islamaumaroc

القرآن يفسر بعضه بعضا -1-

  دعوة الحق

104 العدد

كلمة فشت وانطوت عليها الألسنة، لكن ويا للأسف، على قدر ما تكرر على الألسنة على قدر ما تنوسي تطبيقها وترويض القرائح على الاهتداء بهديها. معنى كون القرآن يفسر بعضه بعضا أن يراعى في فهم لآية السياق الذي يندرج فيه سابقه ولاحقه مع تفهم الحكم الذي جاءت لتقريره واستحضاره ما عسى أن يكون للآية من أشباه ونظائر مبثوثة في مختلف السور لا أن تقتضب وتختزل وينظر فيها منفصلة مستقلة مقطوعة الرحم من المجموع الذي هي فيه كما هي الحال فيما جاء في سورة الصافات حكاية عن موقف سيدنا إبراهيم مع أبيه وقومع: «وان من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون... إلى قوله جل ذكره: أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون» تقدم لي أن كتبت عن هذه القصة فيما أكتبه من حين لآخر في مجلة دعوة الحق، لذلك يكفيني في هذه المرة أن أقنع من القارئ الكريم أن يقرأ القصة من أولها ويتصور موقف سيدنا إبراهيم مع قومه ودعوته أباهم ليخرج بهم من ظلمة الشرك إلى نور التوحيد فيرد المخلوق إلى الخالق والخالق إلى المخلوق، فجاء أصحاب علم الكلام ونتفوا الفقرة الأخيرة من القصة التي هي: «والله خلقكم وما تعملون» واتخذوها أساسا لعقيدة كانت السبب في تراجع المجتمع الإسلامي بتعقيم غريزة العمل في الإسلام وإخماد جذوته مع أن الإسلام في أصل مدلوله دين العزة والكرامة «ولله العزة ولرسوله وللمومنين» وهل تعقل عزة بلا مال ولا عتاد ولا.. ولا.... ولا بأس هنا من تفكير القارئ فيما جاء من التهافت في هذا الباب في جوهرة اللقاني إحدى أمهات كتب التوحيد:
فخالق لعبده وما عمل
      موفق لمن أراد أن يصل
ونسي هذا المؤلف أن القرآن الذي هو دستور الإسلام لحمته وسداه العمل والعمل يترتب عليه أثره: تقرأ في أول سورة الأعراف: «والوزن يومئذ الحق فمن ثفلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون» وهل تثقل الموازين بلا عمل؟ «ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أينا بها وكفى بنا حاسبين» وهكذا تكرر لفظ العمل بما يفوق الثمانين مرة!! كما قرر أن العمل يترتب عليه أثره: «ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون» «وإنما توفون أجوركم يوم القيامة» «يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم» «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» بل تجاوز العدل الإلهي في هذا الباب إلى أعلى وأسمى ما يمكن أن يتصور فأذن للعبد المخلوق من ماء مهين أن يستنجزه وعده وهو سبحانه من الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه فقال: «قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا» وجاء في آخر سورة تنزيل: «وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين»
من المعلوم من الدين بالضرورة أن محمدا لا يخالف ربه لذلك نراه يقول من جهته في هذا الباب: أعني الإشادة بالعمل قولا وفعلا: «اليوم الرهان، وغدا السباق، والجائزة الجنة» فقوله عليه السلام «والجائزة الجنة» دليل على ان العمل يترتب عليه أثره.
«لا يجتمع غبار المجاهد مع دخان جهنم» «الطاعم النائم في الجهاد أقرب إلى الله من الصائم القائم في سواه». وأبلغ من هذا كله قوله عليه السلام: «وقوف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر أمام الحجر الأسود» كما جاء في الحديث القدسي: «دخل رجل الجنة فرآى عبده فوق درجته فقال يا رب هذا عبدي فما باله فوق درجتي» فيقول سبحانه: «هو عبدك جزيته بعمله وجزيتك بعملك»
أبعد ما سرد من الآيات والأحاديث التي لا محل فيها للاحتمال ولا للتأويل يبقى للعاقل أن يعير سمعه إلى ما يوثر عن أصحاب علم الكلام وفي مقدمتهم إبراهيم اللقاني الذي يقول فيما سماه الجوهرة:
فخالق لعبده وما عمل
      موفق لمن أراد أن يصل
وخادل لمن أراد بعده
      ومنجز لمن أراد وعده
فوز السعيد عنده في الأزل
      كذا الشقي الخ...
في حين أن صوادع الآيات ترفع أصواتها في عموم العالم الإسلامي من شرقه وغربه شماله وجنوبه: «ونودوا أن تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون – وإنما توفون أجوركم يوم القيامة – وان ليس للإنسان إلا ما سعى وان سعيه سوف يرى – وقال عز وجل إبلاغا في المعذرة وإظهارا للمعدلة: «رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة من بعد الرسل» فليتأمل أولوا الألباب إلى موقع كلمة علي في هذه الآية كيف يتصور أن تكون للناس حجة على الله وهو من الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه» وهو الذي يقول أيضا: «فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية» نعم في هذه العبارة الرائعة أعني قوله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل – يتمثل العدل الإلهي في أجلى مظاهره وغذت الآيات تردد صداه: «ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين». «يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعمون أن الله هو الحق المبين» معناه إذا كانت مشيئته من قبيل اللانهاية كذلك عدله كبقية صفاته من قبيل اللانهاية، وهنا تلتقي المشيئة والعدالة في قوله جل ذكره في سورة يوسف: «وكذلك مكنا يوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع اجر المحسنين» معناه إذا كانت رحمته يصيب بها من يشاء فإنه سبحانه لا يضيع أجر المحسنين ويترك إحسانهم يذهب أدراج الرياح. اختم هذا الفصل على وجه التخلص فأقول:
