islamaumaroc

محمد كرد علي

  دعوة الحق

العددان 98 و99

عصره:
ولد محمد كرد علي بدمشق عام 1876، وما كاد يفتح عينيه للنور، ويفرغ في مبادئ دراسته الأولى حتى وجد نفسه في عصر يعمه الفساد من جميع النواحي السياسية والدينية والاجتماعية، فالعصر عصر الولاة العثمانيين مملوء بحوادث النهب والسلب والقتل والمصادرة، كما قامت الدعوة الوهابية في نجد وقد سميت هذه الأيام بالأيام السود «في السياسة والإدارة والدين»، ولخص كرد علي هذا العصر في فصل من فصول مذكراته بعنوان «عيدنا الوطني»، أشار فيه إلى احتفال سورية بعيد الجلاء، كما أتى على ذكر أمراضنا وعيوبنا كفقدان الحرية والاستقلال، وما نشأ عن ذلك من ضعف السياسة والعلم والأخلاق واللغة والتفكير والصناعات، وتباعد ما بين الطبقات، وسطوة القوي على الضعيف... فلا بد من رجال يؤيدون المسألة ويضعون الدواء موضع الداء.
وقد أشار أحمد فارس الشدياق، من أدباء القرن التاسع عشر، إلى سطوة الترك أكثر من اهتمامه بسوء سياستهم وولايتهم، وهكذا كان عصر الشدياق ومحمد كرد علي من أسوأ العصور في الاجتماع والسياسة والأخلاق والعادات، وقد اتفق على الاعتراف بمساوئ العصر واختلف في أساليب الإصلاح.

صحافته في مصر:
لم يجد كرد علي أداة ينبه بها الأذهان ويبصر بها الولاة على سوء سياستهم إلا الصحافة، فمارسها وهو ابن ست عشر سنة، وحرر أول جريدة ظهرت في دمشق عقب إعلان الدستور العثماني واسمها «الشام»، وبقي فيها ثلاث سنوات يكتب المقالات والأخبار، ولم يستطع التعبير عما يريد لأنها كانت خاضعة للرقابة، ثم اتصل بمجلة «المقتطف»، وكتب أول مقالاته فيها بعنوان «أصل الوهابية»، فشاعت شهرته، ثم حرر في «الرائد» المصرية موضوعات في السياسة والاجتماع والآداب، ثم كتب في «المؤيد» لعلي يوسف وأحمد ماضي، فطارت شهرته، وأصدر وهو في مصر مجلة «المقتبس»، ولما عاد إلى دمشق أصدر فيها جريدة «المقتبس»، وما أن أعلن الأتراك الدستور حتى كانت أول جريدة يومية تصدر في دمشق هي «الشام»، فكانت أسبوعية بالعربية والتركية.
لقد رزق كرد علي ملكة بالغة في النقد، فصور في عصر الظلمات تأصل الأوهام والجهل وتقديس أقوال أدعياء العلم والتقوى، كما انتقد العصر الحديث واستفاضة علوم الدنيا فيه.. يبحث في الصحافة عن مرض الأمة فيصف له الدواء الناجع ويفتش عن فساد القول فيهديه إلى الإصلاح، وقد أعانه على هذا النوع من البحث والإرشاد تعمقه في تاريخ العرب والإسلام واطلاعه على كثير من آراء الفرنسيين في النقد والاجتماع، وكان في صحافته مصلحا اجتماعيا وناقدا خلقيا.

صحافته في دمشق:
لقد وضع كرد علي أسلوبه في إصلاح المجتمع، إذ كان يصف عن ذكر المسائل الخاصة وبخوضه لباب المسائل العامة، ومن شأن هذا الأسلوب أن يكون ذا تأثير كبير في المجتمع، فقد أقبل الناس على قراءة «المتقبس» في بدء وصولها لأنهم أحبوا أن يتطلعوا إلى النور بعد الظلام، وكانت تهديهم سواء السبيل، وتفتح أذهانهم وتثقف عقولهم، وقد كان «للمقتبس» آثار معنوية ونتائج عملية، إذ كانت تفصح على الرأي العام في البلاد، كما نحي من جرائها بعض الولاة والموظفين، ولا أدل على تأثير جريدته في بيئته، وعمل مقالاتها في القراء، من اضطهاد الولاة له، للعداء الذي لقيه بسبب الصحافة، حتى اضطره الأمر إلى الفرار من دمشق مرتين، مرة إلى بيروت عن طريق البحر، ومرة إلى القاهرة عن طريق البر، فلاقى أنواع العذاب، وقد حاول حزب الاتحاديين اغتياله لأنه - كما قال - أصلاهم نارا حامية على السياسة التي انتهجوها مع العرب. وإلى جانب مقالاته القومية.. كان يدافع عن العرب بإحياء أعاظم الرجال، حتى تتفتح عيون أهل العصر عليهم.

