islamaumaroc

الأدب النسوي في المغرب (الأندلس) -12-

  دعوة الحق

104 العدد

مهجة بنت التياني القرطبية:
كان أبوها يبيع التين فنسب إليه- كما يبدو- على غير قياس، تهافتت على الملذات تهافتا سافرا، دفعها إلى ذلك جمالها، وتأدبها على صاحبتها ولادة بيت المستكفي التي تولت تعليمها، ورعت استعدادها المجوني والأدبي إلى أن صارت شاعرة مهيبة الجانب في عالم الشعر. ورغم تلك الصداقة المتينة التي ربطت بين قلبيهما، وما استنفذته ولادة من مجهودات شاقة في سبيلها فإن مهجة ما لبث أن استيقظ في رحاب نفسها حب الهجاء والتلويث فقدفت صاحبتها الحميمة بقولها:

ولادة قد صرت ولادة
         من غير بعل فضح الكاتم
حكت لنا مريم لكنه
         نخلة هذي............(1)

ولسنا ندري على وجه التحقيق سبب هذا التنكر الذي بدر من جانب مهجة لأن كل المصادر التي تمكنا من الاطلاع عليها لا تتعرض لبسط الدافع إلى هذا الهجاء ولو بإشارة خفية، كما أنها- يعني المصادر- لا تتصدى لذكر حياتها وما نسجته قريحتها من أعمال شعرية إلا القليل الذي لا يجدي الباحث فتيلا. من ثم يصعب علينا البث في هذا الأمر وتعليله سوى أن يكون من قبيل الافتراضات الواهمة.

ومن شعرها:
لئن حلأت عن ثغرها كل حائم
            فما زال يحمي عن مطالبه الثغر
فذلك تحميه القواضب والقنا
           وهذا حماه من لواحظها السحر

وأهدى لها يوما حبيب يهيم بها خوخا فكتبت إليه وقد أفحشت:
يا متحفا بالخوخ أحبابه
          أهلا به من مثلج للصدور
حكى ثدي الغيد تفليكه
          لكنه.................(2) 

نزهون بنت القلاعي الغرناطية:
هذه شاعرة مرحة خفيفة الروح، حلوة الحديث، مطيبة المحاضرة- عاشت في القرن الخامس الهجري- ذات طبع ندي معطاء، ونفس شفافة مضواع، عرفت بسرعة الجواب وحضور البديهة، تسعى إلى مجالس الوزراء والأمراء فتعبق جوها وتثير نشوة مسكرة.

وروى أنها كانت تقرأ ذات يوم على أبي بكر المخزومي الأعمى فدخل عليهما أبو بكر الكتندي فقال مخاطبا المخزومي: 
- لو كنت تبصر من تجالسه.
وصمت المخزومي برهة يفكر قليلا، ولكنه لم يحر جوابا، وبسرعة فائقة أجابت نزهون:
              لغدوت أخرس من خلاخله
البدر يطلع من أزرته
             والغصن يمرح في غلائله

ولرقة طبع هذه الشاعرة وخفة ظلها كلف أصدقاؤها وعارفوها بمحادثتها ومراسلتها فكان أبو بكر بن سعيد الوزير من الذين شغفوا بها، وقد كتب لها يوما يقول:
يا من له ألف خل
        من عاشق وصديق
أراك خليت للنـا
        س منزلا في الطريق

فأجابته فورا:
حللت أبا بكر محلا منعته
           سواك وهل غير الحبيب له صدري
وإن كان لي كم حبيب فإنما
           يقدم أهل الحق حب أبي بكر

وفي أحد مجالس أبي بكر بن سعيد الوزير التي كان يعقدها فتدار فيها مناقشات أدبية وعلمية تصدى الشاعر أبو بكر المخزومي الهجاء الذي قيل فيه إنه إذا مدح ضعف شعره- لشاعرتنا نزهون فأشبعها قذفا من غير ما تحفظ والوزير ينصت إلى ذلك.

