islamaumaroc

حياة الرحالين إبراهيم بن عبد الجبار وابن أخيه

  دعوة الحق

104 العدد

نظمت كتابة الدولة في الشبيبة والرياضة في شهر ماي الماضي موسما ثقافيا بمناسبة مهرجان أسبوعي الثقافة.
وقد شارك في هذا المهرجان الثقافي الحافل مثقفوا المغرب الشرقي من أساتذة ومعلمين عموما ومدينة فجيج الواحة الجميلة الهادئة خصوصا.
ويسرنا أن ندرج في هذا العدد محاضرة قيمة ألقيت بهذه المناسبة عن حياة الرحالين الشهيرين سيدي إبراهيم بن عبد الجبار الفجيجي، وابن أخيه سيدي بلقاسم بن محمد بن عبد الجبار كان قد ألقاها الأستاذ السيد محمد بن عبد الحق الودغيري مدير ثانوية الحسنية....

إن كلمة الثقافة على ما قرره اللغويون، ترادفها الحذاقة، التي هي مشوبة بخفة الانتباه، ومعناها: النباهة والفطانة، وكلمة الحذاقة تدخل على الأعمال الجليلة، وتتجمل بالصناعات الشريفة؛ وفي اشتقاقها ما يوضح ذلك وضوحا لا مزيد عليه،- فإذا قلنا: ثقف (بكسر القاف) يثقف (بفتحه أو ضمه) ثقفا وثقافة، صار حاذقا خفيفا، وإذا قلنا: حذق (بكسر الذال) حذقا (بسكونه)، وحذاقة، كان ماهرا. فهو حاذق، جمع حذاق، وحذق الكتاب تعلمه كله، وحذق العمل: مهر فيه... وحذق الصبي القرآن، مهر فيه حفظا ورسما وتجويدا.- ومنه طبيب حاذق، أي ماهر. وحذق الصانع في صنعته، مهر فيها وصار متقنا لها. – ومن المختار لتفسير الثقافة والحذاقة أيضا، أن تكون بمعنى الجزالة.. التي هي خفة الانتباه، وهذه الخصلة يحتاج إليها- ضرورة- من يتولى الفصل بين الخصوم، كالقاضي ومن في معناه، ليكون مقداما في تطبيق الأحكام وتنفيذها، ولذلك جعلها قاضي القضاة: الشيخ ابن عاصم رحمه الله من شروط أوصاف القاضي الكمالية حيث قال:
واستحسنت في حقه الجزاله
             وشرطه التكليف والعداله

وتستحسن الجزالة أو تكون من قبيل الواجب في كل معلم، وكل من يتصدى للتربية، لتكون بضاعته فائقة نافذة، وحياته في مهنته سعيدة. وبالجملة: فالثقافة تؤل إلى الحذاقة، ثم تنمو بطريق التكوين والاجتهاد، إلى أن تصير نبوغا؛ ومن وصل لهذه الدرجة صار من الذين نوه القرآن الكريم بمقامهم في قوله تعالى: "يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، وما يذكر إلا أولوا الألباب". وبعد هذه المقدمة عن كلمة الثقافة وما تبعها من المترادفات، أتكلم بعون الله للسادة الحاضرين عن عالمين جليلين، مثقفين حاذقين، شاعرين ناثرين، وكل منهما رحالة مشهور، وله في العلم والثقافة أثر مشكور... ؛ وهما: أبو إسحاق سيدي إبراهيم بن عبد الجبار الودغيري أصلا، ثم  البوزوزي الفجيجي، وابن أخيه سيدي أبو القاسم بن أبي عبد الله سيدي محمد بن عبد الجبار، النسب. وقد اخترت في هذه المناسبة الكلام عنهما، إظهارا لما أعفاه الزمن من آثارهما العلمية والثقافية والأدبية، وتعريفا لأهل بلدتهما الفجيجية بما كنا نسمع عن هذين الشخصين الكريمين، من حياة حافلة بالعلم والأدب، وشد الرحال للمشرق والمغرب، لأخذ العلم وتعليمه، وتنويها بما لهما من تراث في هذا الميدان.

