islamaumaroc

نظرات في ميادين التحليل النفسي

  دعوة الحق

104 العدد

بين علم النفس والفلسفة:
بوسعنا أن نتحدث اليوم عن أسلوب جديد في المباحث النفسية المعاصرة، في مراميها ومناهجها وفي اللون الذي تصطبغ به هذه المباحث في نظرتها إلى الإنسان.
وقد امتدت الصلات بين المباحث الفلسفية والنفسية حقبة من الزمن طويلة، إذ من المحقق أن البحوث النفسية تجتاز منذ خمسين سنة ثورة نظرية جذرية.
والبحوث النفسية ربيبة الفلسفة بلا جدال باعتبارها منهجا للإنسان يتناول جوهره فيما يتصل بمعطياته الدفينة، والفلسفة قد حققت هذا الغرض بصورة كاملة إلى أن تضاءلت الوشائج التي تجمع بين الفلسفة وعلم النفس بفعل التعارض بين مذاهب الأولى على عهد النهضة الأوربية. ولعل أبرز أحداث القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ظهور النظريات الإيجابية التجريبية والعدول عن الاستبطان والبحث في الأسباب والأصول. وقد تأثرت مباحث علم النفس كثيرا بهذا التيار فنشأ على غرار علوم الطبيعة ما يسميه العلماء البسيكوفيزياء والبسيكوفسيولوجيا وعلم النفس العددي Psychologie quantitative.
وعلم النفس الذي ما زالت تشده وشائج متينة إلى الفلسفة ينأى بدوره عن الاتجاهات والنزعات النظرية ويهتم بالتجربة. وبرجيون ينسج على منوال الظواهريين حين يقرر أن التجربة الداخلية يمكنها أن تتسم بالدقة والموضوعية، مثلها في ذلك مثل التجربة الخارجية. وبصورة أعم، فإن المباحث النفسية في الماضي استبطانية أو تجريبية فإنها كانت تعنى بالإنسان عموما، على نقيض ما نقرأه اليوم من كتابات تهتم به في مختلف ظواهره وحالاته، في وجوده اليومي وباعتباره الوسط الذي يحيى فيه، أي أنها تهتم بأحلامه ورغائبه ومشاريعه والعلماء يرون في ذلك وسيلة للوصول إلى معرفة القواعد الأساسية التي تقرر مصير الإنسان.
وقد اتسعت ميادين المباحث النفسية في الآونة الأخيرة فشملت كثيرا من الميادين التي تأبت على البحوث الاستبطانية وأصبحت تعنى بسيكولوجية العمل وسيكولوجية الفن والطب السيكوسوماني وعلم النفس التربوي وعلم النفس الاجتماعي...
المدرسة التحليلية:
والحديث عن المدرسة التحليلية يقودنا حتما إلى إثارة مبدأ اللاشعور الذي يرجع للمدرسة التحليلية الفضل في إبراز معالمه وتوضيح قواعده، وإن كانت الكتابات الفلسفية قبل ظهور المدرسية التحليلية لا تخلو من إشارات متعددة إليه. ذلك أن برجسون قد أكد في كثير من مؤلفاته بأن دراسة اللاشعور والاشتغال لخبايا النفس الإنسانية من اختصاص المباحث النفسية التي سيعرفها القرن العشرون وأن هذه المباحث ستحقق من المكاسب ما حظيت به العلوم الفيزيائية والطبيعية في القرون السالفة.
وبرجسون محق في تخميناته، فقد جاء التحليل النفسي في مستهل هذا القرن ليميط اللثام عن البنية النفسية اللاشعورية في النفس الإنسانية فنشر فرويد سنة 1900 كتابه الشهير «علم الأحلام» ووضع بذلك قواعد التحليل النفسي معطيا لكلمة اللاشعور مضمونها الحقيقي. والحقيقة أن التحليل في الوقت الحاضر متفتح، أكثر من أي وقت مضى، لمختلف النزعات والتيارات – فهو يسعى من جهة إلى التوفيق بين النظريات الأساسية التي جاءت في كتابات فرويد وبين التطور الخلاق الذي تفرضه المعرفة العلمية ويمليه المنهج الذي سارت عليه العلوم الفيزيائية والطبيعية. والملاحظ أن آثار فرويد قد اتسع نطاقها بعد الحرب الكونية الأخيرة بصورة شملت معها كثيرا من الميادين كالفلسفة والفن والأدب وعلم النفس العلم وعلم النفس التطبيقي وعلم الاجتماعيات... والواقع أن التحليل النفسي، بما حققه من مكاسب وخبرات، قد أحدث في عالم المعرفة ثورة جدرية في العلوم الإنسانية كشفت النقاب عن واقع الوعي النفسي من الوجهة الأدبية والوجهة الاجتماعية، ما تصدت لأعماق العقل الإنساني بما ينطوي عليه من معطيات حيوانية خفية ومعطيات أخلاقية في غاية النبل والسمو.
