islamaumaroc

الشخص في الإسلام -4-

  دعوة الحق

104 العدد

محاولتنا السابقة (انظر: دعوة الحق، الأعداد 8، و9، 10 لسنة 1387. رمت إلى تحديد مفهوم شخص في الإسلام، من الجانب الأنطولوجي (المعطيات النشوئية) ومن الجانب الأخلاقي. أي في علاقاته بالآخرين وبالعالم، لنبرز ما للشخص من حرية ترتكز عليها مسؤولياته. وبعد أن حددنا معنى التعالي ومعنى الوحي، ومفهوم الإلحاد والإيمان، نتساءل اليوم عن موقف الشخص (الكائن المتناهي) من الله (الكائن المطلق).

موقف الشخص تجاه قدرة الله المطلقة

يترتب، على ما سبق، مشكل آخر:
أن الشخص، رغم استقلاله الذاتي، وحريته، وقدرته على المبادرات، ومواهبه، يبقى تحت تصرف مشيئة الله، وهي مشيئة لا متناهية، ومطلقة، وقديمة،  في حين أن الإرادة الآدمية (على المستوى الدنيوي، مستوى الوجود بالفعل) متناهية، ونسبية، وحديثة. فطرفا المواجهة، إذن غير متعادلين.

يجوز هذا الاعتراض من خلال رؤية مجردة:
فلا شيء بقادر على الحد من قدرة الله المطلقة. لقد كان ممكنا له تعالى أن يطرح، كلما شاء، قضية حرية الأشخاص واستقلالهم الذاتي ومواهبهم.

لكن نظرة ممعنة في القرآن والسنة تجعلنا نستخلص أن إرادة الله ليست اعتباطية مخاذلة، بل حكيمة مدبرة: خلقت نظما، وجعلت للكائنات أطرا وغايات: فما خلق الله:
"السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وأجل مسمى" (30: 8).

"والشمس تجري لمستقر لها" (36: 38) طبقا لقوانين طبيعية، أبدعها الله عن إرادة وقدرة، وأخضع لها سير الكون:
"ولن تجد لسنة الله تبديلا" (33: 62)???.

لقد أسبغ على الكون والكائن البشري كل إمكانيات تحقيق الاستعدادات الفطرية التي وهبهما إياها.
يرتبط الشخص، طبيعيا، بجسمه، والجسم مرتبط، حياتيا، بالعالم، والعالم في صيرورة. وإن الصيرورة لبعد من الأبعاد المشتركة بين الكون والإنسان، وأداة وصل بين زمان الحدوث وبين الأبدية والخلود. لذا، لا تناقض في علاقات الكائنات (المحدثات) بإرادة الله الحي الباقي. فلو كان تناقض لما تعارف الناس على قواعد عامة، ثابتة، في سير الظاهرات الكونية، أي لا انعدم "العلم"، ولما تفاهم الناس فيما بينهم، لأن التفاهم ينتج عن الاعتقاد بقوانين إنسانية وطبيعية لها الشمول والاستقرار. لا إنسان بدون بيئات إنسانية، ولا بيئة بدون أطر ثابتة داخلها يحصل التطور والرؤى عن إنسانية الإنسان وعن الحياة.

القوانين التي تهيمن على سير العالم قوانين موضوعية، قابلة للإدراك، غير مشخصة؛ ففي الإسلام، لا يوجد إله الماء، أو إله الشمس، لكن إله واحد يسبغ الانسجام والتناسق على مجموع الكون.

بما أن هناك إمكانية توقع الظواهر الطبيعية، كان الإنسان مطالبا بأن ينسجم معها وأن يتبنى العالم بتكيفه معه. وأيضا، بما أن أفعالنا ترمي لأن تصدر عن قواعد عقلية ودوافع قابلة للفهم، يلزمنا أن نكون مسؤولين عنها، خصوصا وأن الله جعل من البشر خلفاء له في الأرض، تمييزا لهم عن بقية الكائنات، وحتى على الملائكة الذين سجدوا لآدم، بأمر من الله: "أم من يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ويجعلكم خلفاء الأرض؟" (27: 26)?2?. إنها سنة تجذرت في الإنسانية، منذ البداية، إذ ما خلق الله أبا الآدميين إلا بعد أن قضى بتخليفه، في الأرض، وإلهامه منابع المعرفة، وعلم آدم ما جهله الملائكة. فكأننا أمام رؤية كونية بروميئية:
"وإذ قال ربك للملائكة:
إني جاعل في الأرض خليفة (...)
وعلم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال:
أنبؤوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين?
قالوا:
سبحانك، لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
قال:
يا آدم? أنبئهم بأسمائهم" (2: 30).

هكذا امتزجت إنسانيتنا بنفخة إلهية، إذ نفخ الله فيها من روحه، ثم كرمها بالمعرفة، وأسبغ عليها ثقته الكاملة فخلفها على الأرضين: فالبشر خلفاء الله في الأرض، أي إنه تعالى قد نصبهم فيها مبدعين مسؤولين.

