنسية يمكنني اذن ان أقول بأن صفة ذلك الاله ربما غالى فيها سيدنا عيسى حتى قال: (اذا ضربك أحد على خدك الايمن فأدر له خدك الايسر) وحتى قال وهذا أعتقد أخطر: (انظروا الى الطير في السماء، فهي لا تبذر ولا تجهد ولا تجمع الحب في البيادر والحقول، وانما يطعمها ربكم الاعلا، فهل لستم أجل منها قدرا وأرفع منها شأنا ؟)

حيى النبي (ص) حياة شعبه
أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد أراده الله أن يعيش حياة شعبه وحياة أمته، نعم عذب (ص) وهزئ به كما هزئ بالرسل من قبله، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يدع قط على شعبه، وحينما جاءه جبريل وهو في الطائف قال له: (اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون)، بل أراد الله سبحانه وتعالى أن يظهر لنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحالات التي يمكننا أن نعيشها كلنا فرادى وجماعات، فهو الذي أخرج من مكة واستعظم الامر واستكبره، وحينما قال له ورقة ابن نوفل قبل ذلك سيخرجك قومك، اجابه متعجبا: أو مخرجي هم ؟ واستعظم الامر واستكبره، وبكى صلى الله عليه وما زالت لواعج الحنين في صدره منذ فارق مكة وهو في المدينة الى أن اعتمر عمرة القضاء وحج حجة الوداع، ومكث بمكة وتعرف عليها وطاف بالبيت وزار جميع المعاهد والاماكن التي كان يهواها ويحبها والتي تربى فيها.

الداء والدواء
اذن عرف عليه الصلاة والسلام مفارقة البلد والاغتراب، عرف الحزن من فقد أحد أبنائه وقال :
(العين تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول الا ما يرضي الرب وانا على فراقك يا ابراهيم لمحزونون).
فقد ولده، الشيء الذي لم يقع للآخرين، وكان الله سبحانه وتعالى أراد أن يتوج هذا كله، فجاءت قضية الافك، فعرف صلى الله عليه وسلم ما للغيرة وما للشك في زوجته وفي حليلته من مصائب وآلام ولواعج وتكاليف على الفكر والجسد، الى أن أتى الله سبحانه وتعالى بآيات البراءة التي طمأنته على عرضه وعلى عائشة رضي الله عنها الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهم جميعا.
هكذا نرى أن الرجل أي النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو عاش عيشتنا، وتقلب في آلامنا وعرف جميع الانواع منها، عرف منها الجوع، عرف منها الغربة، والنفي، عرف منها الشك، عرف منها الارتياب، عرف منها كل شيء وما ذلك الا ليربيه الله سبحانه وتعالى تربية كاملة، لان المخلوق مخلوق وما نحن الا من لحم ودم، وما قلبنا الا موطن للشك ولليقين والمحبة والكراهية، فبذلك مكنه الله من أن يعرف الداء فيدلنا على الدواء، والا لكانت ديانته ديانة نظرية، ولكان نبيا نظريا، ولكانت فردية ليس من ورائها شيء اذن كان صلى الله عليه وسلم موضوعيا من حيث الزمن، ومن حيث المعجزات، ومن حيث الرجال، فكانت معجزته أكمل المعجزات وأتمها وأقول أصلحها.
وان نحن مثلنا الديانات بالعملة، فالعملة الجارية، العملة القوية العملة التي يمكن أن يتعامل بها في كل مكان وزمان وهي الذهب، هي النبي صلى الله عليه وسلم، فرسالته من ذهب عملة قوية يتعامل بها عند جميع الاجناس، وفي جميع الاماكن، وفي جميع الازمنة.
قرأت عليكم في الاول بعض آيات لموسى وعيسى وسأرجع الى البعض منها بعد الشروع في تفسير الحديث..

الكم ... والكيف
الحديث في مبناه يعجبني جدا، بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بلفظة "كم" ولم يذكر في هذا الحديث معنى الكيف، فهذا استبشار عظيم، (كم) كلكم أو الكثير منكم يمكن الله أن يبر قسمه، ولكن لم يقل صلى الله عليه وسلم يشترط أن يكون فيك كذا وكذا حتى يبر الله قسمك.
