islamaumaroc

نكبة فلسطين في الشعر المغربي الحديث -1-

  دعوة الحق

104 العدد

أريد –أولا- أن أشيد بحسن اختيار أصدقاء المعتمد لموضوع مهرجان الشعر المغربي الثالث، فكلنا نعيش إحساسنا ودفق فكرنا معركتنا القومية المصيرية وإنها لمعركة يجب أن تستهلك كل طاقاتنا، وتستأثر لكل اهتماماتنا، وإننا لمدعوون إلى خوضها بكل ما نملك من سلاح، وما نذخر من قوة – والكلمة الشامخة القوية إلادفة سلاح مميت، يتوجب حمله في المعركة، ولست أحسب إلا أن هذا الإحساس بقيمة الكلمة وخطورتها متى كانت طيبة، صادقة، خالصة هو الذي دفع بإخواننا «أصدقاء المعتمد» إلى اختيار فلسكين الجريحة، السليبة، موضوع مهرجانهم الشعري الثالث، وهو اختيار إذا كان يعكس معنى من المعاني فلن يكون هذا المعنى غير إيمان الجيل الجديد من شعرائنا بوجوب التزام الأدب للمعركة العنيفة التي يخوضها الإنسان العربي ببسالة، لا يلين ولا يتخاذل، من أجل حريته، ومن أجل مصير أرضه  الطيبة، ومن أجل مصير معتقداته الروحية.
وأريد –ثانية- أن أشير إلى أن هذا الحديث لا يؤلف في جمله دراسة مركزة، ولا يشكل في مجموعه بحثا مستفيضا، وليس يعدو أن يكون استعراضا يتسم بحظ غير يسير من الإيجاز لإسهامنا الشعري في مواكبة القضية الفلسطينية منذ حيكت خيوطها الأولى إلى فجيعة 5 يونيو المنصرم، ولقد تعمدنا، حتى لا نقطع حبل الاستعراض، ألا نبدي رأيا نراه أو حكما نصدره فيما تقدم من نموذج، ولكننا عدنا في الأخير فذيلنا هذا الاستعراض الشعري بجملة ملاحظات وآراء إن لم تكن عين الصواب فلعلها إليه أقرب منها إلى أي شيء آخر.
إن صفحات «الوطنية» في ديوان الشعر العربي صفحات فيها روعة، وفيها جلال، وفيها إشراق، ونحن إذا عمدنا إلى هذا الديوان  الضخم نقلب صفحاته على توالي العصور، بهرتنا قصائد تعج بحب الوطن، وهو حب متوقد لا يخمد، مزهر لا يذبل، وشدهتا أشعار بالتحرق والتشوق لأرض طيبة ليس يهم ان تكون شحيحة أو معطاة، وتتأود زغرات، تلك التي سالت بها حنجرة الشاعر العربي في المشرق حين انقض على أوطانهم شر، مظلم، أسود، دعى مرة تتارا، وسمي أخرى حربا صليبية، وتنفست عنها قريحة الشاعر العربي في المغرب يوم غير الناس في الأندلس ما بأنفسهم فغير الله –جل شأنه- ما بهم.. وأنه لنتاج إنساني، تبهى ثناياه بصدق العاطفة، وتشرق أعطافه بعمق التجربة والإحساس، ومن هنا يمكن الرد على المفترين على الشعر العربي بأنه كان –دائما- «بضاعة- تباع ،م بأثمان متفاوتة، في بلاطات الحكام وعلى أعتاب وجوه الناس. ان الصفحات التي دعوتكم لقراءتها في ديوان شعرنا العربي كفيلة بأن تقفكم على سخف هذا الرأي ومخاولة بعض العاقين لتراث الأسلاف تعميم الحكم به على الآثار الشعرية العربية القديمة.
وبتلخيص: إن الآفاق الوطنية في شعرنا العربي هنا وهناك، تقدم إلينا حقيقة ليس من سبيل إلى التشكك في صدقها وصحتها، وهي أن جزءا غير يسير من الشعر العربي كان، دوما، غناء شديد الروعة بمفاتن الوطن وجمال مسارحه حين السلم يظل الربوع والناس فإذا ما هوجم الوطن وروع الناس في أرواحهم وأرضهم ومتاعهم وقف الشعراء يحمون القوم ويستنفرونهم للدفاع عن ديارهم ويستنهضون عزائمهم للذوذ عن بيضة البلاد، فإذا ما حالفهم نصر، وسار في ركائبهم ظفر صور الشعراء ذلك وعكسوه، وإذا ما نكبوا بالهزيمة تدفق من مزامير الشعراء شدو حزين وكئيب، يصور أبعاد الهزيمة ويعكس أثارها!