ثقافته:
أشار كرد علي إلى دراسته الابتدائية في مدارس (كافل سيباي) الأميرية، وأنه نال هناك شهادته من الدرجة الأولى، ثم دخل المكتب الرشيدي العسكري، فدرس فيه مبادئ التركية وبعض مبادئ الفرنسية وأحرز شهادته بدرجة متوسط، والواقع أن الذي أنضج عقله هم شيوخه بصورة خاصة ومطالعاته الكثيرة، أما شيوخه فيذكر منهم الشيخ طاهر الجزائري والشيخ عبد القادر المبارك والشيخ سليم البخاري، وأما مطالعاته فكانت في كتب اللغة والأدب والبيان والاجتماع والتاريخ والتفسير والفلسفة من الكتب القديمة، وكذلك انكب على دراسة المحدثين كالشدياق والطهطاوي وغيرهما، كما طالع كتب كتاب المهجر، وكانت له صلة بأكثر المستشرقين، وقد أتاحت له أسفاره الاتصال بثقافة الغرب وزيارة المدارس في نواحي فرنسا لكونه وزيرا للمعارف السورية. ولقد انتفع بمطالعاته جدا، ولو أنه جرى على الأصول الحديثة فيها وثبت المهم على جزازات لكانت الاستفادة أعظم.

دفاعه عن العرب والإسلام:
كان هذا الدفاع مزودجا، فمرة يدافع عن العرب ومرة يدافع عن الدين، وينقد الكتب التي يقرؤها. وتتجلى النزعة القومية في نقده بصورة سهلة بسيطة، إذ كان يقف بالمرصاد لكل كاتب يحس بأن في كتاباته بعض الانحراف عن الحقيقة بين العرب والإسلام، ولم يقتصر في ذلك على الشعور وإنما يأخذ بحجج لا ترد في بعض الأحيان، لم ينقد الرهبان الذين غمزوا في الإسلام وإنما تصدى لغير رجال الدين أمثال أمين الريحاني في كتابه (النكبات)، وعلى الرغم من شدة شعوره القومي فإن أفكاره لا تخلو في بعض الأحيان من شيء من الإنصاف، فمن ذلك اعترافه بمساوئ الأمويين إلى جانب محاسنهم، وهو من الميالين إلى التعاون بين الشرق والغرب، ومن هنا اختلفت نظرته عن نظرة الجمهور الذي جهد في سبيل حرية بلاده، ويبدو لنا رأيه هذا في رده على كتاب (تاريخ فلسطين).
لقد اندفع كرد علي في حب مصر ويرجع ذلك من جهة إلى صلة مصر بالشام منذ القديم، وإلى فضل مصر وأثرها في بلاد العرب الحديثة، ومن جهة ثانية ما لقيه في مصر من أدب المصريين ورفعتهم، حتى أنه أثنى على العقاد والزيات والمازني وهيكل وغيرهم، إلا أن لهجته بحب المصريين لم تستمر على حالة واحدة، وإنما انخفضت انخفاضا شديدا وانقلب الرضى إلى سخط عنيد آكل، وإذا رجعنا إلى الأسباب التي انقلب من أجلها وجدناها ناشئة غالبا عن طبيعة مزاجه العصبي وهو إذا غضب لا يبالي بنتيجة غضبه، وإنما همه إرخاء نفسه على سجيتها، وهكذا هدم في أواخر حياته ما بناه من حب مصر والمصريين.

