islamaumaroc

باب الشريعة أحد مداخل الحمراء الرئيسية

  دعوة الحق

العددان 98 و99

يقوم قصر الحمراء في مدينة «غرناطة». وكان في بداية الأمر على هيئة قلعة حربية أسسها «باديس ابن حبوس» أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، وسميت بقصبة الحمراء، نسبة إلى لون حجارة الهضبة التي بنيت عليها، ولما أسس محمد بن الأحمر دولة بني نصر في غرناطة في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) اتخذ مركزه في «القصبة»، وأنشأ داخل أسوارها قصره الذي خلع عليه اسم الحمراء القديم. وغدا القصر منذ ذلك اليوم قاعدة للمملكة النصرية، التي كانت تشمل كل الطرف الجنوبي بشبه الجزيرة جنوب نهر الوادي الكبير، وحيث بنى بها المؤسس ومن جاء بعده من سلالته عشرات الحصون على طول حدود المملكة من قادس في الغرب إلى المرية في الشرق. وفي أواخر القرن السابع الهجري أنشأ محمد الثاني بن الأحمر (ثاني سلاطين بني نصر) الحصن الجديد والقصر الملكي، الذي هدم منه الجزء الأمامي، حيث بنى مكانه قصر الملك شارل الخامس.
ان معظم مباني الحمراء التي لاتزال قائمة إلى اليوم، ومعظم الروعة الفنية التي تتجلى فيها يرجع الفضل فيها إلى سابع سلاطين بني نصر، أبو الحجاج يوسف بن أبي الوليد اسماعيل ابن فرج (733 ـ 755هـ/1333 ـ 1354م)؛ فقد كان ـ بحق ـ ملكا فنانا موهوبا، أضفى على الحمراء من فنه هذا الذي نراه من السحر والجمال.
ولا مراء في أن قصر الحمراء يعتبر تاج الآثار الأندلسية، إذ هو الطابع العربي لغرناطة الإسلامية، والرمز الخالد للفن العربي الأندلسي، ذي الخصائص المتميزة في هندسته المعمارية.
إن أول ما يطالع الزائر لهذا القصر «باب الرمان» الذي يقع في نهاية طريق بني غمارة أو مصعد بني غمارة (قبيلة مغربية) وهو المنفذ الأول لهضبة الحمراء. بيد أنه لم يكن من أبواب القصر الأندلسية العربية، وإنما استجد عليها في عصر منشئه الإمبراطور شارل الخامس (شرلكان) صاحب القصر المعروف، والملاصق للحمراء من مقدمتها، التي كانت قديما تشتمل على القسم الإداري للقصر العربي يومئذ...
إن الأهمية التاريخية التي يكتسيها باب الرمان هذا تكمن في هندسته المعمارية الخاصة، فهو يتكون من عقد حجري كبير، قد ارتكز على قائمين ضخيمن، تعلوه ثلاث رمانات تتخذ وضعا مثلث الشكل، رمزا إلى شعار غرناطة التاريخي، وتفسيرا لمدلول اسم العاصمة (غرناطة).
فإذا ما ولجنا هذا الباب ألفينا غابة فسيحة الأرجاء مترامية الأطراف، تتخللها قنوات المياه المتدافعة، وانفسحت بينها طرق ثلاث متسعة، يصلك أيمنها وأولها إلى (أبراج الحمراء)، ويفضي بك أوسطها إلى قصر (جنة العريف)، بينما يؤدي بنا أيسرها إلى (باب الشريعة)، أول الأبواب الأندلسية العربية إلى قصر الحمراء ذاته، بل المدخل الرئيسي لها، في الطريق الصاعد إليها، حيث يطل على ميدان صغير حوله، وهو عبارة عن بوابة عربية هائلة، يبلغ ارتفاعها نحوا من خمسة عشر مترا، قد أقيم عقدها المزخرف على مثال حدوة الفرس، منقوشة عليه سطران بالخط الأندلس المتشابك، ويتضمن هذا المكتوب تعريفا بمنشئ هذا الباب وتاريخ إنشائه، وذلك كما يلي:
«أمر ببناء هذا الباب المسمى باب الشريعة ـ أسعد الله به شريعة الإسلام كما جعله ذخرا باقيا على الأيام ـ مولانا أمير المسلمين، السلطان المجاهد العادل يوسف بن مولانا السلطان المجاهد المقدس أبي الوليد، بن نصر، كافى الله في الإسلام صنائعه الزكية، وتقبل أعماله الجهادية، فتيسر ذلك في شهر المولد المعظم من عام تسعة وأربعين وسبعمائة، جعله الله عزة واقية، وكتبه في الأعمال الصالحة الباقية...

