islamaumaroc

القيم الإنسانية في الأدب الحديث

  دعوة الحق

104 العدد

لا شيء كالتجمعات الأدبية والمؤتمرات يوضح المراحل التي قطعها الأدب في مجال التعبير عن بواطن الإنسان بل وقيمة هذا التعبير. ويرجع ذلك ولا شك إلى جو النقاش الذي يسود خلال المؤتمرات، والاحتكاك الفكري. وبهذا الصدد نحاول أن نلقي بعض الأضواء، على المناقشات التي دارت على هامش مؤتمر اتحاد الأدباء السوفييت، هذا المؤتمر الذي بلغت مناقشاته هذه السنة عمقا وتفتحا على مشاكل الأدب لعلها لم تبلغها أي دورة من دوراته السابقة، ومما يلاحظ أن هذا المؤتمر كان في الحقيقة مجرد نقطة مركزية تدور حولها المناقشات، وإلا فإن المناقشات تعدت جدران قاعاته وحصص الجلسات الرسمية. 
فمختلف المجلات العالمية كانت تساير ما يدور بواسطة مبعوثيها وبواسطة الوفود الأجنبية التي حضرت المؤتمر، وفي الاتحاد السوفييتي نفسه لم تكن المناقشات الدائرة على الهامش، خارج المؤتمر، بأقل عمقا أو تفتحا على المشاكل مما يجري داخله. وقد شارك في خلق هذا الجو جمهرة من النقاد الأدباء على السواء. وتبدت بدون شك خلافات حول كثير من القيم، ومدى وعي الكتاب لمسؤولياتهم، ولقيمة الكلمة، أو تغافلهم عن ذلك. وتطرقت الدراسات خلال المؤتمر أيضا إلى جانب النقد ودوره في ازدهار الأدب، ورسالته.
وبالرغم من أن ما يتبادر إلى الذهن أولا، هو أن هذه الأضواء تساعد على فهم الأدب السوفييتي، وتبين معالمه وحده، وأن الفائدة من هذا مهما تكن كبيرة على الأدب والأدباء فهي لا تعدو أن تكون أضواء على جزء من عالم الأدب، هو جزء العالم السوفييتي أو العالم الاشتراكي على أكبر تقدير، وبالتالي فهي إضاءات قاصرة، بالرغم من كل ذلك فإن الاتجاه الذي اتخذه المؤتمر هذه السنة، وتعدد المشارب المشاركة فيه، والمشاكل التي تفتح عليها، لا تدع مجالا لهذه الخاطرة، فالمؤتمر لم يكن عديم الاتصال بالآداب المختلفة، بل كانت مأخوذة بعين الاعتبار، بالإضافة إلى أن المؤتمر أبان عن القيم والمبادئ التي من شأنها أن تكون عاملا مشتركا بين كل الآداب والمهتمين بها. ويتجلى ذلك على سبيل المثال في الحديث الذي ساقه الأديب والناقد الروسي ميخائيل كوزنتسوف(1)، وقد ركز في هذا الحديث - الذي كان له وقع طيب في نفوس المؤتمرين، نظرا لما اتسم به من دقة وعمق ووضوح - على "النزعة" الإنسانية والتحليل ""Humanisme et analyse ورأى أنهما القيمتين اللتين ينطبع بهما الأدب الحديث، والنزعة الإنسانية هذه، بما تتميز به من محبة للبشر على اختلاف الأجناس، ومحاولة التعبير عن مشاكلهم، ودفاع عن حياة السلم والمساواة، وجدت ما يغذيها في أدب ما بعد الحرب العالمية الثانية التي اكتوى بنارها العالم أجمع، ولاشك أن أسباب الاتصال القوية بين أجزاء العالم اليوم، والشبح الذري الجاثم على رأس الإنسانية يهدد في كل مرة بالانقضاض، كل ذلك أيضا له أثره في نسج خيوط الاتجاه الإنساني في الأدب الحديث.  
