islamaumaroc

العامل البحري وأثره في توجيه الفتوحات الإسلامية بالمغرب

  دعوة الحق

104 العدد

لا ينفصل الفتح العربي في المغرب عن الأحداث السياسية والصراعات الحربية التي كان البحر الأبيض المتوسط مسرحا لها خلال القرن السابع الميلادي. ومن ثم فإن وصف تلك الأحداث والصراعات يساعد إلى حد كبير في تبيان الصعوبات التي اصطدم بها الفتح وحظوظ النجاح التي كللته.
لقد انطلق الفاتحون من صحرائهم صوب الأراضي المجاورة، وهي في معظمها أصلح ما تكون لحرب الفرسان والمشاة الذين كانوا قوام الجيش الإسلامي يومذاك. قد ساعد على انتصارهم، في أول الأمر، أن ما اعترضهم من صعوبات ناشئة عن طبيعة الأرض تضاريسها، لم يكن شيئا ذا بال إزاء قوة عقيدتهم وإتقانهم لوسائل الدفاع والمهاجمة في مثل تلك الظروف. يضاف إلى ذلك ما لقوا من عون بعض الأهالي، وما انتهجوا إزاءهم من حسن المعاملة.
غير ان هذه العناصر الإيجابية سرعان ما تناقصت فعاليتها حينما أخذ الفاتحون يحتكون بشواطئ البحر المتوسط في سوريا ومصر وفي شمال إفريقيا. ذلك أن قوما ليست لهم سابقة في خوض البحار لابد وان يجدوا مزيدا من الصعاب أمام عدو له وسائل، لم يألفوها في حرب البحار. فإذا كان الفارس منهم أقدر على الانطلاق وممارسة القتال فوق تراب الأرض، فإن وسائله لا تمكنه من دفع عدو ينقض عليه من البحر (1)
ومع أن هذا العنصر لم يسلب العب كل فرص للتقدم في فتوحاتهم، إلا أنه كان عنصرا عرقل حركتهم تارة وحد منها أخرى. وحملهم الخسارة الثقيلة آنا آخر. فكان أن اقتنع الفاتحون بأن استيعاب الشمال الإفريقي رهين بركوب البحر.
لم تكن هذه الصعوبة التي واجهت الفتح مجرد حادث بالصدفة، بل مبدءا له عرافته في سياسة الإمبراطورية الرومانية الشرقية وأساسا متينا ترتكز عليه في وجودها وفي الاحتفاظ بمستعمراتها المتوسطية عموما وشمال إفريقي على الخصوص. لقد فطن ساستها – وقبل أن يكون للإسلام ذكر – إلى أن مصير الإمبراطورية وحظوظها متوقف على وجود هذه القوة البحرية، فعملوا على تنميتها وتعهدها. فأم من حيث أغراض الدفاع فقد عصمتها من امتداد هجمات القبائل المتبربرة (الجرمان) التي حطمت الامبراطورية في المغرب. وأما من حيث الهجوم فقد استطاعت
استرداد الشمال الإفريقي: ذلك أنه حينما أسفرت ضربات الجرمان عن سقوط الامبراطورية في روما سنة خمسمائة ميلادية، لم يجد المهاجمون صعوبة في وضع يدهم على بلدان الشمال الإفريقي. هكذا – عن طريق إسبانيا – وثب الوندال بمعظم السواحل الممتد فيما بين طنجة وقرطاجنة بتونس، وكونوا بها مملكة عرفت أوجها في أيام ملكهم (جزريك). وزاد من خطورة هذه الدولة سيطرتها على كثير من جزر غرب المتوسط مثل سردينيا وميورقة وكورسيكا، بل هددت روما نفسها، مما أدى إلى نقل عاصمة الامبراطورية الرومانية إلى القسطنطينية. والواقع أن انتقال العاصمة على هذا