islamaumaroc

الدراسات الإسلامية في فرنسا

  دعوة الحق

104 العدد

تعرف الدراسات الإسلامية في أوربا ازدهارا وتوسعا مطردا في هذه الأيام. ولا شك أن ذلك يرجع إلى عدة أسباب. منها أن العالم الإسلامي أصبح يحتل مكانة مرموقة في العالم وصار له في الوزن الدولي ثقل أكبر من ذي قبل. فقد استقلت كل دوله تقريبا، وصارت تكون كتلة مهمة في المنظمات الدولية، واستطاعت بعض هذه الدول أن تحقق أشواطا في النماء الاقتصادي والحضارة مما جعلها تقارب المستوى الأوربي المتوسط. أضف إلى هذا أن العالم الإسلامي يمتاز بحيويته، خصوصا في العهود الأخيرة. فهو يشغل الرأي العام العالمي باستمرار بما يجد فيه من أحداث ومشاكل مختلفة. فمن الثورة الأندونيسية إلى مشكلة كشمير، إلى قضية فلسطين، إلى المشاكل الناجمة عن استثمار البترول في إيران وفي البلاد العربية، كل هذه مواضيع تلفت الأنظار إلى العالم الإسلامي وتجعله نصب الأعين دائما وتدفع الباحثين- بالتالي- إلى استكشاف أسراره وتجلية غوامضه. 
والسبب الثاني هو أن الأوربيين بدأوا يعرفون العالم الإسلامي بصورة أحسن. وكان يعوقهم عن اكتشاف حقيقة ذلك العالم حاجز كبير، هو الاستعمار، فقد خلق الاستعمار حالة نفسية خاصة إزاء العالم الإسلامي لدى الجماهير الأوربية إذ بث فيهم نوعا من الحقد والعنصرية، ولم يفلت من هذا الشعور إلا القليل من الأوربيين الذين استطاعوا أن يعرفوا البلاد الإسلامية عن كتب وأن يتحرروا بمجهودهم الخاص من عدوى الكراهية والتعصب. لكن الثورة العارمة ضد الاستعمار التي عاشتها آسيا وإفريقيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والتي أدت إلى انهيار الاستعمار الأوربي بصورة مسرحية كما هو معلوم، قضت على ذلك الشعور وعلى تلك الظروف البسيكولوجية، فتحرر الأوربي بدوره في نظرته إلى العالم الإسلامي، واندحرت كثير من الأفكار والنظرات الاستعمارية مع نهاية الاستعمار. واكتسب الأوربي وعيا جديدا وأدرك أنه كان ضحية أوهام وأكاذيب وخرافات، ونظر حواليه، فوجد أن عددا من الدراسات والكتب التي كانت تحدثه عن العالم الإسلامي في حاجة إلى مراجعة وتحقيق، فاندفع إلى البحث في جولة ثانية، بروح جديدة تتحرى أن تكون عادلة منصفة.  
وهنالك سبب ثالث لابد من الإشارة إليه لأنه قمين بأن يدفعنا إلى نوع من التدبر والاعتبار وهو أن البحث العلمي لم يبق مجرد هواية أو عملا لا يهم إلا طائفة الأساتذة والعلماء وحدهم، بل أصبح شأنا من الشؤون الأولية والأساسية التي تهتم بها الدولة، علما منها بأن التقدم التقني والاقتصادي والحضاري رهن بالتوسع في البحث العلمي، وبالفعل فهنالك ميزانية ضخمة تقدر بعشرات الملايير من الفرنك تخصص في كل بلد أوربي مهم للبحث العلمي. ولا أشير هنا بالطبع إلى المجهود المالي الهائل الذي تبذله دول عظمى مثل أمريكا والاتحاد السوفياتي، فلنكتف هنا بذكر المثال الذي نعرف أكثر من غيره وهو مثال المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا الذي يحتضن مئات العلماء للبحث في مختلف الميادين، منها ما يتصل بالعلوم الإنسانية من أدب وتاريخ وفلسفة وجغرافية الخ... ومنها ما يتصل بالعلوم الوضعية من رياضيات وفيزياء وكيمياء وبيولوجيا، ومنها ما له صبغة تطبيقية في الطب والصيدلة والبيطرة ومختلف الفنون التقنية التي تتصل بكل أصناف النشاط البشري، وبفضل هذه التنظيمات وهذه الإمكانيات المادية استطاع عدد من العلماء المستشرقين أن يكرسوا جهودهم وأوقاتهم لدراسة العالم الإسلامي، غابره وحاضره، بروح جديدة ومنهاج أقرب ما يكون إلى الموضوعية العلمية، واستطاعوا أن يحصلوا من دولهم على كل المساعدات والتشجيعات التي تمكنهم من التقدم في أبحاثهم.