والتحليل يهدف إلى بيان مظاهر الحياة المتناقضة من اقتصادية واجتماعية، وهو بالطبع بمعناه الخاص، من مميزات المجتمعات الشيوعية والاشتراكية، ولكن بمعنى عام فإن التحليل ظاهرة في كل أدب حي، يهدف إلى بلوغ نتائج، واستخلاص العلل من معلوماتها وهو مرحلة من النضج الفكري، تخرج بالأدب من مجال العفوية البلهاء، أو المجانية. وعندما ينظر كوزنتسوف على ضوء هذين الاتجاهين،- النزعة الإنسانية والتحليل- إلى الأدب، يجد أن إنتاج هذه السنة يتميز عن غيره من إنتاجات قبله، بظهور هذين الاتجاهين ظهورا لا تخطئه العين العابرة، بله الناقدة والفاحصة، ويحدد كوزنتسوف وظيفة هذين العاملين في الاكتمال الفني للعمل الأدبي فيرى أن: "هذين الاتجاهين موجودان بوفرة في الأدب المعاصر عامة، وهما ما يضفي الحيوية على إنتاجات هذه السنة.."
والطيبة أي القصد الحسن، واجتناب الإساءة إلى الآخرين من أهم العناصر المكونة للنزعة الإنسانية في الأدب، وهذا العنصر الإنساني لا تخلو منه أعمال كثير من الكتاب الذين يعد أدبهم ضاربا في الإنسانية أمثال شولوخوف الذي يصور بطله في "مصير الإنسان" طيبا إلى أقصى حد، وحيث تبدو هذه الطيبوبة ذات وظيفة أساسية في تطوير الأحداث التي تتقاذف البطل، ويتنافى مفهوم الطيبوبة هنا مع الغفلة، فبطل شولوخوف في أتم درجات الوعي، وطيبته هذه تدفعه إلى المغامرة في سبيل الآخرين ممن نكبتهم الحرب كما نكبته، وإلى العمل على تخفيف الآلام والمساهمة بكل الجهود المعنوية والمادية لنصرة العدالة. فهو ليس مجانيا ولا عبثيا. وهناك دائما وراء كل تصرف أو سلوك تجسيم لطموح حار نحو فهم حقيقة الإنسان والكون، وتثبيتها، إنها طيبوبة إيجابية فاعلة بناءة تنبع عن شعور بالمسؤولية التي يلقيها مفهوم "إنسان" على كل من يحمله. وبهذا تختلف الطيبوبة الإنسانية عند شولوخوف، وفي الأدب الحديث عامة، عن نظيرتها التي خلفها العصر الروماني الذهبي كطيبوبة "الأحدب" أو حتى طيبوبة "فالجان" عند فيكتور هيجو، فتلك طيبوبة تنبعث عن عنصر ميتافزيقي أو دافع لا شعوري، فهي تستجدي الشفقة وتثير عواطف الرحمة. وطيبوبة الإنسان الحديث تنبع مباشرة من معطيات الواقع وتستمر مرتبطة بهذا الواقع في خط أفقي يعمل على فهم هذا الواقع، وتيسيره لسعادته وأمنه وسلامه، فهي نقيض الاستكانة ومعادل القوة، وصنو العدالة والمساواة. وتبعا لاختلاف بنية الطيبة في إنسان اليوم، تغير كذلك مفهوم البطولة.

والرؤية البطولية في أدب اليوم اتجاه جديد لم يظهر في أدب ما قبل الحرب الأخيرة، أو على أحسن تقدير لم يظهر قبل القرن العشرين، إلا في قوالب هزلية: بطولة الفاشل، حقا يمكن أن يستشف المتفحص من وراء قوالب السخرية والهزء مرارة تفيض عن شعور الكاتب الساخر بعمق المأساة الإنسانية، ومعارضة شرائط الواقع البشري لمطالب الكرامة والعدالة. ولكن هذا المضمون لا يستخلص إلا بمجهود يخترق ضباب السخرية المكثف والذي قد يكون الداعي إلى تكثيفه ضغط الظروف المجتمعة أكثر من الضرورات الفنية. فبطل اليوم، يقف منذ الوهلة الأولى عاريا من الأقنعة، وأول ما يواجهك فيه بطولته المخالفة لما عهدناه في عصور البطولات التاريخية، إنها بطولة فشل أو بطولة لا تأنف من أن يخالطها عنصر الفشل المؤقت، الفشل الذي يخترق دكنته وقتومته إشعاع الأمل في غد سعيد، وهذا يلتقي أيضا بمعنى الطيبوبة السابق، فبطل اليوم بإنسانيته، يعي فشله أمام مختلف القوى المعارضة، ولكن نظرته لحظة الفشل لا تخلو من معالم البسمة، بسمة التفاؤل والأمل، بسمة الرجل الطيب الذي يعاود الكرة ويبذل الجهود من جديد لتحقيق الهدف النبيل، وليس من قبيل الصدفة أن تظهر معالم هذه البطولة الإنسانية في إنتاج أدباء العصر الحديث على اختلاف مذاهبهم في الحياة أو اختلاف ظروف البيئة المحيطة التي ينتمون إليها وينتجون في ظلالها، فأبعاد التجربة البطولية عند شولوخوف تلتقي كل الالتقاء مع أبعادها عند همنجواي. فشيخ همنجواي يواجه فشله أمام البحر- والبحر هنا رمز لمختلف عوائق الانطلاق- بنفس المرارة والأمل التي يواجه بها إنسان شولوخوف مصائب الحرب، وكل من البطلين في طيبوبته البطولية يرنو إلى المستقبل إلى الغد أي أنه يعاود التجربة.    