ولعلنا في غنى عن استعراض مشاهد نكبة العرب العظمى في فلسطين تلك التي نسجت أولى خيوطها القدرة حين صدور وعد بلفلورد وبلغت أهدافها  وحققت آمالها سنة 1948، فلقد بات الحديث عنها وتصويرها من قبيل الكلام المعاد المكرر الذي تعرض عنه النفس وتعزف عن سماعه الأذن، على أنه تنبغي الإشارة إلى أن هذه المؤامرة الضخمة، العنيفة، القوية الباطشة التي أرادها الاستعمار، وأرادتها الصهيونية ضربة للأمة العربية تمخضت عن شرارة يقظة عارمة هزت كيان الإنسان العربي هزا عنيفا، وفتحت عيون الشعب العربي المغلوب على أمره، المسلوب منه حقه على الواقع العفن الذي يحياه والحقيقة البشعة التي يعيشها، فاضطرمت الثورات الدامية على الاستعمار، تقض مضجعه وتلهب ظهره، وتوالت الانتفاضات الشعبية على أذنابه وعملائه، تجهز على أنفسهم وتطوح بآمالهم، هذا من وجه.. ومن آخر كان لمأساة فلسكين أثر جلي في الأدب والشعر، ففي رأي بعض الدارسين ان هذه المأساة التي دفعت الشعراء المعاصرين إلى التطور والتجديد والحياة» (1) و«غلبت على الشعر لمعاصر الالتزامي الهادف» (2) وبذلك منحت «الأدب العربي ديوانا دمويا ضخمان كتبت الحروب الصليبية صفحاته الأولى، وهو لا يزال إلى اليوم في تضخم مستمر، وكلما تضخم الديوان ازدادت ملحمة الدم العربية في فلسطين غنى واتساعا» (3).
ولما كانت الأمة العربية تجمعها وحدة اللغة، واللغة –كما يقال بحق- وعاء للعقل والفكر، وتجمعها وحدة التاريخ، والتاريخ رصيد من الماضي المشترك يوحد الإحساس والشعور وينفخ الحماس في النفوس من أجل التشييد والبناء، وتجمعها وحدة الآمال، ومتى كانت الآمال واحدة فالأحداث واحدة، والمستقبل، لحظتها، باسم، والمصير مشرق برغم كل شيء، ومن هنا كانت الأمة العربية في كل رجا من أرجاء رقعة الأرض الممتدة ما بين الخليج العربي والمحيط الأطلسي أمة واحدة، واحدة، إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، يشارك بعضها بعضا الأفراح على بعد المسافة، ويشاطر بعضها بعضا الأتراح على تنائي الدار، ومن أجل هذا كانت نكبة فلسطين، مسرى النبي صلوات الله عليه وسلاماته وتربة حطين الخالدة، نكبة العربي، كل عربي، في مشارق البقعة العربية ومغاربها، وتوكيدا لهذا نستطيع القول بأن هذه النكبة لم تستثر شعراء فلسطين فقط، وإنما استثارت الشعراء العرب في كل أقطار العروبة، ووقف الجميع يواسي ويذكي نار المقاومة في النفوس ويزرع روح الثأر والتصميم على العودة في أعماقها. ولعلها مناسبة، لا نتركها تفوتنا، للرد على زعم نقاد برون أن الشعر الفلسطيني في المأساة كان أصدق عاطفة وأعمق إحساسا من غيره، وذلك لأن شعراء فلسطين كانوا يصدرون عن تجارب عاشوها ويعبرون عن ويلات شاهدوها، والحق أن التجربة في الشعر ليس مفروضا أن تكون نابعة من الواقع، المعايش، المشاهد بقدر ما هو مفروض أن تكون صادرة من رؤية الشاعر الذاتية «للحدث» سواء
عايشه عيانا أو عايشه سمعا، والدليل على صحة هذا الرأي أن كثيرا من الشعراء العرب في مختلف أقطار العروبة وحتى في المهاجر الأمريكية أعطوا نماذج رائعة يتضمنها ديوان النكبة، ليس يمكن أن تضع بجانبها شعرا قاله شعراء عاشوا تجربة المأساة الأليمة عيانا وحسا.