وقد أثبت هذا الأثر الخطى ثلاث حقائق:
1) أن المنشئ لباب الشريعة هو السلطان أبو الحجاج يوسف الأول النصري 733 ـ 755هـ (1333 ـ 1354م).
2) أن تاريخ إنشائه هو شهر ربيع الأول 749هـ (1348م).
3) أن اسم هذا الباب هو «باب الشريعة» نسبة إلى شريعة الإسلام.

وفي ضوء الحقيقة الأخيرة نقول: أن هذا الباب ـ كما اتضح من اسمه ـ كان مجازا لذوي المظالم وأرباب الحاجات، وعن طريقه كان يصل هؤلاء إلى مجلس القضاء، الذي كان يعقد ـ في الغالب ـ في الساحة التي تليه، أو في المسجد المؤدي إليه، جريا على عادة القضاء بالأندلس، حيث يخصص كل يوم معين لفحص الشكاوي ونظر الخصومات، على يدي السلطان أحيانا، أو نائبه أو قاضي القضاة في أغلب الأحيان.
ولكن يرى الدكتور حسين مؤنس ـ في خصوص تسمية هذا الباب بهذا الاسم ـ أن كلمة الشريعة في إطلاقها هنا على البوابة إنما تعني «الشارع» لا الشرع، إذ يقول: «الشريعة هنا معناها الشارع لا الشرع، لا محل لترجمته بمعنى «باب العدالة» أو «باب العدل» Puerta de la justicia لأن هذا الباب لم يكن يؤدي مباشرة إلى الجامع (وهو مجلس القضاء) أو المحكمة، وإنما يؤدي إلى مباني وسط الحمراء، إلى الميدان الواقع بين القسم العسكري من مبانيها (الأبراج والمحارس)، والقسم المدني (المساكن والحدائق وإدارة الدولة وما إلى ذلك)(1).
ونحن ان سلمنا جدلا بأن باب الشريعة هذا لم يكن يؤدي حقيقة إلى المسجد مباشرة كما ذكر الدكتور مؤنس، فإن هذا الباب كان يؤدي إلى ساحة فسيحة إلى الميدان الذي أورد ذكر موضعه بين القسم العسكري (القلعة) والقيم المدني (قصر الحمراء بملحقاته)، ومن الجائز بل ومن المعقول أن تكون هذه الساحة قد شهدت مجالس للقضاء في عصر السلطان أبي الحجاج ـ منشئ البوابة ـ بالذات بدلا من المسجد في بعض الأحيان، حسبما جرى على هذا ملوك هو المجاز الرئيسي لموقع إدارات الحكومة، ولا مناص من اجتيازه للوصول إلى مقر الحكم، سواء أكانت المحكمة تعقد بالميدان المتوسط بين القصبة والحمراء أو بالمسجد الملحق بالقصر، هذا فضلا عما جاء بالنقش الأثري على قوس هذه البوابة من تسميتها باب الشريعة، وما أعقب ذلك من ربطها بجملة دعائية تناسب التسمية (أسعد الله بن شريعة الإسلام)، مما يقطع بأن المسمى إنما عنى بإطلاق التسمية مفهوم كلمة (الشريعة) الإسلامي.
ويعزز هذا الذي ذكرناه ما مال إليه المقري فيما نقله عنه صاحب سلوة الأنفاس حيث قال:
«وسمي باب الشريعة، لأنه معدود لإقامة حدودها به على من وجبت عليه»(2) وإلى هذا استند المستشرق الفرنسي «ليفي بروفنسال»؛ حيث ذكر أن اتخاذ «باب الشريعة» مكانا للعدالة يعتبر ـ كما يوحى بذلك تداعي المعاني ـ تعليلا طبيعيا جدا لتسميته باب العدالة أو «باب الشريعة».
ومن جهة أخرى أن هذا التعليل بهذه التسمية يتضح أيضا من الترجمة الإسبانية القديمة لاسم هذا الباب الكبير (باب الشريعة) والمسمى في الإسبانية باسم Puerta de la Justicia أو Puerta judiciaria حيث كان القضاة يجلسون عنده للحكم على عهد بني نصر، كما تدل على ذلك الأخبار المتواترة بين أهل غرناطة. هذا بالإضافة إلى أن أقدم النصوص ـ التي تضمنت وصف الحمراء بعد سقوط المدينة في يد الإسبان ـ لا تذكر هذا الباب بغير اسم «باب الشريعة» فهذا دليل وقرينة ـ أن اعوزتنا قرائن أقوى دلالة ـ على أن لفظ «الشريعة» يدل على مكان اكتسب الباب اسمه منه(3).
