islamaumaroc

من صميم الأوضاع الإسلامية المعاصرة: بين حالة التخلف الديني وحالة التخلف العام في العالم الإسلامي

  دعوة الحق

104 العدد

المسلمون- في عمومهم- واقعون في منطقة التخلف بالعالم، منطقة العالم الثالث التي يعد سعيها إلى محاربة التخلف وتصفيته من أهم قضايا العصر، وأكثرها تأثيرا على عالم المستقبل. والمراقب العادي في أوربا وسواها، تجد عادة لديه بذور تفكير يوحي بإمكانية وجود صلة موضوعية بين هذا التخلف الشديد الذي عليه المسلمون، والصفة الإسلامية التي هم بها متميزون. ومن الضرورات التي تفرض نفسها أن نعمل على إزالة هذا الوهم الذي يحدد نظرة كثير من الأجانب إلى الإسلام والمسلمين.

صلة الإسلام بمختلف المجتمعات التي تنتسب إليه، أو تقدمها على الصعيد الاجتماعي والفكري والاقتصادي وغيره. هذه الصلة تشكل موضوعا هو من المواضيع التي تتناقض فيها وجهات التصور عند الكثيرين سواء من المسلمين أو من غيرهم. وكل ينظر إليها من زاوية تتناقض تماما الزاوية التي ينظر منها الآخر؛ ووجهات الرأي هاته، هي أولا وجهة نظر الغيارى على الإسلام، وهؤلاء يرددون في العادة أن سبب ما أحاط بالمجتمعات الإسلامية من تدهور عام وتخلف ملحوظ في شتى الميادين ليس له من سبب آخر، إلا تنكبهم طريق دينهم، وعزوفهم عن احتذاء هديه، عكس ما كان عليه أمر المسلمين الأول، الذين كانوا لدينهم من المتبعين، فنالوا من ذلك أن تمكنوا من إقامة مجتمع فاضل، وبنوا حضارة لامعة الآفاق، وتولوا خلال فترة طويلة من الدهر، الأخذ بمقاليد العلم والأخلاق والمدنية والقوة والمنعة، في كل جنبات العالم المعروف في عهدهم؛ هذه نظرية يؤكدها عدد من المسلمين الذين يتعرضون من جانب أو آخر إلى موضوع التخلف في البلدان الإسلامية محاولين بذلك إيجاد تعليل له يربط أسباب التخلف المادي بالتخلف الروحي في هذه المجتمعات المنتسبة إلى الإسلام؛ ومن ثم، يخلصون في الأخير إلى الاستنتاج الطبيعي، المرتبط بهذه النظرية، والذاهب إلى أن الحل يكمن في حالة الرجوع إلى ينابيع الدين الثرة المعطاء، والاغتراف منها بما يكفي المسلمين دينا ودنيا.

وعلى النقيض من هذه النظرية، نظريات أخرى يأخذ بها الكثيرون في أوربا وغيرها، وتذهب في تحليلها الأخير- حول الإسلام والدين عموما- إلى استنتاجات فحواها أن علة تأخر المسلمين، يكمن في عزلتهم الفكرية عن العالم، وانطوائهم على روح غيبية تواكلية استسلامية، لا مخرج لهم من تأثيرها إلا بمراجعتهم لمواقفهم الاعتقادية من الأساس، وتخلصهم  من كثير من التقاليد الاعتقادية التي تقعد بهم عن مجاراة تيار الحياة السائر المتطور. وهذه النظرية- كما نرى- تناقض تماما- وبصورة متوازية- فكرة تعليل تخلف المسلمين، بما يظهر عليهم من تنكب سبيل الدين السوي فهي- تقوم على اعتبار معاكس، يذهب إلى تعليل تأخر المسلمين بما يبدو عليهم من تمسك بتقاليد عقائدية، قوامها الروح والعالم ما وراء المادي؛ ومع ذلك، فإن الذاهبين هذا المذهب، في تقييم الأحوال الإسلامية من الأوربيين وغيرهم، لا ينطلقون في الواقع من نقطة واحدة، فمنهم الآخذون بالجدلية العادية التاريخية، وهؤلاء لا ينحصر تقديرهم للقضية في إطار الإسلام وحده، أو ينظرون إلى الأمر من زاوية الأوضاع الإسلامية بمفردها، بل هم يضعون القضية على أوسع نطاق توضع فيه، معتبرين أن الفكرة الدينية عموما- وبصرف النظر عن دين معين- من شأنها أن تحول دون الانطلاق إلى آفاق التحرر العقلي والاجتماعي والاقتصادي والعلمي الذي يجب أن يكون سبيل إنسانية عقلانية وعلمانية ومتقدمة؛ وليس لازما في موضوعنا هذا، النظر في الأمر مع هؤلاء الآخذين بالنظرية المادية التاريخية؛ لأن القضية