islamaumaroc

ورقات من تاريخ النكبة في بدايتها

  دعوة الحق

104 العدد

يوم الاثنين الواقع في 7 جمادى الثانية من سنة 1387 هجرية (11 يوليه 1967) زرت الشيخ علي شيخ العرب في بيته بطرابلس الشام برفقه أخي فؤاد الولي أستاذ التاريخ بكلية التربية والتعليم في المدينة المذكورة، فتلقانا الشيخ علي بما فطر عليه من أدب إسلامي عريق مقبلا علينا مستندا إلى عصاه يستعين بها على مساعدة كاهله بحمل السنوات التسعين التي أدركها عمره المديد إن شاء الله.
كانت هذه الزيارة بقصد الإفادة من معلومات الشيخ علي شيخ العرب عن المدارس الدينية الأثرية في طرابلس والشام، ذلك بأنه كان إلى أمد قريب مسؤولا عن هذه المدارس في دائرة الأوقاف الإسلامية في المدينة المذكورة، لذا فإنه من غير شك، وبالإضافة إلى ثقافته الشخصية، يعرف الشيء الكثير عن هذه المدارس، تاريخها وبانيها وواقفها والذين تناوبوا على نظارتها والتدريس فيها.
بيد أن الشيخ بارك الله له في صحته وعمره، بادرنا بالحديث عن ذكرياته التي علقت بذهنه الوقاد خلال خدماته السابقة في الوظائف الدينية والسياسية والعسكرية، سواء في العهد العثماني، أيام عبد الحميد الثاني أو أثناء حكم الاتحاد والترقي أيما محمد رشاد الخامس أو في العهد الفرنسي وما تلاه بعد ذلك، بعد زوال الانتداب عن سورية ولبنان على اثر الحرب العالمية الثانية (1929-1945).
وشيخنا الفاضل الشيخ علي شيخ العرب ولد سنة 1879 وتدرج في أول عمره بالوظائف الحكومية في مختلف أجهزة الدولة العثمانية ما بين دينية وعسكرية وإدارية وسياسية، مما أتاح له التنقل عبر البلدان التي كان يظلها تاج بني عثمان في حينه، كما هيأ له هذا التنقل الاطلاع على ألوان مختلفة من الشعوب بعاداتها وتقاليدها وأغراضها.
ورافق حفظه الله تطور الحضارة من ظلمات القرون الماضية إلى المركبات الفضائية في العصر الحاضر، فركب الجمل والحصان والبغل والحمار كما ركب القطار والسيارة والطيارة وتنقل بين البحار فوق البواخر التجارية والعمائر الحربية والغواصات وانه اليوم يركن إلى جهاز التليفزيون حيث تنقله الشاشة الزجاجية إلى آخر تطورات الإبداع البشري لنتركه يربط ما بينها وبين أخيلة الماضي التي تزدحم في خاطره بعد أن أصبحت هذه الأخيلة ملكا للتاريخ.. قال الشيخ:
- لقد كنت مفتش أسطول في العهد الحميدي ثم مفتش أسطول قبيل الانقلاب (1908) ثم مديرا للاستخبارات العربية مع دولة القائد أحمد جمال باشا، ثم رئيس المجلس الإداري بالأوقاف الإسلامية بطرابلس الشام، ثم ها أنذا وبين يدي التسعين من عمري تجدني منعكفا في بيتي ألملم من ذاكرتي ما أدونه من الحوادث والأحداث التي مرت بي في مختلف مراحل حياتي لتكون  تحت تصرف الناس علهم يجدون فيها عبرة أو تذكرة مما ينفع أولي الألباب!
ثم أطرق الشيخ شيخ العرب صامتا  لا يتكلم وكأني به قد عاد بفكره إلى نصف قرن مضى ورده بضع عشرة سنة، ثم رفع هامته وأردف يقول:
يا شيخ طه، كأني بك تريدني على التحدث فيما انتهت إليه الحال بالإسلام والمسلمين بعد الذي أصابهم  من الذل والهوان بفلسطين، وعن مقدمات ما صرنا إليه من نتائج.
