islamaumaroc

التاريخ المغربي بين أخطاء الحاضر وآمال المستقبل

  دعوة الحق

104 العدد

من أهم واجهات الفكر المغربي الحديث، قسم الدراسات التاريخية الذي انصرفت إليه نخبة من مثقفينا البارزين، ويكاد بعضهم يقف كل جهوده على هذه الناحية لا يتجاوزها، وهي سعي مشكور ونافع وضروري في هذه المرحلة التي نجتازها من تطورنا الفكري الحديث، إذ أننا نلتمس الطريق إلى شخصيتنا كمغاربة، حتى لا تضيع وسط ركام من ثمار الثقافة الآتية من شرق وغرب، فلم يكن استقلال المغرب إلى إعادة الأمور إلى نصابها، وفرصة لتنقية النفس المغربية من رواسب وضع متعفن، حمل فيما حمل إلينا الضياع في طريق غير طريقنا الطبيعي بصفتنا مجموعة من البشر لها كيان انتصب عملاقا عقودا من السنين، ولن أغارت عليه قوى عاتية اتخذته لها هدفا فشوهت معالمه، وكان أن يتهاوى تحت ضرباتها القوية، حتى استحال العملاق قزما يتقهقر في استحياء وتخاذل.
ولكن ها هو اليوم ينتفض وتعود إليه حيويته فيحاول الوقوف على رجليه وسط الأعاصير الهوج، أعاصير الثقافة العالمية التي طوقت العالم، وعرضت الشخصية القومية لكل أمة صغيرة تبحث عن نفسها إلى خطر شديد.
فلا يسعنا والحالة هذه، إلا أن نبارك هذه الجهود المثمرة التي نرى آثارها القيمة بارزة على صفحات مجلاتنا، ولاسيما مجلة « دعوة الحق» التي تولي هذا الجانب قسما كبيرا من عنايتها. ووفاء للحقيقة والتاريخ أذكر الأساتذة: المنوني وعبد العزيز بنعبد الله ومحمد إبراهيم الكتاني وعبد الله كنون وابن تاويت كأعلام بارزين، ترتبط أسماؤهم بهذه المرحلة من تاريخنا الفكري، وستكون أبحاثهم نبراسا لمؤرخ المستقبل، حيث سيجد الطريق أمامه معبدا، فيبدأ من حيث انتهوا، منتفعا بفتواحاتهم التاريخية المظفرة، وكلنا يعلم الصعوبات التي تواجه وتتحدى من يتصدى لكتابة تاريخ المغرب، لعوامل شتى، منها ندرة المصادر، فأقلها هو الذي عرف طريقه إلى الطبع، وأكثرها ما زال مخطوطا يرقد في غياهب الظلام، أما في المكتبات العامة، أو في بعض المكتبات الخاصة، هذه التي يوجد أكثرها بين أيدي شحيحة، تأبى أن تجود بشيء من نفائس ما تملكه من ذخائر الفكر المغرب. ولست أفهم كيف يحبس إنسان تراثا ولا يتركه يتخذ طريقه إلى ملايين المثقفين في المغرب والمشرق، ليكون منهلا من مناهل المعرفة، وليكشف عن جانب من جوانب العبقرية العلمية أو الأدبية للأمة، وإنما يبقيه غارقا في الظلام، نهبا للأرضة، عرضة للتلف، مع أنه ملك عام، باعتبار أنه صورة من صور الحياة العقلية للأمة المغربية، من حق كل مغربي أن يستفيد منها أضف إلى ذلك أن فك طلاسم الخطوط القديمة بعد الجهد المضني للحصول على المصادر – يكلف الباحث كثيرا من التضحيات الجسام، وكذا ما تزدحم به المخطوطات من أعلام يتوقف التعريف بهم على مراجعة عدد من ضخم من المراجع، وما أقلها وأشق وسائل الوصول إليها. هذا علاوة على كون هذه المخطوطات تختلط فيها الحقيقة بالأسطورة، والواقع