تتخذ في اعتبارهم صبغة أعم من موضوع تخلف المسلمين، ماديا وروحيا؛ والنظرية عندهم نظرية كلية، لها جانب سلبي كلي، يقوم على رفض العقائديات الروحية إطلاقا، ودون تقييد الرأي بقرينة ما أو إخضاعه لشرط أو ظرف أو غيره؛ كما أن للقضية عندهم كذلك جانبا تعويضيا كليا هو الآخر، يعرض بديلا شاملا للعقائديات المرفوضة، ويعرض هذا البديل على أنه ذو كفاية تامة لاستيعاب مختلف الجوانب التي تعني الإنسان في حياته، وأنه بذلك يغني عن غيره. فليس بعده من حاجة عقائدية تدعو المرء لهذا وذاك من العقائد، ومن ثم، فلا ضرورة للنظر في الأمر- مع الجدليين الماديين حيث أن البون شاسع بينهم وبين الفكرة ألما وراء مادية مبدئيا؛ لكن يتبقى مع هذا، النظر في الرأي الذي يتخذه حول موضوع الإسلام والتقدم، بعض ذوي الرأي الثقافي والفكري بأوربا سواء من المعاصرين أو غيرهم؛ إن الفرق بين مثل هؤلاء وغيرهم، أنهم ليسوا ماديين بالضرورة ولا ملحدين كذلك بالضرورة؛ فقد يوجد من بينهم من يقيم لمسيحيته اعتبارا يقل أو يكثر؛ لكن الرأي الذي يعبرون عنه حول أحوال المسلمين وعقيدتهم، يقوم- كما تقدم- على القول بأن هناك صلة ما بين إسلامية المسلمين، وما يسود حياتهم من تخلف وزراية؛ وليس ضرورة أن يكون هؤلاء متعصبون ضد الإسلام، وإن كان هؤلاء المتعصبون كثيرين؛ فتمت جهل بعضهم بحقيقة الروح الإسلامية، واغترارهم ببعض الظواهر السطحية في حياة المسلمين يخلصون منها إلى تكوين استنتاجات خطيرة مبتسرة- لهذه الحالة من الجهل تأثير كبير في تكييف نظرة مثل هؤلاء إلى الموضوع وصياغة رأيهم فيه، لكن هناك أخيرا من بين هؤلاء الأجانب كذلك من له في الموضوع نظرة أكثر موضوعية، وأدل على اطلاع أعمق حول الموضوع؛ إن مثل هؤلاء يبدو عليهم أنهم يستطيعون التمييز في موضوع الإسلام والتقدم- بين تخلف المسلمين على حدة، والعقيدة التي ينتسب إليها المسلمون على حدة كذلك؛ وفي إمكان مثل هؤلاء، أن ينظروا إلى حالة تخلف المسلمين على أنها حالة منفصلة عن الإسلام، وأن القيم الإسلامية ليست مسؤولة عن وجود هذا التخلف، بل توجد هي نفسها ضحية لهذا التخلف الذي حمل المسلمين على تحريفها، وتجريدها من محتوياتها الإيجابية وإخضاعها لمفعول الجهل والعقد النفسية التي يزخر بها المجتمع الإسلامي عموما في المشرق والمغرب؛ وإذا كان هناك من بين الأجانب عن الإسلام من ينظر إلى الموضوع هذه النظرة الأكثر تدقيقا، والأكثر انطباقا على واقع الحال، فإنهم يلتقون بهذا- على نحو ما- مع الآراء التي يأخذ بها السلفيون من المسلمين المعاصرين، الذين يرون أن الإسلام يكاد يكون الضحية الكبرى لما هو متغلغل في المسلمين من مظاهر التخريف والتهافت الفكري الذي يسببه التخلف العام، في مجتمع من المجتمع، والذي تغذي آثاره السيئة مسالك المخرفين والمشعوذين والمتقولين على الإسلام. ممن لا تحذوهم روح تثبت ديني، أو وازع علمي، فإذا بهم يقحمون على روح الإسلام ما ليس منها، ويضاعفون من عوامل التخريفية التي تفسد النظرة الصائبة على عموم الناس في المجتمع المتخلف؛ وتجعل الأحوال الدينية شديدة الامتزاج بحالة التخلف العام الموجودة في مثل هذا المجتمع؛ والاستنتاج الذي تنتهي إليه الفكرة السلفية بهذا الخصوص هو ظاهر من سياق المقدمة التي ينطلق منها السلفيون؛ يتلخص هذا الاستنتاج في وجوب تطهير عقول الناس من التأثير الخرافي الذي تخلفه مؤثرات الشعوذة الدينية، والجهل بروح الإسلام ومقاصده العامة، وهذا التطهير كفيل برد عموم الناس إلى المورد الصافي للإسلام، ويسهل بعد كل هذا تنقية عقول الناس من الجوانب الأخرى التي يظهر فيها أثر التخلف كالجوانب الاجتماعية والاقتصادية وما في حكمها.