ويظهر أن «دوزي» كان أول من جمع عددا من عناصر المشكلة التي نتجت عن لفظ «باب الشريعة» دون أن يقترح حلولا لها، حيث نرى هذا العالم الهولندي، عند عرضه للحوادث التي توالت على غرناطة سنة 1162م يبين أثناء سرده لهذه الحوادث كيف أن ابن الخطيب كان سباقا إلى استعمال لفظ «ربض البيازين»، وقد ساق «دوزي» كلامه على هذا النحو، قال(4):  «.. يعبر ابن الأثير بعبارة أخرى، إذ يذكر أن ابن (مردنيش) نزل في الشريعة بظاهر غرناطة»(5).
وهناك حقائق نادرة عن باب الشريعة هذا؛ من ذلك فترة في مقطوعة من الشعر الشعبي يرد فيها ذكر لبعض المواضيع في غرناطة، وعنوان هذه المقطوعة: Zaide ha prometido fiestad  وقد وردت في ديوان الشعر الشعبي المعروف بـ Rommancro de Duran, Romances moriscos طبعة Madrid (مدريد 1828) ص 42 – 43، وفي ديوان Romancero Castellano طبعة Depping et alcala jaliano (لييزج سنة 1844 ج 2 ص 279).
وهاك ترجمة هذه الفترة الشعرية عن الإسبانية: «بعضهم يعدو بعضهم يصبح
وآخرون يقولون:
انتظموا واذهبوا جميعا
إلى شارع القصبة..
وآخرون يقولون: إلى الشريعة..
لا تتركوها ولا تتركوا رحبتها».
ويقول بعد ذلك «انه وجد ضمن أحد مخطوطات مدريد (تحت رقم Cad, G 12 de la Bibl. Nac) أن ذلك كان في الشريعة وليس في موقع باب البنود، كما ذكر «مارمول» في كتابه: Rebelion de los Mariscos (ورقة 28 عمود 4) من أن الحاجب «فلاسكودي بربونويبو» قد قتله المورسكيون من أهل حي البيازين في سنة 1499م، ثم يورد بعد ذلك عبارة أخذها من نفس المخطوط وهي أنه «في سنة 1499 ذهب الملكان الكاثوليكيان (فرناندو وايزابيلا) إلى غرناطة، حيث استقبلا استقبالا حافلا، وكان أعظم ما ينبغي مشاهدته يومئذ منظر اجتماع أكثر من ثلاثين ألف مسلم مرتدين كلهم عباءاتهم البيضاء في شريعة البيازين وما يليها في أنحاء ذلك الشهل حتى «سان لازار»، وكان ذلك منظرا رائعا»(6).
ويستنتج «ليفي بروفنسال» من ذلك أن الشريعة كانت جزءا مما سمي بعد ذلك بحي البيازين، كما يوفق بين العبارتين بقوله: أن جزءا من الجيش عسرك فيها، وأن الحي كله كان يقع فوق التل المذكور. هذا، وليس هناك ما يمتع من أن هذا المدلو لمسمى هذا الباب قد صارت الحاجة معه ماسة إلى ربط معناه بفكرة العدالة، وكما هو مفهوم من تسمية الإسبان لهذا الباب.
ولا يفوتنا قبل أن ننهي الحديث في هذا الموضوع أن نذكر أن أستاذي «د. لويس سيكودي لوثينا» المستشرق الإسباني قد عقد في باب:
Cernica Argueologicar de la Espana Musulmana من مجلة الأندلس، مجلد 7 سنة 1942 ص 438 ـ 458، دراسة شاملة عن أبواب غرناطة في القرن الرابع عشر، عنوانها: Las Pertas de la Cerca de Granada en el siglo XIV ثم أن الأستاذ «ليوبولد وطوريس بالباس»، نشرا في الباب نفسه دراسة رائعة، عن «المصليات الخلوية في اسبانيا الإسلامية». Murrolla y Saria en las Ciudades hispanomusulmanes (مجلة الأندلس)، المجلد 13، سنة 1948 (ص 167 ـ 180).


ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر مقال د. حسين مؤنس تحت سلسلة «حديث الفردوس الموعود» حلقة 6 في مجلة «المجلة» العدد 74 السنة السابعة فبراير 1963م ص 48 ـ ص 55.
(2) انظر: الكتاني، سلوة الأنفاس ج 3 ص 186.
(3) راجع: ليفي بروفنسال في كتابه «الإسلام في المغرب والأندلس» ترجمة د. السيد سالم والأستاذ محمد صلاح ص 82 نشر مكتبة النهضة بمصر 1956م.
(4) Recherches sur l’histoire et la littérature et l’Espagne pendant le Moyen-Age، الطبعة الثالثة، باريس وليدن عام 1881 ج 1 ص 382 ـ 384.
(5) انظر: الكامل لابن الأثير ج 11 ص 127 ط الأزهرية.
(6) ليفي بروفننسال في كتابه «الإسلام في المغرب والأندلس» ص 84، المترجم للعربية حسبما وضحنا سابقا.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here