بالخيال، الأمر الذي يكلف الباحث إحاطة تامة وشاملة بموضوعه، وبطبيعة الأحداث والوقائع في تسلسلها التاريخي. وليس غرضنا هنا هو الإحاطة بالعوائق الكثيرة  التي تقف في وجه الباحث، وإنما أتينا ببعضها عرضا ونحن بصدد تصور الجهد الكبير الذي يبذله كتاب التاريخ عندنا. أقول كتاب التاريخ، ولا أقول (المؤرخون) بالمعنى الدقيق للكلمة، لاعتقادي أن ليس كل من يكتب عن التاريخ يسمى (مؤرخا) مادام المؤرخ الحق هو ذلك الذي يكون له منهج في دراسة التاريخ. ونحن الآن نمر بمرحلة التجمع والحشد، تجميع أكبر عدد ممكن من الحقائق والمعلومات التاريخية وحشدها والتقاطها من مظانها المختلفة، فمن حديث عن أشهر مؤلفات التعليم في دولة مغربية، إلى حديث عن أشهر مؤلفات حقبة معينة، إلى آخر عن مسجد ما الخ. وما زال لم يوجد عندنا بعد، ذلك المؤرخ الذي يأخذ بكل هذه الخيوط المتفرقة، ليضمها في نسيج واحد. ومن الطبيعي أن نمر بهذا الطور الآن، كمقدمة تتلوها نتائجها البعيدة المدى في المستقبل القريب أو البعيد، فالمؤرخون لا يظهرن عادة إلى بعد انتهاء مرحلة التجمع تجميع المادة التاريخية ونقدها وتصحيحها ثم تقديمها إلى جمهور القراء كمراجع ميسرة يسهل تناولها والانتفاع بها على أوسع نطاق وأشمله. خذ لذلك مثلا ابن خلدون، فهو لم يستطع أن يكتب كتابه العظيم في التاريخ، إلا بعد أن سبقته مرحلة وضع الموسوعات الضخمة كتاريخ الطبري، والكامل لابن الأثير وغيرهما وهؤلاء بدورهم ما كانوا ليعملوا عملهم العظيم، لولا أن الذين سبقوهم وضعوا بين أيديهم أشتاا من الروايات والاخبار والأساطير، بحيث تهيأ لهم أن يكونوا منها هياكل عظيمة للعصور التي أرخو لها، أي أنهم حولوها من معلومات متناثرة إلى سياق تاريخي مسلسل، وبذلك استحقوا أن يحرزوا لقب مؤرخين (1).
هذا وان عندي شعورا قويا بأن مؤرخ المغرب يوجد جنينا في أحشاء هذه الأيام، نظرا لتتابع الأبحاث التاريخية وتعدد جوانبها وخروج المخطوطات إلى وضح النهار، ونظرا لتطبع جمهرة المثقفين إلى ذلك اليوم الذي تتحول فيه هذه المواد الخام إلى عمل منظم محكم التبويب، فيه خلق وابتكار، من حيث أسلوب التفكير التاريخي الخاضع لمناهج البحث، فقد جرت العادة بأن يوجد المؤرخ عند ما تشتد الحاجة إليه، وتتهيأ المقدمات الضرورية لوجوده، ويقوى تطلع الناس إليه وترقبهم لظهوره بين حين وآخر. وكل هذه العوامل موجودة عندنا الآن، هذا بالإضافة إلى البناء الضخم الذي أقامه الأجانب لتاريخ المغرب الحضاري، على ما فيه من ثغرات وسموم لا يسلم منها عادة كل بحث يكتبه أجانب عن بلادهم، تربطهم بها صلة ليس فيها تكافؤ ولا احترام ولا نزاهة، هي صلة الغالب بالمغلوب، والحاكم بالمحكوم، والقوي بالضعيف، والمستغل بمناطق النفوذ، بحيث لم يسلم ما كتبره من روح الدس والتآمر والتزييف، مما تندس في تضاعيف الحقائق الكثيرة القائمة على منهج العلم ومقرراته، فهذا العمل على علاته كفيل بتقديم مساعدة قيمة لمؤرخ الغد.