قلت: أجل يا فضيلة الشيخ. فإن أبناء جيلنا الذين كتب عليهم أن يعيشوا هذا الذل والهوان قد غشيت أفكارهم معلومات كاذبة شحنها الغرب بالأضاليل تمهيدا لما أوقعنا به من أحابيل هي فيما يتصل بوقف ساكن الجنان السلطان عبد الحميد الثاني الذي كان آخر الحصون التي دافع بها الإسلام عن وجوده العالمي، وبعد انهياره تحت مؤامرات الغرب وربيبته الصهيونية اضطرب هذا الوجود واخذ العرش الذي رفع سادته راية محمد صلى الله عليه وسلم 600 سنة يترنح تحت الجالسين عليه ابتداء من السلطان محمد وحيد الدين ثم زال نهائيا مع آخر سلاطين بني عثمان خلفاء المسلمين وملوك الزمان السلطان عبد المجيد خان سنة 1922 ميلادية.
قال الشيخ، شيخ العرب:
كان ذلك سنة 1902 ميلادية، نحن في اسطمبول عاصمة الخلافة الإسلامية وفي قلب قصر بلدز قصر السلطان خليفة المسلمين بالذات.
العبد الفقير، وإلى جانبي الشيخ محمود الجيزاوي إمام جامع العرب في دار السعادة، وإذا بثلاثة من اليهود يطلبون مقابلة مولانا أمير المؤمنين السلطان عبد الحميد الثاني، ولما كانت مثل هذه المقابلة تخضع لأصول التشريفات المتبعة في القصر السلطاني، فقد استقبلهم بادئ ذي بدء تحسين باشا رئيس كتاب السلطان مستوضحا منهم غرضهم من هذه المقابلة، وكان هؤلاء الثلاثة اليهود هم:
1- مزراصي أفندي، مدير أحد البنوك
2- جاك – لا أعرف بقية اسمه
3- ليون – لا أعرف بقية اسمه.
وعلى الرغم من أن هؤلاء الأشخاص أصروا على الانفراد بمولانا السلطان إلا أن تحسين باشا أقنعهم باستحالة مثل هذا التصرف وأن باستطاعتهم البوح بما يريدون إليه شخصيا وهو ينقله بالحرف الواحد إلى صاحب الجلالة الخليفة الأعظم. فلم يجد اليهود الثلاثة بدا من قبول الأمر الواقع والنزول عند رغبة تحسين باشا الذي استمع إليهم يقولون:
ان اليهود سمتعدين بأن يقوموا
اولا: بوفاء جميع الديون المستحقة على الدولة العثمانية.
ثانيا: بناء أسطول لحماية ثغور الامبراطورية العثمانية.
ثالثا: تقديم قرض بخمسة وعشرين مليون ليرة ذهبية دون فائدة لإنعاش مالية الدولة.
وذلك مقابل:
أولا: إباحة دخول اليهود إلى فلسطين في أي يوم من أيام السنة للزيارة.
ثانيا: السماح لليهود بإنشاء مستعمرة ينزل بها أبناء جلدتهم في قرب القدس الشريف أثناء وجودهم بفلسطين للزيارة.
وبالفعل فإن رئيس الكتاب تحسين باشا نقل إلى سيد القصر ما سمعه من اليهود الثلاثة وما لبث أن سمع من الجالس على عرش الخلافة الجواب التالي:
- تحسين، قل لهؤلاء اليهود الوقحين ما يلي:
أولا – ان ديون الدولة ليست عارا عليها لأن غيرها من الدول، مثل فرنسا، هي الأخرى مدينة  وذلك لا يضيرها.
ثانيا أن بيت القدس الشريف قد افتتحها للإسلام أول مرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولست مستعدا لأن أتحمل في التاريخ وصمة بيعها لليهود.
ثالثا – ليحتفظ اليهود بأموالهم، فالدولة العثمانية العلية لا يمكن أن تحتمي وراء حصون بنيت بأموال أعداء الإسلام.
وأخيرا، مرهم ليخرجوا من عندي وأن لا يحاولوا بعدها مقابلتي والدخول إلى هذا المكان.»
وتابع الشيخ، شيخ العرب كلامه معي وقد أخذته الحمية الدينية وتملكته رغبة عميقة بتصحيح الوقائع التي أريد بها تشويه سمعة ساكن الجنان السلطان عبد الحميد الثاني، تابع قائلا: «ثم اني علمت بأن السلطان عبد الحميد، أرسل على التو إلى ناظر الداخلية في عهده ممدوح باشا بأن يطلب بالشيفرة إلى رؤوف باشا متصرف القدس ليقوم هذا بالتحري عن اليهود في فلسطين ولاسيما في القدس الشريف، ولا يبقى في الأرض المقدسة أيا من الطائفة اليهودية غير الذين قدموا إليها بقصد الزيارة العابرة وأن لا يسمح لهم بالمكوث فيها إلا بمقدار هذه الزيارة.
