islamaumaroc

وثائق أندلسية حول: العلاقات السياسية بين مملكتي غرناطة والمغرب في منتصف القرن الثامن الهجري -3-

  دعوة الحق

104 العدد

تقديم:
من أكابر شيوخ ابن الخطيب- رحمه الله- وأعلامهم، الإمام العلامة قاضي القضاة بفاس، الشيخ محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي القرشي المقري التلمساني، وهو جد صاحب كتاب "نفح الطيب" أديب المغرب الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني (ت 1024 هـ ) 

ولد هذا الجد بتلمسان، وبها نشأ، ثم سكن فاس المرينية، وبها اشتهر "عالما عاملا، ظريفا، نبيها، ذكيا، نبيلا، فهيما، متيقظا، جزلا، محصلا(1)".
رحل إلى المشرق، وقضى فريضة الحج، وفي رحلته هذه التقى بالعلماء، ثم عاد إلى المغرب، حيث انقطع لنشر الثقافة بين طلابها، "فلما ولى ملك المغرب السلطان، محالف الصنع، ونشيدة الملك، وأثير الله من بين القرابة والإخوة، أمير المؤمنين أبو عنان اجتذبه، وخلطه بنفسه، واشتمل عليه، وولاه قضاء الجماعة بمدينة فاس، فاستقل بذلك أعظم الاستقلال، وأنفذ الحق، وألان الكلمة، وآثر التسديد، وحمل الكل، وخفض الجناح، فحسنت عنه القالة، وأحبته الخاصة والعامة. حضرت بعض مجالسه للحكم فرأيت من صبره على اللدد(2)، وتأنيه للحجج، ورفقه بالخصوم ما قضيت منه العجب".

وما زال الشيخ يمارس قضاء الجماعة- على نحو ما رأينا- حتى حيل بينه وبين المنصب، ولم يكن هذا يعني عدم الاستفادة كلية من الرجل؛ فقد بعثه السلطان أبو عنان إلى معاصره بالأندلس، السلطان أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج بن نصر، سابع ملوك بني الأحمر، فوصل إلى الحضرة بغرناطة في أواخر عصر هذا السلطان على الأرجح، وقضى غرض الرسالة، وأثناء منصرفه بدا له في مدينة مالقة أن ينبذ الخدمة في المغرب، وأن يبقى بهذه المدينة منقطعا للعبادة، بيد أن الرفاق سرعان ما خلوا بينه وبين ما أراد، ولحقوا بالسلطان المريني، حيث أنبأوه بما كان من أمر سفيره الشيخ، وأوغرت الحاشية صدر أبي عنان تجاهه، وكان صاحبنا قد "لحق بغرناطة فتذمم بمسجدها، وجار بالانقطاع إلى الله، وتوعد من يجيره بنكير من يجير ولا يجار عليه سبحانه" وهنا ينهض تلميذه لسان الدين ابن الخطيب مدافعا عنه، مستشفعا أبا الحجاج لدى أبي عنان ليصفح عن شيخه، ويغفر له زلته، وصدرت في هذا الشأن مكاتبات سياسية بين بلاطي غرناطة وفاس، نقدم اليوم منها ما عثرنا عليه في مخطوط ابن الخطيب، "كناسة الدكان، بعد انتقال السكان" الاسكوريال 1712- وهي ثلاث وثائق، تدور في جملتها حول هذا المضمون، وقد حمل بعضها- صحبة المستشفع له- كل من الشيخين: قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني السبتي، والشيخ الخطيب أبي البركات بن الحاج البلفيقي "مشافهين (السلطان المريني) بالشفاعة في غرضه، فانقشعت الغمة، وتنفست الكربة"، وعفا أبو عنان عن الشيخ، وأكرم وفاده الرسولين(3).