فوجود (الكم) هنا دون أن يكون مقرونا بالكيف هو الذي يفتح لنا جميع: لرجل الشارع، للقوي، وللضعيف، وللمذنب، وللطلائع، هذا الباب الذي يمكنه أن يناجي منه نفسه في ليله ونهاره، في شغله وفي راحته، قائلا: لعلي أكون من أولائك الذين اذا أقسموا على الله أبرهم، ولكن مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر بعض الشروط لابد لنا نحن أن نذكر بعضها الذي هو من باب تحصيل الحاصل، فالكلام جاء من فم النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالاسلام، فمن الطبيعي أن هذا العبد في هذا المقام لا يكون الا مسلما، أمرنا بالايمان، فمن الضروري أن تكون مؤمنين حتى ندخل في هذا القالب، أمرنا بالاحسان وهو الضمير المهني، وسيأتي بتقريره بعد، فلا بدلنا من الاحسان حتى لا تكون منافقين وندخل في اطار هذا الحديث أمرنا أن نكون مسلمين، أن نشهد أن لا اله الا الله وأن محمد رسول الله، وأن نقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونحج البيت، ونصوم رمضان، أمرنا أن نكون مؤمنين، أن تؤمن بالله وملائكته ورسله وكتبه، وبما جاء به الحديث الذي نزل على فم جبريل الذي رواه مسلم والبخاري وغيرهما من رواة الحديث.

ما هو الاحسان
وأمرنا بالاحسان، فما هو الاحسان ؟ هو قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عليه السلام عن الاحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك)، معنى هذا أن الانسان في جميع أعماله، وفي جميع حركاته وسكناته، اذا هو تشخص وجود الروح الالهية والاعانة الالهية مطبقة عليه من فوقه ومن تحته، من أمامه ومن خلفه، وعن شماله ويمينه، أدى ما هو مناط به على أحسن الوجوه والدليل على هذا هو أن لا يكون كذلك يصير من زمرة المنافقين الذين جاء فيهم كتاب الله بالوعيد الشديد، والذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (آية المنافق ثلاث: اذا حدث كذب، واذا وعد أخلف، واذا أؤتمن خان) ويعكس ذلك المؤمن ؟ أنه هو الذي اذا حدث صدق، واذا وعد وفى، واذا أؤتمن أدى الامانة).
انها ليست شروطا كثيرة: الشهادة، أربعة أركان: الايمان بالله والرسل والملائكة واليوم الآخر والقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن يكون فينا الاحسان حتى لا نكون من المنافقين، وحتى تستحضر الله دائما في جميع ما تأتي وما نذر، وحتى نكون متحلين بصفة الضمير المهني.

شمول الرسالة المحمدية
وقاعدة أخرى تركتها هي الاخرى نظرا لجسامتها: حديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المهاجر من هجر السيئات، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، وهذه الفقرة هي التي تهمني: المسلم من سلم الناس من لسانه ويده.
أولا _نستبشر، فالقرآن كما أنه جاء للناس كافة جاء الحديث وسنة النبي صلى الله عليه وسلم للناس كافة، كان في امكانه عليه السلام أن يقول المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ولكنه قال: المسلم من سلم الناس أي جميعهم من لسانه ويده.

الله...الله...يا أهل القلم
وأنا أقول (ويده) تدخل فيها الكتابة، فالمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، وقلمه، حيث أن القلم يخط فيكذب فيتقول فيتعرض الى أفاق اجتماعية أو مصائب سياسية أو الى فتن أو الى المحصنات أو للمس بالمقدسات، فالمسلم من سلم الناس من لسانه ويده التي يدخل فيها القلم الذي يكتب، القلم، فالله يا أهل القلم، الله...الله...يا أهل الصحف، اتقوا الله حتى تكونوا مسلمين، وان كنا نعينكم في بعض الاحيان على هذه التقوى ببعض من الرقابة، ولكن هذا لا يكفي.