فأما أبو إسحاق إبراهيم، فولد بفجيج حوالي عام 860 هجري، وتلقى العلوم الأولية عن والده الإمام الأشهر سيدي عبد الجبار، بزاويتهما العلمية بفجيج، وتلقى بزاوية الونشريسيين بالحمام بفجيج عن العالم الهمام سيدي محمد بن محمد الونشريسي، وعن ابنه سيدي سليمان، وتلقى عن فقهاء الزاوية الكبيرة بقصر بني سكون بفجيج، وبخاصة عن شيخ الجماعة بها: الشيخ عبد الحق بن محمد الذي كان موته سببا في هجرة سيدي إبراهيم، كما سيأتي في محله. وتلقى في معاهد قصر الودغيريين بفجيج عن أولاد الولي الصالح، القاضي سيدي محمد بن محمد الرشيدي وغيرهم.

ثم رحل لكلية القرويين بفاس فدرس بها، وأخذ علوم جمة عن علمائها، كالشيخ ابن الحسن الصغير وابن غازي والونشريسي الذي هو من أقارب الونشريسيين الموجودين بفجيج.

ثم رحل مرارا لتلمسان وأخذ عن جلة شيوخها، كالإمام السنوسي، وابن مرزوق، والعقباني، والتنسي، وكان يطيل المقام بتلمسان للتدريس بها، وخصوصا في شهر رمضان من كل سنة، وانتفع به في تلك الجهة خلق كثير.- ثم رحل إلى الشرق خمس مرات للحج وزيارة الحرمين الشريفين، وأخذ في رحلته في مصر عن الإمام السيوطي، والبساطي، وأبي النجار الحنفي، وبالمدينة المنورة عن السخاوي والأشموني وأبي إسحاق إبراهيم اللقاني صاحب جوهرة التوحيد... وغيرهم وله عن الجميع إجازات ومناولات ومسلسلات، وأطلقوا له القول في الجميع؛ وكلامه في نثره ونظمه يشهد بغزارة علمه، وجودة قريحته، وقوة ذكائه، وسلاسة طبعه، وعذوبة ألفاظه.

وتولى القضاء بفجيج وناحيته في ظروف ذكرها بنفسه ولم يذكر تاريخها، وإنما أشار إليها في مقدمته لنظم السلوانية؛ ولعل ذلك كان وقت شبابه المشرف على كهولته قبيل عام 900 هـ ويشير فيها أيضا إلى حياة والده سيدي عبد الجبار في ذلك الزمان؛ والذي استلفت الأنظار إليه بوجه خاص في زمانه، هو أنه مع ما كان عليه من القيام بدروس التربية، وخطة القضاء والكسب لأنواع الأنعام، والاشتغال بالفلاحة... ؛ كل ذلك لم يصده عن الخروج للصيد في مهامه الصحراء، مما جعل أهل وقته يعيبون عليه، لجهلهم بما له في تعاطي الصيد من المقاصد الحسنة، والمنافع الحسية والمعنوية. ينبغي لنا الإصغاء إليه رحمه الله بكل اهتمام، ليحدثنا بنفسه عن الصيد وأحسن طرقه ومحاسنه، ورده (في نفس قصيدته) على الجاهلين لمنافعه.

قال رحمه الله: فلما ألفت السياحة في البراري وقنص الوحوش في مهامه الصحارى، والتفكر في مصنوعات الباري، فلا قيل ولا قال، ولا همج ولا ثقال، ولا جمام يسلب الهيبة كما قال:
وطول جمام الماء في مستقره
            يغيره لونا وريحا ومطعما

كان مما اخترت الاصطياد به، لنزاهته وطهارته، ودرابته ونجابته: الصقر دون الكلب، لحقارته وقذارته، وقلة نباهته، وسرعة إجابته؛ وكنت أقول: "صقر وقور، خير من كلب عقور"، لاسيما وقد يدل على مقتنيه بنباحه، في موضع يخاف فيه سوء صياحه؛ فأطلق الغوغاء ألسنتهم، وشن الجفاة غارتهم، وسن الحفاة العراة أسنتهم، فقلت على جهة التعريض، وإن كنت لا أحسن القريض، مستفتحا بحمد الله، ومستنجحا بالصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا ونبينا ومولانا محمد ابن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أبدا ما دام ملك عدد خلق الله:  