ونعود إلى حديث كوزنتسوف في مؤتمر الكتاب فإذا هو يعدد من مظاهر البطولة الجديدة ما يغاير المفهوم التقليدي، فمفهوم البطولة (اليوم) يتضمن عدا الشجاعة، التحمل، وسمو النفس. وهذه التجربة البطولية بالنسبة للحرب تكتمل لدى الإنسان المعاصر في مفهوم "العالم"، وكوزنتسوف في هذه العبارة يلمح إلى مفهوم العالم، الذي أصبح في عصرنا قطعة واحدة متصلة، يتأثر أقصاها بأقل ما يحدث في أدناها.
ويأتي كوزنتسوف بعد ذلك إلى "مظهر آخر للنزعة الإنسانية في الأدب المعاصر، وهو تفاعل الكاتب مع بطله الذي هو أحد أفراد الشعب تسيطر أفكاره وآماله على اهتمامات الأديب وتأخذ النصيب الأوفر منها".
أما عن التحليل فيرمي إلى تكوين "نظرة واقعية واضحة للأشياء" وهو تحليل معمق للكشف عن دقائق الواقعة "تحليل متأن لأشد أحداث الحياة تعقيدا، ضمن مجموع الظروف النموذجية واستخلاص للنتائج الكلية"، ومن أهم ما واجهه التحليل الأدبي، وقائع المجتمعات القروية. وكما رأينا أن ما يسوقه الناقد الروسي في هذا الحديث لا ينطبق على الأدب السوفييتي وحده، في المفاهيم البطولية الجديدة، وكما قارنا بين رؤية أديبين نموذجيين، من معسكرين مختلفين هما همنجواي وشولوخوف، فكذلك لا تقتصر ظاهرة تحليل المجتمعات القروية على الاتحاد السوفييتي، بل إن أدباء أمريكا اللاتينية وفي البلاد العربية انتبهوا إلى بؤس الفلاح، وتناقضات الحياة القروية فجاءت أعمالهم تشريحا بأقوى المعاني لمجتمعات القرى رغم اختلاف البيئة ومناهج التحليل، ومظهر التحليل هذا سواء كان قرويا أو حضريا، يضع مشكلتين فرعيتين أو على الأصح يتيح فرصة لتساؤل مزدوج: هل يقف دور التحليل في العمل الأدبي على أداء الجانب الموضوعي أم له وظيفة فنية ما؟ وما أهمية الكشف الذي يمكن أن يؤدي إليه هذا التحليل؟
أما السؤال فلم يتطرق إليه حديث كوزنتسوف، وربما لاح الجواب عنه ضمنيا من بين السطور. وبالطبع لن نقول هذا الناقد ما لم يقل، وعليه فيبدو لنا أن التحليل مهما يطغ في أعمال الأدباء على اختلاف مشاربهم ومناهجهم، فهو لا يعدو أن يكون وجهة نظر أدبية، فهو لن يبلغ مرتبة التحليل السوسيولوجي الموضوعي الذي ينجز تحت تأثير المبدأ والغاية العلميين. فالأديب ليس عالما وحتى لو أن أمكن أن تزدوج فيه شخصية الأديب مع شخصية العالم، فهو أثناء عمله الأدبي لا يصدر إلا عن الأديب ولا يرى قراؤه فيه إلا هذا الجانب، على أن هذا لا يقلل أبدا من قيمة الرؤية الأدبية بالنسبة إلى الرؤية العلمية، فبإمكان العمل الأدبي عن طريق التحليل أن يؤدي إلى أهم النتائج، وبهذا كانت نتائجه تفوق نتائج التحليل العلمي المقصود في أهميتها، لأن هذا التحليل الأدبي قد يكون الملهم إلى التحليل العلمي، والهادي إليه. ويقودنا هذا إلى السؤال الثاني الذي أثاره بالفعل كوزنتسوف وأجاب عليه وهو السؤال المتعلق بالقيمة الموضوعية للكشف الذي يؤدي إليه تحليل الأديب للمجتمع سواء كان قرويا أو حضريا. للإجابة على هذا السؤال يستعير كوزنتسوف عبارة ناقد وأديب آخر هو سرجي زاليكين الذي يقول فيها: "إن الأديب لا يكشف شيئا إذا اتخذنا كلمة اكتشاف بمعناها في اللغة العلمية، ومهمة الكاتب تنحصر في أن يرى ما يوجد بل وأن يرى ما هو معروف لكنه يظهره من وجهة نظره الخاصة... ".  