ومما قاله منها شعرا:
على وجه نزهون من الحسن مسحة
                  وإن كان قد أمسى من الضوء عاريا(3)
قواصد نزهون توارك غيرها
                  ومن قصد البحر استقل السواقيا(4)

ولكن نزهون ما كانت لترضى بالهوان والخشوع فأنشأت تقول ردا عليه وثأرا لكرامتها الجريحة المهانة:
قل للوضيع مقالا
        يتلى إلى حين يحشر

بيد أن المخزومي ليس بالشاعر اللين العريكة حتى يستسلم لها، ويعلن في مجلس الوزير هزيمته وفشله، ولذلك رد عليها بقوله ممزقا عرضها:
ألا قل لنزهونة ما لها
           تجر من التيه أذيالها
ولما رأى الوزير أن الأمر سوف يتفاقم ويزداد حدة أقسم أن يكفا عن السباب والقدح.

وتقول نزهون ردا على هجاء له فيها:
إن ما قلت حقا
       من بعض عهد كريم
فصار ذكري ذميما
       يعزى إلى كل لوم
وصرت أقبح شيء
      في صورة المخزومي 

وسألها بعض ثقلاء الظل:
- ما على من أكل معك خمسمائة سوط
فقالت:
وذي شقوة لما رآني رأى له
           تمنيه يصلي معي حاجم الضرب
فقلت له كلها هنيئا فإنما
          خلقت إلى لبس المطارف والشرب

ونزهون لم تترك الفرصة تمر دون أن تسجل لنا لقاء جميلا- عطرته تصغير صيغة التعجب- في ليلة ... لأحد.. مع حبيبها بعيدين عن أعين الرقباء حيث الجو الناعم واللحظة المجنحة والإحساس المدغدغ، وها هي تسمعنا قولها:

لله در الليالي ما أحينها
            وما أحين منها ليلة الأحد
لو كنت حاضرتا فيها وقد غفلت
            عين الرقيب فلم تنظر إلى أحد
أبصرت شمس الضحى في ساعدي قمر
                  بل ريم خازمة في ساعدي أسد
وخطب رجل يد شاعرتنا وكان قبيحا بشعا فقالت تنسفه في آماله وأحلامه وتعدد معايبه:
عذيري من عاشق أنوك
            سفيه الإشارة والمنزع
يروم الوصال بما لو أتى
            يروم به الصفع لم يصفع
برأس فقير إلى كبة
            ووجه فقير إلى برقع

ومن نوادر نزهون التي احتفظ لنا بها التاريخ أن ابن قزمان الشاعر الزجال جاء ليناظرها وكان يرتدي غفارة صفراء وهي زي الفقهاء زمنئذ، وعند ما لمحته قالت له بصوت تتخلله نغمة من الدعابة والظرف.
- إنك اليوم كبقرة بني إسرائيل صفراء فاقع لونها، ولكنك لا تسر الناظرين.

فضحك من حضر وثار ابن قزمان واستشاط غضبا فأخذ يسب فاندفع الحاضرون إليه وطرحوه في بركة أمام البستان. 

أم العلاء بنت يوسف الحجارية:
شاعرة عاشق في القرن الخامس الهجري تعرف بالحجارية نسبة إلى بلدها وادي الحجارة.
من شعرها قولها:
كل ما يصدر عنكم حسن
           وبعلياكم تحلى الزمن
تعطف العين على منظركم
           وبذكراكم تلذ الأذن
من يعش دونكم في عمره
          فهو في عين الأماني يغبن
وهام بها رجل كبير السن فطلب يدها، وعند ذاك كتبت إليه تقول:
الشيب لا يخدع فيه الصبي
          بحيلة فاسمع إلى نصحي
فلا تكن أجهل من في الورى
         يبيت في الجهل كما يضحى

وقالت معتذرة:
افهم مطارح أقوالي وما حكمت
             به الشواهد واعذرني ولا تلم
ولا تكلني إلى عذر أبينه
            شر المعاذير ما يحتاج للكلم
وكل ما خلته من زلة فما
           أصبحت في ثقة من ذلك الكرم

غاية المنى:
جارية أندلسية ظريفة متأدبة قدمت إلى المعتصم ابن صمادح فرام امتحانها فقال لها: 
- ما اسمك
قالت:
- غاية المنى
فقال لها:
- أجيزي: اسألوا غاية المنى
فأجازت
- من كسا جسمي الضنى
        وأراني مولها
                  سيقول الهوى أنا