ثم تابع الشيخ شيخ العرب حديثه المتهدج برنة مثقلة الجرس بآلام الذكريات..
«وفي سنة 1908 نجح اليهود بإخراج جمعية الاتحاد والترقي إلى ملعب أهوائهم السياسية وقد كانت هذه الجمعية القناع الخارجي الذي تقنعت به جماعة الدونما المتظاهرين بالإسلام من يهود اسبانيا الذين اتخذوا من مدينة سلانيك مقاما لهم بعد فرارهم من محاكم التفتيش التي نصبها نصارى تلك البلاد لمخالفيهم في العقيدة الدينية سواء من المسلمين أو من اليهود، ونزل السلطان عبد الحميد الثاني عند رغبة طالبي الحريات الدستورية وأعلن «المشروطية».
بيد أن غاية اليهود لم تكن المشروطية بما فها من نص على الحيات العامة، وإنما كانت غايتها إزاحة عبد الحميد من طريقهم الموصل إلى فلسطين بعد أن تبين لهم أن هذا السلطان سيبقى وجوده حائلا دون تحقيق أغراضهم العدوانية على الأرض المقدسة، ولهذا فإنهم تمكنوا من رشوة بعض رجال الدين وأوعزوا لهم بالخروج في الشوارع والمناداة بتطبيق الشريعة المحمدية، وهو ما سمي يومئذ «بحركة الارتجاع» قاصدين من وراء ذلك إحراج السلطان ودفع الاتحاديين إلى الثورة عليه والتخلص نهائيا منه تمهيدا للتخلص من الإسلام نفسه فيما بعد، وقد آتت هذه الحركة الارتجاعية أكلها الشهي بالنصر لليهود، مع الأسف، وتم لأعداء الإسلام ما أرادوا، فقام الجيش بحركته الحاسمة متقدما نحو بلدز بخيله ورجله طالبا إزاحة العرش من تحت سيده الذي رفض النزول عند مغريات اليهود لتحقيق مطامعهم في أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وفي 7 مارس 1919 تقدم إلى رحاب القصر المنيف بلدز ثلاثة من أعيان البلاد العثمانية وهم:
1- عارف حكمت، (باور، فريق بالبحرية)
2- مزراصي أفندي قراصوه (إياه) عضو أعيان
3- ارستيدي باشا (رومي) وزير النافعة سابقا
ثلاثة أعيان، مسلم مأجور، ويهودي حقود، ونصراني موتور.
دخل هؤلاء على السلطان الذي استقبلهم بما عرف عنه من هيبة ورجولة وكبرياء، وكانت وقفتهم بين يدي مولاهم على أبشع ما تكون قلة الأدب وجفاف ماء الوجه، غير أنهم أمام عظمة عبد الحميد وقوة شخصيته لم يسعهم إلا التظاهر باللياقة والاحتشام.
أما عارف حكمت، فقد أخذ لمولاه التحية الرسمية بكل أدب واحترام.
فقد تذكر هذا الضابط المسلم في ساعة من ساعات يقظة الضمير أنه في حضرة ولي أمر المسلمين الذين هو أحد ضباطهم.
وأما اليهودي القذر، فقد مد يده بكل وقاحة إلى جلالة السلطان الأعظم وفيها وثيقة الخلع من الولاية الشرعية.
بينما بقي ارسنيدي الرومي ساكنا في وجوم كأنه من غير أبناء هذه الدنيا.
وهنا قطع السلطان الوقور حبل الصمت المهيب بلهجة الحاكم الواثق من نفسه موجها كلامه إلى الذين وقفوا باهتين بين يديه:
- هل أنتم من الأعيان؟
فأجابوا: نعم.
تابع السلطان كلامه التقريعي إليهم:
- ومن عينكم بالأعيان؟
فسكتوا جميعا ولم يحيروا جوابا.
عندها التفت السلطان كالجريح من خشاعم النور، ووجه كلامه إلى عارف حكمت قائلا:
انت، الم تترب في هذا القصر يتيما (فقد كانت أم عارف المذكور إحدى الخادمات بالقصر السلطاني) ثم أدخلتك المدرسة البحرية العسكرية، ثم أرسلتكم إلى أوروبا حتى تخرجت برتبة أركان حرب؟.