مؤلفاته:
1 ـ «خطط الشام»: ويقع في ستة أجزاء تشمل على تاريخ سياسة الديار الشامية ومدنيتها من أقدم العصور حتى عصرنا الحاضر، ونجد فيها خصائص كتابته للتاريخ.
2 ـ «أمراء البيان»: وهو جزءان، تعرض فيهما لعشرة من أمراء البيان، ووصف عصورهم في السياسة والمدنية وذكر عوامل نشأتهم، وتوخى تحليل أدبهم وعلمهم، وفيه نجد خصائصه في الأدب.
3 ـ «كنوز الأجداد»: أهداه إلى شيخه طاهر الجزائري، وفيه تعريف ببعض رجال الإسلام والأدب والتاريخ والفلسفة.
4 ـ «أقوالنا وأفعالنا»: أهداه إلى الملك فاروق، وقد حاول فيه أن يعالج بعض المشاكل الاجتماعية كما تعرض فيه لوصف طبقة من الناس، ويشتمل على أربعين مقالة.
5 ـ «غرائب الغرب»: سرد فيه ووصف ما رأى في رحلاته إلى أوربا وخاصة فرنسا التي أشاد بمدنيتها، ومن هذا الوصف نستطيع أن نستنبط سرا من أسراره وهو تجرده لإصلاح المجتمع، وذلك بعد أن رأى من آثار الحضارة والسياسة والاجتماع والعلم والأخلاق والزراعة والاقتصاد في مظاهر الحياة كلها، وهو بهذا مثل أحمد فارس الشدياق في أهدافه الإصلاحية وفي تحسره على الشرق وتخلفه عن الغرب.
6 ـ «مذكراته»: وقد تعرض فيها لأخلاق رجال بأسمائهم، عاش بينهم فدون كل حق عرفه... ويجمع أسلوبها بين الهزل والسخرية، وقد مدح الملك فيصل بصحة عقله وسداد رأيه في الجزء الثالث منها، وكان قد نعته بضعف الإرادة وسوء السياسة في الجزء الأول، وفي الجزء الثالث ذكر أيضا حسني الزعيم، وقال عنه بأنه أدهش العالم بثورته، ثم ذكر قول سامي الحناوي فيه، بأنه طاغية مجرم، وكأن كرد علي شعر بتناقضه فقال بعنوان «أنا والعقيدة»: «أما بعد، فلا يطلب ممن كثر اطلاعه على الآراء المختلفة أن يظل على رأي واحد طوال عمره في عويص المسائل»، وقد كان لهذا الكتاب ضجة في مصر والشام لأنه هتك ستر كثير من الناس. والناحية التي برز فيها إنما هي جملة من الخواطر العامة التي لم يعرض فيها الأشخاص معنين، وفي الكتاب موضوعات مختلفة في الاجتماع والعادات والأخلاق والسياسة والأدب، وإذا كنا لا نرى في المذكرات تسلسلا في حياة صاحبها، فإنا نجد فيها مزاجه وعصبيته.

فنه:
إن بيانه هو أبرز ناحية من نواحي عبقريته، فأسلوبه هو خلاصة أساليب عبد الحميد الكاتب والجاحظ وابن المقنع وابن عبد ربه والغزالي وابن خلدون، علما أن هذا البيان قد عملت فيه عوامل أخرى هي مطالعته الكثيرة لكتب الغرب فأكسبته الصحافة مرونة عجيبة على الكتابة، وقد صلحت لغته للموضوعات العاطفية والعقلية، وهو يقطع جمله في بعض الأحيان تقطيعا موسيقيا فتلمس في تقاطيعها روح الجاحظ، كما يعدل عن ذلك أحيانا أخرى فيعقد العبارة ويبسطها.
وخلاصة القول أن كرد علي يرتفع في بعض الأحيان إلى منازل البلغاء المتقدمين ثم ينخفض إلى مراتب دون مراتبهم، كما نراه يساير الإخباريين في الصحف الإخبارية الذين همهم رواية الأخبار على أي وجه كان. وهكذا فليس كرد علي على نمط واحد في الإنشاء، ولكنه إذا ارتفع في إنشائه بلغ من المكانة مكانا رفيعا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here