فيما يلي نقدم هذه الوثائق الثلاث:
"الوثيقة الأولى"
(43: أ) ومما كتب في غرض الشفاعة (43: ب)، بسبب الفقيه الصدر، الخطيب أبي عبد الله بن مرزوق، إلى السلطان المذكور (أبي عنان فارس المريني) بما نصه:

"المقام الذي ظلال فضله ممدودة، وينابيع جوده مورودة، وأبواب مثابته مقصودة، وحركات إقباله مرصودة، وكتائب نصره مؤيدة معضودة، وجواهر فخره على ترائب الزمان ونحره منسوقة منضودة. مقام محل أخينا الذي نصل الثناء على معاليه، ونقتنص نتيجة النصر من مقدمة وعده وتاليه، ونردد مفصل حمده ونواليه، على استمرار الدهر وتواليه، ونتوعد العدو الكافر به وبمن يواليه، وننذره بحلول الآثار العلوية عند شيم بوارق عواليه. السلطان الكذا (فارس) أبو عنان، بن السلطان الكذا (أبي الحسن علي) بن السلطان الكذا (عثمان). أبقاه الله مقصود الجناب وأصلا لمتين الأسباب، تحيي أسنة كتائبه رسوم السنة والكتاب، وتتكفل عزائمه للإسلام وأهله بنيل الطلاب وبلوغ الآراب، ولا زال سعده مقبل الشباب مفتح الأبواب، وصنع الله له أنيق الأثواب، ومراقبته لله تعالى كفيلة بالزلفى وحسن المآب. معظم مثابته العالية وجادته السامية، المعتد بعزائمه الماضية، المثنى على مكارمه الوافية وفواضله الكافية، الداعي لملكه باتصال العز وتوالي العافية. الأمير عبد الله يوسف، بن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل، ابن فرج، بن نصر.

سلام كريم، (44: أ)، بر عميم، يخص مقامكم الأعلى، ومثابتكم الفضلى، ورحمة الله تعالى وبركاته.
أما بعد حمد الله ولى الحمد وأهله، والثناء عليه بمتواتر جوده ومترادف فضله، الذي نمحض الود الخالص من أجله، ونصل اليد على دفاع من حاد عن سبله، ونخلص الضمائر لإعلاء دينه الحق وجمع شمله. والصلاة على سيدنا ومولانا محمد نبيه ورسوله، خيرة أنبيائه وخاتم رسله، الذي نعول على جاهه في الأمر كله، ونأوي في الدنيا والآخرة إلى ظله. ونجعل المودة في ابتغاء مرضاته وسيلة إلى كريم محله. والرضا عن آله وأصحابه وأنصاره وأحزابه وأهله، المقتدين به في قوله الكريم وفعله، المهتدين بهديه في ظعنه وحله، وعقده وحله، المستمسكين بمتين حبله، والدعاء لمقامكم الأعلى بنصر يمضي في الأعداء شبا نصله، وصنع يتكفل للإسلام يسوق فرعه وثبات أصله- فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم سعدا تطلع به أفق الإسلام كواكبه، ونصرا تسطر في صحف الأيام عجائبه، وصنعا إلاهيا يعرف بالحاضر منه غائبه، واعتناء تتيسر به آمال الدين الحنيف ومطالبه من حمراء غرناطة، حرسها الله، وعندنا من التشيع لمقامكم عقائد بواطنها بالظواهر معضوضة، وأوقاتها بما يرضي الله- عز وجل- مشهودة، وآمالنا بالاعتداد بكم ظلالها ممدودة، (44: ب) وجهاتنا بتأميل مقامكم أبواب المخاوف عنها مسدودة. أبقاكم الله بقاء يشرح صدر الإسلام، وتتهلل له وجوه الأيام، وحكم لملككم على أعدائه بثبات الأقدام ونصر الأعلام.