إلى أي حد يجب أن نذهب في الربط بين التخلف الدنيوي عند المسلمين، والتخلف الديني، المتسمون به كذلك؟ وهل يعتمد هذا الربط، إذا ذهبنا إليه، على أسس موضوعية وذات تأثير جدي؟ هنالك في الموضوع ملاحظات، لابد من مراعاتها، قبل كل شيء، ومما تدل عليه يمكن للمرء أن يستخرج عددا من الحقائق التي قد تفسر الحالة المتساءل عنها، وتعللها إن كان الحال يقتضي تعليلا وهذه الملاحظات هي 1) أن حالة التخلف الدنيوي لا تختص بالمسلمين دون غيرهم، بل تشمل مجتمعات كثيرة تتوزعها ثلاثة ديانات أساسية، وهي الإسلام والبوذية والهندوسية؛ وبعض هذه الأقطار المتخلفة تنتسب أساسا إلى المسيحية، أي تنتسب إلى ديانة العالم الأوربي والأمريكي المتقدم، فهل أخرجها ذلك من إطار العالم الثالث (الحبشة مثلا)؟
2) بعض الشعوب المتخلفة تعتنق كتل منها تصغر أو تكبر الديانة المسيحية على مذاهبها المختلفة، وهذه الكتل ترتبط هكذا من جهتين، من جهة الدين تنتسب إلى ديانة العالم المتقدم الذي تسوده المسيحية بدرجة أولى، ومن جهة الحالة الاجتماعية والاقتصادية، فإن هذه الكتل المشار إليها تعد بتخلفها، وفقرها وجهلها جزءا عاديا من المجتمع الذي ترتبط به أساسا، أي المجتمع المتخلف؛ وبهذا نجد بكل بساطة أن انتسابها إلى ديانة المتقدمين صناعيا واجتماعيا لم يؤثر إطلاقا على وضعيتها الدنيوية المتخلفة، مثل ما هو الأمر- حذوك النعل بالنعل- بالقياس للمواطنين المسلمين الذين ينتمون إلى نفس القومية التي ينتمي إليها هؤلاء المسيحيون الشرقيون والإفريقيون. 3) يلاحظ أن خريطة التقدم والتخلف في العالم، يكاد يتحكم فيها- مظهريا- العامل الجغرافي أكثر من غيره؛ ذلك أننا إذا لم نستطع استعمال مقياس الفوارق الدينية، لتصنيف مناطق التخلف والتقدم في العالم، على أساس أن هنالك تداخلا مفترضا بين أحوال التخلف ومختلف الديانات الموجودة، بحيث أنك تجد مثلا دينا "متقدما" هو دين لمجتمعات متقدمة ودينا "متخلفا" هو دين جماعات متخلفة- إذا لم نستطع استعمال هذا المقياس، مقياس الدين في هذا المجال، فإن هنالك مقياسا آخر، هو المقياس الجغرافي الذي قد يظهر للبعض، أنه كاف لتصنيف أوضاع التقدم والتخلف في العالم، واستخراج التعليلات التي تساعد على إثبات هذا التصنيف والاستشهاد له؛ فالتقدم الحديث يكاد تنحصر منطقته في هذا الشريط الأرضي الممتد شمالا على طول العالم الجديد، إلى الشمال أيضا، عند شرقي أوربا، وقد تمتد منطقة التقدم هذه أكثر، لتشمل في بعض الاعتبارات، شمال آسيا التابع للسوفييت وتتوقف عند حدود اليابان، شمال الكرة الأرضية أيضا؛ أما المناطق الجنوبية الأرضية: إفريقيا بكاملها، والمناطق الآهلة بآسيا، وأكثرها جنوبي الموقع، هذه المناطق تعتبر- بحق- مناطق التخلف بالعالم، وكما نلاحظ، فهذا التصنيف يرتبط بالاعتبارات الجغرافية، وليس للعوامل الدينية فيه دخل ما؛ ولا يعني قولنا هذا أيضا أو الأوضاع الجغرافية تصلح كمقياس صحيح، لترتيب أحوال التخلف والتقدم في العالم، وإن كان البعض يأخذون بهذا الرأي، ذاهبين به أحيانا مذاهب شتى في الاستنتاج، والحكم على الأشياء؛ إننا لا نبتغي هنا تعليل وجود التخلف أو التقدم من ناحية جغرافية أو