islamaumaroc

مسرح اللامعقول بين العبثية والنقد

  دعوة الحق

العددان 98 و99

من أحدث أعمال سارتر، وهو الوافر الإنتاج، مقال كتبته صحيفة الفكارو (الأدبية) بتاريخ 26 يناير 1967، والمقال في الأصل بعنوان أسطورة المسرح وحقيقته « Mythe et réalité du théâtre » وهو عنوان المحاضرة التي كان سارتر ألقاها حديثا في مدينة بون، وسمح لصحيفة الطلبة البلجيكيين الشهرية «لوبوان» بنشرها في عددها الصادر بتاريخ 7 يناير 1967 وفي هذا المقال يوضح سارتر موقفه من مسرح اللامعقول، وهذا هام جدا من عدة وجوه. فمسرح اللامعقول يرمي بالعبثية، أو يوصف بها على أقل تقدير، وهو من هذه الوجهة قد يلتقي بالوجودية. ثم إن رأي سارتر، حتى وإن لم يتفق معه الكثيرون يفتح مدخلا لفهم أعمال اللامعقول. وبإمكاننا أن نمدد من هذا المدخل، بحيث لا نقف به عند فهم أعمال كبار مسرح اللامعقول الذين ذكرهم سارتر فحسب، أمثال جيني، وبيكيت، وآداموف وأونيسكو، بل نفهم به بوادر هذا المسرح عندنا في الأدب العربي وخاصة عند توفيق الحكيم في أعماله الأخيرة، ابتداء من «يا طالع الشجرة» وذلك بالاعتماد على آراء النقاد في مسرح توفيق الحكيم أيضا.
والفكرة الرئيسية التي يصدر عنها سارتر، في حديثه هي أن مسرح اللامعقول «لا يعتبر الحياة البشرية، والعالم ضربا من العبثية» ومن هنا فإن سارتر يرفض أن يطلق على هذا المسرح، كما ألف الناس «مسرح اللامعقول» أو «مسرح العبث» وهو يبرر ذلك، ويعرض تسمية جديدة، وقبل أن نأتي على رأيه في الموضوع لابد من بسط بعض المقدمات الأولية التي قد تسلم إلى ما انتهى إليه سارتر في هذا الموضوع. وهذه المقدمات تتصل بعلاقة الأدب عموما بالظروف الحضارية التي تجتازها البشرية. والمسرح منذ نشأته في القديم مرآة تنعكس عليها حياة المجتمعات، ولعل للاهتزازة الأولى، التي عمت الأدب والفن، وحتى ظروف الحياة وقتنا الراهن، تعود إلى صيحة (كبر كجارد) بعدم كفاية العقل، وإلى تمرد (نتشه) وغيرهما. بيد أن ظروف الحربين العالميتين، من مشاهد التدمير والحرق، ومآسي المعتقلات، والدعوات الزائفة إلى السلم؛ كل ذلك فتح عوالم جديدة أمام الفكر البشري. عوالم ينظمها اليأس واللامبالاة. وإذا كانا لتساؤل حول المصير قديما، فإنه بفعل الحرب وويلاتها، ارتد إلى الداخل، إلى أعماق الإنسان، بعد أن كان صداه يتردد في خارجه. ألم تظهر الحرب أن الإنسان بيديه، يهدم ما شيدت يداه؟ فالمصير إذن واضح. وما جدوى العلم والثقافة إن كانت هذه ثمارها؟ وقد دلت الحروب على أننا لا نتفاهم مطلقا، وهذا يورث الحصر. وبالرغم من كل شيء، فإن مأساة البعض، يسر عند الآخرين، وأغنياء الحروب، أفرادا وأمما تجسيد لذلك. وهذا يشعر بتمزق الروابط الإنسانية، وتناقض القيم، ونسبيتها على وجه أضيق. ولعل من أكبر مظاهر الأزمة الحضارية في هذا القرن، أن ينشأ عنها في نفس الوقت، وعقب الحرب العالمية الأولى مباشرة، تياران كبيران متناقضان أحدهما يعمل على امحاء الفردي في الجماعي، والثاني على العكس من ذلك، يهتم بالأنا ونظرته الذاتية، إلى احداث العالم. وإذا كان الاتجاه الأول تبلور في أوضاع سياسية، ونظم مجتمعية، كما يقضي بذلك منشؤه، فإن الثاني اختص بعالم الفكر والأدب والفن. لقد كان كل من الاتجاهين محاولة للخروج بالإنسانية من أسر اليأس واللامبالاة، إلى مستوى المسؤولية، مسؤولية بناء عالم جديد، بنظرات جديدة. ونشأت حركة «الدادية» أولا في الفن كتجسيد لفكرة اليأس واللامبالاة، فقد اشتق اسمها أيضا عبثا، من أول