وتابع السلطان كلامه إلى عارف بسخرة جديرة بأن تقتل من يتلقاها لو كان عنده مثقال ذرة من كرامة.. فمهمتك التي جئت لها لا بأس بها.
والتفت جلالته إلى ارستيدي الرومي (النصراني) قائلا:
«من جعلك مستشارا للمالية سابقا، ثم وزيرا للنافعة، ثم عضوا في الأعيان... قال ذلك بلهجة كلها توبيخ وتبكيت.
وقال أخيرا لليهودي مزراصي كلاما ذكره فيه يوم جاءه من سنوات ست يطلب السماح لليهود باحتلال فلسطين مقابل ثمن يدفعونه لأمير المؤمنين.
وكأن السلطان أراد إفهام اليهودي الوقح بأن هذه الوقفة التاريخية التي تحمل خلع أمير المؤمنين في لحظاتها الحاسمة إنما هي مدى لتل كالوقفة التاريخية السابقة لتي انكفا فيها اليهود على أعقابهم مدمومين مدحورين أما صلابة السلطان في الدفاع عن حرم الله وبيته المقدس في فلسطين.
ولكن كانت كلمات السطان المظلوم قوية وبليغة وهو يتلقى خلع ولايته من إمرة المؤمنين على يد اثنين احدهما نصراني يوناني، والآخر يهودي صهيوني، ومعهما ذلك المسلم الذي كان إلى جانبهما كالطرطور في مؤخرة بردعة الحمار.
وكان ختام حديث السلطان الجريح قوله للذين اقتحموا عليه حرمته المقدسة:
«ان مجيئكم لتبليغ سلطان الدولة العثمانية، وخليفة المسلمين، قرار الخلع، عمل سيندم عليه من أرسلكم به!...»
ودون أن يمد يده إلى اليهود ليأخذ منه ورق التبليغ، طلب إلى ياوره «علي جودت» (الذي ظهر أنه كان من الاتحاديين فيما بعد) وأمره بأخذ الورقة من اليهودي وأن يتسلمها منه ثم يسلمها بعد ذلك لابنته عائشة سلطان (التي ما تزال تحتفظ بأوراق عبد الحميد، وهي ما تزال على قيد الحياة وتقيم في تركيا بعد أن تركت سويسرا حيث كانت من قبل، ولعائشة المذكورة كتاب على جانب عظيم من الأهمية عنوانه: «بابام عبد الحميد» (أبي عبد الحميد).
هذه المحاولة التي قام بها اليهود لدى الباب العالي في دار السعادة بسطمبول، لم تكن يومها سرا محجوبا عن المتتبعين للنشاط الصهيوني المسعور سواء في أوروبا أو في آسيا, فلقد أشارت إليه أقلام الكتاب وبعض الجرائد والمجلات مما كان يصجر في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، من ذلك ما نشرته مجلة المشرق، إذ قالت هذه المجلة الكاثوليكية الكبرى في الصفحة 1094 من  المجلد الثاني الصادر سنة 1899 ما يلي:
«لما كان اليهود غوش الإسرائيلي سفيرا بالاستانة عرض على الحكومة السنية أن يجعل تلك النواحي (ملفاد ومؤاب في عبر الأردن) التي مساحتها نحو ستمائة ألف هكتار مستعمرة لليهود، تحت نظارة الباب العالي، يسوسونها كما يشاؤون، بشرط أن يدفعوا لمولانا السلطان مبلغا من الدراهم لا يقل عن بضعة ملايين من الفرنكات.