غيرها؛ لأن التخلف والتقدم هما في الواقع حالتان معقدتان من حيث الأصول التي ترجعان إليها، والعوامل التاريخية والاجتماعية والعقلية، التي ساهمت في وجودهما، بما جعل العالم هكذا منقسما إلى عالم متقدم وآخر متأخر، وفي بداية طريقه إلى النمو والتطور. أما القضية التي تأخذ بوجهة النظر بالنسبة لموضوعنا هذا، فهي- كما أسلفنا- علاقة الدين بوجود التخلف، كما قد يحاول البعض أن يربط بينهما؛ وقد رأينا من استعراض بعض الملاحظات بهذا الصدد أن هذه العلاقة ليست علاقة موضوعية بالضرورة، وليس من مبرر واقعي- حسب الأمثلة التي سقناها- يبرر الاعتقاد بوجود هذه العلاقة أو إثباتها بصورة من الصور، أما المبرر النظري، فيبدو أكثر استحالة، إذا عرضنا موضوع التخلف على أساس النظر الديني السليم؛ فالفكرة الإسلامية لا تناوئ عمليات التطوير الاقتصادي والفكري والاجتماعي- وهذه أسس العمل الإنمائي في أي قطر وفي أي ظرف- نقول: الفكرة الإسلامية لا تناوئ مثل هذه العمليات إطلاقا؛ بل تلح عليها بشدة، إلا إذا كان مفهوم التطوير ممتزجا بمعطيات ضارة بطبيعتها بأسس الأخلاق الاجتماعية أو التوازن الاجتماعي، فحينئذ قد تتعرض الفكرة الدينية بالنقد لنوع من التطور على هذا المستوى، وليس هذا من قبيل التسبب في خلق التخلف، إلا إذا وضعنا لحالة التقدم، صورة واحدة دائمة بعد الخروج عنها بأية صورة مدعاة إلى التخلف، وطبعا، فهذا افتراض فاسد من أساسه؛ إذ أن المهم في أمر التقدم أو التخلف ليس هو التزام صورة معينة من الصور، لا يجوز الخروج عنها إلى صورة أخرى؛ إن أي مجتمع، المجتمع الذي ينجح في إعطاء فرص العلم والغذاء والاطمئنان لأفراده بمجموعهم، وبدون استثناء، فيعد المجتمع بذلك مجتمعا متقدما، خصوصا إذا كان ما يوفره لأفراده من حاجيات آت من موارده هو، ومن طاقته وإنتاجه، مضافا إلى هذا، وجود هذا المجتمع، كعامل إبداع وإنتاج وتفتح، تفيد منه المجتمعات الأخرى الأقل منه تقدما؛ ومثل هذه الحالة التي يتميز بها المجتمع المتقدم، لا يهم في شأنها غالبا إلا النتيجة، فهي التي ينعكس عليها مظهر التقدم، أما الوسيلة فهي تختلف بحسب النظريات السائدة في المجتمعات، والمناهج المختلفة التي يحتذيها هذا المجتمع والآخر؛ والفكرة الإسلامية تتركز عنايتها في النتيجة والوسيلة معا؛ فهي إذ تعير اهتمامها لضرورة الحصول على التقدم، تبدي حرصها في نفس الوقت على سلامة الطرق والوسائل المؤدية إلى هذا التقدم، هذه الوسائل والطرق التي يجب أن تكون سليمة- بحسب المفهوم الأخلاقي والاجتماعي للسلامة- لكي يمكن أن تؤدي إلى تقدم سليم ومعقول ومتوازن. ومن ثم، يبدو أن ربط حالة التدين بحالة التخلف عند المجتمعات المتدينة المتخلفة، مما لا يثبت أمام المناقشة الموضوعية الممحصة، إلا إذا كان المجادل في مثل هذه المواضيع، يرى الحقائق من زاوية ضيقة، لا يريد مبارحتها للنظر إلى الأوجه الأخرى للحقيقة المتناقش في شأنها. ولا ينكر أن الظاهرة موجودة على مستوى العالم الإسلامي كله، بل في مختلف المناطق الأرضية التي توسم بشدة التمسك بالمبدأ الديني، كما لا ينكر كذلك أن ملاحظة هذه الظاهرة ليس مؤديا بالضرورة الحكم على الفكرة