islamaumaroc

الضمان الاجتماعي في الإسلام -2-

  عبد الكريم التواتي

2 العدد

    كان محمد عليه السلام خاتم الأنبياء بشهادة القرآن وكانت رسالة الإسلام - بحكم ذلك - نهاية المطاف لجميع الرسالات الإلهية والشرائع السماوية التي تعاقبت على الأرض وقطانها مدى الأجيال التي رافقت الإنسانية في تطوافها اللامنقطع عبر الآباد، العريقة القدم والتي سايرت - إلى مدى ليس بقصير - التطورات الفكرية والفسيولوجية للكائنات بأسرها وعلى اختلاف حيواتها، وواكبتها في طفراتها وصحواتها وفي تعثراتها وانتكاساتها، فتكيفت بفضل ذلك مع المحيط الذي اكتنفها واكتنفته، ومع البيئات التي أوجدتها أو وجدت فيها، وتفاعلت معهما تفاعلا منسجما منسقا إلى أبعد حدود الانسجام الموفق وأقصى صور التناسق البديع، فكان طبيعيا - وتلك هي الظروف التي زفت فيها بشائر الرسالة المحمدية إلى سكان هذا الكون - أن تكون جميع الأوضاع الكونية قد بلغت - وفي هذه الفترة التكميلية لتاريخ البشرية الذي ظل حتى الآن يتأرجح بين اليقين والشك وبين الإيمان والكفر والرشد والهدى والضلال - من الوعي واليقظة درجة تجعلها حقيقة وبكل تأكيد على أتم استعداد لتلقي فيوض الإيحاءات الفوارة المنبعثة في خلايا الإنسان والدنيا بفضل هذه الشريعة المحمدية الجديدة في أسلوبها وطرائق دعوتها المجددة - وفي أسلوب شيق أخاذ وحجة بالغة - لجميع الشرائع التي شاهدها عالمنا الأرضي، وأن تكون من جهة أخرى قد هيأت لتحمل كامل المسؤوليات التي من المقدر والمقرر أن تناط بها كشرط أساسي في نظر الرسالة الإسلامية لتأكيد حقيقة وجودها في الإطار العام للوجود الكوني نفسه وفي دائرة اعتبار هذه المسؤوليات القضية الوحيدة التي من أجلها أوجدها مقيض الحياة على هذه البسيطة وفي أفكار سكانها، ثم بعد هذا وذاك يجب أن تكون مؤمنة في قرارة نفسها بأن وجودها الذي أحيط بكل هذه الهالات من التقديس والإكبار، ليس إلا وسيلة لما أريد بها من انطلاقات روحية، ووثبات عقلية ثابتة موفقة نحو الإيمان الكامل المطلق بالحقيقة الأزلية، التي لا يمكن أن تكون سوى الله واهب الحياة وملهم الإيمان بأوسع المعاني وأضخم التصورات.

وكان طبيعيا من جهة أخرى أن تكون التجليات الإلهية التي ظلت تهدهد في رفق بالغ وحنو عظيم الإنسانية في رحلتها الماضية المديدة عبر القرون والأجيال بشتى الإمدادات والتوجيهات والتحذيرات، وبما كانت تلهمه النبيئين والصديقين والقادة المصلحين من صبر وإيمان على تحمل التبعات والمضي بها في حزم نحو خير المجموع، أن تكون قد بلغت هي الأخرى وفي نفس هذه الفترة درجة من الشمول الكلي لجميع ما قد يتطلبه الإنسان في رحلته المقبلة نحو البحث عن تلك الحقيقة الأزلية، والتطلع في شوق ظامئ إلى استكناه حقيقتها، ولكل ما قد تتوقف عليه طرق البحث السليم والتقصي المثمر والتوسم النافع غداة ارتياده أغوار هذه الحقيقة ومجاهيلها اللامحدودة سيما وقد أعلنت - حين بعثت محمدا ورسالته - في صراحة صارمة أكيدة انقطاع الوحي على الوتيرة التي عرفها الإنسان في أطواره الأولى وسني كفاحه القديم، وأعلنت نهاية الرسالات السماوية على غرار ما تساوقت عليه منذ إرادة إصلاح خطيئة آدم حيث بداية شوط الرسالات إلى وفاة حفيده محمد عليه السلام, حيث قدرت نهاية دلك الشوط, وربما الذي لم يخلق الإنسان عبثا والذي لن يتركه سدى يتعالى أن يتخلى عن الإنسان وهو على أهبة القيام بهذه الفورة نحو عالم المستقبل الذي لايعلم أحد سواه سبحانه العقبات التي سوف تعترضه أو الأشواك التي تشوكه حتى النهاية الحتمية - من حيث الزمان- التي ستنتهي به لتحقيق ما أنيط به من مهام وما ألزم  من تكاليف... لهذا فقد كانت رسالة محمد عليه السلام - للأسباب والدواعي الآنفة الذكر - تعتبر بحق خلاصة مجسمة وصورة حية ناصعة الألوان مشرقة الظلال براقة التقاسيم للمجتمع المثالي الذي ظل الهدف الأسمى للإنسان وما ينفك ينشده منذ أن آمن وأحس وشعر بأن الحياة فرصة ثمينة غالية لاعتبار الوجود متعة شائقة ولذة عارمة لا كما يتصوره المتشائمون من أنه عبء ثقيل وعناء فادح وشر لابد منه.