غير أن الدولة السنية لم تلب دعاء غوش وأغنياء اليهود، فذهبت آمالهم أدراج الرياح، وكانت غايتهم ان يمهدوا الطريق لأبناء جلدتهم لإنشاء مملكة مستقلة بالأراضي المقدسة كما كانت قبل المسيح» ا.ه
ويظهر أن محاولة «غوش» التي أشارت إليها المشرق وهي سابقة على محاولة اليهود الثلاثة الذين أشار إليهم الشيخ شيخ العرب في مذكراته، يظهر أن هذه المحاولة نبهت المسلمين ودار الخلافة العثمانية إلى ما وراءها من الأخطار الجسام، فبادرت جرائد الستانة العلية إلى توجيه أنظار الحكومة والأهالي إلى الاحتراز من تلبية مطالب اليهود وعدم تمكين هؤلاء اللصوص من التسلل إلى فلسطين والقدس الشريف بالذات، فنشرت جريدة «المعلومات» ونقلت عنها جريدة «تمرات الفنون» في الصفحة 3 من عدد صفر سنة 1224/ سنة 1217 و 13 حزيران سنة 1899 ما يلي تحت عنوان: اليهود في سورية وفلسطين:
«... لليهود ميل شديد تقادم فيهم لمجاورة القدس، لأن تلك الأقطار كانت مهدا لاعتلاء مجدهم في الأزمنة الغابرة... وقد جذبتهم معتقداتهم الدينية إلى مجد أسلافهم، فقام الكثيرون منهم على المهاجرة إلى أنحاء القدس وتوطن فريق منهم في تلك الجهات وصار لهم قسم كبير من الأراضي وما زال الكثيرون يرغبون في الهجرة وشراء الأراضي، وهذا مما يضر بصوالح الدولة والأمة معا. إذ تصبح القدس في يوم من الأيام وهي بيد اليهود فقط (لقد أصبحت القدس فعلا بيد اليهود فقد بعد ثمانية وستين عاما من كلام الجريدة مع الأسف الشديد، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) فينشأ من هذا مسائل جمة. ولا تخفى أهمية القدس الدينية لأنها أحد الحرمين الشريفين!. وتتابع الجريدة قائلة:
وقد سمعنا أن الدولة شعرت بالخطر فأصدرت امرا إلى متصرف القدس، حظرت فيه بيع الأراضي الأميرية إلى أولئك المهاجرين كما نصحت الأهالي بأن يحافظوا على أراضيهم ولا يبيعوها لليهود!..» ا.ه.
وإني لأخال هذه الكلمة كأنها أول صيحة بإنذار المسلمين مما انتهوا إليه أخيرا. وهي صيحة تلتها ألوف أكثر منها تحذيرا وتذكيرا وإنذارا، ولكن المسلمين تصامموا على الاصغاء إليها وأغمضوا عيونهم عن النظر إلى عواقبها فأصبحوا اليوم ينظرون إلى قبة الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى المبارك وهما في أسر اليهود وأيديهم قاصرة عن الثأر لكرامة الامة والدين، فياويلهم من حساب يوم عظيم يوم يسألهم رب المسجد عن قدسه وصخرته فيقولون كما قال الذين كفروا من قبل: «ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلون السبيلا ربنا وآتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا.» ولن يغني هذا الجواب عند الله في شيء.. كما أن تفرقهم شيعا وأحزابا ومذاهب لم يغن يوم الهول الأكبر في الدنيا من شيء. وهكذا خسر المسلمون دنياهم حين تركوا دينهم، ثم خسروا دينهم حين نسوا أخراهم. ولله الأمر من قبل ومن بعد وإليه عاقبة الأمور.
ونعود إلى حديث المحاولات اليهودية التي حدثنا عن بعضها الشيخ شيخ العرب فنقول: إن التاريخ حفظ لنا محاولة أخرة تلت تلك المحولة التي قام بها السفير اليهودي غوش وسبقت تلك التي قام بها اليهود الوقحين الثلاثة وعلى رأسهم مزراصي قراصوه أفندي. وهذه المحاولة يحدثنا عنها الصحافي البريطاني «كريسبي» في جريدة «اتشام» (المساء) التركية كما نقلتها جريجة «المعرض الأسبوعي» البيروتية في عددها 926 السنة العاشرة في 2 غشت شنة 1922 ص19) قالت الجريدة:
«ارسل المسير كريسبي» إلى جريدة (اقشام) التركية مقالا حول القضية الصهيونية بمناسبة الحوادث الأخيرة التي جرت بفلسطين، ومما جاء في هذا الحديث بتاريخ 29 اشرين الأول سنة 1922 هذه الفقرات التي ننقلها فيما يلي إلى قراء المعرض والتي يشير فيها الكاتب إلى حادث وقع له خلال سنتي 1900-1901 قال:
«... كان الدكتور «هرتزل» في ذلك العهد رئيس تحرير القسم الأدبي في جريدة (نيوفري) في فيينا، فأرادني أن أسعى له في مقابلة السلطان عبد الحميد بعد أن بسط لي بحزن شديد كيف أن غليوم الاول والبرنس دو بيلوف خدعاه لما رافقاهما في رحلته الامبراطورية إلى فلسطين. فقد وعده هذا الأخير أن يقدمه إلى السلطان. فلما وصلوا إلى الاستانة اكتفى البرنس بأن عرفه إلى عزت باشا (العابد) الذي ما كاد يسمع بالغاية الصهيونية حتى غرق في بحر من اللذات (سبق لهذا الشخص أن ارتشى بمبلغ مليون فرنك لإقناع الدولة بالتنازل عن كربت دون حرب).
