islamaumaroc

ذكرى مرور عشرين سنة على وفاة الأمير شكيب أرسلان

  دعوة الحق

104 العدد

إن للشعوب الشاعرة لغايات، وللأمم المستيقظة لمرامي بعيدة الأطراف، نازحة الأنحاء – تسعى في تحقيقها بكل ما يستطاع من وسائل وما يملك من قوة بيد أن لتلك الوسائل مقدمات وأسبابا لها نتائج أولية في رصف السبيل، وتعبيد المسلك الحافز إلى استعمال المنتج منها، وأرى على رأسها إعداد نشئ اولى يزود في بدء نشأته بتربية أخلاقية روحها الدين ووطنية مشتعلة جماعها الثبات وثقافة علمية منشأها المتانة والصحة من شأنها أن تضع الشباب المنتظر ضعا صالحا لإسعاد البلاد وتحقيق الأماني والآمال.
أجل لقد استيقظ الشرق العربي الشقيق من سباته الطويل، ورقاده العميق شاعرا بالخطر المساور، والتهديد المحدث مندفعا عن تعشق وهوى لميدان العمل في حدود الحكمة والمفاهمة المعززين بئاراء رجال خلقوا وما خلقوا إلا للدفاع عن كرامة البلاد، وشرف المبدأ مستعذبين كل اضطهاد وامتهان، مستسهلين كأداء العقبات وقاصى المجاهل أثناء حلقات شائكة حيث العسف ناشر جناحيه، والمكر ممسك بالتلابيب مؤمنين أن الحركات الوطنية لا يخدمها شيء كالشدة والعنف ولا يذكي حماسها، ويضرم نيرانها مثل الجور والعسف لحد الانفجار كل ذلك وأفظع كي يكونوا رمزا للحرية، وقدوة  للتضحية في الذوذ عن حوزة الوطن وعزة كيانه والوقوف في صفوف رسل العدالة وخدمة الإنسانية، ودعاة الحق وزعماء العباقرة ومحبي البلاد ولقد رأينا هذا المثل الكامل والفجر لصادق متجليا بصورة واضحة في مؤبننا السعيد – أمير البيان المرحوم شكيب أرسلان – شخصية عالمة نادرة حسرت عن ساقيها في سبيل بناء صرح النهضة وتأسيس بنود الجامعة في طماح ووثوب مملوأين حيوية ونشاطا لا يعتريهما عجز ولا ملل شخصية فذة خلقت لتبحث وتفتش تلتمس وتنقب – تسأل الكتب والأسفار، وتستشير الحوادث والخطوب بثاقب بصيرة والتهاب غيرة لتضع لنا مجموعاتها القيمة، وموسوعاتها الخالدة التي عنيت عناية خاصة بحوادث الاستعمار، وما جريات الانتدابات والحمايات فسجلت للحاضر من العالم الإسلامي – ما يحفزه للوقوف على أسباب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم، بعد انتصار غزواتهم العربية في عقر تلك القارات المسيحية خفاقة الراية، صحائف سندسية الحلل، ذهبية الارتسام قدمها (1)الفقيد الامين كحجرات أساسية يسير على ضوئها النشء الجديد، ويستنير بمشعلها الشباب الناهض. ولا بدع فقد رسمت للشباب كأخته المنبعثة من زاية الإهمال – الخطة الحميدة، والغاية الناجحة، فهؤلاء جمهرة الكتاب والأدباء واثقون كبير الثقة أن كتب الفقيد كانت وتكون ظافرة برضى القراء، وإعجاب الشباب المتنور واثقون أيضا أن الشباب المثقف سيرى فيها نزعاته وآماله ومثله العليا جلية واضحة أنصع الوضوح يتبين من دفين أسرارها ما يجعله يغامر منافسا سواه من الأمم التي فاقته في التقدم، وبزته في الظفر. علاوة على ما أنصف به من علو الهمة، وكريم