قواعد تكميلية
اذن هذه هي القواعد التي لابد منها، وهناك قواعد تكميلية، لان الله سبحانه وتعالى لم يغفل في كتابه عن شيء، ولانه اذا أردنا أن نستخرج من كل آية ومن كل حديث ما يجب علينا أن نقوم به حتى تكون مبشرين بالجنة، وحتى نظفر برضا الله وحتى نظفر بجوار النبي صلى الله عليه وسلم وحتى نظفر بالمعفرة، وحتى يتوب الله علينا_ لوجدنا الشيء الكثير.
هذه بعض الاراء الموضوعية، وهذه المسائل التي جئتكم بها كلها موضوعية، وتدل على أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وافقت زمانها ومكانها، وجاءت للناس كافة الذين يقولون بالسحر والذين لا يقولون به، الذين يقولون بالطب والذين لا يقولون به، ان النبي صلى الله عليه وسلم كانت له مثل الاحساسات التي لامته، فعرف الداء فاهتدى الى وزاد (من) التي هي للتبغيض حتى يأمل المؤمن والمسلم الدواء، كل هذه المسائل عرفناها بكيفية مجملة، لان مثل هذه الجوانب تقتضي بحثا دقيقا و مستطيلا.
لنرجع الى الكتب السماوية بما أننا ملزمون بالايمان بها، على الاقل نعرف ما فيها، جاء من التوراة _ وهنا سترون عنصرا موضوعيا للفرق بين القرآن وغيره:
ثم خاطب الله موسى، وهارون بهذه العبارات: "الى أي وقت سيظل هذا الجمع الخبيث يتهامس بي ويتقول علي ؟ انني سمعت الهمسات التي يتقول بنوا اسرائيل ويقذفونني بها، فقل لهم: انني سأجعل منهم بحق روحي التي هي كلمة الله شيئا مطابقا لصدى صراخهم في آذاني، فجئتكم جميعا ستهوى في تلم الصحراء، انتم الذين جرى احصاؤكم بتعداد من بلغ منكم العشرين فما فوق، وتقولتم علي الاقاويل، فانكم قطعا لن تدخلوا البلد الذي أقسمت باقراركم فيه، أن جئتكم ستسقط في الصحراء، وسيبقى أبناؤكم فيها رعاة طيلة أربعين سنة كاملة ليكفروا عن خطاياكم ولا أزيد)
الفرق أولا: جاء في القرآن حينما أراد الله سبحانه وتعالى أن يظهر جلاله للمؤمنين ويبث فيهم شيئا ما من الرعب والخوف قال لهم: "ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات، وبشر الصابرين" الى آخر الآية.
لنبلونكم من باب التجربة وليس من باب العقاب، وزاد "من" التي هي للتبعيض حتى يأمن المؤمن والمسلم بانه اذا ابتلى بالخوف فهو لا يبتلى بالجوع، واذا ابتلاه الله بالجوع فلا يبتليه بنقص في الاموال، هذا هو الفرق الاول.
أما الفرق الثاني فهو مهم جدا من باب المسؤولية المدنية، فالله سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز (ولاتزر وازرة وزر أخرى).   
وفيما قرأت عليكم من التوراة: (وتصبحوا هشيما) (ولقد قضيتم أربعين يوما تجوبون البلد ) حتى قال (ان جئتكم) (وسيصبح أبناؤكم فيها رعاة طيلة أربعين سنة كاملة ليكفروا عن خطاياكم) وهذه مسألة موضوعية، هذا قرآن وهذه توراة، والفرق بين ذلك وتلك ظاهر لمن أراد أن يكون مسلما.
أما الانجيل فقد قال فيه عيسى عليه السلام في خطبته على الجبل:
 (لا تشغلوا أنفسكم بهم السؤال ما استطعتم، وماذا سنسقى؟ وبماذا سيتيسر لنا الكساء ؟ ان عباد الاصنام هم الذين عن كل هذا يتساءلون، الا ان أباكم الاعلا يعلم بانكم بحاجة الى الطعام والشراب والكساء بانه اذا ابتلى بالخوف فهو لا يبتلى بالجوع، واذا ابتلاه فالتجئوا الى عدله، وسيهبكم الله كل ذلك تفضلا، ولا ترهقوا أنفسكم الاهتمام بالغد، لان الغد سيفنى بما فيه، ولكل يوم نصيبه من الفتنة، ولكل يوم ما يكفيه من العذاب، ونحن نروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.