وبفضل هذه العوامل وغيرها ظهر بالفعل تجديد في الدراسات الإسلامية في مختلف فروعها. ويكفي أن نلقي مثلا نظرة على بعض العناوين في برنامج الدراسات الإسلامية بالسوربون لسنة 1967، لنتأكد من ذلك، فهنالك درس عنوانه "الخلافة في مذهب المارودي" يقوم به الأستاذ لاووست المعروف بتخصصه في موضوع الفكر الإسلامي والمذاهب الإسلامية، واختياره للمارودي لا تخفى أهميته. إذ هو العالم الإسلامي الكبير الذي تخصص في الأبحاث الدستورية الإسلامية. وموضوع الخلافة، من جهة أخرى، موضوع شائك إذ هو منصب خاص بالإسلام ليس له شبيه فيما سبق من أنظمة الحكم، سواء لدى اليونانيين، أو الرومانيين أو الفارسيين الساسانيين، وقد اختلفت الخلافة شكلا ومعنى بانتقالها من يد الخلفاء الراشدين، إلى الأمويين، فإلى العباسيين الخ... فالموضوع مهم كما نرى لا من الوجهة التشريعية الدستورية ولا من الوجهة التاريخية، ويدل على هذه الأهمية أن الموضوع شغل كبار علماء المسلمين في عصرنا وخاصة محمد عبده ورشيد رضا الذي ألف فيه كتابا معروفا. 
وهنالك موضوع آخر يدخل في تاريخ الفكر الإسلامي وهو "رد فعل الغزالي على الفلاسفة"، وموقف الغزالي معروف بفضل كتابه "تهافت الفلاسفة" لكنه غير مدروس بالصورة المرضية، وقد اختلف الناس في الغزالي سواء في الماضي أو في الحاضر، فمنهم من يجعله أعظم مفكر وفيلسوف إسلامي، ومنهم من يتهمه بالرجعية والجمود ويرميه بكونه استغل نفوذه الروحي للقضاء على الفلسفة الإسلامية، ولعل موقف الغزالي لم يكن يتسم بهذه الصلابة والتطرف إلا بالنسبة لمن لهم نظرة سطحية. ولعل تفكيره ينطوي على اتجاهات طريفة من شأنها أن تتفتح على آفاق غير معروفة، ولعل نقده للفلسفة من شأنه أن يدفع بهذه الأخيرة إلى البحث عن نفسها وفي نفسها. ومهما يكن، فالجدير بالذكر هو هذه الأهمية التي لا زال الغزالي يتمتع بها في الدراسات الجامعية بأوربا.  
ومن المواضيع التي اشتغلت بها السوريون أثناء هذه السنة "الرحالون العرب فيما بين القرن الرابع والقرن السابع الهجري" ومساهمة العرب بصورة فعالة في اكتشاف العالم ووصف البلدان والمجتمعات شيء معروف ومسلم به، لكن بقيت هنالك الدراسة التفصيلية لهذه المساهمة لمعرفة أهميتها ووزنها بالميزان العلي الصحيح، ورحالون من نوع المقدسي وابن جبير جديرون بكل تقدير لأنهم ضموا إلى الصفات العلمية الأصيلة صفات أدبية جعلت من رحلاتهم آثارا شيقة ممتعة. ومن خلال ما كتبوا نستطيع أن نأخذ صورا طريفة حية عن العالم الإسلامي والمناخ الاجتماعي والإنساني الذي كان يعيش فيه معاصروهم، وهذا هو الموضوع الذي عالجه الأستاذ بلاشير المعروف كمؤرخ لامع للأدب العربي، وقد اشتغل كثيرا خلال حياته الجامعية بموضوع الجغرافيين العرب. 
وقد نال الأدب البحت حظه من الاهتمام لدى أساتذة الجامعة الباريسية، فالأستاذ بلا المعروف بأطروحته الحاسمة عن الجاحظ وعصره انساق هذه السنة في دراسة الأدب العربي بإسبانيا، وقد تميزت هذه الدراسة بكونها انبنت قبل كل شيء على تحديد مفهوم كلمة الأدب عند الكتاب العرب الأقدمين، ومن دون شك أن المفهوم القديم يختلف كثيرا عن المفهوم الحديث، فالأدب يعني اليوم كل كتابة لها قيمة فنية، مهما كان موضوعها وهدفها، ومهما كانت الأفكار التي تدافع عنها وليس مطلوبا من الأديب أن يكون مرشدا أو مربيا في عصرنا. ويكفي أن يثير انتباهنا ويجذبنا بكيفية أو بأخرى. لكن مفهوم الأدب في القديم كان يختص أهدافا أخلاقية وسلوكية إلى جانب الالتزامات الفنية، فالأديب بهذا المعنى كان فكها ومؤدبا في آن واحد، فهو يدعونا وهذا، مثلا، هو ما توخاه ابن عبد ربه الأندلسي حينها بطريقة مشوقة ومغرية إلى اكتساب الأخلاق الحسنة، كتب "العقد الفريد" وهو في ذلك مدين بالشيء الكثير لسلفه ابن قتيبة. ومن هذا القبيل كتاب الأمالي لابن علي القالي، وإن كانت الرغبة في تلقين اللغة أبين فيه، وكتاب بهجة المجالس لابن عبد البر، وكتاب المظفري للمظفر ابن الأفطس الأمير المعروف في عهد ملوك الطوائف، ويقال أن كتابه هذا يشتمل على خمسين مجلدا متجاوزا بذلك ضعف حجم كتاب الأغاني للأصبهاني وكذلك كتاب "ريحان الألباب" لابن المواعيني الذي لا زال هو أيضا مخطوطا (نسخة، بمدريد، وأخرى بليدن). وكتاب ألف باء ليوسف ابن الشيخ البلوي الذي ألفه لولده على شكل موسوعة يخص فيها المعارف التي كانت موجودة في زمانه.