وحيث أن أبرز المشاكل العالمية منذ بدء الخلقية حتى الآن هي المسائل الاقتصادية ومشكلة العيش فإن أدل ما يهدف إليه قانون الضمان الاجتماعي في النظرية الإسلامية - وفي النظريات الحديثة مع فوارق - هو البحث أولا وقبل كل شيء عن أنجع الطرق وأيسر السبل وأحسن الوسائل لجعل الإنسان يجد - في هنأة ضمير وهدوء فكر - مهلة كافية للتفكير الصحيح في مسؤوليات الحياة الأخرى وهي عديدة متنوعة، وما أبعد البطون الجائعة عن الإيمان بجدوى المنطق المتزن ونفعية الفكر الراجح المستقل ... و من هنا فقط كانت مشكلة العيش والاقتصاد البداية ومحور الوجود الإنساني كله ما دام وحدة جوهرية عرضية لا تقبل التجزئة أو الانقسام، وتقف القوانين الحديثة، في محاولاتها إيجاد الحلول لهذا المشكل، مواقف متباينة متعددة ومتهافتة في الأعم الأغلب، وهي لا تخرج في جملتها عن الدعوة إلى إقامة نظام مبني على توزيع الموارد الاقتصادية بين طبقات السكان في الأمة الواحدة - وهذا أحد أسباب انهيار الأنظمة الاقتصادية الحديثة - توزيعا إن لم يكن عادلا تماما فلا أقل من أن يكون عاملا على محو أبرز الفروق بين تلك الطبقات، وهادفا بالخصوص إلى إبعاد بعض الجرائم - لا كل الجرائم - التي ترتكب في غالبية الأحيان بسبب انعدام مثل هذا التوزيع ... والإسلام - وقد سبق القوانين الحديثة في وضع أحسن نظام لتوزيع الموارد الاقتصادية بين جميع سكان العالم من غير تفرقة جنسية أو لونية أو دينية، وإن يكن يرى أن إقامة نظام من هذا القبيل قد يكون ذا أثر ظاهر في تخفيف الوطأة على المجتمعات التي تئن تحت أعباء المشاكل الاقتصادية، بحكم أن قوانينها في هذا الميدان أرضية - يرى من جهة أخرى، ورأيه الصواب والحق، أن كل هذه الأنظمة التي توصل إليها علماء الاقتصاد في عالم اليوم والتي وصفت - تفاؤلا - بأنها كفيلة بمحو جميع المشاكل الاقتصادية التي ظلت تزعزع كفة الإنسان في قدرته على مواجهة ما عسى أن تحمله الأقدار من معاكسات بعيدة كل البعد عن تحقيق الغاية السامية الشريفة التي يهدف هو إليها من وراء من مثل هذا القانون؛ ذلك أن الأنظمة الحديثة تنظر إلى المشكل على أنه محض قضية مادية صرفة في حين أن الإسلام ينظر إليه على أنه أعمق جذورا من ذلك وأشمل أثرا من هذه الغاية السطحية البسيطة التي يتوخاها القانون الحديث للضمان الاجتماعي، ففي الوقت التي يتخذ مدلول هذا القانون في العرف الحديث شكلا بسيطا هو تكفل الحكومة لطائفة أو عدة طوائف من رعاياها بإيجاد العمل في دائرة ضمان المأكل والمسكن والملبس وقليل من الثقافة العامة البسيطة، إذا بهذا المضمون في قاموس الدين الإسلامي يعني في الدرجة الأولى إيجاد مجتمع متكامل من جميع الوجوه، مجتمع تعتبر فيه مضامين الضمان الاجتماعي الحديث تافهة إذا قيست ببقية الأغراض النبيلة التي لا يراها الإسلام ضرورية لوجود المجتمع المتكامل الذي يسعى دائما لتوجيه الأنظار إليها، فاحتياج الإنسان في بعض الأحايين إلى الروحانيات هو أشد بكثير من توقه إلى حصر كل همه في الماديات البحتة، ولهذا ففي الوقت الذي لا يغفل فيه الإسلام خطورة المادة وأثرها في الحياة الإنسانية تكييفا وتوجيها لا يقف مما عداها موقف المتفرج الذي لا يعنيه من الدراما إلا تناسق مناظرها وتسلسل مشاهدها دون أية التفاتة إلى المضامين والغايات التي وراءها، وإنما يدعو الإسلام في إلزام وإجبار معتنقيه والقائمين عليه إلى إقامة ضمان اجتماعي تتساوى في أهميته وخطورته الناحية المادية والروحية معا، على اعتبار أن الناحية الأولى طريق لتحقيق الناحية الثانية، ويدعو في الوقت نفسه إلى العمل الجدي على إيجاد أساس من التوازن التام والتجانس الكلي بين حاجيات المجتمع ضمن الإطار العام لمجتمع إسلامي روحا وهدفا وطرقا وغاية.