ومن هنا يتضح لنا مدى العمل النافع المثمر الذي تصدى له مثقفونا المعنيون بالمادة التاريخية، وهو التمهيد الفعال الإيجابي لميلاد المؤرخ المغربي المنتظر، كما تمهد الأمطار لموسم الربيع. إلا أن مثل هذا العمل لا ينجو عادة من بعض العيوب والثغرات، شأن سائر الأعمال الثقافية التي تأتي عقب الجفاف الفكري والنضوب الثقافي، إذ أنها أعمال رائدة، لا تعتمد على سند من محاولات سابقة. اللهم إلا نتفا متفرقة هنا وهناك، وليس من شأنها أن تقيم العثرات، وتعصم من المزالق.
ولست أريد بإعطاء نظرة موجزة عن هذه العيوب التنقيص من قيمة المجهود الكبير، المبذول من طرف أولئك الرواد المعنيين  بالتاريخ المغربي فقد أشدت بعملهم القيم ي كلمات سابقة، وإنما أريد التنبيه إليها عن حسن نية ، ومساهمة مني في إبراز نواحي النقص المتصلة بجانب من جوانب تطورنا الفكري الحالي، وهي عيوب تكاد تكون طبيعية – ولو في جزء منها على الأقل- إذ نحن نظرنا إلى الوسائل المحدودة التي يملكها من يتصدى لكتابة تاريخنا، ولكنها قابلة للإصلاح اعتمادا على دروس التجربة، وعلى ما يمكن أن يسفر عنه النقد البناء النزيه.
وملاحظتي الأولى هي أنني لا أرى واحدا انقطع لحقبة معينة من تاريخ بلادنا الفكري أو السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي فوقف كل جهوده عليها، وإنما  كل باحثينا المعنيين بالتاريخ يوزعون جهودهم بين عهود قد تكون متباعدة، على حين أن الحاجة ماسة إلى التفرغ لكل حقبة على حدة، قصد التوغل في أعماقها، وقراءة جل أو كل ما كتب عنها ما بين مخطوط ومطبوع، للإفادة منه في تكوين هيكل لتلك الحقبة في أبعادها المختلفة. فنحن نرى أن من يكتب التاريخ عندنا – باستثناء البعض – تارة يعثر بمحض الصدفة على مخطوط قديم فينشره، لينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن برج أو صومعة أو قبيلة، ومن هذا إلى ترجمة مقتضبة لعلم من أعلام الفكر المغربي، وهكذا تتصل هذه الكتابات التي لا صلة بينها إلى أنها تنصب على التاريخ، إذ تعوزها الوحدة الموضوعية، ولا سبيل إلى إنكار أن عملا من هذا القبيل ناتج عن مجهود يكون أجدى وأنفع لو أنه بذل في ناحية من النواحي لإعطائها حقها من التحليل والدرس. هذه واحدة.
أما الثانية فهي أن كتابة التاريخ عندنا تعوزها النظرة الواسعة والشمولية التي تعني رصد الظاهرة التاريخية حدثا كانت أو شخصية أو مظهرا من مظاهر الحضارة، مع ربط الصلة بينها  وبين سائر المؤثرات التي عمل ت فيها من اجتماع وسياسة واقتصاد وفكر، حتى تبدو في جذورها العميقة، وصلاتها المعقدة البعيدة المدى. قد نجد شيئا من هذا فيما ينشر على الناس من تاريخ المغرب الفكري والسياسي، ولكنه يحتاج إلى كثير من التوسع والإحاطة، أما أخذ الظاهرة التاريخية كعنصر منعزل عن بقية العناصر المرتبطة بها كما هو واقع إلى في حالات استثنائية شاذة، فهذا فيه تشويه للتاريخ، وقتل لروحه الأصيلة المتمثلة في اتصال الأحداث والوقائع والأشخاص وسائر المؤثرات الظاهرة والخفية وتجاوبها وتبادلها التأثير بكيفية شبيهة جدا بما يحدث بين ظهرانينا اليوم، وبما سيحدث غدا وبعد غد وإلى ما شاء الله، نعم قد تجد الباحث الذي لا يهمل هذا الجانب في بحثه أو مقاله، بيد أن المراد هنا ليس هو مجرد التعرض للأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي رافقت ظاهرة من ظواهر التاريخ، بل هو وضع الظاهرة في مكانها الطبيعي من تلك الأوضاع، وعقد الصلة بينهما برباط محكم حتى لتبدو الظاهرة في مكانها الطبيعي المقدور لها. واعتقد أن هذا ما يندر وجوده فيما ينشر علينا من أبحاث تاريخية، وهذه الثانية.