ثم قال عيسى والفرق بين: (انظروا الى الطير في السماء فهي لا تبذر ولا تحصد ولا تجمع الحب في البيادر والحقول، وانما يطعمها ربكم الاعلا، فهل لستم أجل منها قدرا وأرفع شأنا ؟) فيقول النبي صلى الله عليه وسلم (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير، تغدو خماصا، وتروح في هذا الباب هو العمل، وأخذ الاحتياط وفرض جميع ما يمكن أن يقع، ومن بعد التوكل على الله، فهي هي شريعة الامل، وها هي شريعة الخمول، ها هي شريعة الامل، وها هي شريعة اليأس، ها هو كلام الرحمة، وها هو كلام الغلظة، هنا ولنبلونكم بكذا وكذا رحمة وغلظة، وهنا ستظلون تجوبون الارض غلظة بلا رحمة.
ثم انظروا الى الطير رحمة بلا فائدة، وما جمع الرحمة والفائدة الا قوله تعالى (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا)، هذا هو الخير كل الخير.
ففيما يظهر اعتقد في ضميري أنه من الناحية التفسيرية والاجمالية انني أتيت على بعض الجوانب من هذا الحديث، وما واكبه من تفسير أتيت بآيات بينات وأحاديث نبوية واستدلالات من التوراة والانجيل مع  أني لست صاحب هذه المهنة ولا متعاطيا لها، وقد اخترت هذا الحديث كما قلت لكم أولا لانه يفتح باب الرحمة ويفتح باب الامل، ولانه يذكرنا بكتاب الله سبحانه وتعالى (ولئن شكرتم لازيدنكم) فلما في يمنانا وفي يسرانا حبل من الله سبحانه وتعالى وحبل من رسوله صلى الله عليه وسلم لنفتح الآفاق أمامنا، ولنذلل العقبات، وهذا ما وقع لي في هذا الشهر الكريم وأردت أن أذكر هذا الحديث اليوم بمناسبة رمضان، حيث أن هذا الشعب أقسم على الله فأبره حينما قبل _منذ سنتين مضت_ كل واحد منه، كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم، أن يتنازل عن الزائد في ثمن السكر، وأن يتحمل جماعات وافرادا بناء سد وادي زيز الذي تم ولله الحمد مشروعه، والذي سنشرع في العمل فيه في أوائل شهر شوال ان شاء الله (1).

المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا
فاليك أيها الشعب الكريم أرفع هذه البشرى، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو أصدق القائلين ما معناه: (أن لله شعوبا لو أقسمت على الله لابرها) فاهنا بهذا الحديث وبهذه البشرى، لانك أقسمت واهتديته فلم أقل شعبي العزيز لانك تشبثت فرادى بجميع أطراف الديانة الاسلامية، فلم أقل، انك صليت وانك زكيت، أو انك كذلك صمت أو انك كذلك تجنبت المحرمات، أو انك كذلك أطلعت الطاعات وأتيت بها، ولكن أقول: ان هناك تكافؤا، ان هناك توازنا، فاذا عصى واحد منا في ناحية أحسن الآخر في تلك الناحية، وهذه هي الشعوب والمؤمنين يشد بعضهم بعضا، ما معنى يشد بعضهم بعضا، يملأ المؤمن فراغ أخيه كلما وجد المؤمن فراغ أخيه من حسنة لم يأت بها فهو يعمر ذلك الفراغ حتى لا يبقى ذلك الجدار فيه ثغرات، وحتى يبقى جدارا مرصوصا لا ثغرة فيه، فلنهنأ بهذا التكامل وهذا التكافؤ ولم تكن هذه هي البشرى الاولى، ولا البشرى الوحيدة في بلادنا، وفي تاريخنا القديم والحديث من ان الله سبحانه وتعالى انصت الى قسم الابرار منا فأبرهم.