وإلى هذا، فإننا- بعد أن نقدم الواجب الأولى، والمهم الذي لا نؤثر على تقديمه قولا، من السؤال عن أحوال ذاتكم السنية، وتقرير التشيع إلى تلكم المثابة السلطانية، وبث ما عندنا من خلوص الضمير وإمحاض النية،- نعرفكم- عرفكم الله أسباب السعادة الأبدية، ونصر بعزماتكم طائفة الأمة المحمدية، ونفع المسلمين بما لنا فيكم من المقاصد الودية- إن الشيخ الفقيه الخطيب الحاج أبا عبد الله بن مرزوق- وصل الله عزته، ويسر وجهته،- لما ورد علينا، واستقر لدينا- وهو جملة من جمل الفضل، والمستولي على أمر الحصل. وفارس المنابر يروض صعابها، ويفرع هضابها- قمنا جهد إمكاننا بحقه، وعرفنا له مزية سبقه، واقتدينا بكم وببابكم الكريم في ترفيع قدره، والمثابرة على بره، وسوغنا لمستفيد العلم مورد إفادته، وشددنا عليه يد الاغتباط في إبدايه وإعادته؛ إذ هذا القطر المنقطع يتوفر فيه الاغتباط بحملة السيوف وحملة العلوم، وهؤلاء قامة الجهاد المحتوم، وهو لآلاء قامة ما للدين من الرسوم، ومع ذلك فلم يقر له بتفريق شمله قرار، ولا فارقة إليهم حنين ولا ادكار، والأوطان (45: أ) لا تفارقها الأفكار، والأولاد ثمرة الفؤاد، وأفلاذ الأكباد.     
ولما صدر فيما تقدم من التماس وصولهم ما لم يهيئه المقدار، وصحبه الاختيار، عزم الآن- والله سيني توفيقه، ويسهل طريقه- على قصد بابكم، الكفيل بالأمل الضمين لنجاح العمل، ليجدد العهد بتعظيم مثابته، ويبث ما يعانيه بسبب تشتت شمله من كاتبه، ويباشر الرعية بنفسه واثقا بتلبية المقام الكريم وإجابته. ولم يزل منه هذا العزم معمل الركائب مفتح الأبواب، لا سيما مع ما تقدم في شأنه من مخاطبة ذلك الجناب، وكنا نكل الأمر إلى اختياره عند ورود الخطاب، فيعتذر بما قرر من الأمور الخاصة والأسباب. والآن أفصح بتغلب شوقه ووجده، وارتفاع أعذاره واستقامة قصده، وشرع في اللحاق ببابكم الأعلى بغاية جده، وطلب عنا أن نخاطبكم في شأنه، ونستمطر له من مقامكم سحائب إحسانه. ونرغب منكم في تيسير أمله ورغبته، وإسعاف قصده ونيل طلبته. ومقامكم غني عن التنبيه على من أشهر بالخلوص له ولسلفه، والدعاء الصالح في دياجي الليل وسدفه، والثناء الكريم الذي يخجل الزهر حين مقتطفه. 

فبادرنا إلى إسعاف سوله، وتيسير مأموله، وتسهيل سبيله، وترجيح دليله، إذ هذه الجهات الودية لا يختلف- كما ذكرنا- حكمها، ولا يعفو في المودة رسمها. (45: ب) وعرفنا مقامكم بذلك ليكون منه على علم مقرر، وأصل محرر. ونحن- على ما يعلمه مقامكم من التعظيم الذي أسبابه مبرمة، من التشيع الذي آيته محكمة، والود الذي حلله مطرزة معلمة- لا يمر يوم إلا ولدينا عن مقامكم العلي سؤال، وفي تسني آماله- بحول الله- آمال. وهو سبحانه يصل سعودكم، ويحرس وجودكم. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

وكتب في الرابع وعشرين لرجب الفرد، من عام أربعة وخمسين وسبعمائة(4) عرف الله بركته".

"الوثيقة الثانية"
"المقام الذي يحب الشفاعة ويرعى الوسيلة، وينجز العدة ويتم الفضيلة، ويضفي مجده المنن الجزيلة، ويعيي حمده الممادح العريضة الطويلة، مقام محل والدنا الذي كرم مجده، ووضح سعده، وصح في الله تعالى عقده، وخلص في الأعمال الصالحة قصده، وأعجز الألسنة حمده، السلطان الكذا (أبو عنان فارس) ابن السلطان الكذا (أبي الحسن علي) ابن السلطان الكذا (عثمان). أبقاه الله- سبحانه- لوسيلة يرعاها، وشفاعة يكرم مسعاها، وأخلاق جميلة تجيب دعوة الطبع الكريم إذا دعاها، معظم سلطانه الكبير، وممجد مقامه الشهير، المتشيع لأبوته الرفيعة قولا باللسان واعتقادا بالضمير، المعتمد منه بعد الله على الملجأ الأحمى والوالي النصير، فلان (السلطان أبو الحجاج يوسف بن السلطان أبي الوليد إسماعيل، بن فرج، بن نصر).

سلام كريم، طيب برعميم، يخص مقامكم الأعلى، وأبوتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته.