ومهما يكن من أمر فإن الشعر العربي واكب نكبتنا في فلسطين منذ صدور الوعد المشؤوم إلى قيام دولة الشر والبغي، تناول هذا الشعر وعد بلفور محذرا العرب من ويلاته وشروره، ووقف يندد بهجرة شذاذ الافاق الصهاينة  إلى أرض فلسطين مبينا خطورتها ونتائجها وثار على قرار التقسيم الظالم، الجائر سنة 1947، ثم خاض مع الجيوش العربية الباسلة ميادين الوغى يوم 15 ماي، يصور إيمانها بالنصر وعزمها على الاستماتة في سبيل الظفر به، ثم التفت إلى بعض الحكام العرب، يومذ، ليفضح تواطؤهم مع الاستمعار، ويكشف عن نواياهم الدنيئة، وفاضت أعطاف هذا الشعر بمرارة الحسرة وعنف الألم بعد نكبة 1948، ثم مضى يصور بؤس اللاجئين وضياعهم ويهيب بالعربي إلى استئناف الحرب لإبادة العدو الظالم كذلك كان رصد الشعر العربي لنكبتنا في فلسطين وتصويره لها مرحلة بعد مرحلة، وعكسها مشهدا بعد مشهد، ومن ثم استطاع صديقنا الأستاذ صالح الأشقر أن يستخلص في كتابه (في شعر النكبة) حكاية المأساة من جذورها إلى اليوم من الشعر المعاصر (4).
هنالك جوانب من الشعر المغربي، قديمه وحديثه جديرة بالنظر والتأمل، وقمينة بالبحث والدراسة، وقد عالجنا في أحاديث لم ننشرها بعد جانبا من تلك الجوانب صورنا فيه الأفاق الوطنية في شعرنا الحديث وليس من شك في أن هذا الشعر قد شهد تطورا وتجديدا سواء في المضمون أو الشكل نتيجة لنمو الوعي السياسي والوطني وبلوغه درجة النضج لدى طليعة من الشباب سجل لها التاريخ أنها كانت أول من ارتاد طريق الكفاح من أجل قضية وطننا، ولقد تجلى الميسم الوطني في شعرنا بشكل واضح على أثر محاولة فرنسا تطبيق سياستها البربرية وإصدارها ظهيرا بذلك سنة 1930، فكان هذا الحادث «باعثا قويا لنشاط فكري عظيم تنافس فيه الكتاب والخطباء والشعراء، فنشرت عدة كتب وآلاف المقالات ونظمت القصائد التي يخطئها العد» (5)، وازداد الطابع الوطني ظهورا في إنتاجنا الشعري بعد ذلك بسنوات حينما سنت الحركة الوطنية سنة الاحتفال بعيد العرش، وحفظت لنا «العرشيات» صورا من الكفاح الوطني ودور الشعر في إذكاء روح الثورة وتعبئة النفوس بالحماس للمطالبة بحق الشعب في حريته، ولقد استعرضت في أحاديثي الآنفة الذكر نماذج يتغنى فيها أصحابها بوطنهم الخاص، وأخرى يشدون فيها بوطنهم العام، بالوطن العربي، حين أفراحه وحين أتراحه، وكان لابد أن تأخذ نكبة الوطن السليب، فلسطين، حيزا من ذلك الاستعراض الشعري، بيد أنه كان حيزا محدودا، فلما دهمتنا نكبة 5 يونيه الماضي ارتعشت لها الوجدانات في المغرب كما ارتعشت لها في كل شبر من بلاد الإسلام والعروبة وإذا بالصفحات التي كتبها المغاربة عن مأساة فلسطين يتكاثر عددها، ويتضخم حجمها... وإذا كان ديوان النكبة الفلسطينية يضم بين دفتيه صرخات شعراء فلسطين وآخرين من أقطار عربية مختلفة ومن المهجر، إذا كان ديوان النكبة قد سجل أصوات هؤلاء وصرخات أولئك فإنه يؤسفنا أن يخلو هذا الديوان من أصواتنا، من صرخاتنا، من آهاتنا، من دموعنا، والمسؤولية تقع على عواتقنا وليس على عواتق الذين عنوا بجمع شعر النكبة، وإذا كنا نبرر «جهل» إخواننا المشارقة بنتاجنا الشعري، مثلا، بإلقاء التبعة على الاستعمار –أيام الاستعمار- لأنه كان يحاول، باستمرار، ان يقيم بيننا وبين إخواننا في الشرق حواجز وحوائل ليقطع ما بيننا من وسائج ويفصل ما بيننا من روابط، إذا كنا نبرر ذلك بهذا فيجب أن نعترف، وقد مرت عشر سنوات ونيف، على استقلالنا أننا، اليوم، نحن هم المسؤولون، دولة وأفرادا، لا غيرنا، لأننا نحن المقصرون، دولة وأفرادا أيضا في التعريف بأنفسنا، أدبيا وثقافيا، لأشقائنا في الشرق العربي
.


1) دكتور صالح الأشتر، «مأساة فلسطين وأثرها في الشعر المعاصر» مطبعة جامعة دمشق.
2) انظر المصدر السابق.
3) انظر المصدر السابق ص 7.
4) دكتور صالح الأشقر، «في شعر النكبة» مطبعة جامعة دمشق.
5) عبد الله كنون، «أحاديث عن الأدب المغربي الحديث» نشر معهد الدراسات العربية العالية


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here