يلومونني في الصيد والصيد جامع
               لأشياء للإنسان فيها منافع
فأولها كسب الحلال أتت به
               نصوص كتاب الله وهي قواطع
فصحة جسم ثم صحة ناظر
               وأحكام إجراء السوابق رابع
وبعد عن الأرذال مع صون همة
               وإغلاق باب القيل والقال سابع
وأيضا لعرض المرء فيه سلامة
               وحفظ لدينه وذلك تاسع
وفيه لأهل الفضل والدين عبرة
                   وتذكرة لها لديهم مواقع
ويورث طيب النفس والجود والسخا
                   ويألف منه الصبر من هو جازع
وينفي الهموم المهرمات عن الفتى
                   ويقمع وقد الشيب كي لا يسارع
ويورث عند الالتحام شجاعة
                   وفيه من السر الخفي بدائع
كرعي نظام وافتقاد رعية
                   وحفظ جناب من عدو ينازع
وتدبير أمر العيش والفتك بالعدا
                   وصيد أسود الإنس والوحش تابع
إذ الحرب خدعة وكيد فربما
                  تحيل بالقنص الدهاة التبابع
فأظفرهم بكل عاد معاند
                 على غرة فدرجته الضراجع  

عدد أبيات هذه القصيدة 214 وتشتمل هي وشرحها على مشروعية الصيد من الكتاب والسنة. ويوضحان ما في تعاطي الصيد من المنافع التي لا تحصى، مع تطبيقات مرتبطة بين الوقائع والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وفيها تصوير للملاحم وتدبير الأمور الحربية، مما لا غنى للجندي وكل وطني غيور عنها، إلى ما فيهما من الثقافات والآداب العالية والنصائح الغالية؛ يحتاج إليها كل معلم وطالب، ليتحلى بها في حياته العادية، وحياته الفكرية؛ على أن قارئ القصيدة مع الشرح، يحس كأن أحد المؤلفين يتحدث إليه بلهجة صادقة تربوية مغناطيسية تنفذ إلى القلب، ثم يشع منها ضوء على الفكر.

وفي عام 904 هـ تم مترجمنا سيدي إبراهيم الفجيجي، أرجوزته: "المفيدة" في العبادات والعقائد والأخلاق، قل من نسج على منوالها، عدد أبياتها 817، ابتدأها بقوله:

يقول راجي رحمة الغفار
             إبراهيم بن عابد الجبار
الحمد لله الذي بحمده
             نيل مزيد فضله في وعده
وبعد فالقصد بهذا الرجز
            نظم نفائس بلفظ موجز
من درر المفروض والمسنون
           وما له يحتاج كل حين

وقال في خاتمتها: 
هنا انتهى القول وتم القصد
           بحول من يوتي الهدى ويرشد
وذاك في العاشر من شعبانا
          سنة تسعمائة حسبانا
وأربعا من بعدها، تخلت
         أو زدت أو قدمت أو أخرت

إلى آخرها، وله رحمه الله قصيدة يرثي بها بعض أهل الفضل، الحائزين قصب السبق في العلم والعمل والعدل في زمانه، ذكرها سيدي بلقاسم رحمه الله في شرح السلوانية. 

سبب هجرته رحمه الله إلى السودان
كان أحد شيوخه وهو الشيخ عبد الحق السكوني من فقهاء الزاوية الكبيرة، قاضيا مبرزا، ومفتيا مقصودا، فاعتدى عليه أحد السفهاء فقتله بسبب فتيا شرعية ضده، ولا يخلو زمان ومكان من سفهاء يجرهم الحمق لارتكاب مثل تلك الجريمة.. ؛ فغضب تلميذه الرحالة سيدي إبراهيم لهذا العمل الشنيع، وهجا ذلك المفسد وعاتبه عتابا حارا بصيغة الجمع في قصيدة نوه فيها بوجوب الهجرة إلى الله، والرحيل من جوار من تغيرت بسببهم البلاد، ولم يقم فيها من يردعهم عن الغي والفساد؛ وهذه أبيات منها:

تغيرت البلاد واحلولك الليل
              وشب ضرام الشر وانهمر السيل
وآن الرحيل من بلاد تآمرت
              بها المفسدون واستمر بها الهول
أتسكن أرض ليس ينهى سفيهها
              ولا يتقي فيها قصاص ولا عدل
ولا يأمن الأخيار شر شرارها
              على خطر يبقى بها من له الفضل
تعين فرضا أن يهاجر عنهم
              إلى الله من له البصيرة والعقل
فتكتم بعبد الحق لا در دركم
              على قوله للحق وهو له أهل
هنيئا له نيل الشهادة منكم
              وويل لكم من حاكم حكمه العدل
نهينا عن الرهبان من غير ديننا
             فكيف بأهل الدين جاءكم الويل
فإن يشكوكم خلق إلى خلق مثلكم
             فإنا شكوناكم لمن ما له مثل
قال سيدي بلقاسم في تعليقه على القصيدة، وعبد الحق هذا... المفتوك به، هو عبد الحق بن محمد بن عبد الحق السكوني نسبا، الفجيجي مسكنا، أحد الأئمة القائمين بالعدل الدائم، الصادعين بالحق الملائم، ولا يخاف في الله لومة لائم، أجزل الله ثواب فتكته، وأفاض علينا من بركته؛ هـ تعليق سيدي بلقاسم

وفي أثناء حرارة موت شيخه المذكور، قام بترحيله من ضريحه الذي دفن فيه أول مرة ودفنه في محل آخر، وبنى عليه ضريحا متواضعا لا زالت جدرانه قائمة لحد الآن قرب ضريح سيدي بن هلو السكوني، ثم بعد ذلك شد الرحيل وهجر من فجيج حوالي عام 920، وصحب معه أهلا وذرية، وترك بمنزله بفجيج أهلا وذرية. وبينما هو في طريق هجرته مارا ببلاد توات، إذ شاهد من أناس بها تعظيما ممقوتا لليهود القاطنين هناك بصفة ينكرها الشرع الكريم، ويمجها العقل السليم، وفي ذلك يقول ابن أخيه سيدي بلقاسم رحمه الله: وللناظم رحمه الله قصيدة لامية في معارضة أهل توات من بلاد الصحراء، وفقيههم العصنوني التلمساني، والرد عليهم حين صح عنده إكرامهم لليهود بها، وتعظيم قدرهم لديهم فيها، وإباحتهم إياهم من الأمور ما منعهم منه الشرع العزيز، نظرا إلى ما يصيبونه من دنياهم، فجعلوا ذلك ثمن أخراهم، ورضي بذلك أعلمهم وأعلاهم، كما رضي به أجهلهم وأدناهم، فعاتبهم على ذلك غاية العتاب، وحذرهم على سوء المنقلب وشر المئاب، فلم يبق فيها رحمه الله ولم يذر، ما يبيح عنهم وعن غيرهم غياهب الظلام والكدر، وصيرهم عبرة لمن اعتبر، مع أنه رحمه الله مستغرق الأوقات بالأسفار، وقل بلد لم يطأه من سائر الأقطار، انتهى تعليق سيدي بلقاسم.

غير أنه لم يذكر أي محل كان فيه اليهود هناك، لأن توات قطر شاسع، واليهود كانوا في نقطة قليلة منه فقط. - ثم واصل هجرته إلى أن انتهى به السير في مدينة جني التي هي مملكة برنو في ذلك الزمان. وهناك استأنف أعماله الصالحة من نشر العلم وتعاطي طرق الكسب الحلال، وعاش هناك في السودان ما يزيد على الثلاثين عاما. ثم توفي وترك ذرية مشهورة، وله ضريح بزار، رحمه الله رحمة واسعة. 

أما تاريخ وفاته بالضبط فلم نعثر على تحقيقه، وقد قيل أنه توفي قبل وفاة أخيه سيدي محمد بنحو العامين، أو بعده بعامين، وأخوه سيدي محمد الذي هو أصغر منه توفي بفجيج في رمضان عام 956 هجري، كما هو ثابت في عقد حبسه النموذجي الأثري، المكتوب في رق غزال، وعليه ظهير الموافقة والثبوت من السلطان المقدس مولانا الحسن الأول رحمه الله، وعلى هذا تكون وفاة سيدي إبراهيم في السودان حوالي عام 958، وفي عمره إذ ذاك نحو 98، وقد هدى الله لدين الإسلام على يديه خلق كثير من السوادين، فكان هذا العمل من حكمة الله البالغة في هجرته رحمه ورضي عنه. 