وقد قبلت بأن اهتم شخصيا بقضية الدكتور هيرتزل ومطالبه، خصوصا وأن هذه المطالب لم تكن تعاكس المساعي التي كنت أقوم بها يومئذ.
وبدات بكل شجاعة عملي، فاصطدمت بالبداية بصعوبات خفية، ولولا مساعدة شيخ الإسلام «جمال الدين أفندي» (وكنت على صلة دائمة به) لفقدت كل أمل بنجاح مساعي، فإن هذا «للشيخ» أخذ على نفسه مهمة رفع كتابات الدكتور «هرتزل» إلى الأعتاب السلطانية وتقدماته، وكانت هذه التقدمات (الاقتراحات والعروض) باهرة، وإليك بيانها:
هرتزل يقول: ان الصهيونيين يتعهدون لقاء نزول اليهود المضطهدين في أنحاء العالم بفلسطين، أن يدفعوا الدين العثماني البالغ، إذا لم تخني الذاكرة 22 مليون ليرة انكليزية، ويتعهدون كذلك ببناء أسطول كامل للدفاع عن أراضي الدولة العلية.
وفي هذه الأثناء قبل أن يعقد للدولة التركية قرضا بملبغ مائة مليون فرنك تصرف في سبيل التسليح العام... ولكن هذه المحاولات حبطت ولم تنجح!.» (انتهى)
والذي كتبه مسيو كريسبي في هذه المذكرات هو في الواقع تتمة لما كان يبذله هرتزل شخصيا لمواجهة السلطان عبد الحميد والتقدم إليه بمقترحاته الخداعة توصلا إلى تحقيق غايات اليهودية العالمية في الأرض المقدسة. وهانحن نقدم للقارئ ما كتبه هرتزل نفسه في مذكراته التي طبعت بالألمانية في تل أبيب سنة 1924 ميلادية حول هذا الموضوع الذي أثاره مسيو كريسبي بعد الحرب العاليمة الاولى (1914-1917). قال هرتزل، بعد فشل محاولاته الماكرة:
«بعث السلطان إلي وساما عالي الدرجة ومع الوسام جواب مفزع في هذه العبارة:
«بلغوا الدكتور هرتزل ألا يبذل بعد اليوم شيئا من المحاولة في هذا الأمر (التوطن بفلسطين) فإني لست مستعدا لأن أتخلى عن عن شبر واحد من هذه البلاد لتذهب إلى الغير. فالبلاد لست ملكي بل هي ملك شعبي روى ترابها بدمائه، فليحتفظ اليهود بملايينهم من الذهب!..» ا.ه.
ان مذكرات هوتزل لا تحتمل المناقشة فيما تضمنته من رأي الدولة العثمانية وموقف السلطان عبد الحميد بالذات من محاولات اليهود ومشروعاتهم لاغتصاب فلسطين وتهويدها وتبديد سكانها وتدمير مقدساتها!..
وأخيرا تمكن اليهود من غرز أظافر أطماعهم في قلب فلسطين بعد أن أزاحوا من دربهم العائق الرئيسي الذي كان متمثلا بيقظة السلطان عبد الحميد وانتباهه إلى أساليبهم المجبولة بالمكر والخداع والتضليل..
وبإعلان الدستور (المشروطية) ثم زوال الحكم من يد السلطان عبد الحميد، شرعت مصاريع أبواب فلسطين أمام تدفق اليهود. وتقول مجلة الكلمة في عددها الصادر بتشرين سنة 1911 ص 422 التي نقلتها مجلة المشرق في المجلد سنة 1912 ص 80:
«ان الدستور العثماني... فتح لليهود حق المساوات، فلم يلبث اليهود في تركيا أن أخذوا يظهرون للملأ ماذا يصنعون بهذه المساواة.
