islamaumaroc

تعالوا إلى كلمة سواء..

  دعوة الحق

104 العدد

كان من أجمل المآثر، وأسمى المبرات التي سيحفظها الدهر خالدة، ويسجلها في أسنى وأبهى صفحات عصر عاهلنا الكريم، هذه المأثرة التي تفضل صاحب الجلالة، فأمر بإخراجها للناس، ووضعها بين أيدي المؤمنين من أبناء رعيته، وهي إصدار طبعة جميلة رائعة للمصحف الكريم (وهو ما كنا تحدثها عنه في أحد أعدادنا السالفة)
وقد تشرف السيد صاحب المعالي وزير عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية في الأيام الأخيرة من شعبان، وبمناسبة قرب بزوغ طلعة رمضان بتقديم أول نسخة جاهزة من هذا المصحف الكريم إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم مولانا الحسن الثاني نصره الله وأيده.
وإنه لمن دواعي اليمن والإقبال أن يقترن تقديم مصحف الحسن الثاني، وإبرازه إلى الوجود في حلة رائعة تليق بكتاب الله تعالى إلى الشعب المغربي النبيل والامة الإسلامية بذكرى مرور أربعة عشر قرنا على بدء نزول الوحي على رسول المحبة والسلام.
ومن دواعي القبول والإخلاص –أيضا- أن يستقبل المسلمون مصحف الحسن الثاني في هذا الشهر المبارك الذي أنزل فيه القرآن هدة للناس ورحمة والذي تحدى كل إنسان وأعجز، وابتدأت فيه بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، وهم يحتفلون بأيامه احتفالا تغمره البشاشة والطهر، وتأتلق فيه المحبة والبهجة، وتهب عليهم فيه نفحات من ريح الجنة وروحها، فترطب القلوب الجافة، والنفوس الوانية، فلا يخرجون منه إلا وهم وقد تزودوا بذخيرة من الخير، وزاد من التقوى وعدة من الجلد والصبر للعمل والجهاد.
لقد أسدى سيد البلاد مولانا الحسن الثاني –حفظ الله زمانا أطلعه- إلى شعبه الوفي، وإلى الأمة الإسلامية الكريمة مبرة جليلة تضاف إلى سجل أعماله البواقي في سجل الخالدين، وهي إصدار طبعة رائعة لكتاب الإسلام الخالد، ومعجزته النادرة الذي كفل للأمة الإسلامية من الحرية والعدالة والكرامة والمساواة ما جعلها خير أمة أخرجت للناس.
فقد جاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالتنزيل إلى الأمة الإسلامية دستورا كاملا تصلح عليه شؤون الفرد، وأحوال الجماعة، ويحمل إلى الأرض الطمأنينة والسلام، وينشر بتعاليمه السمحة المحبة بين الناس، ويقضي على عوامل الأنانية وأسباب الأثرة، ويغرس في النفس الإنسانية خلق الإيثار وحب الغير والمروءة وتتضمن دعوته الخالدة تكريم الإنسان، وتنظيم العمران لتحقيق اليمن والسعادة التي يطرز حواشيها النعيم...
دعا القرآن الذي فرقوا دونهم وكانوا شيعا إلى كلمة سواء، وخطة واحدة، وتصميم محكم، وغاية جامعة، تتحد في الوجهة والقبلة والغرض، كما نادى العرب والناس كافة بنداآت الاهية أججت العواطف، وحركت العقول، وبعثت في نفوس المومنين كل معاني الوحدة الفاضلة، والمحبة والألفة والإخاء، مما أحدث ثورة رائعة في نفوس العرب كان لها المدى البعيد في تحويل مجرى الإنسانية كلها...
لقد وعى التاريخ عن ثورة القرآن ما لم يعه عن أي حدث آخر في الدنيا، سواء في معارك التهذيب النفسي حينما وجد الناس يسودهم الهوى، ويسوسهم الجهل ويقودهم الضلال، فأصبحوا بهديه مثالا يحتذى، وقرآنا هاديا يسير على قدميه، أو في معارك السلاح يوم تدفقت سيول العرب من منابعها، وخاض أبناء الأمة الوسطى، ووراث الدعوة الكبرى بفتوحاتهم أرجاء المعمور، أو في عظمة الثورة القرآنية الفريدة في ميادين العقل والفكر، حيث نشأت علوم إسلامية وعربية من أجل كتاب الله وخدمته، وما زالت تلك العلوم تنمو في منفه، وتزداد العناية بها حتى أصبحت بعد ذلك علوما قائمة الذات، شامخة البناء...