وأما الثالثة فهي أن النصوص غالبا ما تبقى جثثا هوامد، فلا تستنطق لتهب أعمق ما عندها من  أسرار فأنت تجد عندنا البحث المزدحم بالنصوص والشواهد الآتية من هنا وهناك، ولكنها تبقى في سياقها شحيحة لا تفتح آفاقا للتأمل، ولا أبوابا إلى الملاحظة والاستنتاج ذلك لأن الكاتب يترك النصوص غارقة في صمتها العميق لا تفتح شفتيها لتتحدث، فجل كتاب التاريخ عندنا يهيمون بالنقول ووفرة المراجع لذاتها هياما كبيرا، ويكدسونها بالعشرات، حتى ليكتظ بها المقال أو البحث، وكثيرا ما نجد المقال مقتضبا ضيق الجوانب، ولكنه مشحون فوق طاقته بالنقول، ومذيل بعشرات المراجع التي كأنها يؤتى بها لتدل على مبلغ اطلاع الكاتب، لا لتؤدي خدمة ضرورية للموضوع المطروق. فهذا الكلف الزوائد بالحشد والتجمع لذاتهما يعوق الباحث عن الوقفة الطويلة عند النص الواحد، لتقليبه على مختلف وجوهه، قصد استخلاص أقصى ما يمكن أن يعطيه من غوامض وأسرار. فضيلة أن يتوفر الباحث على مراجع كثيرة متعلقة بموضوعه، ولكن يخدش وجه هذه الفضيلة أن تحشر هذه المراجع حشرا من حيث لا داعي إلى ذلك، اما لضيق جوانب الموضوع، حسب الحدود التي رسمها له الباحث، وإما لأن الموضوع نفسه لا يتطلب كل هذا العمل، خصوصا إذا عرفنا أن بعض كتابنا يكون بصدد مسألة، فإذا به يستطرد إلى أخرى قد لا تكون لها علاقة بالأولى وذلك لاتخاذها مناسبة للزج بالمصادر المتعلقة بها، الأمر الذي يسيء إلى الكتابة التاريخية باعتبارها ذات قواعد وأصول. لعلك سائلني الآن عن الأمثلة المؤيدة لهذا الذي أقول، ولكن الأمثلة بلغت من الكثرة وسعة التداول ما يغني عن إيرادها.