أخرجنا من ديارنا والرأس مرفوع
وما استقلالنا ببعيد، وما حالة منفى أبينا بعيدة، وما حالة الاحتلال والقهر والغلبة التي عشتها، أنت هنا والتي عشناها نحن هناك ببعيدة، فلقد أخرجنا من ديارنا ولكن أخرجنا منها والرأس مرفوع ولله الحمد، اخرجنا منها والقلب مليء بالايمان، اخرجنا منها واليقين يخامرنا ليل نهار بأننا سنرجع، وما اقتبسنا ذلك كله الا من مرآة من مشعل كان ينعكس ضوءه على شعبنا أي على أسرته الكبرى ثم على أسرته الصغرى، فركبنا الطائرة مؤمنين، ونزلنا الارض الأجنبية مؤمنين، ورجعنا الى المغرب متواضعين حامدين الله شاكرين حتى يزيدنا من نعمته ومن فضله، وهكذا قطعت شعبي العزيز مراحل واشواطا، ولعلي بك تقول: وكيف نقطع المحنة التي نجتازها كلنا شعبا مغربيا وشعوبا عربية واسلامية ؟ أقول فليسلم كل مسلم من يد المسلم ولسانه.

فليراقب الله كل مسؤول في عمله
هذا هو الشرط الاول، ثم أقول: فليراقب الله كل مسؤول في عمله، ولا بخط سياسة بكيفية جهارية ثم يهييء سياسة أخرى في السر، فيكون الظاهر مخالفا للباطن.
كيف التخلص ؟ التخلص اننا نكون كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أمره الله بالرجوع الى المدينة بعد ما آمنوا بأنهم سيدخلون مكة، وقد كان هذا الموضوع هو الذي كنت أريد أن أطرقه في الحقيقة، ولكن نظرا لتلابس المسائل السياسية ربما قد تخرج من فم عالم أو مفسر ولا يمكن أن يتمشى معها الى النهاية لان السياسة ليست من شأنه، أما أنا فمن شأني متى بدأت أطرق الموضوع السياسي استنفذه ومؤتمر القمة على الأبواب فكان من المحرج جدا أن أطرق هذا الموضوع، لذا طلبت من فضيلة الشيخ أن يتوب عنا فيه جازاه الله خيرا، فاذا نحن تحلينا بهذا كله وتحلينا بما وجب من الفضائل أقسمنا على الله فأبرنا.

حديث الغار
وهذا حديث لطيف جدا حيث اننا نذكر العمل الاقتصادي ووادي زيز والتحرر الاقتصادي والتنمية الاقتصادية، حديث لطيف جدا رغم ما فيه من خشوع ورغم ما فيه من جبروت ورحمة الله نستقصي منه هذا الظرف الاخير.
كلكم يعلم ما وقع لاصحاب الغار، كانوا سائرين فاذا هم التجأوا الى غار فاذا سخرة تنزل مع الجبل فتحبسهم فيه فيطلبون من الله النجاة فلا تتحرك الصخرة، فيأخذ كل واحد يذكر ويقدم بين يديه ما يعتبره شفاعة وما يعتبر أن من شأن أن يخفف عليهم ما هم فيه من الكرب.
وذكر الرجل الاول قضية البرور بوالديه، المسألة واضحة البرور بالوالدين وصى به الله وجعل مكانة الوالدين بعد مكانة الله، وجعل لهما مقاما رفيعا، ولكن المسألة كيفما كانت هي مسألة سلالة، الولد يحب أباه وأمه، والام والاب يحبان ولدهما، نعم البرور شيء والمحبة شيء، ولكن المنبع السلالي طبيعي.
وقال الثاني يا رب انك تعلم انني كانت عندي مناسبة لارتكاب عمل محرم مع ابنة عمي ولكني وقفت نفسي حتى لا آتي بتلك الفاحشة فاذا كنت تعلم انني فعلت هذا لوجهك ففرج عنا هذه الضائقة، فحقيقة هذا الرجل أنه تمكن من الفرصة ولم يرد استغلالها، ولكن المسألة مسألة أخلاق وعفة، فلذا فرج الله عنه.