النحو لم يكن يعني التخلي عن الشمال الإفريقي، فقد ظل أباطرة القسطنطنية متشبثين بدعواهم في هذا الشأن، إلى أن امكنتهم فرصة ضعف الوندال، واستطاع (بليزاريوس) قائد الامبراطور البزنطي (جاشيان) أن ينفذ بأسطوله إلى شواطئ الشمال الافريقي وبعيدها إلى حوزة بيزنطة عام ثلاثة وثلاثين وخمسمائة، بعد أن أقام بها الوندال مملكة عمرت قرنا كاملا، على هذا النحو سقطت سبتة وطنجة عام أربعة وخمسين وخمسمائة بعد قرطاجنة بعام واحد. وذلك بالإضافة إلى ما يجاور هذه السواحل من جزر. ومع أن الامبراطورية البيزنطية فقدت سبتة وطنجة مرة أخرى لصالح القوط بإسبانيا فيما بين (616/628)، فإن مجموع باقي سواحل الشمال الإفريقي بقى في حوزة البيزنطيين، لم يتزحزحوا عنه إلا بمجيء المسلمين، وإلا بعد أن اضطرهم المسلمون إلى ذلك بقوة بحرية مماثلة.
غير أن العامل البحري بالنسبة إلى كل من البيزنطيين والقوط لم يكن له سند يقابله في المناطق الداخلية، فمع أن القوط كانوا يصطنعون أميرا (كونت) من المغاربة يحكم باسمهم، فإنهم لم يستطيعوا النفاذ إلى قلب البلاد. ومع أن البيزنطيين أقاموا بصورة غامضة في شواطئ المغرب، فإن حكمهم أيضا، اقتصر على بقاع محدودة. وهكذا أفضى صراع بحري طويل الأمد إلى إيجاد وضعية أساسها السياسة والتجارة والحرب. أما داخلية البلاد فكانت موزعة بين عديد من التنظيمات وخاضعة لأشكال مختلفة من الحكم، فقد يجتمع الناس على أساس من رابطة القبيلة كما كان الشأن بالنسبة إلى تارودانت أو بلاد السوس أو جبال درن (الأطلس الكبير) أو آسفي، وهذا هو الشائع. كذلك كانوا يجتمعون على أساس من الشعور بالانتماء إلى أقلية معينة كالرابطة اللاتينية المسيحية التي كانت قائمة في مدينة وليلي عام خمسة وخمسين وستمائة ميلادية، كذلك نجد نموذجا آخر من التنظيم يستند إلى الزعامة الروحية، كما تدل على ذلك حالة الكاهنة داهيا. ولم يكن الاتصال بين هذه الفآت منعدما، كما أنها لم تكن منقطعة الصلات مع الدولتين القائمتين في الشواطئ، فقد كانت التجارة وسيلة للاتصال، كما أنه في حكم المؤكد أن البيزنطيين كانوا يتعرضون لهجومات خاطفة من سكان الداخل، ولعل سكان هذه التخوم كانوا يستفيدون من الخطة التي انتهجتها بيزنطة يومذاك القاضية بترضية القبائل المجاورة بالهدايا والأموال.
من كل ذلك ترى أن الظرف كان عصيبا بالنسبة إلى الفاتحين المسلمين. فالقوة البحرية فتحت بابا جديدا للحرب. وفي ذات الوقت كانت المسالك البرية وعرة. يدل على ذلك ان الإمبراطور البيزنطي ما إن رأى تقدم الفتوح العربية في شمال إفريقية حتى قرر نقل عاصمته مؤقتا إلى جنوب إيطاليا حتى يكون على مقربة من معارك جيشه مع العرب، وحتى يتخذ الإجراءات التي يرتئيها في أقرب الآجال. ولعل هذا ما يفسر طول المدة وألوان الانتكاس التي واجهها العرب قبل ان يمكنوا للإسلام بهذه الربوع.

