islamaumaroc

مجتمع فاس في القرن الحادي عشر الهجري

  دعوة الحق

104 العدد

تعيش المجتمعات واجهتين حضاريتين، الواجهة التي تبدو فيها الحضارة المادية الواضحة في العمران والفن والموسيقى، واللغة، والتطور التقني، والواجهة الخفية التي تستبطن العالم الامرئي حيث تتفاعل علل التماسك الاجتماعي، وأسباب إبراز المواهب، وطريفة التعبير عنها مما يعطي شكلا واضحا للواجهة الحضارية مختلفا بحسب الزمان والمكان، وهكذا نجد مظهر الحضارة العمرانية وحيوية المجتمع باديا يشف عن العوامل الخفية التي تعطي لذلك المظهر صورته الحقيقية، وعندما نحاول استجلاء العلل والأسباب الحقيقية التي تكمن وراء المظهعر الخارجي نعثر عليها بوضوح، إذ نحن أحسنا التحليل وتوفرنا على العناصر الكاملة لذلك.
وسأحاول إعطاء صورة عن واجهة الحضارة المغربية في فاس في أوائل القرن الحادي عشر الهجري حيث نجد أنفسنا أما مجتمع متماسك، معتز بشخصيته مؤمن بإديولوجيته، حريص على اقتفاء تقاليده، سعيد بمكاسبه، ولعل الرجل الغريب الذي يزور المدينة العتيقة يلاحظ في تداخل الأزقة، وتعانق المباني، وتقسيم المياه. وتنظيم الحرف، وما يتجلى به بعض السكان من رضا وقناعة، ومما يثير في نفسه البحث عن الأسباب الحقيقية لهذه القناعة وهذا الرضى البادي على بعض الوجوه، ثم عن هاته الحمية والعصبية الذي تتجمل بها جوه أخرى.ولعالم الاجتماع أن يبحث عن كل جزء من هذه الأجزاء بالتفصيل والتدقيق ولكني سأحال أن أظهر الأسباب الخفية لما يبدو على فريق من رضى وعلى آخر من حمية بناء على رأي المؤرخين القدماء لهذه الحقبة: ثم عن الأسباب الخفية التي تجعل هذا الزائر الغريب يلاحظ صراعا عنيفا بين أصناف من الناس يناقشون بعنف قضايا تبدو بسيطة، كأن يكون أحدهم أساء في توجيه الخطاب إلى غيره فلم يستعمل عن قصد أو عن سهو كلمات الاحترام المعتادة، وقد يستغرب هذا الزائر أن يرى دكاكين بعلامة خاصة وبطريقة ما في رفع رفوف أبوابها، إلى غير ذلك من مظاهر الحياة الاجتماعية.
قد يتسأءل هذا الزائر عن الأسباب الخفية لهذا التمايز، وهل ذلك يرجع لأسباب اقتصادية أو لأسباب سياسية إذ أن نوعا (تمايزيا) خاصا يتجلى في هذا المجتمع بشكل واضح، ولكن ليس كنظام الطبقات الغريبة الذي حلله كارل ماركس في كتبه، ولا كنظام الطبقات عند الهنود الذي يفصل بين الطبقة والأخرى بسد منيع، ولكنه نظام طبقي يتسامح أحيانا حتى يكاد يخفي، ويبدو حادا عنيفا آونة أخرى حتى تسيل له الدماء. لم ين طبقيا اقتصاديا، فقد نرى رجلا فقيرا ولكنه محترما، ولم يكن سياسيا تولد عن تغلب جماعة ضد أخرى، ولم يكن سلاليا بالمعنى العنصري الدقيق، ولكنه نظام طبقي من نوع آخر سأحاول أن أعطيك صورة عن أسبابه الأولى انحدر عنها.
ولنرجع إلى الماضي قليلا لنرى أنه كان من الضروري أن تعتصم الدولة المرابطية، والدولة الموحدية، بنظام قبلي لتحقيق أهدافها السياسية كما لاحظ لبن خلدون ولكن الارتباط القبلي في العرف البربري لم يكن ارتباطا أساسه العزة بالتاريخ الماضي ولكن أساسه العزة بالعدد، ولذلك لم يفكروا في البحث عن أمجاد أو اصطناع تاريخ واكتفوا بالتفاخر بقوة القبيلة وعددها، ولم يجدوا غضضا بعد انتشار الإسلام في المغرب أن يأخذوا في ربط صلتهم النسبية بآل البيت للسبب الآنف الذكر، كما فعل المهدي بن تومرت، ولكن مع ذلك فقد بقيت القبيلة العربية في المغرب تبحث