أما بعد حمد الله الذي جعل الخلق الحميدة دليلا على عنايته بمن حلاه حلاها، وميز بها النفوس النفيسة التي اختصها بكرامته وتولاها، حمدا يكون كفؤا للنعم التي أولاها وأعادها ووالاها. والصلاة على سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله المترقي من درجات الاختصاص أرفعها وأعلاها، الممتاز من أنوار الهداية بأوضحها وأجلاها، مطلع آيات السعادة يروق مجتلاها. والرضا عن آله وصحبه الذين خبر صدق ضمائرهم لما ابتلاها، وعسل ذكرهم في الأفواه(5) فما أعذب أوصافهم على الألسن وأحلاها. والدعاء لمقام أبوتكم- حرس الله تعالى علاها- بالسعادة التي يقول الفتح: إنا طلاع الثنايا وابن جلاها، والصنائع التي تخترق المفاوز بركائبها المبشرات فتفلى فلاها، فإنا كتبنا إليكم- كتب الله تعالى لكم- عزة مشيدة البناء، وحشد على أعلام صنائعكم الكرام جيوش الثناء، وقلدكم من قلائد مكارم الأخلاق ما يشهد لذاتكم منه وبسابقة الاعتناء- من حمراء غرناطة- حرسها الله- والود باهر السناء، مجدد على الأناء، والتشيع رحب الدسيعة والفناء.   

وإلى هذا- وصل الله تعالى سعدكم، وحرس مجدكم- فإننا خاطبنا مقامكم الكريم في شأن الشيخ الفقيه الحافظ الصالح أبي عبد الله المقري خار الله تعالى لناوله، وبلغ الجميع من فضله العميم أمله، جوابا عما صدر عن مثابتكم فيه من الإشارة الممتثلة، والمآرب المعملة، والقضايا غير المهملة، نصادركم بالشفاعة التي مثلها بأبوابكم لا يرد، وظمآها عن نهل قبولكم لا تجلى ولا تصد، حسبما سنه الأب الكريم والجد، والقبيب الذي وضح منه في المكارم الرسم والحد، ولم نصدر الخطاب حتى ظهر لنا من أحواله صدق المخيلة، وتبلج صبح الزهادة والفضيلة، وجود النفس الشحيحة بالعرض الأدنى البخيلة، وظهر تخليه عن هذه الدار، واختلاطه باللفيف والغمار، وإقباله على ما يعني أمثاله من صلة الأوراد ومداومة الاستغفار، وكنا لما تعرفنا إقامته بما لقة لهذا الغرض الذي شهره، والفضل الذي أبرزه العيان وأظهره، أمرنا أن يعتنى بأحواله، ويعان على فراغ باله، ويجري عليه سيب من ديوان الأعشار الشرعية وصريح ماله، قلنا: أما أتاك من غير مسألة مستند صحيح لاستدلاله، ففر من ما لقه على ما تعرفنا لهذا السبب، وقعد بحضرتنا مستور المنتمى والمنتسب، وسكن بالمدرسة(6) بعض الأماكن المعددة لسكنى المتسمين بالخير والمحترفين ببضاعة الطلب، بحيث لم يتعرف وروده ووصوله إلا ممن لا يؤبه بتعريفه، ولم تتحقق زوائده وأصوله لقلة تصريفه.  

