islamaumaroc

علي بن أبي طالب الشاعر

  دعوة الحق

104 العدد

اجتمع في رهط النبي وآله، ما لم يجتمع في غيرهم من سائر بطون العرب، علما ووراثة، وحنكة وتجربة، غير أدب تاهوا به وفخروا، على من شافههم، أو قعد لمنازلتهم بالكلم أو تصدى لهم بالبيان
اجتمع في علي بن أبي طالب وحده، قرابة ومصاهرة للنبي عليه السلام، واتفق له تربية وتنشئة وتعلم وقيادة وخلافة، واجتمع في نفسه تهيؤ واستعداد، لقول الشعر، املتهما عليه ما عاش عليه من الغمرات المشبوبة، والتعرض الشاكي بالقول والفعل لابن عمه، الذي احتضنه منذ طفولته ورعاه، تخفيفا من عيلة عمه، أو حبا وإعدادا لخلفه من بعده، وان يكن بعد الثلاثة الذين حملوا الأمانة، وقادوا الأمة، أبي بكر وعمر وعثمان.
لم يكن غريبا على علي، أن يحس إحساس الشعراء، لكن ليس كالذين كانوا ينالون من الرسالة المحمدية، أو يجرحون كيانه او يشككون في صدقها حتى أن هذا الحس، قد تعدى إلى علم بعض الصحابة، حين ذهبوا إلى علي يرجونه في رد عاديات، عبد الله بن الزبعري، وأبي سفيان بن الحارث، وعمرو بن العاص في الجاهلية...
ومما كان يؤكد هذا الاستعداد، ويقر الذين ذهبوا إلى علي يرجونه المنافحة والوقوف في هذا الميدان القولي، قول علي نفسه ردا على هؤلاء الذين سفروا عنده، لو أذن لي رسول الله...
ولقد شاء الرسول، أن يصرف عليا عن رد هذا الفحش. او أراد له التهيأة والاستعداد لما هو أكبر من ذلك، أو أراد أن  يتولى غيره، ممن لا يكونون على هذه الامة، فندب، حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة..
وفي ظني، أن هذه الحادثة التي جعلت النبي يؤثر الشعراء على علي، لا تنقص من مقداره، أو تقل من عزمه وتصميمه وإن لم يؤذن له ابن عمه، أو يأمره بما أمر به اضرابه من القوالين الذين كانوا لسان صدق في دعوة الخلد، ومحور ارتكاز للمشاكلة والسرد والوضوح..
والغرابة هنا مستبعدة، اعتمادا على القرائن والأدلة، فليس يوجد من بني هاشم على الكثرة الكاثرة فيهم من لم يقل الشعر.. فقد أورد الرواة شعرا كثيرا وان يكن متفرقا، لأبي طالب والد عبي نفسه، كما أوردا كذلك شعرا لأعمامه، عبد الله وحمزة والعباس، كما ذاع شعر لسفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن العباس، وجعفر بن أبي طالب وابني علي: الحسن والحسين وزوجه فاطمة ابنة ابن عمه صاحب الدعوة، حتى كان هذا التتبع الذي دفع ابن رشيق في «العمدة» إلى أن يقول: «ليس من بني عبد المطلب رجالا ونساء من لم يقل الشعر خاشا النبي عليه السلام».
واللصوق الذي آثره النبي، والاستجابة الحبيبة التي دفعت بالإمام علي إلى أن يلزمها بما عمرت به من الزهد والنسك وما اتسمت به من الورع ولزوم الحث والصدق والعدل، تقف دون الانتظام في سلط الشعراء، الذين يستقيدون لشياطين الشعر، أو يملكونها الهوى والغرض، أو النزوع إلى الافحاش أيا كان شأنه ومهما كان الغرض الذي تقود إليه.