وجب أن نشير إلى نظريات التحليل بخصوص التربية حين تدين بصورة جلبة مواقف الكبت التي يتخذها بعض المربين وآثارها الخفية والبارزة في نشوء الأعراض العصبية. وقد أكدت الدراسات الاكليثيكية في التحليل النفسي مدى أهمية الغرائز الاجتماعية في تحقيق الغايات والأهداف الفكرية والفنية بواسطة التصعيد حين تنجو من آثار القمع وتتجه إلى غايات أمثل.
وقد تبين من خلال الدراسات التجريبية التي أجريت على شذاذ مراهقين أن الأمر لا يعدو ان يكون تكوينا عائليا جائرا وأن الآباء يتحملون مسؤولية خطيرة في الانحرافات التي تصيبهم. والجدير بالذكر أن السينما تلعب دورا أساسيا في نشوء هذه الأعراض بما تصوره من بطولات زائفة تقوم على الشدة والعنف وتعتمد وسائل الإثارة الجنسية في إطار بوليسي مشوق.
أما عن الجانب الاجتماعي فإن العلماء إذ يقررون أهمية المكاسب التي حققها التحليل النفسي فيما يتصل بمعرفة الإنسان، فإنهم لا يتمالكون عن إبداء استيائهم من إغفال التحليل للوشائج الوثيقة التي تصل بين الفرد والمجموعات الإنسانية وسكوته عن الظواهر الاجتماعية التي لا تخفى أهميتها على أحد.
وإلى جانب ما ابتدعته مدرسة ليفي ستراوس Lévi-Strauss من نظريات اجتماعية جديدة وما نشره علماء الاجتماع من آراء تتعارض في معظمها مع مركب أوديب، فإن الدكتور لاكاش يرى من الضروري إحداث مراكز للبحث والتكوين التحليلي للمتخصصين في العلوم الاجتماعية لتتأتى الاستفادة بصورة أوسع من النظريات التحليلية في ميدان العلوم الاجتماعية.
وعن الإجرام فإن التحليل النفسي قد عنى به أيضا إلى جانب القضاء والمهتمين بشؤون الإجرام، وقد انعقد في باريس سنة 1950 مؤتمر دولي للإجرام ضم عددا لا يستهان به من القضاة والمحللين وكذا المهتمين بشؤون الإجرام وأطباء العقل لتبادل وجهات النظر ومقابلة آرائهم ونتائج أبحاثهم في الموضوع.
والذي يبعث على الاهتمام في دراسات هؤلاء الاخصائيين أن العدوانية الاجرامية التي كان يعتقد أنها تملك على المجرم حواسه ومشاعره لا تظهر إلا ساعة القيام بالإجرام وأن حياة المجرم تكاد تخلو من ظواهر العدوان والسادية. ذلك أن وجوده اليومي يطبعه الهدوء والنظام ولا أثر لأصداء العمل العدواني الذي كثيرا ما يمارسه بانتظام.
والمحللون يأملون ان يمتد التحليل النفسي، بصفة رسمية، إلى كل الأشخاص الذين تنعدم في حياتهم المسوغات الحقيقية للإجرام أو الذين تشكل حالاتهم ألغازا مغلقة في مفاهيم القضاء والقضاة.
وإذا كنا قد عرضنا في بداية المقال إلى الصلات التي تجمع بين الفلسفة وعلم النفس في مفهومه العلم، فإننا لا نرى مانعا من التعرض هنا للتحليل النفسي الظواهري الذي أسهم في إجرائه بنصيب وافر كل من الدكتور لاكاش والأستاذ لاكان وكثير غيرهما من الظواهريين وعلماء الجنس في البلاد الألمانية. وقد ألح الأستاذ لاكان بصورة خاصة على العلاقة الذاتية المزدوجة التي تتسم بها الحالات التحليلية وحالات التحويل Transfert وقد مكنته تجربته الواسعة من الاستفادة من البحوث التحليلية، وهو يعتبر العصاب عرضا وجوديا، معتمدا هذه النظرية في تطبيقاته العملية.
والذي لا جدال فيه أن هناك تقاربا في وجهات النظر الظواهرية ومعطيات المذهب التحليلي والدراسات التي قام بها المحللون الأمريكيون والمباحث الأخيرة التي صدرت عن الجمعية الفرنسية للتحليل.