الدينية، والاعتقاد بأنها مسؤولة عما يلاحظ من تخلف في المجتمعات المتدينة، وإلا فمن الأصول البدهية المتعارف عليها في مضمار الفكر العلمي، أن ملاحظة الظاهرة التي تلوح- ولو مع التكرر- لا يصح أن تؤدي دائما إلى تأسيس قاعدة نهائية أو حتى إصدار حكم بات، إلا إذا وقع استقراء مختلف العلل الكامنة وراء الظاهرة، والملابسات الممتزجة بها، وثم كذلك استبعاد العناصر المضللة في فهم الظاهرة وتأويلها، وأمكن الحصول على إدراك صحيح وخال من الملابسات المشككة في شأنها، ووقع كذلك تجربة المثيلات لها إن كانت قابلة للتكرار، وحينذاك فقط يمكن الجزم بشيء في شأن تلك الظاهرة واعتبار ما يجوز أن يستنتج منها، على أنه أمر بات وجازم؛ فكيف يمكن إذن الجزم بهذه البساطة المتناهية في أمر معقد وشائك كموضوع الصلة بين التخلف والدين، بينما التخلف هو- كما أسلفنا- عبارة عن حالة معقدة الأسباب تنشأ كنتيجة لتفاعل عدد من العوامل البطيئة، ليس الدين واحدا منها؛ وقد يعترض بالقول، أليس من أهم العوامل في وجود التخلف العامل العقلي، وأليس الدين أقوى عامل عقلي مؤثر في المجتمعات الإسلامية؟ فكيف لا ينسب إليه وجود التخلف عند المسلمين؟ ونفس القول، يصدق على حالة المجتمعات الشرقية الأخرى غير الإسلامية؟  

إن ترديد قول من هذا القبيل، يقتضي أن القائلين به قد فحصوا الفكرة الدينية من أساسها الأصلي غير المتأثر بأية شائبة أخرى طارئة، كما فحصوا جوهر العقلية المتخلفة عند المسلمين- ولنبق الموضوع منحصرا فيهم لا في عموم المعتنقين للديانات الأخرى- وكان من نتيجة فحصهم للعقلية المتخلفة، السائدة عند المسلمين أنهم استقصوا مختلف العناصر المكونة لها، والمسببة لطبيعتها المتخلفة، ثم لم يجدوا عنصرا عقليا مؤثرا في وجود التخلف عند المفحوصين إلا العنصر الديني وما يتعلق به?. مثل هذا النهج من تحليل الأشياء، هو الذي يستطيع أن يجوز إطلاق أحكام من هذا القبيل، لكي لا تكون أحكاما جزافية مبتسرة؛ وتكون ذات تأصيل علمي قويم؛ والملاحظ أن الذين يطلقون أحكاما ترتبط بين الدين والتخلف في المجتمعات الإسلامية، تجدهم في عدة أحيان، إما جزافيون في إطلاقاتهم هذه، وإما تنقصهم النزاهة العلمية الكافية التي تملي عليهم التزام التثبت والتحري خصوصا إذا كانوا قادرين عليه؛ لكن هناك وجها من النظر في الموضوع، أشرنا إليه من قبل، ويبدو أكثر تعبيرا عن الحقيقة القائمة، وإن كان البعض من يربطون الدين بالتخلف، لا يلتفتون إلى هذا الوجه، ولا يعيرونه اعتبارا؛ ذلك أننا إذا أمعنا النظر في أبعاد التخلف الموجود وأوضاعه بالبلدان الإسلامية فلا شك أننا واجدون بكل بساطة، أن الفكرة الدينية، توجد هي نفسها ضحية التخلف الفكري المنتشر بين المسلمين؛ إن القيم الدينية- وإن كانت تظهر على صعيد المجتمعات الإسلامية، موسومة بسمة التخلف، فليست هي العامل المؤثر في وجود الحالة، وإنما هي- ككثير غيرها من المقومات الحضارية الأصيلة عند المسلمين، قد نالها من التخلف ما نالها، فإذا هي نفسها متمظهرة بهذا المظهر المتخلف، وإذا هي صورة من عدة صور لا حصر لها تتضافر كلها على تشكيل الصورة الكبرى الشاملة، لواقع التخلف في العالم الإسلامي الراهن.