ثم تلاحق إرسالكم الجلة فوجبت حينئذ الشفاعة وعرضت على سوق الحلم والفضل من الاستلطاف والاستعطاف البضاعة. وقررنا ما تحققناه من أمره، وانقباضه عن زيد الخلق وعمره، واستقباله الوجهة التي من ولى وجهه شطرها فقد آثر أثيرا، ومن ابتاعها بمتاع الدنيا فقد نال فضلا كبيرا وخيرا كثيرا، وسألنا منكم أن تبيحوه ذلك الغرض الذي رماه بعزمه، وقصر عليه أقصى همه، فما أخلق مقامكم أن يفوز منه طالب الدنيا بسهمه، ويحصل منه طالب الآخرة على حظه الباقي وقسمه، ويتوسل الزاهد بزهده والعالم بعمله، ويعول البريء على فضله ويثق المذنب بحلمه. فوصل الجواب الكريم بمجرد الأمان وهو أرب من آراب، وفائدة من جراب، ووجه من وجوه عراب. فرأينا أن المطل بعد جفاء، والإعادة ليس بثقلها خفاء، ولمجدكم بما ضمنا عنه وفاء وبادرنا الآن إلى العزم عليه في ارتحاله، وأن يكون الانتقال عن رضا منه من صفة حاله، وأن يقتضي له ثمرة المقصد، ويبلغ طية الإسعاف في الطريق إن قصد؛ إذ كان الأمان لمثله ممن تعلق بجناب الله من مثلكم حاصلا، والدين المتين بين نفسه وبين المخافة فاصلا، وطالب كيمياء السعادة بإعانتكم واصلا. ولما مدت اليد في تسويغ حالة هديكم عليها أبدا يحرض، وعلمكم يصرح بمزيتها ولا يعرض. فكملوا أبقاكم الله- ما لم تسعنا فيه مشاحة الكتاب، وألحقوا بالأصل حديث هذه الإباحة فهو أصح حديث في الباب، ووفوا غرضنا من مجدكم، وخلوا بينه وبين مراده من ترك الأسباب، وقصد غافر الذنب قابل التوب(7) بإخلاص المتاب، والتشمير ليوم العرض وموقف الحساب، وأظهروا عليه عناية الجناب، الذي تعلق به- أعلق الله به يدكم- من جناب، ومعاذ الله أن تعود شفاعتنا من لدنكم غير مكملة الأراب(8). وقد بعثنا من ينوب عنا في مشافهتكم بها أحمد المناب، ويقتضي خلاصها بالرغبة لا بالغلاب، وهما فلان وفلان(9)، ولولا الأعذار لكان في هذا الغرض إعمال الركاب، يسبق إعلام الكتاب، وأنتم تولون هذا القصد من مكارمكم ما يوفر الثناء الجميل، ويربي(10) على التأميل، ويكتب على الود الصريح العقد وثيقة التسجيل، وهو سبحانه يبقيكم لتأييد المجد الأثيل، وإنالة الرفد الجزيل. والسلام يخص مقامكم الأعلى، ومثابتكم الفضلى، ورحمة الله تعالى وبركاته. 

وكتب في الحادي والعشرين لجمادى الآخرة، من عام سبعة وخمسين وسبعمائة(11)".

"الوثيقة الثالثة"
"... وإلى هذا، فإننا وقفنا على كتابكم الكريم في شأن الشيخ الصالح الفقيه الفاضل أبي عبد الله المقري، وفقنا الله وإياه لما يؤلف لديه، وهدانا لما يقرب إليه، وما بلغكم بتقاعده بمالقة، وما أشرتم به في أمره، فاستوفينا جميع ما قررتم، واستوعبنا ما أجملتم في ذلك وفسرتم. واعلموا يا محل والدنا،- أمتعنا الله ببقائكم الذي في ضمنه اتصال السعادة، وتعرف النعم المعادة- أننا لما انصرف عن بابنا هو ومن رافقه عن انشراح صدور، وتكييف جزل بما تفضلتم به وسرور، تعرفنا أنه تقاعد بمالقة عن صحبه، وأظهر الاشتغال بما يخلصه عند ربه، وصرف الوجه إلى التخلي مشفقا من ذنبه، واحتج بأن قصده ليس له سبب، ولا تعين له في الدنيا إرب، وإنه عرض عليكم أن تسمحوا له فيما ذهب إليه، وتقروه عليه، فيجعل المدار، ويمهد تحت إيالتكم القرار. فلما بلغنا هذا الخبر، لم يخلق الله عندنا به مبالاة تعتبره،- ولا أعددناه فيما يذكر، فكيف فيما ينكر، وقطعنا أن الأمر فيه هين، وأن مثل هذا الغرض لا تلتفت إليه عين؛ فإن بابكم غني من طبقات أولى الكمال، ملي بتوسيع الآمال، موفور الرجال، معمور بالفقهاء العارفين بأحكام الحرام والحلال، والصلحاء أولى المقامات والأحوال، والأدباء فرسان الروية والارتجال، ولم ينقص بفقدان الحصى أعداد الرمال، ولا يستكثر بالقطرة جيش العارض المنثال، مع ما علم من إعانتكم على مثل هذه الأعمال، واستمساككم بإسعاف غرض من صرف وجهه إلى ذي الجلال. 