فمنذ أشرقت الأرض بنور ربها، وهذا الكتاب المبين بين أيدينا يشع على جنبات العالم أنوار الحق والقوة يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويحمل إلى العالمين رسالة الإسلام الصامدة التامة الكاملة التي لا يلحقها ضعف الإنسان وقصوره وتقصيره، ولا يسبقها تطور العالم.
تبلجت في الأقق المظلم تباشير الوعي المحمدي في الامة العربية لما تخلى العرب عن أنانيتهم وعنجيتهم وابتعدوا عن شهوة الإباحية التي كانت تصدهم عن ذكر اله وعن الصلاة، وتدفعهم إلى أن يشتروا الضلالة بالهدى، ويشعروا بضرورة الوحدة الجامعة التي سرعان ما صدعوا بها، وعملوا لها، ودعوا إليها، فصاغتها قلوبهم المتآلفة، ونفوسهم المتحدة، كما وقفت الأرواح الزكية خلفها تحميها، وتذوذ عنها، وتتعهدها بالري والسقيا، فاستخلفهم الله في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وبدلهم من بعد خوفهم أمنا، ومكنهم من السطوة والسلطة والسلطان، وقال لهم:
«ولا تهنوا ولا تحزنوا، وأنتم الأعلون إن كنتم مومنين»
لقد غرست هذه الوحدة الجامعة التي أمر بها القرآن، الوئام في النفوس، وعملت على إقرار السلام بين الشعوب، فكانت مصدر يمن ورخاء وسعادة العرب والمسلمين، ارتفع بها شأنهم، وسما بين الامم قدرهم، فصدت عنهم الغوائل، وذاذت عنهم عاديات الدهر، وطهرت أرضهم من رجس المرجفين الذين ينفثون السموم الناقعة في المجتمعات، ويعيثون في كل مكان، ويختلون في كل جماعة، ويفسدون في الأرض.
لكن... لما بعد المسلمون عن كتابهم، واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات! ونسوا الله فأنساهم أنفسهم! دب الوهن إلى النفوس، واستولى الضعف على القلوب،السيد معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية يعرض على مقام حضرة صاحب الجلالة النسخة الأولى من مصحف الحسن الشريف الذي أنجزته وزارته
ووهت الوحدة المتماسكة، واستبهمت  المذاهب، واستشرت الفرقة بين الأخوة، فمزقت أوطاننا، وفرقت شعوبنا إلى حالة تدعو إلى الإشفاق والرثاء، مما جعل الحاجة تدعو إلى بعث جديد، ووعي رشيد، يجتمع بهما الشمل، ويلتئم معهما الصدع، ويطمئن بهما هذا العالم المضطرب، ويستقر السلام المتأرجح المهزوز.
وان اتحادا يكون مبعثه القرآن، ومصدره رب العزة والجلال، خليق به أن يضم الشارد إلى القطيع، ويلحق القافلة بالركب العام، ويدني الأمة في دينها ودنياها على أتم وجه من الكمال.
وفي غمرة احتفالات المسلمين بشهر رمضان المعظم، وفي جو عطر خاشع من العبادة والطهر، وبمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على بدء نزول الوحي على سيدنا محمد عليه السلام، وفي هذا الظرف العصيب الذي تجتازه الأمة الإسلامية من فواجع وقواصم، ومجن شداد يقدم عاهل المملكة المغربية مولانا الحسن الثاني إلى كافة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الطبعة الرائعة من المصحف الكريم الذي رفع به شأن الأمة العربية فأخرجها من الظلمات إلى النور، ومن الفرقة إلى الوحدة ومن الضلالة إلى الهدى والرشاد...
وإن هذا التوافق ليحمل أكثر من معنى، وتشير دلالته إلى أن النصر لا يقوم إلا على أسباب ومقتضيات، وتكاليف وأعباء، وأن ما يلوح في الأفق من تباشير الفوز والفلاح، وتقريب مسافة الخلف بين الأقطاب والرؤساء ليحملنا على الاعتقاد بأننا قد بدأنا نأخذ للأمر عدته، وللجولة الثانية أعباءها وتكاليفها، وان صاحب الجلالة نصره الله كان موفقا إلى أبعد مدى حينما امر بإصدار طبعة جميلة رائعة للمصحف الكريم، وأخرجها للناس في وقتها المناسب وهو يقول حفظه الله:
تعالوا إلى كلمة سواء...

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here