وأخيرا نقرر أن مبدأ الضمان الاجتماعي في الإسلام يتجلى في نظام الزكاة، وآخر ما يخطر ببالنا ونحن ندس أنفسنا وأفكارنا في تفهم هذا القانون الإسلامي الخطير، المفاهيم الضيقة والجامدة أحيانا والجافة في أكثر الأحايين التي يستنبطها بعض الفقهاء حين يحصرون معنى الزكاة في تلك القواعد التي وضعوها في كتبهم ورأوا في الوقت نفسه حصر مدارك الناس فيها وعدم تجاوز حدودها افتراء وتحجيرا بلا مبرر ولا سند، إذ أن كل المواقف الإسلامية في مختلف الظروف والأحوال تتمالأ في قوة خارقة على أن المراد من قانون الزكاة هو معناها الأعم الأوسع الذي يهدف كما قلنا إلى اتخاذه نموذجا حيا لبناء مجتمع ذي خصائص اقتصادية بعيدة عن الزعازع الزمنية والتيارات المتباينة التي يخضع لها - في الغالب - كل نظام لا يستمد أسسه من الله بارئ الأرض والسماوات.

ويدعونا إلى اعتبار الضمان الاجتماعي في الإسلام الذي تجسمه الزكاة نظاما ماديا وروحيا معا ما نلمسه من مواقف من هذا القبيل في حياة بناة الإسلام الأولين وما نشاهده في أعمالهم اليومية ... ويمكن أن يعتبر موقف عمر بن الخطاب من اليهودي الفلسطيني المتوله حين أخذه وعرضه على القائمين على أموال المسلمين ملزما إياهم أن يدفعوا له كامل المساعدة على اجتياز مراحل عمره الأخيرة في أمن وسلام، ومصرحا في قوة المؤمن بالإسلام على أنه عقيدة إنسانية لا تخضع لغير حيثيات الدين العليا التي تعتبر الناس سواسية أمام رب الوجود الأعظم، مصرحا بقولته الخالدة: «أكلتم بشبابه وتتركون هرمه»، يمكن اعتبار هذا الموقف من ابن الخطاب مثالا حيا مجسما للناحية المادية الصرفة من قانون الضمان الاجتماعي في الإسلام، ويجسم شمولية هذا القانون للناحية المادية والروحية القصة التالية التي كان عمر دائما بطلها: خرج عمر قاصدا عرفات وهو يلبي ويجأر بالدعاء والناس من خلفه يجأرون ويلبون وفجأة قطع عمر الدعاء ووجم، فما كان من الذين خلفه إلا أن أصابتهم العدوى فإذا بهم ينقطعون عن الدعاء، وسئل عمر الذي كان مأخوذا بهول صدمة الموقف عن سبب وجومه، فهل تدرون ماذا قال؟ قال عمر: وقعت عيني من بعيد على كوخ فقير وأخشى أن لا يقبل الله دعائي وهذا الكوخ قائم بيني وبين الله في الطريق، قال عمر رضي الله عنه: ووالله لئن أحياني الله إلى قابل فلن أترك على ظهرها فقيرا.

وبعد فنحن نرى أن ركن الزكاة إذا فهم فهما صحيحا، وعلى أنه أساس قويم لبناء مجتمع سليم الاقتصاد، قمين بأن يبعد عن العالم الإسلامي بل العالم كله جميع الأفكار الهدامة والآراء المتضاربة التي تجتاح في عنف وشرود المجتمعات العالمية ظنا من مبتدعها ومروجيها في آن واحد أنها خير ضمان لوصول سفينة الحياة سالمة إلى شاطئ الأمان، وما أبعد هذه المبادئ عن تحقيق هذا الحلم الجميل الذي لن يتحقق إلا بالرجوع إلى استلهام القوانين الإلهية، لأنها وحدها التي لا تقبل الخطأ أو التحريف، سنة الله "...ولن تجد لسنة الله تبديلا" [الفتح : 23 ] ولن تجد لسنة الله تحويلا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here