الأديب إذن ليس عالما، ولعل النزعة العلمية عند بعض الكتاب، هذه النزعة التي تجعلهم يكتبون عن مشاكل المجتمع بطرق التحليل العلمي، متوخين الموضوعية فيما ينتهون إليه من كشوف، قد تعرض أدبهم للجفاف، وبالطبع لا ينطبق هذا القول على كتابة الأدباء - المتنبئين الذين يسيرون على طريقة جول فيرن أو ويلز... فأمثال هذين يكتبون أساسا معتمدين على الخيال وليست عندهم الموضوعية العلمية، وكشفهم أدبي بكل معنى الكلمة... وبمثل هذه المناقشة ينتهي كوزنتسوف إلى التأكيد على الخاصيتين الأساسيتين اللتين تميزان الأدب الحديث وهما: التحليل والنزعة الإنسانية، إنهما حسب تعبيره "الكلمات- المفاتيح" لهذا الأدب.
وقد راجت في المؤتمر قضايا أخرى، وكان الناقد الروسي ديمتري ستاريكوف ممن عمقوا كثيرا من المفاهيم المتعلقة بالأدب المعاصر كما ألقى أضواء إضافية على ما أثاره زميله السابق فقد تناول نقطتين هامتين أولاهما عن الشروط الموضوعية التي تعلل تطور الأدب، والثانية عن علاقة التحليل بالتركيب. وبالنسبة للنقطة الأولى، أي الشروط الموضوعية لتطور الأدب يرى ستاريكوف أننا عندما نشاهد مرحلة جديدة في الأدب، أي أننا عند حدوث تطور في عالم الأدب أو ظهور صور جديدة أو اختفاء ألوان قديمة، كثيرا ما نقول في مثل هذه الحالات للتعليل للظاهرة الأدبية: إن ذوق الجمهور قد تغير أو قد تطور فنطلب ظهور كيفيات جديدة في الأدب. ويرى ستاريكوف أن هذا ليس صحيحا لأن القول بذوق الجمهور كعلة في تطور الأدب يغفل الأسباب الموضوعية لذلك التطور، وذوق الجمهور بدوره ليس إلا معلولا لنفس العلل التي عملت في تطور الأدب، أما الأسباب الحقيقية في نظر ستاريكوف فهي علل تاريخية، وهو يقول: "ثمة شروط تاريخية موضوعية تحدد مفاهيم القيم الجمالية والإيديولوجية ثم علل موضوعية هي التي تتطلب من الأدب كيفيات جديدة مطابقة للمرحلة الجديدة من نمو البلد"، وطبعا لن نناقش هنا فكرة الحتمية التاريخية التي ينبني عليها هذا القول ضمنا لأن مناقشتها قد تخرج بنا من نطاق الأدب إلى نطاق التحليل المجتمعي والتاريخي وذلك أدلى به أن يتناول في حديث خاص.