عن منفذ آخر لوجودها بعد سقوط الادارسة وحملة بني موسى ابن العافية، وكان ذلك في البحث عن سيادة أدبية ولهذا فقد نشأ في المجتمع (طبقة الأشراف) أو طبقة (آل البيت) وكان  لهؤلاء نفوذ قوي في المجتمع الذي ظل مخلصا لآل البيت، واستطاع كثير من رؤسائه أن يكونوا طبقة خاصة، وحظوا بامتيازات مادية، وأدبية، كإسقاط المكوس والضرائب عن بعضهم، وتكوين مراكز عديدة للأضرحة تضم وظائف الدولة لهم، وتكون (نقباء) يدافعون عن حقوقهم ويحتكمون إليهم وقد بلغ من اعتبار النسب إلى ضرورة رعايته في كثير من المناصب، حتى أن أحد شرفاء العصر السعدي قال للمنصور السعدي الذي قدم أحد العلماء للصلاة، إذ كان قدمه علمه فقد أخره نسبه(1)، ولاشك أن هذا النظام استدعى تدوين النسب وتخصص كثير في هذا العلم لصيانته حيث أخذ يختلط بمن يدخله من منتهزين أو بما يخرج من ه من منتسبين، وطبيعي أن تقابل هذه الطبقة من الأشراف، طبقة من عامة الناس كما يسميهم علماء النسب، وطبقة من ضعفاء النسب الذين كانوا يسمون في مدينة فاس بأوصاف خاصة كما أن من الطبيعي ألا تستمر ألوية السلام مخيمة على هذا الجو.
ولذلك لا عجب أن يتصد أحد علماء فاس وهو الشيخ ابن زكري لكتابة مؤلف يحلل دعاوي الأشراف وما خصوا به من مزايا، واستطاع ابن زكري أن يعطي للأشراف قيمتهم الدينية وما يفرض لهم من احترام، ولكنه زيف المبالغات والخصائص التي بالغ فيها بعضهم.
وقد ناصره العلامة السيد أحمد بن عبد السلام بناني المتوفى في (6 شعبان سنة 1234 ه) بكتاب الوجد المغري بنصرة العلامة ابن زكري، كما رد عليه مؤلف نتيجة الاعتصار من دسائس الانتصار، وكما ألف الصحراوي كتابا في الرد على من قال شرف العلم أفضل من شرف النسب، ورد المحدث أبو العلاء العراقي على بن زكري في الحديث الذي رواه وهو من دخل هذا الدين فهو من العرب والحديث الذي أورده ابن زكري هو ما نصه.
«في رواية ابن عساكر عن أبي مسلمة بن عبد الرحمن: «يا أيها الناس إن الرب واحد، وإن الأب واحد، وليست العربية من أحدكم بأب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي»، أورده السيوطي في الجمع».
على أن الدولة السعدية كانت تعتمد على هذه الطائفة في الحروب، ولذلك فقد اخذوا يمتنعون عن التجنيد وجاء في التحفة القادرية ما يلي: (وأراد المتوكل على الله أن يغزو عمه (زيدان) صاحب مراكش وسوس فأمر اللمطيين بتجهيز ثلاثة آلاف رجل للحركة فشق عليهم ذلك، وطلبوا من القاضي ابن أبي النعيم أن يكلم السلطان المذكور في إعفائهم من ذلك، وكانوا شيعة زيدان الذين أرحلوه إلى فاس، فأجابهم القاضي إلى ذلك وكلم السلطان فلم يقبل، وذكره بنصرتهم لزيدان ولكنه أبى فأجابهم القاضي بما أجابه السلطان وحذرهم وخامة العاقبة، فاتهموه بالميل إلى السلطان لأنه أندلسي، والأندلسيون من شيعة السلطان المذكور فاتفقوا على الغدو به، وقد اغتالوه انتقاما منه، في ذي القعدة سنة 1032 فانتقم منهم السلطان بدوره حيث خرج إلى جبل لمطة وحارب اللمطيين وأحرق وخرب جميع قراهم ومداشرهم وقطع جميع أشجارهم الخ...
وهكذا استمر الصراع بين الطائفتين وسجله الشاعر أبو عمر عثمان البوسي بقوله:
هذا وقد كان بفاس فرقتان
   ملتهم واحدة لا ملتان
قد لقبت أحدهما المهاجرين
   أخراهما تدعى الحضور الفاخرين
وهذه تزعم وصف السؤدد
   وتدعى المجد بلا مستند
وهذه دعوى بلا برهان
   كلتاهما كفارسي رهان