ورابعة، وهي أن التاريخ يكتب عندنا غالبا مفصولا أو يكاد عن مؤثراته الخارجية. فمن يقرأ ما كتب عن تاريخ المغرب الفكري والسياسي يخيل إليه أن المغرب معزولا عن التاريخ في البلاد العربية الأخرى وعن التاريخ في بعض دول اوربا، مع أن الواقع خلاف ذلك، فلم تكن تطورات الأحداث في بلادنا إلى متصلة بأحداث وقعت في بلاد أجنبية، قريبة أو بعيدة، بحيث بادلتها التأثير، وكان لها أصبع في صنعها، فنحن لا نشذ عن عباد الله في تأثرهم بكل جماعة من البشر تربطنا بهم روابط من الفكر أو العقيدة أو السياسة أو الاقتصاد في حالة السلم وحالة الحرب، في حالة التواصل وحالة التقاطع، وإنما نحن كغيرنا من الناس، أخذنا وأعطينا، وتركت المؤثرات الخارجية بصمات أصابعها على كل واجهات حضارتنا وتاريخنا، بطرق وأساليب مختلفة، بكيفية مباشرة حينا، وبكيفية غير مباشرة أحيانا. فأين هي الجهود المبذولة عندنا للكشف عن صلة تاريخنا وحضارتنا المادية والمعنوية بتاريخ وحضارة أمم وشعوب أخرى ربطتنا بها صلات قد تتقوى وقد تضعف، ولكنها على كل خال لم تتركنا دون أن تخلف فينا اثرا من آثارها؟ لا يكفي أن نكتب فصلا عن تاريخ العلاقة بين المغرب وبين دولة ما، فهذا لا يغني فتيلا عن رؤية هذه العلاقة في عمقها واتخاذها أساسا من أسس دراسة ورصد حقب من تاريخنا، كان لهذه العلاقة أثر فيها وفي طبيعة أحداثها ومجرياتها والذين كتبوا عن هذه العلاقات – مع احترامي لعملهم – أدعوهم دعوة مخلص إلى أن يحاولوا إيضاح آثارها على مختلف أوضاعنا قديما وحديثا. أما تركها لتظل ضمن إطارها الضيق، دون أن تخرج عنه لتكون من أسس الدراسات التاريخية، عندما نتناول بالحديث – مثلا – قيام دولة وسقوط أخرى، أو قيام بعض الفتن والقلاقل وما إلى ذلك، فبالرغم من أني لا أنكر قيمة هذا العمل، فإني في الواقع أرى أن ه يجب الانتفاع به في محاولة وضع أبعاد جديدة لتاريخنا عند ما يكب، سواء بالنسبة للسياسة أو الاقتصاد أو غيرهما من نواحي الدراسة التاريخية. أريد من كتاب التاريخ عندنا أن يتبينوا الجسور التي عبرناها أو عبرها الغير إلينا، مضيفين هذا الجهد إلى جهودهم الهادفة النافعة حتى لا تبقى علاقاتنا بغيرنا باهتة غامضة، وإنما تصبح ملموسة شديدة الوضوح.
خامسة، وهي أن الكتابات التاريخية عندنا، قسم كبير منها ينحو منحى انفعاليا مبالغا فيه أحيانا كثيرة، بدافع من حسن النية، وامتلاء بأمجاد تاريخنا الحضاري، حتى لربما يطلق الكاتب العنان لعواطفه، فيتحول القلم إلى مزمار، والكلمات إلى نشيد من أناشيد الحماسة الوطنية، وهذا من شأنه أن يسيء إلى الغرض الذي يتوخاه، ولو أن عمله هذا ترجم إلى لغة أجنبية لكانت نتيجته على عكس ما توخاه الكاتب، فإذا شاء أحد الحماسة فهناك قوالب لغوية أخرى خلقت لأداء مثل هذا الغرض من شعر وخطابة وليترك التاريخ إلى أن تهدأ عواطفه، ويتوب إليه رشده، إذ ان التاريخ ليس منبرا للخطابة، ولا عكاظ لإلقاء القصائد وإنما التاريخ حقائق ومستندات، تعرض في هدوء أعصاب وروية وتعلق، وبعد عن الانفعالات.