أما عن نقطة التحليل والتركيب وهي النقطة التي تتصل اتصالا مباشرا بما قرره ميخائيل كوزنتسوف في كشفه عن القيمتين الأساسيتين للأدب المعاصر. يرى ستاريكوف أن التحليل يعرض صعوبات جمة ولا يمكن للأدب المعاصر أن يقف عند هذه القيمة وحدها بل لا يمكن لدارس الأدب أن يتخذها القيمة الأساسية ما لم يرافقها التركيب synthèse الذي يشكل القيمة الأساسية الحق، التي تخرج بالأدب من مهامه التحليل ومنعرجاته الغامضة إلى الهدف المرسوم، وقد يستدعي لفظ التركيب وقفة، فإذا كان التحليل يرد الكل إلى أجزائه وعناصره، أي يقسم الظاهرة حسب منهج علمي محدد للكشف عن مكوناتها، فإن التركيب هو الرؤية الكلية المتكاملة للظاهرة من خلال عناصرها المحللة، هذه الرؤية هي ما يعطي للظاهرة معناها. فالتحليل لا يكفي إذن لأن الكشف عن المكونات والدقائق التي تتضمنها الظاهرة، لابد أن تصحبه ضمنا أو صراحة عملية تركيب، أما إذا تخلت عنه هذه العملية فمعنى ذلك أن المحلل بعيد عن فهم الظاهرة المحللة، ومهما يبلغ من عمق التحليل فلن تكون وراءه فائدة.
ويسير يوسف كرنبرك في نفس الاتجاه أي في إعطاء الأهمية إلى عملية التركيب، فهو يرى أن الوقوف عند التحليل في الأدب لا يكفي، إذ "يجب أن يستمر التحليل حتى يؤدي إلى التركيب"، بيد أن التركيب لا يجب على المؤلفين الأدباء فحسب، بل إن ذلك يقع على عاتق النقاد أيضا.
وفي الواقع إن مفهوم التركيب يتضح بصفة أكثر في عمل النقاد، فالناقد عندما يدرس الأثر الأدبي أي عندما ينتهي من دراسة التحليل الذي يقدمه المؤلف، يكون عليه بالضرورة أن يقوم بعملية تركيب، وبدون هذه العملية لا يمكنه قط أن يصدر حكما قيميا معقولا على الأثر الأدبي، ولكن يجب الانتباه أيضا إلى عملية التركيب النقدية إن هي إلا تركيز للعملية التأليفية، التي قد تكون ضمنية في العمل الأدبي من جانب المؤلف.
وبصدد العلاقة بين التحليل والتركيب سواء عند النقاد أو عند الكتاب يرى تشنكيز جوزستوف في كلمة له بعنوان: "جو الأدب" أن العمل الأدبي الأصيل يتضمن التركيب والتحليل بالضرورة. فالكاتب على هذا الاعتبار ليس "مجانيا" بل هو هادف في عمله، واع له، ومن هنا فعملية التركيب النقدية لا يمكن أن تعفي الكاتب من نفس العملية وهو يؤلف. وهو ما يؤكد أن العمليتين متلازمتان ومتكاملتان، وهو ما أكده أيضا في الأخير الناقد "ليف باكمنكو" الذي أجمل آراء سابقيه في قضايا التحليل والتركيب ورأى "أن التحليل آخر الأمر لا يتصور بدون تركيب (...) فالصورة الأدبية الكاملة تنشأ ابتداء من التركيب"، فالتركيب هو شهادة الكاتب بمعرفة القوانين الموضوعية لعصره، وهو لا يمكن أن يحصل إلا بالتحليل المعمق.
هكذا يمكن أن نخلص من دراسة هذا المؤتمر الأدبي إلى القيم المميزة للآدب المعاصرة وهي النزعة الإنسانية والتحليل والتركيب. والواقع أن القول بهذه الخصائص أو القيم لا يعني أن التشريحات السيكلوجية، والتأملات الذاتية منعدمة في هذا الأدب وهذا ما نبه إليه جوزستوف عندما تحدث عن الأدباء الشباب، ووجوب الاهتمام بما ينتجون، وقد رأى أنهم يحاولون أن يخلقوا من جديد "عالم الأفكار" في عصرنا ومن هنا كان اهتمامهم بالتحليلات السيكلوجية والتأملات الذاتية.

  ــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر تلخيصا لأهم وقائع المؤتمر الأدبية في مجلة: Œuvres et Opinions- Sept. 1967     
 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here