فقبل كل شيء انسلوا إلى الوظائف العالية في المملكة، قم لم يمض وقت طويل حتى ظهر أن مديري دفة جمعية تركيا الفتاة هم «يهود».. وبوجه الإجمال فإن إعلان الدستور في تركيا قد ملأ قلوب بني إسرائيل أجمعين فرحا عظيما، وأخذوا بواسطة أعوانهم يثيرون كوامن البغضاء بين الأتراك المسلمين وبين سائر الشعوب المسيحية في المملكة العثمانية... ومما يؤكد هذه الحقيقة أن جريدة «التيمس» الانكليزية، إحدى الجرائد المشهورة بمملائها اليهود رأت أن تذكر اليهود بالدور الذي لعبوه في تهييج النصارى ضد الإسلام.
على أن تظاهرهم بنياتهم اليهودية لم يلبث ان أهاج سكان فلسطين ولاسيما المسلمين، ضد الدولة العثمانية وخصوصا ضد «تركيا الفتاة» التي احست من جراء استسلامها لليهود مكروهة في أكثر أنحاء المملكة العثمانية!...» ا.ه.
وفي معرض الحديث عن تأييد «جمعية الاتحاد والترقي» لليهود في بلوغ مآربهم داخل الحكومة  العثمانية للوصول إلى مآربهم داخل فلسطين منذ تلك الأيام، يقول عارف في كتابه: «المفصل في تاريخ القدس» جزء أول ص 299:
«اندس عدد غير قليل من الدوغة (الذي سبقت منا الإشارة إلى أصلهم ومنشأهم) في حكومة الاتحاد والترقي أمثال (جاويد بك) وزير المالية من «سلانيك» بساريا أفندي وزير النافعة من رومانيا، ونسيم مازلباخ وزير التجارة والزراعة وكان هذا ممثلا للجمعية الصهيونية، وحسين جاهد (بالتشين) رئييس تحرير جريدة طنين التركية، فتغلغل هؤلاء في إدارة الحكم حتى أصبحت كلمتهم هي العليا.. وعن ما ألفهم وغيرهم من رجال الاتحاد والترقي سنت الحكومة قانونا يجيز للجمعيات أن تمتلك الأراضي في فلسطين، وسنت أيضا قانونا آخر أجازت بموجبه بيع المزارع السلطانية (الجفنكك، وكانت مسجلة باسم السلطان عبد الحميد وهي كثيرة) بالمزاد العلني. وعن طريق هاتين الجمعيتين تمكن الصهيونيون من شراء أراضي فلسطين قبل وقوع الحرب العاليمة الاولى...»ا.ه.
وقبيل الانتهاء من تسجيل هذه الخاطرات عن البصمات الاولى لمخالب اليهود ونباتهم في وزحفهم المتوحش نحو فلسطين نرى أن نرجع القلم إلى ما سمعناه من الشيخ علي شيخ العرب عن ذكرياته خلال الحرب العالمية الاولى فيما يتصل بموضوعنا، فهو يقول، بارك الله له في صحته وعمره:
«سنة 1916، خلال الحرب العالمية الأولى، كنت في جبهة بئر السبع مع القائد الألماني «فون كربس» وجاءت شكوى من اليهود بيلفا على قائد المنطقة المرحود حسن بك الجابي، فأرسلني الجنرال «فون كريس» إلى يافا للتحقيق في شكوى اليهود على هذا القائد.
فذهبت ونزلت ضيفا عن السيد علي أفندي المستقيم من أعيان يافا. وانهيت التحقيق مع مضيفي ومع غيره عن حالة حسن بك الجابي، وعلمت أن عداوة حسن بك إلى اليهود أسبابها علمه بخيانتهم وتجسسهم لدولة انكلترا وإعطائهم المعلومات للانكليز عن طريق شريف مكة من نواحي العقبة.
وذهبت مع حسن بك الجابي إلى تل أبيب، فوجدتها حيا مستجدا فيه كثير ممن جاء بعد سنة 1910م أي بالفترة أربع سنوات قبل إعلان الحرب العمومية (سفربر) وتحقق عندي أن مجموع اليهود بفلسطين بعد أن كان في عهد عبد الحميد بين أربعين إلى خمسين ألفا أصبح الآن فوق الثمانين ألفا.