أما الثالث فسأقرأ قصته كما ورد بها نص الحديث، وبعد ذلك أعيده باللغة الدارجة ليمكن للجميع أن يستوعبه:
وقال الثالث يا الله، أنني استأجرت أجيرا بفرق أرز فلما قضى عمله قال أعطني حقي، فعرضته عليه فرغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه يقرأ وراعيها، فجاءني فقال أتق الله، فقلت اذهب الى ذلك البقر وراعيها فخذه، فقال اتق الله ولا تستهزئ بي، فقلت انني لا استهزئ بك فخذه فأخذه، فان كنت تعلم يا رب اني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما بقي، ففرج الله وفتح عليهم الباب.
معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يشغل المسلمون اليد العاملة ويريد الاشتراكية الاسلامية التي تغني الفقير ولا تفقر الغني.
فلو احتفظ ذلك الرجل بذلك القدر من الارز لما عصى ربه، كان يؤدي له أجره اليومي، ولكن لي اليقين أنه فعل ذلك وحده لما فرج الله عنه ذلك أن في هذا الحديث حكمتين: الحكمة الاولى: عدم الاستغلال بالمال الذي لا يروج، وترويج المال، واستخدم اليد العاملة، واعطاء الاجور، فحينما بذر وحصد لم يبذر ويحصد وحده، وحينما بذر وحصد المرة الثانية لم يبذر ولم يحصد وحده، وبذلك شجع اليد العاملة، وأخيرا كان الرجل فقيرا فأصبح غنيا، تلك هي الاشتراكية التي أقول لكم دائما انها اشتراكية الاسلام واشتراكية المغرب، اشتراكيتنا ترمي الى اغناء الفقير لا الى افقار الغني، بالطبع الطريقة الاولى أصعب وأمر من الطريقة الثانية، فالطريقة الاولى يلزمها جهاد وكد وجهد عشرات السنين، والاجيال من المواطنين، أما الثانية فلا تحتاج الا الى علامة حتى يصبح الغني فقيرا وحتى يصبح الكل فقيرا.

دعـــــوات...
اللهم إن كنت اننا حاولنا ابتغاء فضلك ومحبة في كتابك وتعلقا بسنتك، وقياما بالواجب وان كنا متطفلين عن هذا كله فان كنت تعلم يا رب اننا فعلناه بحق وان هذا العمل ناتج عن نية صالحة فاغفر لنا اللهم ما لحنا في كلامك أو في كلام رسولك، وما قلنا معوجا وما لم نقله مصيبين، اللهم ان كنت تعلم ان شعبك يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويشهد ان لا اله الا أنت وان محمدا عبدك ورسولك اللهم فادم عليه نعمة التآخي، اللهم ادم علينا نعمة التآخي، اللهم كف أيدي المسلمين عن اخوانهم، اللهم كف ألسنتهم وأقلامهم عن المسلمين، اللهم ابذر في قلوبنا الرأفة والرحمة ولا تبذر في قلوبنا الشدة والغلظة، اللهم انك تقول: (ولئن شكرتم لازيدنكم)  وانني اشكرك اللهم، ان كل يوم بعد يوم وآياتك تتوالى، ونعتمك تنبسط على هذه البلاد وعلى هذه الارض بكيفية تجعلنا عاجزين عن الشكر، فمنذ ثلاث سنوات مضت كنا يا رب قلقين فزعين من حالة بعض الشبان، من حالة بعض الناس الذين وصل بهم الجهل لدينهم انهم ربما كانوا يتبجحون بأكل رمضان اللهم اننا نشكرك على كوننا سمعنا ان الجل منهم يصوم رمضان، بل انهم في وقت معين في الليل يخرجون صفا صفا للذهاب الى المطعم الجامعي حتى يتناولوا سحورهم وحتى يصبحوا صائمين نائبين، اللهم زدنا وزدهم، اللهم قوهم، اللهم رسخ ايمانهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم اجعلهم يؤمنون بدينك وبرسولك قلبا وعقلا، اللهم اجعلهم يتشبثون بهذا الدين موضوعيا وعاطفيا، لان العاطفة كما تعلم يا رب تخون احيانا والعقل لا يخون أبدا، فثبت عاطفتهم بتعلقهم، وثبت أقدامهم بان تجعل لهم هذا الدين سهلا سلسلا كما أنزلته على رسولك صلى الله عليه وسلم وكما جاء به رسولك عليه الصلاة والسلام.