ترى إلى أي حد أثرت هذه الأوضاع على حركة الفتح العربي؟
في بداية الأمر كان واضحا أن العرب استطاعوا النفاذ إلى قلب شبه جزيرة الشمال الإفريقي، وذلك بفضل طرقهم وقوانينهم الحربية الخاصة، وساعدهم في ذلك ما قرره البطريق البيزنطي من الانفصال عن دولته لتكوين مملكة خاصة، ومع أن حكام القسطنطينية امتنعوا من الاعتراف بهذا الانفصال فإنهم لم يجدوا الوقت ملائما لإعمال الحرب في القضاء عليه، وذلك ليتقوا تشتيت الجهود وصرفها عن الخطر الأكبر الذي يتمثل في الفاتحين المسلمين. وهكذا فضلت الامبراطورية أن تسلك على نحو غامض تجاه إقليمها المنفصل، فوضعت قطائعها البحرية لحماية سواحله وأهابت برعاياها هناك إلى المكافحة جنب البرابرة ضد المسلمين، وأبقت مسألة التبعية أمرا مسكوتا عنه. وكان المخطط هو أن تقوم البحرية البيزنطية بالتصدي للمسلمين فتنزل بهم ضربات خاطفة سريعة ترتد بعدها إلى البحر وتعتصم به، وكانت هذه البحرية تختار لخطتها نقطا ساحلية سهلة تساعد في رسو السفن وإقلاعها على نحو عاجل. ومن ثم لا مصادفة في أن يقتل زهير بن قيس، عامل الأمويين في افريقيا، من طرف بحارة بيزنطة، كما أنه لا غرابة في أن حسان بن النعمان أمر بتخريب قرطاجنة عندما فتحها، فقد لاحظ أن معظم من حملوا السيف خلال معركتها كانوا بحارة بيزنطيين
استخلص عبد الملك بن مروان من هذا الوضع ضرورة مقاومة البيزنطيين بمثل الوسائل التي يتوفرون عليها، حتى يتمكن من شغل سفنهم وإبعادها عن مناطق القتال، فأصدر أمره إلى حسان بن النعمان بإقامة مصنع للسفن (دار الصناعة) في تونس وأعانه على ذلك بأهل الحرفة من الأقباط. وسيكون لهذا العمل أثره البالغ في التخفيف من مفاجآت الحرب ضد المسلمين. بل ان يبتدئ موسى بن نصير ولايته في افريقية حتى يدفع بالأسطول الإسلامي في داخل المتوسط مهددا قواعد البيزنطيين فيه.
اما بالنسبة إلى البربر فقد رأوا في هذا التطور أفولا نهائيا للحكم البيزنطي في بلادهم. وخلال ذلك تابع الفاتحون منافحة البربر في المناطق الداخلية، كسيلة في عموم الشمال الإفريقي، وداهيا في جبال الاوراس، ورؤساء العشائر الآخرين، وبوليان في شمال المغرب. ومع أن المعارك كانت ضارية فإنها كانت تؤهل البربر لقبول الإسلام. والأساسي هنا أمران:
- أولهما أن وطأة البيزنطيين أخذت تخف كما لاحظه زهير بن قيس عقب مقتل كسيلة.
- ثانيهما أن الحزازة القبلية أخذت تعمل في وسط البربر أنفسهم، ففي أعقاب كل ردة يبطش الثوار بمن مدوا يد المعاونة إلى الفاتحين أول الأمر.
وبتوطيد مركز المسلمين في سبتة وطنجة ضمنوا قاعدتين بحرتين لن تقلا خطورة عن تونس، فهناك وجدوا القوارب التي حملتهم مع البربر إلى أرض الأندلس.



1) كتب عمر إلى عمرو ابن العاص يقول: «صف لي البحر وراكبه» فأجابه عمرو: «هو خلق كبير يركبه خلق صغير، ليس إلا السماء والماء، إن ركد أقلق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلة، والشك كثرة».
ونرى من هذه الكلمات ما كان يخالج العرب من تهيب إزاء البحر.

«يكدرون الماء، ويغلون السعر»
قال معاوية لصعصة بن صوحان: صف لي الناس، فقال:
خلق الله الناس أطوارا: فطائفة للسياسة، وطائفة للفقه والسنة، وطائفة للبأس والنجدة، وآخرون بين ذلك يكدرون الماء، ويغلون السعر.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here