islamaumaroc

الربا والفائدة في الشرائع الإسلامية واليهودية والمسيحية وعند الفلاسفة والاقتصاديين (لعلاء الدين خروفه)

  دعوة الحق

104 العدد

الأستاذ علاء الدين خروفة من الباحثين الكبار الذين يهتمون بالموضوعات الإسلامية ولاسيما تلك التي تهم الأحوال الشخصية والقضايا المدينة في المعاملات الإسلامية.
ولقد شاءت الصدف أن أتعرف على هذا الإنسان الذي يمتاز بدفاعه عن الإسلام ومحاربة كل الأمراض التي تطغى على المجتمعات الإسلامية، والربا في نظره مرض وبيل وداء عضال لا يصيب مجتمعا من المجتمعات إلا أنهك قواه وفرق شمله وأرهق أعضاءه.
لذلك تفرغ الأستاذ خروفة لدراسة «الربا والفائدة» في مختلف الشرائع والديانات، وقد كانت حاصلة جهوده، هذا الكتاب الذي نحن بصدد عرضه والتعليق عليه، هذا الكتاب هو عبارة عن محاضرة ألقاها سيادته أمام أعضاء جمعية الاقتصاديين العراقيين «فرع البصرة». وقد نوهت الصحف بكتاب «الربا والفائدة» فقالت عنه صحيفة العهد الجديد العراقية «أنه أول كتاب يقنع القارئ ويبعده عن المعاملات الربوية» ونظرا لكثرة التعليقات عن هذا الكتاب القيم كتبت لصديقي علاء الدين أطلب منه كتابه الربا والفائدة، فلبى سيادته طلبي فبعث إلي مشكورا مجموعة من مؤلفاته من ضمنها الجزء الأول والثاني من كتاب الأحوال الشخصية والكتاب الذي طلبته. وقد ذيل كل كتبه بعبارات مجاملة أشكره عليها، وكتاب الفائدة و الربا يحتوي على 148 صفحة من الحجم المتوسط قسمها المؤلف إلى أزيد من أربعين موضوعا درس من خلاها الربا والفائدة في الشرائع الإسلامية واليهودية والمسيحية وعند الفلاسفة والاقتصاديين، وقد توصل سيادته إلى نتيجة هامة وأساسية وهي أن جميع الديانات تحرم الربا والفائدة ولا تقبل المعاملات الربوية مهما كانت الظروف والأحوال.
وقد حاولت مرارا أن أعلق على هذا الكتاب القيم ولكن ظروفي في العلم والتحصيل لم تسمح لي بدراسة هذا الكتاب دراسة عميقة حتى يكون التعليق أيضا في مستوى موضوعات الكتاب.
وقد رأيت من اللازم أن أقوم بواجبي نحو مؤلف هذا الكتاب ونحو قراء هذه المجلة الإسلامية الذائعة الصيت، فأقدم لهم في عرض وجيز ما تضمنه كتاب الربا والفائدة من معلومات مفيدة.
لقد استهل المؤلف كتابه بقوله: «ان الإسلام عقيدة وأنظمة... اجتماعية واقتصادية وسياسية... لقد شرع الصلاة ليضمن بقاء الإنسان على صلة دائمة بخالقه الأعلى، وشرع الصيام لحكم كثيرة منها بدنية ومنها دينية، وشرع الحج لمنافع دينية ودنيوية وأخروية، وشرع الزكاة ليضمن تعاون الغني معثم أخذ بعد ذلك يشرح كلمة ربا في اللغة وفي المفهوم وقد أعطى أمثلة كثيرة من القرآن والأحاديث والأشعار ومن الكتب السماوية الاخرى وأقوال بعض الأئمة المسلمين المعاصرين للنبي (ص) وغير المعاصرين ففصل أولا مفهوم الربا في الجاهلية فقال: «روى مالك عن زيد أبي أسلم في تفسيره آية آل عمران قال: كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل حق إلى أجل، فإذا حل قال أتقضي أم تربي، فإذا قضى أخذ وإلا زاده في حقه وزاد الآخر في الأجل. ذكره الحافظ في الفتح» وهذا ما يعرف (بربا النسيئة) أي أن الدائن يؤخر دينه والمدين يزيده في المال وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده ألفا مؤلفة.
وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدري (ض) عن النبي (ص) : لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني اخاف عليكم الرماء) (1) فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة.