اللهم اننا بهذا الضريح، وهذا الضريح هو ضريح عزيز علينا لاسباب شتى، فدفين هذا الضريح هو سيدي محمد بن عبد الله سيفك وظلك، كان سيفك في الجهاد، وظلك في الحديث وسنة نبيك، اللهم انك تعلم ان دفين هذا الضريح هو مولانا الحسن الاول الذي كان عرشه على ظهر فرسه، والذي كان لا ينام مخافة ظلم أو جور يقع على فرد أو على جماعة أو على بلاده، ودفين هذا الضريح هو سيدنا محمد الخامس نور الله ضريحه، وأمطر عليه شآبيب رحمته اللهم أنفعنا ببركتهم، اللهم اجعل حياتهم وسلوكهم نبراسا لنا في حياتنا وسلوكنا، وارحم اللهم والدنا أجزه عنا خير الجزاء واجعل الجنة مأواه، اللهم انك  تعلم انه كان لا يغضب الا اذا انتهكت حرمانه فكن له ولا تكن عليه يوم القيامة، ولا تغضب عليه وأرض عنه يا الله يا أرحم الراحمين، اللهم انه كان يحب كتابك فاحبه على قدر محبته لك، اللهم ان ذكرك كان أحلى شيء في فمه يقدمه على ذكر أولاده وعلى ذكر اجداده وآبائه، اللهم اجعله من الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، اللهم انك تعلم انه كان ينصف الضعيف حتى يكون اماما عادلا  فأظله اللهم تحت ظلك كامام عادل يوم لا ظل الا ظلك، اللهم انك تعلم انه كان يضحي بكل ما في وسعه ليعيش الشعب، اللهم اجعل هذا الشعب كما أراد، وفوق ما كان يريد،  اللهم اجمع شمل العرب فالنكبة الدينية وقعت على المسلمين فلنطمئن اذن فلم نبق منذ اليوم سبعين مليونا من البشر، بل أصبحنا نصف مليار من المدافعين عن دين الله وملة رسوله، ومسجده الاقصى وعن أرضه المطهرة.
اللهم اعنا، وثبت اقدامنا، وامنحنا التواضع الذي بواسطته ساخذم هذا البيت هذه الدار، اللهم انك قلت في ابليس ( ابى واستكبر) اللهم اني اعوذ بك من الاستكبار، اللهم ان منصبي وسني وما أوتيت من القدرة كل هذا من شأنه ان يغطى علي وأن يجعلني أطغى، اللهم فانزل في قلبي ذلك الميزان، ذلك الفرقان الذي به يمكنني أن أفرق بين الحق والباطل، اللهم انزع من قلبي الاستكبار، اللهم املآني بالتواضع، اللهم املآني بالتواضع، اللهم اجعل شعبنا وامتنا دائما ناعمة في ظلال الخير والنفع والاسلام والهدى والسنة النبوية، اللهم كثر من عدد علمائنا، اللهم عزز جانبهم، اللهم افتح اذهانهم واجعل كل واحد منهم حاملا لجميع العلوم، محيطا بجميع الفنون، حتى يعلمو ويعلموا، وحتى لا يضيق أفقهم، وحتى لا يحسبوا انهم غرباء في وطن غريب، فلم يكونوا غرباء، ولن يكونوا غرباء.
علينا ان نقترب منهم وعليهم أن يوسعوا أفكارهم وان يقتربوا منا، ولنا اليقين بأن خطوات كهاته سيطوي الله مسافتها لانها خطوات ترمي الى تعزيز كتاب الله وتعزيز سنة الله.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) -بدأ العمل في بناء سد زيز في تمام الساعة الثانية عشرة من نهار الجمعة 12 شوال 1387 (12 يناير 1968) عندما ضغط جلالة الملك الحسن الثاني على زر فجر به شحنة من المتفجرات في فم غيور.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here