على أن الاختلاف الذي أثير حول شاعرية علي، والشكوك التي ضربت بجرائها على نسب بعض الآيات أو القصائد التي قالها إليه، لم تمنع من وقفات على بعض الأبيات نأخذ المطالع أينما ولى وجهة نظر مرجع من المراجع، أو جرى باحث وراء هذه النبضات التي زاحمت جل القصيد في عهد الرسول أو بعده إلى أن ودع الشاعر الدنيا، إلا أن تكون هذه الحكم والأمثال التي اختتم بها حياته، أو عايشها علي حب لها أو إيثار لمنغومها أو فعلها في نفوس الصحابة والتابعين، ومن عاش يؤيد الدعوة، أو يقف منها موقف العداء أو المرتاب على السواء..!!
وليس صحيحا أن يشك شاك في النسب، أو يذهب مذاهب في أبيات هي من صنع علي، ومن فيض قريحته، إذ ليس في الإمكان إذا وازنا بين الملابسات التي قيلت فيها الأبيات، أو أذيعت فيها القصيدة، أن نتردد لحظة في أن عليا هو الذي قال:
تلكم قريش تهنا لي لتقتلني
فلا وربك ما بروا ولا ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمتي لهم
بذات ودقين لا يعفو لها السر
والباحث في هذا الخاطر الذي أملى على علي هذين البيتين، يجده واضحا، ولا يمكن أن يتعداه، إذا عرف أن هذا الشعر، إنما يعبر عن شعور صاحب الرسالة بعد ما هاجر إلى المدينة، أو كما قال بعض الرواة في مكة نفسها عندما اجتمعت الآراء، وعقدت النية على التخلص من محمد عليه السلام، فكان على الناطق وكان الشعور المحس، وكان التعبير الذي يدور بخلد ابن عمه، أو كان هو هو..
ومن المسلمات، ما قاله الإمام يوم «صفين» عندما سلم رايته للحضين بن المنذر، وان لم يسلم من الاستبعاد، أو النسب إلى غيره:
لمن راية سوداء يخفق ظلها
إذا قيل : قدمها حضين تقدما
ويوردها للطعن حتى يزيده
حياض المنايا تقطر الموت والدما
والغلبة في المناسبة ترتفع إلى تقضى على كل كلام قد يراد به نفي الشاعرية عن علي، أو نقض هذا الذي عبر به الشاعر.. فهو يمتدح الحضين، ويعبر عن مشاعر الصدق التي جعلته يسلمه الراية، ويأتمنه أهلا له، في ميادين الطعن، وأحواض المنايا، في يوم هو يومه الذي لا ينفك عنه، أو ينفصل عن دنياه أو يند عن تاريخه في الجهاد، أو شرفه العسكري في ساحات القتال.
ومن المأثورات التي اجتمعت لعلي في خاصة أمره، ودخيلة نفسه، استعداده ودرسه قبل خوضه أية معركة من معارك الكلام، سواء كانت كبيرة الأثر أو صغيرة الاتجاه، لعله ما يترتب على حكمه، أو يعقب ان رأى هو توضيحا أو خروجا إلى الصعيد العام.. فكثيرا ما كان يسأل وكثيرا ما كان يجيب، لكن بعد تهيؤ أو إعمال، إلا أن تكون مسألة يحتار فيها العقل، أو يقف دونها مشدود الطنب، أو متقد الزناد...
سئل الإمام يوما في مسألة من هذه المسائل التي تحتاج إلى أناة، ولا تخضع لرأي من الآراء يلقى كما تلقى سائر الآراء، فما كان منه وهو العليم بالرأي، العلم بمشكلات الأيام، إلا أن دخل بيته، ثم خرج في رداء وحذاء يعلو وجهه الابتسام، وتبين على أساريره إمارات الجد، فبادره أحد الجلوس:
مالك يا أمير المؤمنين، انك إن سئلت عن مسألة كنت فيها كالسكة المحماة..؟ فقال علي: لم يكن بد من الدخول والخروج لأروض ذهني على ما اخترته جوابا، وخفت من امر هو في، فقد كنت حاثنا ولا رأي لي في هذه الساعة...