أبو القاسم
أما ابن أخيه سيدي أبو القاسم بن محمد بن عبد الجبار الرحالة، الحاج، المجاهد، فقد كان مثله: قاضيا وكسابا، وفلاحا وصيادا، ورحالة محصلا للعلم، نفاعا به أينما حل وارتحل.

وقد تلقى أولا عن والده سيدي أبي عبد الله محمد بن عبد الجبار بفجيج، ثم رحل في حياة أبيه لزيارة الحرمين الشريفين، ولقي في رحلته علماء بالقيروان والإسكندرية، وفي الأزهر ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، وكذلك في القدس والشام، وأخذ عن شيوخ تلك البلدان، غير أنه لم يحضرنا في هذه الساعة من أخذ عنهم هنالك؛ ولما رجع من رحلته تصدر للتربية مع أبيه في زواياهم العلمية، وكانت مجالسه بفجيج يضرب بها المثل.

ثم رحل إلى تلمسان وأطال المكث فيها، رغبة من سكانها؛ ولذلك السبب عده الأتراك  الحاكمون فيها في عدد العلماء الجزائريين الذين بلغوا درجة النبوغ، كما ذكره الأستاذ أحمد توفيق المدني في مؤلفه عن عهد: محمد عثمان باشا داي الجزائري، المطبوع في سنة 1356 هجرية صفحتي 76-78، حيث قال: أبو القاسم ابن أبي عبد الله بن عبد الجبار الفجيجي البرزوزي المتوفى (1021)، تخرج عن ابن غازي والونشريسي والسنوسي وابن مرزوق، وكان بحرا في العلم لا ساحل له، مع صلاح وزهد وتقوى وورع، ونفع بعلمه وصلاحه جمهورا عظيما من الأمة. ا هـ. ثم رحل إلى زاوية تمكروت الناصرية بوادي درعة، وأخذ عن شيوخها وأخذوا عنه، وأتى منها بكتب علمية نفيسة؛ وكم من مرة شد الرحلة لمراكش وفاس للأخذ عن العلماء، وكان يطيل المقام بالخصوص في القرويين للتدريس بها، وممن أخذ عنه هناك: الشيخ عبد الواحد بن علي بن عاشر ناظم المرشد، المتوفى عام 1040 هجري، والشريف الزاهد سيدي مولاي عبد الله بن علي بن طاهر العلوي المدغري، كما أشار إلى ذلك سيدي عبد الحفيظ الفاسي في مؤلفه: "رياض الجنة" ج 3: ص 34، ويؤيد ذلك ما ذكره تلميذ ابن عاشر: الشيخ أحمد مبارة في شرحه الكبير على نظم المرشد، عند كلامه على معاني (لا إله إلا الله)، فاسمعوا معي للشيخ مبارة يقول: وهذا المعنى هو الذي عقد شيخ شيوخنا، الإمام الشهير، الحافظ الكبير، الولي الصالح، الحاج الرحال، سيدي أبو القاسم بن الإمام الحافظ الأثير، القاضي سيدي عبد الجبار بن أحمد بن موسى البرزوزي الفجيجي رحمه الله بقوله:

فصل ومعنى لا إله إلا
        الله جل الرب نعم المولى
ما في الوجود من إله يعبد
        بحق إلا الله فرد صمد

إلى آخر ما قرره في الثمانية الأبيات من المعاني؛ وفي وصف الشيخ مبارة لسيدي بلقاسم بشيخ شيوخنا كاف لحقيقة ما نقلناه.

حاله في عامة حياته
كان أبو القاسم رحمه الله- على ما بلغنا بطريق التواتر- مثالا للزهد الحقيقي، في مأكله ومشربه وملبسه، كأنه كان يمثل الحكمة العمرية: "اخشوشنوا واخلولقو فإن الحضارة لا تدوم". زاهدا كذلك في الحظوظ النفسية، متباعدا عن التظاهر... حتى بالمقامات العلمية التي هو متصف بها؛ وكان كثير الصدقة على المحتاجين، وعلى الطلبة الوافدين لتلقي العلم عنه وعن غيره في زاويتهم، إذ كانت نفقتهم جارية من داره سواء كان حاضرا أم غائبا، وفي هذا المقام كان عاملا بقول الله سبحانه: "ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة".