والحكاية تروى رواية أخرى غير هذه التي مرت بنا آنفا وهي أن غاية المنى سيقت لابن صمادح فأمر بأن يختبر ذكاءها الأستاذ ابن الفراء الخطيب، ولما جلست بين يديه قال لها:
- ما اسمك
فقالت:
- غاية المنى
فقال:
- أجيزي:     
سل هوى غاية المنى          من كسا جسمي الضنى
فقالت على الفور:
وأراني متيما                  سيقول الهوى أنا
وعندما وصل خبرها لابن صمادح اشتراها

أم الكرام بنت المعتصم بن صمادح ملك المرية:
بنت ملك، أديبة قرضت الشعر، لها يد طولى في فن الموشحات، كلفت بفتى جميل يدعى السمار من دانة قالت فيه مولهة:
يا معشر الناس ألا فاعجبوا
                  مما جنته لوعة الحب  
لولاه لم ينزل ببدر الدجى
              من أفقه العلوي للترب
جسمي لمن أهواه لو أنه
             فارقني تابعه قلبي

العبادية جارية المعتضد:
شاعرة ظريفة، كاتبة أديبة، تحفظ رصيدا لا بأس من اللغة، أهداها للمعتضد والد المعتمد مجاهد العامري. كان يميل إليها شديد الميل حتى ملكت عليه شعوره وحسه، وقد أرق المعتضد ليلة وحاول أن ينام ولكن بدون جدوى فقال:
تنام ومدنفها يسهر
         وتصبر عنه ولا يصبر
فأجابته على البديهة:
لئن دام هذا وهذا له
              سيهلك وجدا ولا يشعر
اعتماد الرميكية جارية المعتمد:
إن الصدفة قد تلعب في حياة الفرد دورا مهما فترفعه من السفح إلى القمة في برهة زمنية قصيرة هي في حساب الدهر ليست بذات أهمية، غير أنها في حساب الإنسان نبضات تمده بأسباب الحياة فتفرش دربه زهورا وياسمين كما فرشته لشاعرتنا اعتماد الرميكية بسبب سحر الكلمة وروعة الحرف، وكيف يا ترى استطاعت الكلمة أن تنقلها نقلة سريعة من الحياة العادية إلى الحياة البلاطية حيث النفوذ والسلطة؟ وذلك هو ما سأعرفك به وشيكا.

ركب المعتمد هو وصديقه ابن عمار يوما زورقا للنزهة في نهر إشبيلية، وإذا هما ينعمان بجو رائق لطيف أذهب نسيم معذوذب على النهر فأحدث على صفحة المياه حبكا وتموجات دغدغت مشاعر الملك الشاعر، فنظر إلى النهر وأطال التأمل فقال مخاطبا صديقه ابن عمار في انشراح:
أجز يا ابن عمار:
صنع الريح من الماء زرد

غير أن ابن عمار الشاعر ارتج عليه فأخذ يعبث بلحيته عادة من يريد أن يستوحي أو يتذكر شيئا، ورانت فترة صمت ليست بالطويلة حاول أثناءها ابن عمار أن يمتح ذاكرته بدون أدنى جدوى وإذا بصوت ينبعث من جانب الوادي يهتف في عذوبة وحلاوة:
    أي درع لقتال لو جمد

وعندما سمع المعتمد ذلك لم يملك نفسه من شدة العجب، وسرعان ما خف إلى صاحب الصوت فتبينه فإذا به فتاة جميلة من الفتيات الغسالات اسمها اعتماد الرميكية.
وأخيرا اشتراها من مولاها رميك بن حجاج ثم تزوجها وأنجبت له أولادا.

ومهما يكن من شيء فمنذ أن عرف المعتمد اعتماد وهو لا يهتم بشيء بقدر اهتمامه بها حتى أنه لقب نفسه المعتمد كي يناسب لقبه اسمها وقد كان من قبل يعرف بمحمد الظاهر، وحبه لها وهيامه بها لم يقف إلى هذا الحد فقط بل إنه كان يدفعه إلى أن لا يعصى لها أمرا كيفما كان نوعه، ولذلك يحكى أنها أطلت يوما من شرفة قصرها فلمحت الناس يمشون في الطين ويدوسونه فاشتهت أن تفعل مثلهم، وما كان من المعتمد إلا أن يخضع لأمرها، إذ أمر بسحق كمية من الطيب في ساحة القصر وصب فيه ماء الورد وعجن كل ذلك حتى أمسى كالطين ثم داسته مع جواريها وسمى ذلك اليوم "يوم الطين". 
وظلت شاعرتنا تنعم بلين العيش، وترفل في بحبوحة أعواما تلو أعوام إلى أن حدثت الكارثة التي هدمت سعادتها إذ خلع المعتمد وسجن بأغمات فقالت له يوما:
- يا سيدي لقد هنا هنا
فقال بحرقة حنظلية:
- قالت لقد هنا هنا
              مولاي أين جاهنا
قلت لها الهنا
             صيرنا إلى هنا