الطبع وسعة الأخلاق، وانشراح الصدر، والإخلاص للعاملين، وخدمة الأوفياء بماله وقلمه ونفسه، لا دل على ذلك من بروره الزائد بالأستاذين المخلصين الحاج أحمد بلافريج، والحاج الحسن بوعياد – أيام كونهما بسويسرة – وقد أنهك المرض قواهما، وعم الألم جسمهما وساورتهما مخاطر مؤلمة، لاسيما داء الأخير وقد صوره بقلمه على أعمدة صحيفة «العلم» في عدد 82 لسنتها الاولى، والأمير في كل ذلك – مثال الممرض الحنون لا يكاد يزايلهما طرفة عين، خادما مساعدا، ويتمثل في شخصه الراحل – حنون الأمهات، وعاطفة الآباء. ولا غرابة في انطباع هذا الخلق السامي في شخصه المرحوم، فله أسوة حسنة ومثل كاملة بأساتيذ وأصدقاء كانت لهم اليد البيضاء في تحرير الشرق العربي الشقيق واستقلاله احتك بالجهادهم المتواصل مثاقنا ومجالسا إلى أن تكون تكوينا صالحا، وخلق خلقا كريما أصبح من أجله آية الآيات علما وأخلاقا ووطنية وإيمانا. ولا عجب في رجل ثاقن الشيخ «جمال الدين الأفغاني» وتلميذه الأستاذ «محمد عبده» واضعي نواة الإصلاح، ومؤسسي صرح النهضة، ونافخي روح الحياة في المجتمع العربي – أن يجني العالم  العربي اليوم ثمرة جهاده الصادق وعصارة أبحاثه المفيدة، ومن هيامه بآراء الإمام عبده، وشغفه بأفكاره وتعزيزها ما حكاه عنه في مقدمة «البينات» للشيخ عبد القادر المغربي:
ومما راقني جدا من آيات «البينات» التنظير الذي بين مصر ومراكش، وقوله: انه مهما كان من الفرق بين هذين القطرين من جهة الرقي فإن تماثلهما على أتمه في دراسة العلوم الإسلامية وطريقة فهمها وتحصيلها.
وقد أخطر ذلك على بالي قصة لا باس من إيرادها هنا تعزيز الرأي الأستاذ: منذ نحو خمس وثلاثين سنة قدم لأداء فريضة الحج أحد كبار علماء المغرب الأقصى المدعو بالشيخ (إبراهيم التادلي) فذكرت بعض الجرائد البيروتية يومئذ أنه من أفراد الأفق المغربي لابل ممن يندر نظيره بين المشرق والمغرب، وبعد ان قفل من الحجاز زار المسجد الأقصى وقرأ فيه درسا، ثم قدم إلى بيروت – وكان أستاذنا الإمام المرحوم الشيخ محمد عبده لا يزال فيها على أثر نفيه بسبب الحادثة العربية، فلما بلغه ورود – هذا العالم المغربي، ذهب للسلام عليه، وكنت معه في هذه الزيارة، وأتذكر أنه كان معنا صديقي المبرور الأستاذ الشرتوني صاحب «أقرب الموارد» فدار بين الشخصين أحاديث طويلة لم أفهم منها شيئا، لحداثة سني، وقلة الفتي يومئذ للهجة المغربية، ولكن أستاذي الإمام أخبرنا بعد الانصراف بأن هذا الرجل عالم من كبار العلماء على نمط علماء الأزهر، فكأن الأزهر وجامع القرويين شيء واحد. وإنما أعجبه منه كلمة لا تزال أتذكرها، وذلك أن الشيخ محمد أسأل التادلي، من جملة ما سأله عن حالة العلم في المغرب: هل يوجد اليوم هناك من أشتهر بالتأليف، فأجابه التادلي: ليس العلم بكثرة التأليف، لكن بالمدرسة والمثافنة، ومع هذا فيوجد مؤلفون في الأيام الأخيرة، فأعجب قوله هذا – الشيخ محمد. وهو أن العمل إنما هو بالمدرسة.