ان تراجع أمر المسلمين السبب الرئيسي فيه هو التزهيد في العمل وسلبه من الثمرة التي تترتب عليه أعني الجزاء عليه. أليس من أعجب العجب أن تروج مثل هذه العقيدة في الإسلام والحال أن كتابه جعل من العمل لحمته وسداه ونبيه عليه السلام يقول ما سمعه القراء وأمهات الفقه قطبها يدور على العمل أيضا أمثال صاحب المختصر خليل الذي يقول: (وملك الصيد المبادر وان تنازعه قادرون فبينهم ويقول في باب الهاد: وتعين بفجيء العدو وان على امرأة نعم وان على امرأة! يا ليت أصحاب علم الكلام نفضوا أيديهم من تراب هذا القبر وتركوا أمثال هذه العقيدة للمسيحيين الذي يدينون بهذا المبدأ الأساسي عندهم وهو: ان الإنسان لا ينال النجاة في الدار الأخرى بالعمل ولكن بمحض الفضل المعبر عنها:
وتغالوا في ذلك حتى قالوا في متن عقيدتهم: ملعون من يعتقد أو يظن بأن قداسة البابا يمكنه أو يجب عليه أن يتصالح مع المتمدن وحرية التفكير (انظر الفصل الأخير من كناش السيلايوس
لم يبق بعد هذا إلا أن أغلق باب الحوار في هذا الموضوع بقفلين مشفوعين بزلاجين وهما أن الله جعل الدخول للدار الفانية من باب العمل: «وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا». والدخول إلى دار الخلود كذلك من باب العمل: «وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوا من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين. قطبان اثنان لا ثالث لهما.
ارجع الآن بالقرائ إلى الآيات التي تعود الكثير الاستدلال بها مقتطفة منتوفة من السياق التي هي في سلكه والكلام يحتاج إلى توطئة
خلافا لما تعودنا من عهد الصغر أن فهم الكلمة اللغوية يطلب من كتب اللغو والمعاجم بخلاف مفردات القرآن وتراكيبه فإن معناها يلتمس في داخل القرآن نفسه وفي متسع أفقه مع استحضار ما للآيات من أشياء ونظائر تمت إليها بصلة رحم
مثلا كلمة ظن فان المتعارف في الظن أنه الأمر الغير المقطوع به نفيا وإثباتا، هذا حكم القاعدة اللغوية فإذا انتقلنا بهذه المادة إلى أفق القرآن وجدنا أن لها معاني تختلف باختلاف مواقعها في شتى السور وان الذي يعطيها المعنى المنشود هو موقعها من السياق التي هي فيه وما ينضم في سلكها مما عسى أن يكون لها من أشباه ونظائر في شتى السور وها نماذج من هذا القبيل:«واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذي يظنون أنهم ملاقوا ربهم.» فإن روح السياق يعطي للظن هنا معنى اليقين. ومثله ما جاء في سورة يونس: «هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم» الخ ما وقع فيه الركاب من الدهشة وعظيم الخطر يعطي للظن هنا معنى اليقين  - وفي معناه:«كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق وظن انه الفراق والنفت الساق بالساق.» من وصلت به الحال إلى الاحتضار خرج لا شك من الظن ودخل في مشهد اليقين - «وأننا ظننا ان لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا» يدل على أن معنى الظن هنا أيضا اليقين ان الجن اتبعوا ذلك بقولهم: وانا لما سمعنا الهدى آمنا به قادهم إلى الإيمان بالهدى يقينهم أنهم لن يعجزوا الله في الأرض ولا في السماء: «يا معشر الجن والإنس ان استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا !» فشتان بين موقع ظن في هذه الآيات وبين ما جاء مثلا في قوله تعالى: «ان يتبعون الا الظن وما تهوى الأنفس» «ان نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين.» والحاصل ان السياق وما هنالك من أشباه ونظائر مبثوثة في مختلف السور هو الذي يعطي للآية المعنى المنشود.
ألف الناس الاستدلال في كل مناسبة بقوله تعالى: «ما فرطنا في الكتاب من شيء» على أن المراد بالكتاب القرآن يقصد به ان فيه كل شيء على وجه الاحاطة والشمول وفاتهم ان البساط لا يساعد على هذا التأويل وبيان ذلك أن آية ما فرطنا في الكتاب من شيء جاءت مقحمة في عرض كلام قصد به الدواب والطيور «وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يخشرون» معناه أننا لم نهمل شيئا من مخلوقاتنا حتى الدواب والطيور على اختلاف أجناسها و أجرامها مذكورة في كتاب الإحصاء المعروف عند الناس باللوح المحفوظ، نعم ان ذكر الدواب والطيور هنا قرينة تمنع من حمل كلمة الكتاب على القرآن وترجح أن المراد به كتاب الإحصاء وبذلك تتجاوب مع ما جاء في نفس السورة: «وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلى في كتاب مبين» وحسب القرآن في هذا المعنى ما جاء في سورة الأعراف: «ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم» - «ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين» يعني: ما تركنا في القرآن شيئا من الأشياء المهمة المتكفلة بمصالح جميع المخلوقات او لم يكفيهم انا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here