شعره
كان أبو القاسم مؤلفا بالنثر والنظم، مثل نظمه لمختصر خليل، وله أشعار حلوة سلسة في مقاصد شتى. منها شعر نظمه عن ظعن وإقامة غنمهم وأنعامهم في مواقع المراعي وبهجتها، ورحلاتهم بها في الصيف والخريف والشتاء والربيع للمراكز المناسبة لكل فصل من فصول السنة، مشيرا فيه للجمال الذي أودع الله في ذلك كله في آيات سورة النحل:

"والأنعام خلقها، لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تربحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، إن ربكم لرءوف رحيم" إلى آخر الآيات.

إن الأخبار المتواترة، وقرائن الأحوال المتكاثرة، تدل على أن فجيج هذا، كان موئلا للخائفين، وموردا مورودا للمتعلمين، من أوساط القرن السادس الهجري إلى آخر القرن الثاني عشر. باستثناء بعض الظروف الشاذة القليلة، التي كان يظهر فيها بعض الفوضويين المعكرين للجو. ولكنه في مكان دون آخر، ولا يكاد ينتشر شرهم حتى تذهب مخاوفهم، - ولقد أثرت دروس التربية الدينية والوعظ والإرشاد، في سكان هذا البلد تأثيرا بليغا ولا يزال أثرها كامنا في نفوس أهله، ظاهرا على أخلاقهم، من تلك القرون حتى الآن. وليس الخبر كالعيان وبعبارة أخرى: والمشاهدة أقوى دليل وأسطع برهان،- وما ظنكم ببلد انتشر بين سكانه حفظ القرآن، واتحدت فيه دراسة التفسير والحديث، ودراسة الفقه، ودراسة الأخلاق المؤسسة على منطوق وصريح الكتاب والسنة طوال قرون، حتى كان بلد فجيج في تلك الأحقاب يزخر بالعلم النافع في جميع معاهده المتعددة، وكان لا يحتاج إلى غير علمائه في الإمامة والفتيا والقضاء. وكانت البلدان الأخرى تحتاج إلى علمائه. وبفضل انتشار العلم ومحاربة الأمية بهذا البلد، حصل فيه لأهله الاستقرار التام، والاطمئنان على الأنفس والأموال.

ذلك هو العهد الزاهر الذي عاش في بحبوحته أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الجبار، وابن أخيه أبو القاسم، وهما أيضا من جملة العلماء الذين يرجع إليهم الفضل في زمانهم في استقرار الأمن وحسن التربية، والثقافة العلمية في هذه الربوع.

وفي هذا الصدد لابد لنا من النظر إلى وثيقة تاريخية أثرية حاضرة معنا، محررة بخط وأسلوب وتوقيع العلامة الأجل، قاضي الجماعة في زمانه، سيدي محمد فتحا ابن إبراهيم بن عبد الجبار الودغيري، التي نوه فيها بما كان لسيدي عبد الجبار وأولاده من الباع الطويل في فنون العلم والتأليف، وما كان لهم من الاعتناء بتخصيص خزانة كبرى جمعوا فيها الكتب النفيسة للانتفاع بها، كما هو الشأن في خزانات كبريات المدن.. الخ. مؤرخة هذه الوثيقة في ربيع النبوي عام 1165 هـ، ونصها: الحمد لله، لما ثبت العلم معقولا ومنقولا للإمام الكبير، الشيخ سيدي عبد الجبار بن أحمد بن موسى البرزوزي الفجيجي رحمه الله ونفعنا به وبعلومه، مصنف تفسير القرآن في اثني عشر جزءا، ومختصر حياة الحيوان، ولأولاده الثلاثة: سيدي أبي إسحاق إبراهيم ناظم الأرجوزتين، إحداهما في علم الدين تسمى مفيدة الولدان، والأخرى في علم الصيد تسمى بروضة السلوان، قل من نسج على منوالهما. وسيدي أحمد القاضي، وأخيهما سيدي محمد فتحا الجامع بين علم الشريعة ودرجة حقيقة الولاية. وابنه سيدي أبي القاسم، ناظم مختصر الشيخ خليل بن إسحاق، بأوجز لفظ وحسن اتساق، وشارح روضة السلوان المنسوبة لعمه المذكور، وكلامهم في ذلك يشهد بغزارة علمهم، وعباراتهم فيه تشهد بحذاقتهم وجودة قريحتهم، وأن فهمهم الثاقب، في العلم أنفذ من السهم الصائب، لله درهم. حسبما شهد لهم بذلك الأئمة في كل الأقطار، والعلماء بسائر الأمصار؛ هذا، وأن ما جمعه الوالد المذكور وأولاده في صدر القرن العاشر، من خزانة الكتب بدار العدة المشهورة ببلد فجيج، من أجل خزائن المدن وأكبرها، وليس الخبر كالعيان: (حبس) على من ينتفع به من الذرية وغيرهم بالنظر فيها والاستنساخ منها إن كان أهلا لذلك... إلى آخر ما فيها.  