وكل هذه كتب أدب بالمفهوم القديم الذي وضحناه والذي يهدف إلى خلق الإنسان المهذب، الإنسان الذي تكاملت فيه خصال العلم والعمل واستندت على مبادئ قويمة. ولعل هذا المفهوم قريب مما يسمى عند الفرنسيين بالإنسانيات Lhumanisme أو Les humanités بحيث أن الأدب كما كان يتصوره الجاحظ أو ابن قتيبة أو ابن عبد ربه أو غيرهم كان له هدف إنساني قبل كل شيء يرمي إلى تطهير الروح وتصفية الأخلاق، كما يرمي إلى خدمة الإنسان في حياته اليومية وفي علاقاته مع الناس بمختلف طبقاتهم ومشاربهم. فإذا عدنا إلى كتاب ابن عبد ربه نجده مبوبا بطريقة عملية يستطيع أن يرتب فيها الأخبار والأشعار والحكم والنصائح حسب الموضوعات التي يحتاج إليها الإنسان عادة. فهنالك باب يتعلق بالسلطان وآخر بالحرب وثالث بالكرم ورابع بالوفود وخامس بمخاطبة الملوك الخ... فالكتاب يضم إلى جانب الأصول الأخلاقية كما تهتم بها الفلسفة، مجموعة من الفوائد المتعلقة باللباقة والمجاملة والسلوك الاجتماعي واكتساب عطف الكبراء والنجاح في المساعي الشخصية الخ... 
وهنالك دروس متعددة لا أستطيع أن أقف عندها اجتنابا للتطويل مثل المحاضرات التي يقدمها الأستاذ كولان في الأصول اللغوية، ودروس الأستاذ البستاني عن ابن الرومي، والأستاذ عركون عن الغزالي، والدروس الخاصة بشرح ابن يعيش على المفصل للزمخشري.
هذه نظرة خاطفة وناقصة على برنامج الدراسات في السوريون ولم أذكر فيها الدروس المتعلقة بتاريخ الإسلام. كما أني تركت جانبا دروس الكوليج دي فرانس والمدرسة العملية للدراسات العليا ومدرسة اللغات الشرقية ومتحف الإنسان الخ... فهنالك برامج متسعة في أبوابها واتجاهاتها وفيها جزء كبير يتعلق بالعالم الإسلامي المعاصر. وربما عدت إليه في فرصة أخرى، وإنما الذي يجب أن يستثير انتباهنا الآن هو هذا الاهتمام الذي لا زالت تحظى به الدراسات الإسلامية في مختلف ميادينها والذي يظهر أنه في حالة تزايد مطرد. فماذا يعني ذلك بالنسبة إلينا نحن؟  
أنه يلفت نظرنا مرة أخرى إلى القيمة الحقيقية التي تنطوي عليها الثقافة الإسلامية والتراث الإسلامي بالنسبة للأوربيين، ويبين لنا في نفس الوقت أن دراسة تلك الثقافة وذلك التراث في تجدد مستمر، تجدد يستمد قوته من مصدرين: التقدم في اكتشاف التراث والاطلاع عليه عن كثب، والتقدم في مناهج البحث والتحليل، كما يدل على ذلك الفرق بين الطبعتين الأولى والثانية من دائرة المعارف الإسلامية.
وهذا يتنافى مع الاعتقاد الذي يسود لدى كثير من المثقفين عندنا الذين يحملون الاقتناع بأننا نعرف كل شيء الآن عن الثقافة الإسلامية والتراث الإسلامي، وأننا بعد الدراسات التي قام بها أساتذة الجيل السابق أمثال طه حسين وأحمد أمين والعقاد الخ... أصبحنا في غنى عن العودة إلى تلك المواضيع التي قيلت فيها الكلمة الأخيرة.
ولكن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، إنه مرقاة لا تنتهي أدراجها، ولذلك كان من الواجب علينا أن نعود إلى تلك المواضيع التي يسود لدينا الاعتقاد أننا نعرفها والتي أطبقنا عليها الغطاء ظنا منا أننا نملك سرها بصورة نهائية، وهذا ما فهمه الباحثون الأوربيون فاستطاعوا أن يقيموا الدليل على أن العودة للمواضيع المطروقة قد تأتي بأعظم الفائدة، وفي بعض الكتب والدراسات التي صدرت في السنين الأخيرة أصدق برهان على ما أقول.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here