وبأغمات توفيت شاعرتنا اعتماد الرميكية حيث استأثرت رحمة الله بزوجها الملك المعتمد بن عباد الشاعر.

بثينة بنت المعتمد بن عباد:
شاعرة درجت في بيئة تبرعمت في رحابهما الكلمة المجنحة والحرف المنغم، إنها بنت ملك شاعر مطبوع، وبنت شاعرة ظريفة، فلا محالة إذا أشرفت حب الشعر من كانت برعما يتفتح للحياة، وغذى ملكتها الأدبية المحيط الشاعري الرغيد، لذلك كست تعبيرها رقة وجودة، وتكومت في ثناياه عاطفة ندية. 
لبثت هذه الشاعرة الرقيقة تعب من الحياة حلاوتها إلى أن دق ناقوس الخطر معلنا بالنهاية المحتومة إذ حلت بأبيها النكبة المعروفة، فأصبحت من جملة العبيد تباع في الأسواق، واشتراها رجل من إشبيلية ثم وهبها لابنه، ولكنه لما أراد البناء بها امتنعت وأعلنت عن نفسها وقالت له: لا يكون ذلك إلا بموافقة أبي وبعد هذا كتبت له أبياتا تحكي فيها قصتها في أسى:

اسمع كلامي واستمع لمقالتي
                   فهي السلوك بدت من الأجياد
لا تنكروا أني سبيت وأنني
                  بنت لملك من بني عباد
ملك عظيم قد تولى عصره
                وكذا الزمان يؤول للإفساد
لما أراد الله فرقة شملنا
                وأذاقنا طعم الأسى من زاد
قام النفاق على أبي في ملكه
                فدنا الفراق ولم يكن بمراد
فخرجت هاربة فحازني امرؤ
                لم يأت في إعجاله بسداد
إذ باعني بيع العبيد فضمني
                من صانني إلا من الأنكاد
وأرادني لنكاح نجل طاهر
                حسن الخلائق من بني الأنجاد
ومضى إليك يسوم رأيك في الرضى
                ولأنت تنظر في طريق رشادي
فعساك يا أبتي تعرفني به
                إن كان ممن يرتجى لوداد
وعسى رميكية الملوك بفضلها
                تدعو لنا باليمن والإسعاد

وعندما وصلت الأبيات إلى أبيها وهو في غياهب المنفى يجتر أحزانه بأغمات سر هو وأمها سرورا لا سبيل إلى تصويره إذ علما أنها ما تزال حية ترزق فكتب إليها هذا البيت يبارك لها فيه زواجها:
بنيتي كوني به برة
           فقد قضى الدهر بإسعافه
                                 
عليك بأهل البيوتات..

قال عمر بن عبد العزيز، لإياس بن معاوية:
دلني على قوم من القراء أوليهم، فقال إن القراء ضربان: ضرب يعملون للآخرة، وأولئك لا يعملون لك وضرب يعملون للدنيا فما ظنك بهم إن مكنتهم منها؟ فقال ما أصنع؟ قال: عليك بأهل البيوتات الذين يستحيون لأنسابهم ويرجعون إلى أعراقهم فولهم.
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)  انظر النفح ص 494 ، جـ : 2.
(2)  نفس المصدر.
(3)  كذلك أورد البيت المقري في النفح جـ 1 ص 90، ولكن في جـ 2 ص 495 أثبت البيت هكذا:
             وتحت الثياب العار لو كان باديا. -
(4)  البيت أخذ من قول المتنبي بمدح كافورا:
             قواصد كافور توارك غيره             ومن قصد البحر استقل السواقيا
          

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here