ثم قيل أن الشيخ التادلي يريد أن يلقي درسا بعد صلاة الجمعة في الجامع العمري الكبير فاشرأبت الأعناق، وفكر الأستاذ الإمام أنه لما كان التادلي من أكابر علماء المغرب مارا بالشرق فلا بد من أن يتكلم في موضوع عال من مواضيع الاجتماع كاتحاد الأمة أو وجوب العمل بعزائم الشريعة أو ما شابه ذلك. فكان موضوع درس التادلي الذي قضى فيه أكثر من ساعتين – هو البسملة وما فيها من العلوم والفنون، ومرجع ذلك كله إلى الباء، وانحصار العلم في الباء مما يعرفه كل من نال شهادة العالمية من الأزهر. فلما خرجنا من الجامع قال لي الأستاذ – رحمه الله – انظر إلى حالة الإسلام وحالة علمائه الذين ينبغي أن يوقظوه – يأتي أحد فمول علماء المغرب إلى المشرق وهو يعلم انحطاط الإسلام وانهيار جوانبه، فبدلا من أن يحدث الناس بأمر اجتماعي يعود بجمع شملهم أو إيقاظهم من غفلتهم يكون منه أن يحدثهم بالعلوم المنحصرة في الباء.
والحقيقة أن الذي ينقمه النش الجديد، والمتعلمون على النمط العصري من جمود علماء الدين الإسلامي هو انه بينما يكون عالم أوربي اخترع ءالة عظيمة الفائدة للمجتمع البشري – كالآلة التي اخترعها بعض الألمان في هذه الأيام ينظر بها ما تحت الأرض كأنه فوق الأرض – بتبحره في القوى الطبيعية.
يضيع العالم المسلم أطول من الوثت الذي قضاه الأوربي في اختراعه، وذلك في حفظ تعليلات لا طائل تحتها، وتدقيقات ضاق العصر الحضر عن سماعها، وهي من الدروس التي كان عليها معول الأوربيين في القرون الوسطى حذو القذة بالقذة، فكأننا نحن الآن حيث كانوا هم منذ خمسة قرون أو أزيد.
هكذا كان الراحل الأمين يعتام مختارا للتثقيف والمصادقة رجالا أنجبتهم الأيام وعجمت عودهم تجارب خطوبها، ووهبوا من العقل والمعرفة والغيرة على مبادئ الدين وسنن الإسلام ما كان له الأثر الملموس في النهضة. فهذا الشيخ رشيد رضا وءاثاره الفياضة في أفق النشر والإصلاح شرقا وغربا هو أيضا من أصدقاء الفقيد الذين خصهم بتأليف أسماه: «إخاء أربعين سنة» سجل فيه ما دار بينه وبينهم من الأحاديث العلمية والاجتماعية والاضطرابات السياسية وحلو الأسئلة والمذاكرات الممتعة، ولا أصدق دلالة على هذه الصداقة الممتزجة بالشرايين والنافذة إلى الأعماق من تجليها في الطرفين بأجلى وأنصع صورة وقت مرور الأمير إلى الحجاز ومنعه من الدخول لمصر ففي ظرف انتقاله من القطار إلى الباخرة حضرت شخصيات من علية المصريين للسلام عليه بيد أن رجال الشرطة حالوا بينه وبين إخوانه لحد الاكتفاء في التحية بالإشارة، ولكن لحمة الصداقة الوشيجة، والرابطة القلبية التي كانت الجامع الأقوى بين الفقيد الخالد والمرحوم الشيخ رشيد رضا – حفزت الراحل الكريم للإيمان بالحرية التي تهواها حتى حتى العجموات والطيور فأنى بالإنسان الناطق ليكسر قيود الضغط ليخرق قانون الضغط والاستعباد الجائر متراميا في عنق صديقه الحميم الأستاذ «رشيد رضا» وقد أفقده حب الحرية الطبيعية وخالص الود والصداقة شعوره قائلا: (والقوة تحاول رده وصرفه) انه أمام المسلمين فلا مناص من مباشرة.