وقد شرح المؤلف –وبكيفية دقيقة ومقنعة- الفرق بين ربا النسيئة وربا الفضل، معتمدا في ذلك على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، مشيرا إلى أن القرآن حرم الربا تحريما أشد ولهذا قال تعالى في سورة البقرة آية 278-279: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله» والآية الكريمة تشمل ربا النسيئة وربا الفضل معا.
وجاء في كتاب (الكبقر) قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة. وقال «الذين يأكلون الربا لا يقدمون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس».
وبعد ذلك تطرق الأستاذ خروفة إلى أقوال بعض الفقهاء في الربا خصوصا أقوال الحنفية، والشافعية والإمامية، والمالكية الحنابلة، ففصل قول أنصار كل مذهب على حدة فخرج بنتيجة واحدة وهي أن جميع المذاهب تحرم الربا ثم تساءل المؤلف لماذا حرم الإسلام الربا؟
«هل للإسلام عداء مع طائفة من أتباعه، وبعبارة صريحة: هل الإسلام يحارب الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال أو هل هو في حاجة إلى مجاملة الفقراء على حساب الأغنياء، -كلا- إن الإسلام لم يحارب طبقة من الطبقات في مجتمعه وإنه لم يجامل طبقة على حساب طبقة أخرى كما أنه لم يرد تعطيل الاعمال وشل الحركة التجارية إنما هو تشريع عام صالح لكل زمان ومكان يهدف إلى خير المجموع، لأنه جاء للعاملين كافة ولم يأت للفقراء بمفردهم كما أنه لم يأت للأغنياء بمفردهم ويم يرد أن تطغى طبقة على طبقة ولذلك حرم الربا».
ولكن هل الإسلام وحده من بين الديانات الأخرى حرم الربا؟ كلا فقد حرمت الديانات الأخرى الربا تحريما قاطعا. فالديانة النصرانية تحرم التعامل بالربا بين النصارى مع بعضهم وبين النصارى وغريهم. وهذا هو نص الإنجيل في تحريم الربا (2) «وإن أقرضتم الذين ترجون أن تستردوا منهم فأي فضل لكم فإن الخطأة أيضا يقرضون الخطأة لكي تستردوا منهم المثل»
ويقول المؤلف «بأن الجماع منعقد بين الكنائس جميعها على تحريم الربا» فلقد ثارت الكنائس حين أراد بعض المرابين استباحة الفائدة فلم ترض الكنيسة ولم تسمح بذلك. ولقد سجل الزعيم المسيحي (لوثر) موقفا خالدا حينما نادى بتحريم الفائدة وأعلنها حربا شعواء على المرابين حيث قال: «ان هناك أناسا لا تبالي ضمائرهم أن يبيعوا بضائعهم بالنسيئة في مقابل أثمان غالية تزيد على أثمانها ... بل هناك أناسا لا يحبون أن يبيعوا شيئا بالنقد ويؤثرون أن يبيعوا سلعهم جمعا بالنسيئة. ان هذا التصرف مخالف لأوامر الله مخالفته للعقل والصواب».
وعن تحريم الربا في الديانة اليهودية جاء في الإصحاح الثاني والعشرين من صفر الخروج عدد (25) ما نصه: «إن اقرضت لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له مرابي» وفيه بعد ذلك« ان ارتهنت ثوب صاحبك فإلى غروب الشمس ترده إليه.. لأنه وحده غطاؤه، هو ثوب لجلده.. في ماذا ينام؟». وجاء في سفر التثنية بالإصحاح الثالث والعشرين: «لا تقرض أخاك الإسرائلي ربا، ربا فضة أ ربا طعام، أو ربا شيء مما يقرض بربا».
وجاء في كتاب المقارنات والمقابلات بين أحكام
المرافعات والمعاملات والحدود في شرح اليهود ونظائره من الشريعة الإسلامية الغراء تأليف محمد حافظ صبري ص 478: «الربا محرم تحريما مطلقا بين اليهود وبعضهم فيما يقترضه بعضهم من بعض. ومن تعامل به مقرضا كان أو مقترضا فجزاؤه الخروج من ملة اليهود».
وهكذا تحرم الديانة اليهودية الربا أيضا في كتابها المحرف. ولكنها تحرمه على طريقتهم الخاصة – بين اليهدي واليهودي – وتبيحه بين اليهودي وغير اليهودي.