هذه نظرة إلى الموضوع، قد تعلل جانبا منه ولو تعليلا جزئيا، وربما تكون أقرب إلى الواقعية من غيرها، مع إمكانية أن يوجد غيرها من وجوه النظر ما يعلل الظواهر الملاحظة بصدد ما نحن فيه- تعليلا أكثر واقعية وموضوعية؛ وليس الذي يعني في هذا المضمار المفاضلة بين التعليلات، بقدر ما يعنينا أكثر، التوصل إلى حقيقة منطقية وأكثر انطباقا على طبيعة الحالة الموجودة؛ وطبعا، فإن التوصل إلى هذه الحقيقة، لا يتم بمجرد إنكار القول بأن الدين كان علة تاريخية في حدوث التخلف في العالم الإسلامي المتخلف؛ إنما هناك نقطة أكثر أهمية بهذا الشأن، وتتعلق بالمستقبل، وهذه النقطة هي: بصرف النظر عن الترابط- تاريخيا- بين الدين والتخلف، فما ذا عن المستقبل؟

إن المسلمين يدخلون الآن عصر التقنولوجيا، بكل أبعاده المتشابكة، فهل عليهم أن يتخففوا شيئا من ترائهم الديني لكي يستطيعوا مسايرة العصر وما يقتضيه من تطور عقلي وعملي بعيد المدى بقدر كبير؟ وبعبارة أخرى: إذا كان المسلمون يسيرون كبقية شعوب العالم الثالث في طريق التطور والإنماء، فهل يقف الدين بالنسبة إليهم كعبء يتحملونه في مسيرتهم الطويلة هذه؟ وهل القيم الدينية في هذه الحالة شيء زائد لا يفيد في شيء؟

إن الصفة الإسلامية للشعوب المتخلفة في العالم الإسلامي، تفرض هنا إقامة بعض الفروق في البحث بين المسلمين وغير المسلمين. إن المسلمين المتخلفين، يعانون حقيقة من حالتين مزدوجتين من التخلف التخلف في النطاق العقائدي الديني، والتخلف العام في مضمار الحياة الاقتصادية وغيرها، هاتان الحالتان من التخلف قد نربط بينهما- تاريخيا- فنتصور إمكانية أن يكون أحدهما علة في وجود الآخر، ولكن ليس هناك- كما أسلفنا- ما يسند القول أن الفكرة الدينية- بصورتها السليمة- كانت علة وجود التخلف العام عند المسلمين، بل العكس هو الصحيح، لا نؤكد هذا بدافع التعصب الديني، ولكنها حقيقة علمية تاريخية ملحوظة، تظهر دلائلها من فحص التطورات البطيئة التي أدت إلى نشوء حالة التخلف في المجتمعات الإسلامية خلال القرون السبعة الماضية؛ أما وجه التشارك بين الدين والدنيا في موضوع محاربة التخلف وسعي المجتمعات الإسلامية من أجل تطوير نفسها بنفسها، فيظهر ذلك في كون هذه المجتمعات عليها واجب العمل التطويري من هذا القبيل، في كلا الميدانين: الديني وما يرتبط به من ملابسات عقلية وغيرها، ثم ميدان الحياة المادية، وما يتصل به من موضوعات اقتصادية وسواها؛ إن التخلف عند المسلمين ذا صفة شاملة ومتشعبة، وبالاستنتاج من ذلك، فإن عملية التطوير المستهدفة تصفية هذا التخلف، لابد أن تكون- بالضرورة- على نفس الدرجة من الشمول والتشعب، فهل يمكن أن يفهم من هذا أن مهمة محاربة التخلف عند المسلمين أشد منها صعوبة عند غيرهم؟ باعتبار أن هناك حالة ازدواج تخلفي عند المجتمعات الإسلامية، تقتضي- بالنتيجة- بذل مجهود مزدوج أيضا لإمكانية تصفية هذا التخلف المزدوج؟ ربما يظهر داع للاستنتاج على هذا النحو عند بعض الناس، الذين قد يرون الأمر من زاوية نظر غير مرنة؛ لكن هل توجد القضية بالضرورة على هذه الصورة دون غيرها، فلنحاول إذن أن نعيد النظر في الأمر من هذا الجانب بالأخص، فماذا نرى حينئذ؟ ولكي نرى شيئا يجب أن نلقي على أنفسنا هذا السؤال: هل من اللازم أن يكون بين التخلف الديني، والتخلف الدنيوي، فارق في الجوهر والأساس حتى نعتبرهما- كما قد يظن- حالتين منفصلتين تماما، تحتاج كل حالة إلى مجهود خاص لمعالجتها؟ وهل من ضرورة لوجود فارق من هذا المعنى بين الحالتين: حالة التخلف الديني، وحالة التخلف الدنيوي؟ إن الحقيقة التي لابد أن تتبين لنا من التأمل في الموضوع، هي أن حالة التخلف، ليس من الضروري أحيانا أن تكون حالة واحدة، وإن كانت لها عوامل متعددة، وأوجه وصور مختلفة، فالتخلف هو التخلف، ينعكس- كما أسلفنا- على صعيد الحياة الدينية، مثلما ينعكس على صعيد الحياة الدنيوية سواء بسواء، فالتخلف الناشئ عن الانحراف في فهم روح الدين وموجباته الصحيحة، يرتبط ارتباطا صميما بحالة التخلف الفكري العام، الناشئ عن انتشار الأمية وعواقبها كسيطرة الخرافات والمواضعات غير المعقولة وغير ذلك كثير؛ وهذا التخلف الفكري، يتأثر في كثير من الحالات- إن لم يكن في كل الحالات- بحالة التخلف الاجتماعي، وهذا متأثر بدوره بحالة التخلف الاقتصادي وهلم جرا؛ ومن ثم، فإن الذي يظهر، أن محاربة التخلف في ميدان ما من الميادين العديدة التي يتحقق فيها التخلف، من شأنه أن يؤدي- بالنتيجة إلى إضعاف حالة التخلف بمجموع عناصرها المتعددة، مادية ومعنوية، وذلك بمقادير نسبية تتفق مع قيمة الجهد المبذول في هذا السبيل؛ حقا، إن الأعمال المناوئة للتخلف تختلف فيما بينها، بحسب التخلف القائم والصبغة التي يكتسيها، فتجد مثلا أعمال إنماء اقتصادي لتصفية حالة التخلف   الاقتصادي، وأعمال إنماء اجتماعي لإقصاء بذور التخلف الاجتماعي، وهكذا؛ غير أن وجود تجزئة كهذه، تصنف على أساسها أحوال التخلف والإنماء، بحسب صلتها بالمادة والإنسان فردا ومجتمعا- مثل هذه التجزئة، لا تمنع من ملاحظة التداخل الدقيق القائم بين جميع أحوال التخلف جميعها من جهة، وبين كافة صور الإنماء كلها كذلك من جهة ثانية.  