وإذا كنا قد أهبنا بكاتب التاريخ أن يلزم الموضوعية والدقة والتحري والبعد عن الحماس والخطابة، فنحن لا نستطيع مطالبته بأن يتجرد عن قدر معين من التحمس، خصوصا في الموضوعات الحبيبة إلى نفسه، الأثيرة عنده، مما يدخل ضمن تاريخه القومي. فلاشك أن هناك بعض الدول أو الشخصيات التاريخية التي يتحمس له المؤرخ ويعجب بها إعجابا كبرا من شأنه أن يجعل حديثه عنها لا يسلم من بعض التحمس، يمكنك أن تلمس ذلك عند بعض المؤرخين الذي تصدروا لتاريخ الدولة الأموية أو العباسية، ودونك كتاب (قيام دولة المرابطين – صفحة مشرقة من تاريخ المغرب الأقصى) للدكتور محمد أحمد محمود، فقد أشاد مؤلفه بدولة المرابطين إشادة عظيمة لا يكون كفاء لها في سموها وروعتها  إلا عظمة المرابطين أنفسهم وروعة نضالهم في المغرب والأندلس، لإعلاء كلمة الإسلام، ورد عادية المعتدين، بل إن في عنوان الكتاب نفسه ما يشي بتحمس المؤرخ، بظهر ذلك في عبارة (صفحة مشرقة من تاريخ المغرب الأقصى) الموضوعة مباشرة تحت عنوان الكتاب. ونفس الشيء نقوله بالنسبة إلى كتاب (حياة محمد (ص) ) لهيكل، حيث بلغ إعجابه بصاحب الرسالة العظيم شأوا بعيدا جعل قلمه يدبج صفحات مشرقات تفيض إكبارا وإجلالا للنبي الكريم. ولكن كلا من الرجلين لم يبلغ به التحمس إلى حد الإخلال بالأمانة العلمية والخروج عن مقتضى الموضوعية. وانت واجد هذا القدر من التحمس في كتابات الأجانب عن تواريخ بلادهم وأمجادها وحضارتها وأقرأ موسوعة ديرانت (قصة الحضارة) الواقعة في واحد وعشرين مجلدا، وقف عند حديثه عن حضارة اليونان، ثم عن حضارة عصر النهضة، لتلمس مقدار ما أبداه من آيات الإعجاب، دون  أن يترك ذلك يجره إلى الخروج عن طبيعة التاريخ وحقائقه البارزة. فهذا النوع من التحمس لا ضرر منه، بشرط أن يكون معتدلا مقيدا بقيود الموضوعية والدقة العلمية. اما كتاب التاريخ عندنا، فالحق أن فيهم من يكتب بهدوء أو بتحمس غير بالغ، ولكن هناك آخرين يتجاوزون ما رسمته لهم قواعد كتابة التاريخ، ويطلقون العنان لعواطفهم بشكل غير مقبول، ولهذا الفريق أسوق هذه الملاحظة راجيا أن يتوبوا إلى شيء من الاعتدال.
وإلى هنا أود  أن أقف عند مسألة اعتقد ان من الواجبات إثارتها في هذه المرحلة من تاريخنا بالذات، تلك هي أن تاريخ المغرب الحديث لم يلق العناية الكافية أو قل من يلق عناية على الإطلاق، من طرف المعنيين بتاريخنا. فجل أبحاثهم إن لم اقل كلها تتناول تاريخ المغرب القديم والوسيط، وقل أن تتجه إلى تاريخه مع أنه حقبة مزدحمة بالأحداث، حافلة بالوقائع، عرف المغرب أثناءها شرا كثيرا وخيرا كثيرا، وتعرضت فيها الإدارة الوطنية لاختبار قاسي خرجت منه ظافرة بنعمة الاستقلال، الأمر الذي لفت نظر الأجانب، فكتبوا عن هذه الحقبة عدة مجلدات، من بينهم الأستاذ روم لاندو الذي اشتغل بتاريخ المغرب الحديث، فأفرد له بحوثا قيمة رغم ما ينقصها من عمق وشمول. ونذكر هن بكل اعتزاز كتاب (المسألة المغربية) لمحمد خير فارس فهو قد ألقى أضواء على كثير من أحداث هذه المرحلة من تاريخنا الحديث.