وجاء في الإصحاح (3): «للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب آلهك في  كل ما تمتد إليه يدك» وإنما تفرقة ما أنزل الله بها من سلطان ولا أتى بها إنجيل أو توراة أو قرآن، ولكنهم اليهود الذين يحرفون الكلم عن موضعه وينسون خطأ مما ذكروا به، ومن هنا انطلقوا فأكلوا الربا من غيرهم وملاءوا العالم ربا في الشرق والغرب والشمال والجنوب، وتوسلوا بشتى الأساليب، ولم يتورعوا عن سلوك كافة الطرق للحصول على المال ولذلك نعي القرآن الكريم عليهم حيث قال «فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، ويصدهم عن سبيل الله كثيرا، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل، واعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما».
ولقد ذكر المؤلف أمثلة كثيرة عن المجالات الاقتصادية التي سيطر عليها اليهود في العالم منذ الأزمنة القديمة حتى الآن صار الاقتصاد العالمي لقمة صائغة في أيديهم نظرا لخروجهم من تعاليم الديانة اليهودية.
وبعد ذلك انتقل المؤلف إلى الربا عند الفلاسفة فتساءل هل هؤلاء نادوا هم أيضا بتحريمها فأتى بأقوال أهم الفلاسفة في الربا فذكر بأن (أرسطو) و(أفلاطون) و(سولون) و(سان توماد كان) وغيرهم كلهم نادوا بتحريم الربا. فأرسطو يقول «الأرض يمكن أن تخرج نباتا، والدابة يمكن أن تلد دابة مثلها، ولكن كيف يتصور أن يلد الدرهم والدينار درهما آخر... لقد خلقته الطبيعة عقيما ويجب أن يبقى كذلكذ» (4).
ومن هنا نفذ المؤلف إلى موضوع آخر وهو سعر الفائدة في مختلف دول العالم: في أمريكا، وانجلترا، وفرنسا، وفي البلدان الأخرى فقال «وليست البلاد العربية من حيث انتشار الربا – بأسعد حالا من سائر بلاد العالم وبأن جشع المرابين الشرقيين لا يقل عن جشع المرابين الغربيين».
وينتهي المطاف بالأستاذ خروفة إلى الفائدة وظهورها ورأي الاقتصاديين فيها فأتى بقول الاست فائز الخوري في كتابه: «مقابلة بين الحقوق الرومانية والحقوق الإسلامية والفرنسية والأنجليزية» ص 338 «كانت الحقوق الرومانية أول حقوق أقرت جواز الفائدة واعتبرتها مشروعة ويسمونها Intérêt usure على أنها لم تكن واجبة في كل قرض بل كان يتفق عليها بين القرض والمستقرض بعقد مستقل عن عقد القرض يتم بطريقة التعهد Stipulation ولا يكفي لوجوب الفائدة تراضي الطرفين حماية للمستقرض وحذر استبدال المقرض وظلمه».
هذا من ظهور الفائدة. لما عن رأي الاقتصادي فيها فيقول المؤلف: «لقد دعا إلى الفائدة وأيدها وتحمس لها كثير من علماء الاقتصاد من بينهم : (ميكافلي) (وبودان) (وسيرا وتوماس من). (وهنري جورج) (ومولر) (وألفرد مارشال). (وفلين). (وجون كوفنر). (ورريزلي ميتشل). و(غالفريدو وبوهم وباروك). ومن أئمة المذهب الطبيعي نذكر (كيناي) طبيب لويس الخامس عشر في مؤلفه «الجدول الاقتصادي» ومن ائمة المذهب الحر (ريكاردو. ومالتوس). (وستيوارث ميل) (وجان بانست ساي) في كتبهم الاقتصادية.
وكان ممن عارض الفائدة واستنكرها: «اللورد كينز» الاقتصادي الشهري وكذلك (آدم سميث) الذي يسمونه (أبا الاقتصاد) (1723-1790) ورأي هذا الأخير في ريع الأرض أنه إذا تكاثر في حساب الثروة العامة كان من قبيل الكسب بغير عمل وهو لا يمنع الربح من الديون ولكنه يحده ويستحسن الإقلال من قيمته، أما العلامة (شارل جيد) فقد ذهب في كتابه الاقتصاد السياسي المقرر في بعض الكليات حتى الآن- إلى (أن تحريم الربا من الضروريات في العصور الغابرة والآن) وقد كان لرأيه هذا أثر كبير في الأوساط الاقتصادية.