انتقاد هام يمكن أن يوجه إلينا: إن الشخص، رغم استقلاله الذاتي، ورغم فكر المبادرة، والحرية، والاستعداد الفطري، يبقى خاضعا لتصرفات إلهية غامضة ومطلقة. ألا يجوز في حق الله، أن يطرح من جديد كما يشاء، حرية الإنسان واستقلاله الذاتي واستعداداته؟

لو حصل هذا لعارض الحكمة الإلهية التي تعكسها قوانين الطبيعة. فالله بمحض إرادته، هو الذي قضى بأن تكون قوانين، وقضى بأن يخضع لها سير الكون، "ولن تجد لسنة الله تبديلا" (33: 62)  

يترك الله للكائن البشري إمكانية اتباع استعداداته الطبيعية المحددة كما جبله عليها. فالقوانين التي تتحكم في سير الكون "موضوعية"، ومحسوسة، وإن لم تكن شخصية. فليس في الإسلام إله لكل ظاهرة من ظاهرات الطبيعة، ولكنه إله أوحد ينسق كل ما في الكون ويدخل عليه انسجاما تاما. فلأن هناك إمكان توقع الظواهر الطبيعية يطلب، من الكائن البشري أن يتبنى العالم بالتكيف معه. وبما أن أفعالنا تعتمد كذلك على قواعد عقلية ودوافع قابلة للفهم نرانا ملزمين بأن نتحمل مسؤوليتنا إزاءها.

لقد شاء الله أن يكون مدبرا، وأنعم على الكائن البشري بالعقل الذي هو إظهار للتدبير الإلهي وشهادة عليه (عن كونه تعالى هو المدبر الأعلى). بحكم هاته الصفة، يخلق الله النظام، في كل مكان، بمعنى أنه يبدع الوحدة والانسجام مع التنوع اللانهائي. 
قد يكون الانتقاد السابق جائزا على مستوى انبثاقة الخلق البدئي، ولما يتشخص الكائن بعد: فلا موهبة، ولا استعداد فطري، ولا حرية. وعلى العكس من ذلك، فبظهور الكائن البشري، يبتدئ تاريخ الوعي لأجل تشخصن الذات والأشياء، قصد إدماجها داخل أفق شخصي. على هذا المستوى، يقوم الله بدوره: إن أحسن هدية وهبها للإنسان هي العقل، وجعله شاملا بين جميع البشر. كثير من الفلاسفة المسلمين (الفارابي وابن سينا...) يؤكدون أن أول ما خلق الله هي العلة الأولى المطلقة: الفكر، أو العقل. 

يتكون الشخص بفضل الفكر وهو يصنع عالمه، ويصنع العالم على مستواه بالإسهام في الخلق الإلهي، إذ يعمل على إكماله. فبفضل العقل، يتعاون الإنسان مع الله، ويصبح إنسانا له كثافته الأنطولوجية. إنه مخلوق، ولكنه يساهم في كينونة العالم.

إننا في عالم نخلقه، ولكن كل شيء في العالم يحتم علينا أن نخلقه في حلة جديدة: نلاحظ العالم، ثم نغيره، بل نلاحظه لنغيره. فكل نظرة نلقيها إلى العالم لهي بداية فعل جديد، أو نسق تتولد فيه أفعال أخرى. إن العالم حدث، والإنسان هو كذلك حدث، وعن علاقته الحدث الثاني بالأول ينتج حدث ثالث يمنعنا من أن نبقى متفرجين، ويحتم علينا أن نكون عاملين: نصنع، ونصلح، وننسق، وننظم ما هو موجود لنجعل منه شيئا كاملا. 

تلك هي المهمة المجيدة للإنسان، أي "الأمانة" التي حمله الله إياها، كما يقول القرآن:
"إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان" (33: 72).

أجل، ألم يعلم الله آدم، أبا البشر "الأسماء كلها"?3? أي جميع أسرار الخلق التي كان الملائكة أنفسهم يجهلونها؟ هذا ما تفهمه الشاعر، محمد إقبال، وعبر عنه في حوار "بين الله والإنسان":

                اللـه
"أنا خلقت هذا الكون، من طين وماء، فجعلت فيه إيران، وبلاد التتار، وزنزبارا.
من الأرض خلقت الصلب، فكان صافيا، فصنعت منه السيف، والسهم، والبندقية.
كذا الساطور، صنعته لقطع ما في المرج من أشجار عالية،
وصنعت القفص لحبس الطيور الشاذية".

             الإنسـان
"أنت جعلت الليل، وأنا صنعت الصباح.
أنت خلقت الطين، وأنا صنعت الأقداح.
خلقت الصحاري، والشعاب، والجبال،
وهيأت الحدائق، وكسوت الأرض ورودا وأزهارا
أنا الذي استخرجت من الصلد زجاجا،
وهيأت لي من السم ترياقا".

الشخصانية الإسلامية لا تجعل من الشخص "مونادة" روحية، بالرغم من اعتباره معطى أوليا. إنه كائن كلي، ومادة حية، أي فكر ينفخ في جسم ذي عقل. فإن يكن من فرق بين الروح والشخص، فإنه بمثابة الجزء من الكل، أو المحتوي من المحتوى. فالشخصانية الإسلامية، وإن كانت مقتبسة من الدين، تمتنع عن الخضوع لأي اتجاه لاهوتي من شأنه أن يضع، قبليا، أفضلية للروح على الجسم، أو للجسم على الروح، فالعقيدة، قبل كل شيء، التزام. والالتزام المقصود هنا لا يتعلق بالطقس الروحي فحسب، بل يتعلق، أيضا بالظروف المادية والموضوعية التي تعيش فيها الأمة، والإنسانية بأجمعها. فبين الإنسان وباقي الكون تسود غاية تعمل لصالح الإنسان: فمن أجل الكائن البشري، خلق الله العوالم، والأشياء، والكائنات. 

هل هذا اتجاه مثالي أم مادي؟
إننا أمام شيء آخر يأخذ من المادية والمثالية، على السواء، فهو تركيب يتكامل فيه الاتجاهان. لولا هذا التركيب لكان الإسلام روحانية تسبح في الفضاء، دون جذور في العالم.


(1)-  انظر، كذلك: 17: 77؛ 62: 35 و 43.
(2)-  انظر، كذلك: (35: 39): "وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض".
(3)-  سورة البقرة (2)، الآية: 31.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here