فما الذي جعل باحثينا لا يولون هذه المرحلة الأهمية التي هي جديرة بها؟ لعل مرد ذلك إلى أنهم فضلوا تناول المراحل البعيدة من تاريخنا على المرحلة الحديثة، لكون هذه معاشة ووثائقها ميسرة، فلا خوف عليها  من أن يلفها الغموض، ففي إمكان الباحث تناولها وقتما شاء، على حين أن الحقب القديمة يخشى عليها من ضياع قسم كبير من حقائقها، نظرا لقلة مصادرها، وصعوبة الحصول عليها، ومشقة الانتفاع بها وهي على حالتها الحاضرة ما بين قليل مطبوع، وكثير مخطوط. هذا علاوة على ما يخلفه القدم على الحقب القديمة من قداسة وجلال، من شأنهما أن يثيرا خيال الباحث، ويستدعيا اهتمامه المتزايد، بينما الحقبة الحديثة ينتظر بها أن تصبح ماضيا بعيدا لتظهر بوضوح نتائجها البعيدة المدى في تاريخ المغرب. قد أكون مصيبا في هذا التعليل وقد أكون مخطئا، وسواء كان هذا أو ذاك، فالشيء الذي لاشك فيه أن وراءنا مرحلة مهمة من تاريخنا، على حين أنها حظيت باهتمام الأجانب، وليس من مصلحة أجيالنا القادمة أن نستمر في إهمالنا إياها ذلك لأننا شهود هذه المرحلة، والذين يكتبون تاريخنا فيهم من عاشها طولا وعرضا وعمقا، وبحكم ذلك فهو ملم بأسرارها، التي ربما لا مصدر لها إلا المشاهدة والمعاناة الحية، وحرام أن تضيع تلك الحقائق بعد مرور عقود من السنين، بانتهاء جيل المرحلة، ودخول أجيال جديدة في حياة  مغرب المستقبل تريد أن تعرفها، فلا يتاح لها ذلك إلا من خلال مابين يديها من وثائق قد لا تكون كافية، ولا مستوفية لكل عناصر الحقبة ونواحيها. وكم من حقائق تاريخية ضاعت علينا وعلى غيرنا، لأن المعاصرين لها لم يقوموا بتدوينها بوصفهم من الذين عاشوها وكانت لها أصداء قوية أو ضعيفة في حياتهم، فكان  أن تعرضت لخطر شديد، وقطع من شأنها بالظنون والتخمينان. وسوف لا تعذرنا الأجيال المقبلة إذا لم نقم بهذا الواجب الآن، لأن القدر كتب لنا أن نعيش في عصر العلم والطباعة، ولأن الحقبة التي نعيش اليوم فصلا من فصولها تعتبر من أدق حقب التاريخ المغربي. وإذا لم نكتبها فسيكتبها الأجانب، كما كتبوا عما سبق، بل هم قد كتبوا عنها فعلا ولعلهم بسبيل أن يزيدوها درسا وبحثا، وحينئذ لا يكون أمام تلك الأجيال إلا أن تعتمد كلية على المراجع الأجنبية، ويكفي ان نتصور هذا ليدرك فداحة إهمال باحثينا لتاريخ المغرب الحديث. وها نحن نرى الآن أن المشارقة الذين تصدوا لتاريخ المغرب القديم والوسيط، كان جل اعتمادهم على المصادر الأجنبية لقلة المراجع العربية، فحملت بحوثهم بعض ما جاء فيها من عيوب، بالرغم من الاحتياط الشديد والتحري الدقيق.