وبنفس هذه السياسية، ويعن المعاملة يسام جناب الفقيد عند ما وطئت قدماه تراب المغرب الأقصى زائرا شبابه المتطلع لمثله سنة 1930 سنة الحادثة الكبرى – حادثة الظهير البربري – التي كان لقلمه فيها اليد البيضاء شرحا وتصويرا أنارا الأفكار وأبان للعالم الإسلامي أجمع مدى غاية الاستعمار ونوايا الاحتلال السيئة كمأساة طرابلس المضطهدة أيضا. نعم حل بطنجة وكله شوق لزيارة عواصم المغرب، وكبريات مدنه التي كم كان له من الشغف بذكر آثارها، واستعراض قطورها ومؤسساتها الضخمة في كتبه، ككتابه «الارتسامات اللطاف» المستغرق في الموضوع صفحات، شيء يفوق الإفراط والهيام ويبعث على الإعجاب، ولكن أبت السياسة إلا أن تقفه هناك مانعة – فضيلته من زيارة أصدقائه وإخوانه – صارفة إياه عن مقصده السامي ومرماه الشريف، فكم كان لأصدقائه الأعزاء، وإخوانه المغاربة الأوفياء من أشواق ولواعج لا يأتي عليها الحصر متطلعين لمشاهدة محياه الكريم، والاستلذاذ بأحاديثه الحلوة، وطرائفه الممتعة، نعم وقف الأمير المرحوم أمام الواقع متحملا هذا الاعتداء الخانق والتصرف القاسي مقتنعا بكلمات نثرها على الشباب الطنجي، ومن حضر من الإخوان هناك حيث الظرف ظرف تردد فيه على طنجة وفود من ابناء المغرب (أو الداخلية كما يقولون) للحضور بمهرجانات تقام سابع عيد المولد النبوي (ببوعراقية) كلمات كلها نصائح غالية، وإرشادات لامعة – روحها الإيمان- كان لها وقع حسن في نفوس الشباب المتعطش، في طليعتها الحث على العلم ودراسته، والإعراض عن السفاسف وكل ما لا جدوى وراءه منقرا على الوتر الشاعر، واقعا على الدواء الناجع لصلاح الأمم والشعوب (العلم أيها الشباب العلم).
كل ذلك بعبارته المتعارفة الرائقة، وأسلوبه السهل، وبيانه الساحر الأخاذ الذي يستهوي القارئ ويملك عليه مشاعره بما يبعث فيه من شاط، ويخلق فيه من استعداد واندفاع لحب المطالعة والنزوع للاستفادة بانشراح. أسلوب سلس اكتسبه كما قال رحمة الله عليه من دراسة «مقدمة ابن خلدون» كما أن ما كان لقلم صديقه الشيخ رشيد رضا من السلاسة والسهولة هو نتيجة دراسة كتاب «أحياء الغزالي»
وطبيعي أن أمثال هذه الكتب المتينة التعبير، الشريفة الغاية لها سر خاص في تكوين دارسيها، وتعويدهم التعابير الصحيحة، والتراكيب الواضحة وتخير الأسهل منها عطفا على القارئ وسعيا  وراء الإفهام المنشود من التحبير صادفين عن تراكيب الإعجاز الناشئة عن التقعر في التعبير واستعمال الوحشى والغريب.
فلله أنت، ولله جهادك المتماسك الذي لا ينساه لك شعبك خصوصا، والعالم العربي عموما، وقد بدأ فجره الصادق يشع بأنوار السعادة في سماء سوريا ولبنان التي فارقتها وهي ترزح تحت نبر الاضطهاد والارهاق، وعدت  إليها (وعلم الحرية يرفرف في جوائها المستقلة).
وكم يدفعني هذا لاستعراض قولة العجوز التي شاهدت «الخليفة عبد المومن الموحدي» وقد رجع لمسقط رأسه إماما متوجا، بعد ما فارقه شابا مملقا لا يجد في جيبه درهما يسلك به « وادي أبي رقراق» حتى اضطر لقطعه سباحة: - هكذا يعود الغريب إلى بلاده-.
ففي ذمة الله ورواق رحمته أيها المجاهد، ألهمنا الله الصبر والثبات على المبدأ والعقيدة وعلى العهد إلى الملتقى في عالم الخلود. (2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إشارة وتلميح في هذه الفقرات إلى بعض تآليفه الخالدة.
(2) توفي يوم الثلاثاء 15 محرم عام 1366 – موافق 10 دجنبر سنة 1946.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here