على أن ابن أبي طالب، أراد الجواب الذي لا جواب بعده، وأراد تبصير جلسائه بما دار داخل نفسه أو تحدث هو به إليها، أراد الدل بما عنده من علم، وما عليه من معرفة، وأراد الضرب على عوده الشاعر:
إذا المشكلات تصدين لي
كشفت حقائقها بالنظر
وان برقت في مخيل الصــ
ــواب عمياء لا تجتليها الذكر
مقنعة بأمور الغيوب
وضعت عليها صحيح الفكر
لسانا كشقشقة الارجبــى
أو كالحسام اليماني الذكر
وقلب إذ استنطقته الغيو
ب أمر عليها بوهي الدرر
ولست بإمعة في الرجال
أسائل عن ذا وذا ما الخبر
وكنني مدره الأصغرين
أبين مع ما مضى ما غير
ويشهد الله على حادثة بعينها وقعت له، أو كان يمكن أن يقع أمثالها لغيره من الناس الذين يمتحنون في دينهم أو أخلاقهم أو مدخراه من التراث، إلا أن ما وقع فيه علي يصح أن يصاحبه الدليل الذي قاله، أو دفع به الشبهة عن نفسه، أو على الأقل أثر الاحتفاظ بدينه، وهذه عصمة من الله، لولاها لانزلق في هذا المأزق، لو لم يجد مخرجا، أو كان ضعيف الإيمان..
كان الخليفة يردد وهو شاعر، هذا البيت الذي تضمن الحفاظ والمفاخرة والثبات عند ما سوم أن يقر بالكفر، حتى يسير معه الذين خرجوا عليه إلى الشام:
يا شاهد الله علي فاشهد
اني على دين النبي أحمد
من شك في الله فإني مهتدي
وان جاز الشك في نسبة شعر إلى علي، فلا يجوز هذا الشك، وقد أحاطت به الحادثات وملكت على علي الشاعر أقطار نفسه، فلا يعود يرى إلا هذا التنفيس عن نفسه المكروبة التي أصابها الجزع حين ودع شريكة حياته، ابنة صاحب الدعوة الكريمة:
أرى علل الدنيا علي كثيرة
وصاحبها حتى الممات عليل
وان افتقادي فاطما بعد أحمد
دليل على أن لا يدوم خليل
ومما لا يقبل النسبة إلى غيره لوضوح المناسبة، وحصرها في علي، التزام الرد الذي يجاب به على السؤال، وهو معين بالملابسة، محدود الجوانب...
كتب إليه أخوه عقيل، يسأله عن حاله، طالبا منه إطلاعه على ما يدور حوله، أو ينتويه إزاء ما هو فيه... لكم جواب علي الشاعر، لا يريد فيه الشرح والإسهاب، أو إطلاع الناس على ما هو فيه، ويكفي أن يكون...
فان تسألني : كيف انت؟ فإنني
جليد على عض الزمان صليب
عزيز علي أن ترى به كآبة
فيفرح واش أو يساء حبيب
ومن شعر علي، وتكفى فيه الدلائل والقرائن، ولا تذهب إلى سواه مهما كان من تعلة، أو غرض، يبعد الشاعر عن موضعه بين الصفوة المختارة التي تغنت يوم أحد، أو فرحت يوم إجلاء بني النضير..
ومناسبتان من مناسبات كثيرة، تظهر أننا على مكانة علي بين الشعراء، وتطلعاتنا على هذا النفس المعطر الذي يستجيب لدواعي الساعة، أو يحلق عند  غرض كريم..
وليس يدخل في باب النيابة عن الرد، أو يشعر بهذا الشعور، إلا من يقصد أو يطلب منه ولو من وقع الحال، التعبير عن الواقع المضروب..
يذكر الرواة: أن دحيما الكلبي وفد على علي، وهو يومذاك أمير المؤمنين وكانت وفادته بمثابة الاجتلاء او الاختبار أو المعرفة، لاسيما ومعاوية يجد من يطريه أو يثني على فعاله وان كان ذلك في مجلس أمير المؤمنين نفسه، وما زال دحيم يوسع في مدحه، ويقلب في سيرته بما يرضي معاوية ويسيء عليا، حتى كان هذا الخاطر الذي حلق في سماوات ذلك المجلس:
صديقي عدوي داخل في عداوتي
واني لمن ود الصديق ودود
فلا تقربن مني – وأنت صديقه-
فان الذي بين القلوب بعيد
والمناسبة الثانية، لا تقل أثرا عن الأولى ان لم تفقها غرضا، أو تعلو عليها بمناسبتها التي قيلت فيها، وهي مناسبة لا شك، تملى على القرائح ما تتفاخر به، أو تبرز طواعية في الميدان...