كما يصف المكلاتي أبا النعيم بقوله:
وقاضي الورى أودى شهيدا وأنه
لفي داره دار النعيم بمعزل
وقد ألف انب المثري كتابا في الرد على ابن زكري وأنصاره سماه (نصرة الشرفاء)، وكل هذا يدل على مدى الصراع بين الذين اعتمدوا النسب، والذين لا يعتمدونه.
وقد اقتضى ذلك أن يتخصص في كل أسرة من يؤرخ أمجادها ليحافظ على شجرتها ولذلك كتبا كثيرة تختص في تراجم أعيان القبيلة الواحدة ككتاب الحلل الممدودة في مآثر سودة لسليمان الحوات، والروضة المقصودة والحلل الممدودة في ذكر بني سودة بل ان هذا الصراع العائلي الذي اقتضى قصر الحرف على طائفة دون أخرى أدى إلى هذا المظهر من الشرف والمجد الذي يعتز به فريق من الناس، وهذا الرضى وهذه القناعة التي يلجأ إليها الفريق الآخر، مما لاحظه الأجنبي فلم يعف أسبابه الحقيقية.
بل ورد ما هو أخص من هذا، وهو ما أخرجه ابن النجار عن أبي عمر عن النبي (ص) أنه قال: من أسلم من فارس فهو قرشي، وأخرج الدليمي عن أبي هريرة، مرفوعا، من أسلم من فارس فهو من قريش هم إخوتنا وعصبتنا، وقد جاء «سلمان منا أهل البيت» وهو فارسي. على أن أبا العلاء أيد ابن زكري في عدة مواقف واعترف بقيمة ما في كتابه من الآراء، وقد ألف ميارة كتابا في نصرة ابن زكري، مما يدل على مدى نجاح فكرته وما أثارته من معارضة.
ولا شك أنه كان لابن زكري مؤيدون من طبقة الشعب، كما كان وراء معارضيه مؤيدون أيضا من الأشراف وأتباعهم، وكانت الأهواء السياسية تستفيد من ذلك كثيرا، وقد بلغت (الأزمة) بين الشرفاء والبلديين نهايتها في أواخر العصر السعدي وكان من ضحاياها أبو النعيم الغساني وجاء في كتاب التحفة القادرية لابن محمد عبد السلام بن محمد الخياط القادري ما نصه:
في أيام القاضي ابن أبي النعيم الغساني أراد الهبش من الأجناس غير الإسماعيلية والقحطانية أن يدخلوا معهم في حرفهم وتجارتهم الشريفة فمنعوهم من ذلك، وكان قد جرى العمل بفاس أن لا يحترف ولا يتجر في الحرف الفاضلة والنجاؤة الشريفة إلا أهل الفضل والدين والمروءة العالية من حضور فاس والأندلس الحنيفية خصوصا بني إسماعيل وقحطان وبين يديهم رسوم قديمة أزيد من خمسمائة وافتاءات نحو الخمس والسبعة لعلماء قبل ابن أبي النعيم، وخواتم وعلامات لعدد من أمراء المغرب وسلاطينه، وان هذا الأمر جرى به العمل بفاس خلفا عن سلف إلى أن أراد هؤلاء الخروج عن طورهم والترقي من الحرف الخاملة إلى الحرف العالية، وإنه لما تنازعت الطائفتان رفع الأمر إلى عبد الله المتوكل على الله، ورأى أهر الأندلس يريدون نصرة الأعيان وأهل الفضل من بني إسماعيل وقحطان كما رأى اللمطيين يريدون نصرة الهبش من الأجناس العجمية، وخشى من ذلك الفتنة استدعى القاضي ابن أبي النعيم الغساني فحضر لمشور فاس الجديد المرينية، وحضر الرؤساء من الطائفتين، فسمع كلام الفريقين فوجد بأيدي حضور فاس الرسوم المذكورة  ولم يجد عند خصومهم شيئا فقضى لمنعهم مما أرادوا وأمضى حكمه بذلك واستمر العلم عليه إلى أن مات القاضي المذكور.
وقد ألف الشيخ ميارة وهو من المدافعين عن الطائفة الثانية كتابا في الرد على أبي النعيم سماه نصيحة المغترين ووصف الغساني الذي ناصر الأشراف ضد البلديين أيضا في تذييله على نظم الفستاني (بالظالم).



1) تقدم الإمام المنجور للإمامة بالمنصور فطلب اليحمدي تأخيره عن الإمامة به، فقال له المنصور قدمه علمه، فأجابه: ولكن أخره نسبه، (انظر نزهة الحادي للايفراني).

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here