غير أنه بكل أسف لم يبق من الكتب في خزانة دار العدة، سوى أوراق مبعثرة لا فائدة فيها. أما الكتب المهمة فقد لعبت ببعضها أيد مغرضة، حتى وصلت لخزانات أوربا وغيرها، ووزع الباقي منها بعض ذرية محبسيها- كما في علمكم- حتى لا يؤل أمرها إلى ما صار إليه ما فقد منها. (ولله الأمر من قبل ومن بعد).- ثم لنرجع لشرح السلوانية، فقد استغرق فيه أبو القاسم ستة عشر عاما، فقد قال في ختامه: وكان الفراغ من تعليقه عشية الاثنين سادس عشر ذي حجة الحرام عام 986، كما كان ابتداؤه في حدود السبعين. ا هـ   

والمظنون أنه أتمه بعد رجوعه من وقعة وادي المخازن المشهورة، إذ قد حضرها من جملة العلماء التابعين لشيخ المشايخ سيدي يوسف الفاسي الفهري دفين القصر الكبير. ولم يأخذ شيئا من فيئها تبعا للعارف بالله سيدي يوسف المذكور، الذي تورع عن الفيء لأسباب معلومة في محلها.- 

وقبل الختام أيها الإخوان، أهيب بكم جميعا أن توجهوا قليلا من عنايتكم، وقليلا من كرمكم، للتعاون على طبع شرح منظومة السلوانية، ما دام سهل التناول.. ؛ إحياء لتراث علماء بلدنا، وقياما ببعض حقوقهم علينا، وتنويها بمكانتهم العلمية والأدبية، في وسط المثقفين من أهل مغربنا. وانتفاعا بآثارهم الثمينة؛ فإنه شرح نفيس ينبغي لكل فرد منا أن يجعله ذخيرة لنفسه ولأجياله من بعده. واسم هذا الشرح هو: (الفريد، في تقييد الشريد، وتوصية الوكيد)، وهو الذي قال عنه صاحب المنجد، في زيادته الجديدة، أنه موجود في خزانة الكتب ببرلين، ونسبه لسيدي إبراهيم غلطا منه، ذكره في حرف الفاء عند ذكره لفجيج.  

نعم، هذا الشرح موجود بفجيج، وفي برلين، وفي باريز، وفي الرباط، وفي الجزائر. ولكن لم يهتد أحد لطبعه لحد الآن، وإنما وقفنا على طبع القصيدة فقط، اعتنى بطبعها وترجمتها ترجمة ملخصة للفرنسية: طبيب فرنسي من أساتذة كلية الجزائر؛ كما أن نابغة المغرب السيد عبد الله كنون نقل من القصيدة مائة بيت وبيتين في الجزء الثالث من مؤلفه: "النبوغ المغربي"، متع الله دولة الأدب والثقافة بحياة سيدي عبد الله كنون وأكثر من أمثاله.

توفي أبو القاسم في عام 1021 هجري، وعمره يناهز المائة سنة، ودفن بضريح والده سيدي محمد بن عبد الجبار بالمسجد الجامع بقصر المعيز بفجيج، رحم الله الجميع رحمة واسعة، وجعلنا من المقتفين أثرهم في تحصيل الثقافة المغذية للقلوب والأرواح، المطبوعة بطابع المعقول ظاهرة على الألسنة والأشباح.

              

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here