وعدت إلى بئر السبع قدمت تقريرا إلى «فون كريس» وكتبت في التقرير أن شكوى اليهود من حسن بك الجابي أسبابها احتقارهم لأسباب المعيشة. ولم أذكر «لفون كريس» شيئا عن تجسس اليهود وأعمالهم الحقيقية، وذلك بالاتفاق مع رئيس الأركان الحربية التركي (رشدي بك ثم باشا) الذي يعلم بأن القطاعات الألمانية عندها يهود يقومون بأعمال التراجممة بين الألمان والأتراك، والعرب وأنهم يستغلون وظائفهم التي تمكنهم من الاطلاع على الأسرار للتجسس على حركة الجيوش العثمانية في جبهة سيناء ويرسلون ما يحصلون عليه من المعلومات إلى الانكليز...»
أما بعد، فلقد لعبت سياط سبتموس سفيروس (الليبي الذي تزوج عربية من حمص اسمها جوليا دمنة ثم اعتلى عرش روما على أثر انقلاب قام به ضد سلفه) في القضية اليهودية سنة 135 للميلاد فغادروا القدس الشريف ولم يكونوا يدخلون هذا البلد الأمين إلا حينما يتوجهون إلى حائط المبكى (البراق الشريف) ويدندنوا قائلين مع البكاء والنحيب والامل اليائس بالعبرانية:
«من أجل القصر الذي أصبح خاليا، نبكي في الوحدة وننوح»
«ومن أجل القصر الذي هدم»
«ومن أجل عظمتنا الراحلة»
«ومن أجل رجالنا العظام المائتين»
«ومن أجل الحجارة الثمينة التي أحرقت»
«ومن أجل ملوكنا الذين كرهوه»
«نتضرع إليه، كمن رحيما بصهيون»
«اجمع شمل أبناء أورشليم»
«عجل إلينا يا مخلص صهيون»
«أنزل رحمتك في قلب أورشليم»
«فلتكلل صهيون بالمجد والجمال»
«أعد إليها مملكة صهيون حالا»
«وامنح العزاء إلى النائحين على أورشليم»
كان ذلك منذ سنة 125 بعد الميلاد، ونحن اليوم في سنة 1967 بعد الميلاد. وانا لنجد دولاب الدهر يدور حاملا في الخامس من شهره السادس القرار للتائهين، والفرار لأبناء فلسطين المستقرين، وإذا باليهود الذين تقرحت أجفانهم من طول البكاء يمسحون دموعهم بالخنادر التي ضرجوها بدماء المسلمين، ويهرعون إلى الحائط بأهازيج النصر بعد ان كانوا لا يستطيعون بلوغه إلا مسربلين بعار المذلة، بينما أمتنا المسلمة في عربيها وأعجميها، التي ما عرف بنوها على مر السنين بكاء ولا نواحا تتحول في مدى أيام قلائل إلى أشباح ذليلة تضطرب على أبواب الأمم تسال هذا القائد وذاك الرئيس ان يعيد لها الأرض السليبة بما فيها القدس الحبيبة كرم لعيون مبادئ الأمم المتحدة والقوانين التي وضعت لإجارة المستضعفين من بغي المعتدين.
يا له من موقف ما كان لنا أن ننتهي إليه لو كنا صادقين, وإنا اليوم لنتساءل في لهفة جازعة:
- هل جفت دموع اليهود لتستفيض من عيون المسلمين الدموع. لقد جعل اليهود من أطلال سور بقي في هيكلهم الذي دنسوه يوم بنوه بالرذيلة والخنا، حائطا للبكاء طوال مدة بدأت سنة 125 ميلادية وانتهت في منتصف السنة 1967 ميلادية.
فهل رضي المسلمون أن يستحيل المسجد الأقصى الذي جبله بالطهر آبائهم وأجاد كرام، أن يستحيل أنقاضا تغيت تحت حطامها كلمة الله الخالدة في أولى قبلتيه وثالث حرمه؟
أيها المسلمون في مطالع الشمس من الأرض ومغربها، تحت كل سماء وفوق كل تراب:
ان أمجاد آبائكم في الأيم الخالية، وآمال أبنائكم في الأيام الآتية، كل هؤلاء وأولئك، في تطلع إليكم ومعها مقدسات تراثكم في فلسطين وللجميع نداء صادر من أعماق الثرى الذي توسدته أرواح الضحايا من شهداء الإسلام وأبطاله عبر الأجيال والقرون.
إنه نداء الشهيد المجهول.. من أجل الإسلام والمسلمين، من أجل المقدسات في فلسطين
فإما حياة تسر الصديق
وإما ممات يغيظ العدى
ونفس الشريف لها غايتان
ورود المنايا ونيل المنى

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here