وكل هذا يقودنا إلى موضوع التخلف الديني، وعلاقته بالتخلف الدنيوي عند المسلمين، فالتخلف الديني لا يشكل- كما أسلفنا- حالة مفردة، وقائمة على حدة، يحتاج تقويمها إلى مجهود إنمائي خاص، قد يضاعف من مسؤوليات العمل الإنمائي ويزيد من تعقيدها، وإنما هو، أي التخلف الديني، مجرد صورة منعكسة عن حالة التخلف العقلي العام عند المسلمين؛ إذن فالعمل الإنمائي في شأنها، إن هو إلا جزء عادي من عملية الإنماء الفكري التي ترتبط هي بدورها بجميع عمليات الإنماء التي يجب أن تقوم في شتى المجتمعات داخل المحيط العالمي الإسلامي؛ بل إن عملية الإنماء الفكري الإسلامي، من شأنها أن تقوم كعامل مساعد، عوض أن تقوم كعامل عبء في هذا المضمار؛ فمن حظ المجتمعات الإسلامية أن العقيدة التي تأخذ بها، تنطوي في مضمونها على حوافز قوية ضد التخلف، بمختلف أشكاله وعناصره، فهي داعية إلى العمل، حاثة على الكسب، حاضة على الإنتاج، ممجدة للسعي واتخاذ المبادرة وبذل الجهد آمرة بالتعاون والتضافر، مشيدة بالعلم والتعلم والتبصر، مادحة للتحصيل والتوفير والتنظيم والتنسيق، مشعرة بضرورة تحقيق القوة، ما كانت الحياة وناموس الاجتماع داعيا إلى قسوة؛ والحفاظ على الصحة، باعتبارها مقدرة للمرء على ممارسة شؤون دينه ودنياه: المرء السليم، النظيف، النشيط، الإيجابي في استخدام مقدراته البدنية والعقلية، وكل هذا وغيره كثير مما تشعه روح العقيدة الإسلامية، كما تؤكدها النصوص المتواترة- من شأنه أن يجعل من هذه العقيدة أداة مطواعا، لتحقيق حالة الإنماء المادي والمعنوي في شتى المجالات، وهذا- كما نلحظه جميعا- من بين الحظوظ الجيدة التي تتوافر لقضية الإنماء والتطوير بالمجتمعات الإسلامية، إذ إنها لا تعاني في طفرتها الإنمائية، نفس الصعوبات الاعتقادية و "الطقوسية" التي تعاني منها مجتمعات أخرى تتمسك بقيم دينية، يعسر التوفيق دائما بينها وبين مقتضيات التطوير المراد تحقيقه، فإذا تقرر هذا، فلا بد أن يتقرر معه- بالنتيجة- إلا معنى إطلاقا للقول بإمكانية وجود صعوبات أمام التطور الفكري في حظيرة المجتمعات الإسلامية، نظرا لما لهذه المجتمعات من ارتباطات روحية أو ما في معناها؛ ولا بد أن يتقرر في مضمون ذلك أيضا أن التخلف الذي ينوء تحت وطأته المسلمون ليس حتمية مفروضة، غير قابلة للإلغاء الجذري، لكن لماذا يبدو مظهر التخلف شديدا إذن في حظيرة العالم الإسلامي، ما دام أنه لا توجد عراقيل اعتقادية تحول دون إلغائه؟ وما دام أن هناك عملا متواصلا ضد الأحوال المتخلفة في مختلف بلدان المسلمين؟ إن عمق أبعاد التخلف- عند المسلمين هو في درجة نفس العمق الذي عليه حالة التخلف في جميع أقطار العالم الثالث؛ والتخلف القائم في مجموع هذا العالم الثالث، هو- كما ذكر- نتيجة تطور تاريخي بعيد المدى، يدخل بعمومه، في حركة الحضارة وتقلباتها بين الشرق والغرب؛ فليس غريبا أن يؤول أمر الشرق (بالمفهوم الأكثر سعة لهذا التعبير) أن يؤول إلى بوار حضاري، وقد كان الغرب كذلك، على درجة من التخلف يوم كانت دينامية الحضارة تكاد تكون متركزة في الشرق؛ غير أننا إذا تأملنا في أصول التخلف الشرقي الحاضر، وما يتسم به من مظهر معقد يبدو به الآن، فإننا سنلحظ، أن مرجع ذلك ناشئ عن تضافر عاملين كبيرين في هذا المجال، أولهما أن التخلف الشرقي، صادف تبلور كل الجهود الحضارية الإنسانية من فجر التاريخ وتكاملها على أيدي الأوربيين المحدثين، فصار الفارق بذلك أبعد ما يكون بين الشرق والغرب (ثانيها، الاستعمار الذي استغل وجود هذا الفارق ليصادر مقدرات الشعوب الشرقية، ويبقيها طويلا ضعيفة مهزوزة، وقد عاشت هذه الشعوب هكذا في مجرد صراع ضد الاستعمار، ومن ثم كان مبدأ الخطورة في حالة تخلفها الراهن؛ وإذا كانت مكافحة التخلف لا تعطي ثمارا سريعة الآن، فلأن الداء كان أبعد غورا من كل ما يتصور.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here