أنشد علي والمسلمون ينقلون اللبن لبناء مسجد النبي عليه السلام بالمدينة، بعد أن وصف معركة.. صفين.. وما كان فيها، وما وقع بين رحاها من صحايا:
لا يستوي من يعمر المساجدا
يدأب فيها راكعا وساجدا
وقائما طورا، وطورا قاعدا
ومن يرى عن التراب حائدا
ونظرة واحدة إلى شعر علي، تخرجنا من هذا الشك الذي ران على شعره، وضرب على عبقريته، ويعد به من مواطن القوالين الذي يوحى إليهم. وان كان بالحكمة والموعظة.. فشعر الشاعر يغلب عليه اللفظ السهل، والمعنى الذي يأخذ الألباب، والاسر الذي يشيع في كلامه كله، عدا ما جبل عليه طبع الشاعر من ارساله الفظ غير ذميم حتى ولو كان في معرض الرد الذميم..
والمتأمل في هذه الأبيات التي قالها، وقد ضاق صدره، يجده لا يتناول أحدا، أو يومئ ولو من بعيد إلى هذا الذي ضاق به على عادة الشعراء في عصره أو قبله إذا هم تعرضوا لمثل ما تعرض له علي، أو امتحنوا بما امتحن به الشاعر:
لئن كنت محتاجا إلى الحلم، أنني
إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للخير، بالخير ملجم
ولي فرس للشر، بالشر مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقوم
ومن شاء تعويجي فإني معوج
وما كنت أرضى الجهل جدا ولا أبا
ولكنني أرضى به حين أحرج
فإن قال بعض الناس فيه سماجة
لقد صدقوا، والذل بالحر أسمج
ومن يعطي سيفه «فاطمة» تغسل عنه دمه يوم أحد، إلا أ، يكون زوجها علي، ومن يصف لها نفسه، ويفاخر بها ويطمئنها غير هذا الذي يقول:
أفاطم هاك السيف غير ذميم
فلست برعديد، ولا بلميم
لعمري لقد قاتلت في حب أحمد
وطاعة رب بالعباد رحيم
وسيفي بكفي كالشهاب، أهزه
أجز به من عاتق وحميم
فما زلت حتى فض ربي جموعهم
وحتى شفينا نفس كل حليم
ولعلي شعر كثير، أوحى إليه في مناسبات كثيرة، ومواقع شهدها وتأثر بها، والواقع أننا نظلمه إذا نحن جرين على نهج الذين يشككون في شاعريته، أو يسلبونه هذه الميزة المنفردة، التي لقيت نفسا صافية مستجيبة، يزينها عقل راجح بصير، واطلاع واسع، وملازمة لبلاغة النبوة، وفهم لأسرار الرسالة، وتربية قبل ذلك في حجر سيد البلغاء.
وأم ما شكك فيه بعض الرواة من شعر هو لغير الشاعر، فمن باب الظن والتخمين اللذين يذهبان بالفضل، ويعصفان بالكنوز، ولا يستبقيان إلا الريب وان ارتفع الشك، وزال ما ألفته من أهواء..
ومن يذهب إلى التراث، وينقب في المصادر والأمهات، يهله، إن يرى ديوانا من الشعر، يسلك عليا بين الشعراء، ان لم يبزهم بما أوتيه من حكمة وسداد رأي وعبقرية فذة، تقدر على التعبير بالمنظوم، كما قدرت عليه بالمنثور، الذي عد من جوامع الكلم.

الاستمتاع بالرزق
قال أعرابي: الرزق الواسع لمن لا يستمتع به، بمنزلة الطعام الموضوع على قبر.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here