أما الأستاذ عيسى عبده إبراهيم فيقول «لا كسب بالانتظار، وان العمة في دفع الربا في القرون الوسطى – ثم في يومنا هذا – هي الانتظار ويعبرون عن ذلك بالانجليزية.
وأخيرا تعرض الكتاب إلى المضاربات التي تتخبط فيها الأبناك والمصاريف وصناديق التوفير الوطنية والأجنبية ثم تساءل هل هذه المضاربات والفوائد التي تعود منها، تعد من قبيل الربا أم لا؟ وبعد بحث دقيق قام به المؤلف والتعرض لأقوال الكثير من فقهاء الإسلام أكد الأستاذ خروفة بأن الفوائد التي تجنى من المعاملات المصرفية والبنكية هي ربا لا تختلف عن ربا النسيئة أو الفضل. وهنا ذكر موقف السيد رشيد رضا من الربا الذي ملخصه «أن الربا حرام نهى الله عنه في كتابه»، ثم موقف الأستاذ الأكبر الشيخ محمد شلتوت شيخ الجامع الأزهر رحمه الله من الربا والفائدة حيث عارض الفائدة ودعا إلى إلغائها عام 1950 ولكن ظروف بلاده – يقول المؤلف- جعلته يغير رأيه سنة 1960 بغير ما أفتى به عام 1950 مستندا في ذلك على الأدلة الشرعية وهذا جائز اجتهادا.
ولكن جمهور علماء المسلمين وفي مقدمتهم الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة والدكتور عبد الله درازة رحمه الله والأستاذ الأكبر الشيخ عبد الرحمن تاج عارضوا الفائدة بشدة ودعوا إلى إلغائها لأنها لا تختلف عن الربا في شيء بل هي الربا عينها. وقد أدرج سيادة المؤلف أقوال كثيرة للسادة العلماء الكبار، ونحن نكتفي هنا باجتهاد لجنة الفتوى التابعة للأزهر الشريف التي تضم معظم العلماء الأجلاء المذكورين، فقد نصت اللجنة على (أن أخذ فائدة من رأس المال المودع في بنك أو أحد المصارف محرم لأنه من الربا المحرم بالكتاب والسنة والإجماع) (5). وهناك فتاوى أخرى في الموضوع لا يسع المقام لذكرها.
هذا هو رأي الإسلام الصحيح.. الإسلام الذي لا يحابي أحدا ولا يجامل فئة قليلة على حساب فئة كثيرة، أما الاقتصاديون الذي أباحوا الفائدة فلا شأن لنا بهم ويكفي أننا عرفنا الكثير منهم نددوا بالفائدة وذكرنا أسماء لامعة لمؤسسي الاقتصاد الذين لو علموا أن هناك منافع سيجنيها الاقتصادي من وراء الفائدة لقرروها ولكن أغلبهم استنكروها. فهذا اللورد (بويداور) يقول «أن الفائدة سبب أصيل من أسباب الاضطراب الاقتصادي الراهن» ولكن هل من الممكن أن نعيش في مجتمع بلا ربا؟ ان في استطاعة مجتمعنا الإسلامي أن يعيش بدون ربا إذا اتبع المسلمون تعاليم القرآن والسنة الخالدة من دون الالتجاء إلى تأميم المصاريف أو إلغاء البنوك أو القضاء على رؤوس الأموال كما يظن بعض الاقتصاديين ولعل الزكاة أحسن دواء للقضاء على مرض ربا الفوائد حتى يستغني المحتاج عن الاقتراض بفوائد وليست الزكاة هي الدواء الوحيد بل هناك حلول كثيرة شرعها لنا الإسلام.
هذا هو كتاب « الربا والفوائد» لمؤلفه الأستاذ خروفة وهو كما رأينا كتاب مهم جدا يجدر بك أيها القارئ الكريم أن تعمل على اقتنائه والاستفادة من معلوماته القيمة.

1) والرماء هو الربا، كما قال صاحب القاموس المحبط).
2) انجيل لوقا في الإصحاح السادس بالعدد 34.
3) نفس المرجع (أي الاصحاح الثاني والعشرين من سفر الخروج عدد 25).
4) راجع (قصة الملكية في العالم، للدكتور علي عبد الواحد وافي وحسن شماتة ص 85).
5) فتوى صدرت عن لجنة الأزهر الشريف بتاريخ 16-10-1916 تحت رقم 650 ونشرت بالجدول العشري الأول بعدد 1172.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here