والتحليل النفسي يرى من جهة أخرى أن النتاج الفني يترسم غايات اجتماعية مثلى ويتوخى تقدري الآخرين ويشركهم في تذوق الأثر الفني، إذ أن هذا الاخير يستثير المطامح اللاشعورية ويعمل على إرضائها، هذا  إلى جانب اللذة التي تقترن بجمال الشكل على حد قول فرويد في كتابه «حياتي والتحليل النفسي».
تجب الإشارة في الأخير إلى الدراسات القيمة التي قام بها عدد من المحللين إلى الآثار الفكرية على ضوء التحليل النفسي ( انتصار البطل – التحليل النفسي للدكتور هوجو – الرمزية الدينية – حكمة دون كيشوت – وغيرها كثير).
في هذه التأملات التي أدرجناها عن علائق التحليل بالفن وشؤون الفكر، وما يتخللها من نظريات وجودية ما يؤكد أن باستطاعة التحليل اليوم أن يسهم في النقد الفني والسيكولوجية الجمالية وتحليل المفاهيم والقيم التي تنطوي عليها روح الفنان.
وفي السطور السالفة نظرة مختصرة إلى مختلف الميادين الفكرية التي يمكن أن تطبق فيها بنجاح شتى المدارس التحليلية أو التي أمدتها بنظريات ومفاهيم جديدة.
كما أن بعض هذه العلوم التي نسميها علوما إنسانية والتي تهتم، على نقيض العلوم البحثة، بالقيم الإنسانية قد تقبل بارتياح مبادئ التحليل النفسي في الوقت الذي تلكأ بعضها الآخر في قبول هذه المكتسبات. ومما يبعث على الأمل أن كثيرا من العلوم كعلم النفس وعلم الإجرام وعلم الاجتماع والظواهرية التي كانت – إلى بعض سنين خلت – تتردد في اعتماد النظريات التحليلية قد تقبلتها واستفادت منها كثيرا مما سيساعد على ابتداع معرفة عملية للإنسان، تقوم على الثقافة والتقنية معا.
وقد يسر التحليل النفسي للأطباء العثور على الأسباب النفسية التي تكمن وراء كثير من الأدواء الجسمية.
كما فتح لعلماء النفس آفاق البحث في المأساة الإنسانية وجعلهم ينصرفون عن الاشتغال بالوظائف والملكات إلى البحث في حياة الأحياء وما تزخر به من عواطف ومشاعر...
والصلة اليوم بين التحليل النفسي واللغة جد وثيقة، خاصة فيما يرجع لدراسة اللاشعور. وقد أدت المبادلات بين اللغويين والمحللين إلى جلاء المفاهيم اللغوية واستكناه المعطيات النفسية التي تقوم وراءها.
والتحليل يدعو في ميدان الأخلاق إلى اعتماد سلوك يقوم على احترام الوشائج التي تربط بين الإنسان على اختلاف نوازعه وتباين مشاربه من تعاون وتضامن وتسامح وإخاء – وقد أظهر للملأ أن سعادة الإنسانية رهينة بتوحيد الجهود والإمكانيات في الكفاح المقدس من أجل الحياة الكريمة وتنسيق الصلات القائمة بين الناس وتحقيق أسباب التراحم  والصفاء لمكافحة الفقر والجهل والمرض. والتحليل بوصفه عملا تلتقي فيه شروط التجرد والموضوعية يسعى لنشر وتعميم النزعة العالمية قصد تطويع السلوك الإنساني لحقيقة الكون. والشعور بالألم ليس له ما يسوغه في نظره إلا المساس بحرمة الشخصية الإنسانية وقداستها، بصرف النظر عن العوامل الخفية التي تملأ حياة كثير من الأفراد والجماعات ولا تقوم على أساس منطقي سليم.
واضح أن التحليل النفسي بشتى مدارسه، قد أصبح بعد مرور أزيد من ربع قرن على وفاة مؤسسه محك اهتمام الباحثين من كل فروع المعرفة بعد أن ظهرت فعاليته في جلاء كثير من الجوانب التي يلفها الغموض في مختلف مضامير العلوم والآداب والفنون. ولقد أصاب برجسون كبد الحقيقة حين أشار في كثير من كتاباته إلى أن القرن العشرين سيحقق لعلوم اللاشعور من التطور ما نالته العلوم الفيزيائية والطبيعية منذ أمد بعيد. ومباحث التحليلية قد بلغت في الآونة الأخيرة حد من العمق والموضوعية يعتبر غنما ثمينا على الصعيد الإنساني.

المراجع:
- E . d’Aster : La Psychanalyse et son apport à la science de l’homme.
- A. Hesnard : L’œuvre de Freud.
- Alfred Adler : Connaissance de l’homme.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here