وأخيرا يبدو من خلال ما قرأته من أبحاث تاريخية أن أكثر باحثينا لا يدخلون في اهتمامهم أن هناك قراء يجب أن يتخذ الكاتب وسائله للوصول إلى نفوسهم وعقولهم لكسبهم واستمالتهم، خصوصا إذا عرفنا أن شبابنا مفتون بحضارة الغرب وتاريخه، الأمر الذي يفرض فيما يفرضه محاولة جذب هذا الشباب وانتزاعه من أحضان تاريخ الغرب، لتلتفت إلى تاريخ بلاده ضامنا اللذة العقلية والفنية معا، وهذا يتطلب الاعتناء بالاسلوب عند كتابة التاريخ، ليكون رشوة لذوق القارئ وتأليفا لقلبه، أما الكتابة التاريخية عندنا، فهي غالبا ما تتخذ أسلوبا جافا خاليا أو يكاد من الرونق والمائية، مع العلم بأن الباحثين يكاد الإجماع ينعقد بينهم على أن التاريخ مزيج من العلم والأدب، فلا هو بالأدب الخالص، ولا هو بالعلم الخالص، وإنما فيه من هذا وذاك، وقد نص الكثيرون من الذين تعرضوا لهذا الموضوع، على أن التاريخ لا يمكن أن يدرس لنفس الدقة العلمية التي تجري عليها التجارب العلمية داخل المختبرات، ذلك لأن التاريخ حقب ولت ومضت، فلا نتعرف عليها إلا بآثارها وهذه متشبعة الدلالة، خاضعة لعوامل شتى قد تؤدي أحيانا إلى طمس حقائق التاريخ أو تشويهها، كما نصوا على أن الماضي البشري نفسه لم يكن ميتا ليعرض في صورة ميتة جافة، وإنما كان مليئا بألوان النشاط الروحي والدوافع العاطفية التي تستكن وراء الأحداث والأشخاص، وليس من سبيل إلى إعادة الماضي حيا نابضا كما كان إلى باللجوء – عند الحديث عنه – إلى الأسلوب الأدبي الذي يحافظ للحقائق على موضوعيتها، وفي الوقت نفسه يوصلها إلى عقل القارئ ونفسه بكيفية محببة إلى النفس، تجعل من أحداث التاريخ مصدر لذة عقلية وروحية في وقت واحد. وهنا لا يسعني على أن أنوه بما نشره الأستاذ عبد القادر الصحراوي من فصول في تاريخ المغرب، تجمع بين الدقة العلمية وجمال الأداء فجاءت كتاباته نموذجا حسنا للشكل الذي أحب أن يكتب به تاريخ بلادنا واقرأ إذا شئت تلك الصفحات المشرقة التي تشع من كتاب (الفتنة الكبرى) للدكتور طه حسين، وتاريخ سيرة سعد زغلول للمرحوم العقاد لتضع أصابعك على الأسلوب الحي المشرق، الذي أعده خير معرض لأحداث التاريخ.
أما بعد، فلا  اخفي على القارئ أني مملوء إعجابا بهذه الفئة المخلصة من أبناء بلادي، مكبر لها كل الإكبار، لما تتجشمه من غوالي التضحيات، في سبيل إظهار أمجادنا وبطولاتنا وروائعنا التاريخية. فليس من السهل أن يترك الباحث الصفحات الناصعة البياض الواضحة السطور، الجميلة الطبع، إلى دفاتر وكراسات وصحف قديمة تآكلت بمرور الزمن، وأكل الدهر عليها وشرب... ومن أجل أن يحمل إلينا أطرافا من أحاديث أجدادنا الأقدمين، وينشر علينا صورا من عبقرياتنا التليدة، هذا مع قلة القراء، وندرة وسائل النشر، وانطباق الشفاه، وصمتها القائل عن الاعتراف بالجميل، وكم يكون جميلا أن يضيف إلى حسناته تلك حسنة أخرى لا تقل عن سابقاتها خيرا وبركة، بأن يجتهد حسب طاقته ليقدم إلينا أحسن ما يستطيع، وما ذلك على همته بعزيز.

1) كان الأستاذ الجليل عبد الله كنون سابقا لأوانه، عندما وضع كتابه العظيم (النبوغ المغربي) الذي سيكون خير عون لمؤرخ المستقبل، إذ وضع له علامات على الطريق، وأزال منها الكثير من العقبات.

إلى وجه البخيل!!
لمست أعرابية كف أبيها فألفتها خشنة فقالت:
هذه كف أبي خشنها        ضرب مسحاة ونقل بالزبيل
فأجابها أبوها:
ويك لا تستنكري خشن يدي        ليس من كد لعز بــــــــــذليل
إنما المذلة أن يمشي الفتــى        ساحب الذيل إلى وجه البخيل

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here