ولو علمنا أن شيئا يهجس في الخاطر من أمر مقامه، لقابلناه بعلاج سقامه. ثم لم ينشب أن تلاحق بحضرتنا بارزا في طور التقلل والتخفيف، خالطا نفسه باللفيف، قد صار نكرة بعد العملية والتعريف، وسكن بعض مواضع المدرسة منقبضا عن الناس لا يظهر إلا لصلاة يشهد جماعتها، ودعوة للعباد يخاف إضاعتها. ثم تلاحق إرسالكم الجلة، الذين تحق لمثلهم التجلة، فحضروا لدينا، وأدوا المخاطبة الكريمة كما ذكر إلينا، وتكلمنا معهم في القضية، وتنحلنا في الوجوه المرضية، فلم نجد وجها أخلص من هذا الغرض، ولا علاجا يتكفل ببر المرض، من أن كفلناهم الإقامة التي يتبرك بيمن جوارها، ويعمل على إيثارها، بخلاف ما نخاطب مقامكم بهذا الكتاب الذي مضمونه شفاعة يضمن حياؤكم احتسابها، ويرعى انتمائها إلى الخلوص وانتسابها، ويعيدها قد أعملت الحظوة أثوابها.

ونقصدكم- ومثلكم من يقصد في المهمة؛ فأنتم المثل الذائع في عموم الحلم وعلو المهمة- في أن تصدروا له مكتوبا مكمل الفصول، مقرر الفصول. يذهب الوجل، ويرفع الخجل، ويسوغ من مآربه لديكم الأمل، ويخلص النية ويرتب العمل؛ حتى يظهر ما لنا عند أبوتكم من تكميل المقاصد، جريا على ما بذلتم من جميل العوائد. وإذا تحصل ذلك كان- بفضل الله- إيابه، وأناخت بعفوة وعدكم الوفي ركابه، ويحصل لمقامكم عزه ومجده وثوابه. وأنتم ممن يرعى أمور المجد حق الرعاية، ويجري في معاملة الله تعالى على ما أسس من فضله البداية، وتحقق الظنون فيما لديه من المدافعة عن حوزة الإسلام والحماية. هذا ما عندنا أعجلنا به الإعلام، وأعملنا فيه الأقلام، بعد أن أجهدنا الاختيار وتنحلنا الكلام، وجوابكم بالخير كفيل، ونظركم لنا وللمسلمين كفيل. والله تعالى يصل سعدكم، ويحرس مجدكم. والسلام.
                                                         جامعة القاهرة في: 18/ 8/ 1967 م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)  المقري: نفح الطيب جـ 7 ص 132.
(2)  نفس المصدر ص 133- 134.
(3)  نفس المصدر ص 134.
(4)  الموافق 19 يوليو 1353 م.
(5)  عسل ذكرهم: وجده الناس طيب المذاق، واستعذبوا الحديث عنهم.
(6)  من منشآت السلطان أبي الحجاج صاحب هذه الرسالة، كان قد شيدها لتستعيد ماضي لذتها في قرطبة الأموية، وقد قصدها الطلاب والعلماء من كافة الجهات، وكانت تقع في درب ضيق يحاذي شارع الملكين الكاثوليكيين بغرناطة، بيد أن المبنى القديم قد أزيل منذ القرن الثامن عشر الميلادي، ولم يتبق منها الآن- كما شاهدت بنفسي- سوى محراب مسجدها ذي النقوش والزخارف الخطية. أما بقية المبنى فقد حولته بلدية غرناطة إلى مقر إدارة المهرجانات الموسيقية العالمية، التي تقام بهذه المدينة في رحاب الحمراء من كل عام. 
(7)  اقتباسا من قوله تعالى: "غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير". سورة غافر: آية 3.
(8)  الأراب: جمع إرب- بوزن سبب وأسباب- وهو المطلب والبغية.
(9)  لم يفصح عن اسم الرسولين ولكنه ذكرهما في "الإحاطة" على نحو ما فصلنا فيه القول عند التقديم
(10)  يربي: يزيد.
(11)  لعل هناك خطأ من الناسخ في هذا التاريخ؛ إذ المعروف والمشهور أن السلطان أبا الحجاج يوسف الأول ابن الأحمر قد توفي في يوم عيد الفطر من عام 755 هـ !!!.

                                                                       

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here