لفظ صادف أحدهم، وهو يفتح قاموسا لغويا على الصدفة؛ وما لبث كثير من الشعراء أن انضموا إلى هذه الحركة أمثال أراجون... إلا أن هذه الحركة ما لبثت أن وجدت الأساس الثقافي الذي كانت تفتقده، كي ينظر إليها كحركة جدية لها ما يبررها. وكان حامل هذا الأساس إليها هو طالب الطب إذ ذاك «اندري بروتن» وهكذا تحولت الدادية العبثية إلى «سريالية». أما هذا الأساس الذي اعتمدت عليه فهو اللاشعور بمعناه الواضح عند فرويد. فقد اعتمدت هذه الحركة «الفوق ـ واقعية» على الانطلاقة التلقائية في الإبداع، دون تقيد بقواعد الفكر المعتادة، في صياغة الأفكار والتعبير عنها. فالأثر السريالي سواء كان في الأدب أو الفن أشبه ما يكون برؤيا الحالم، يبدو لمن ينظر بعين العقل لا معنى له. بينما هو في الحقيقة محاولة للتعبير عن خبايا الذات وأعمق أعماقها، وكان للحرب أيضا أثر مباشر في بلورة كثير من الأفكار الوجودية خاصة فكرة العبث بالشكل الحاد، اليائس المتشائم؛ والمتمرد في عجز مرير؛ كما يفصح عن ذلك أشخاص كامو «الغرباء» أبدا، وريح «الطاعون» ما تفتأ تعصف بهم، الهائمون في حيرة بشأن العدالة. وترددت فكرة العبث هذه عند «كافكا» بشكل أعمق وربما أشد قتامة وعتمة. فأشخاصه يعانون من تهمة غير محددة، ولا يعرفون عنها شيئا؛ وهم يسيرون في ممرات ملتوية غريبة، وراء «القضية» ليجدوا من بيده أمرها نائما، وأمثالهم ينتظرون... وتضغط العبثية على هؤلاء فيتحولون «مسخا» مبكيا مضحكا، وفي حالة المسخ هذه يبدو تصدع العلاقات البشرية هائلا مخيفا، حتى في المحيط الضيق، محيط الأسر. فالأسرة تضيق بالمسخ الذي هو أحد أفرادها وربما كان أعزهم عندها... ففي هذه المشاهد كلها تعرية كاملة للواقع البشري، تعرية مريرة، تزيح عنه كل ما يتلفف فيه، من زائف القيم. وهي تعرية لا تقل عن تلك التي انجلت عنها الحرب في واقعها. ففي هذا اللون الأدبي، لا جدال في العبثية المسيطرة.
على أن ما يلاحظ أن المسرح على شدة ارتباطه بالحياة المجتمعية من جهة، وعلى شدة ارتباطه بسائر الفنون الأدبية من جهة أخرى، فإنه قد ظل خلوا من هذا اللون العبثي، أو أنه لم يمسسه إلا مسا عابرا، حتى حوالي سنة 1950 حيث ظهرت أعمال مسرحية تعبر فيما يبدو، عن هذا العبث L’absurdie شكلا ومضمونا. وهذا ما يتجلى في أولى مسرحيات أونيسكو «المغنية الصلعاء» التي ظهرت 1950 وكذلك «انتظار جودو» سنة 1952 لصموئيل بيكيت. وقد تتالت أمثال هذه المسرحيات بسرعة فائقة، وبالرغم مما يقال من أن هذا الاتجاه لم يرض جمهور المسرح، فإن الإقبال على مشاهداته ومطالعته، كبير جدا، أما المضمون الذي تتكشف عنه أعمال هذا الاتجاه، فهو صعوبة التواصل أو استحالته فالأشخاص لا يتوصلون إلى أن يتفاهموا فيما بينهم (مسرحية الدرس لأونيسكو والكراسي) كما أن المسخ يدب في مدينتهم (الخرتيت)؛ وهم يحيون التناقض، تناقض القيم، وتناقض أفكارهم، وهم لذلك في لعبة أو في «نهاية اللعبة» كما يصورهم بيكيت. واللعبة هنا هي الحرب، التي تركت الكثيرين ناقصي الخلقة، بين الحياة والموت، ولا أحد يحفل بهم، ولا هم يدرون شيئا عما ينتظرهم. أما الزمان فقد تميع، ولم يعد له من موضوعية (في انتظار جودو، والمغنية الصلعاء) فالساعات والأيام، لا يتفق عليها اثنان، كل يسمع من الدقات ويعد من الأيام، حسب ما يتراءى له. ونتساءل الآن: إذا تعذر التفاهم، وكانت حياتنا إمعانا في حالات التناقض، وكنا نفتح أعيننا لنجد اللعبة قد تمت وأن ما علينا إلا أن نقاسي مرارتها دون أمل، أو في أمل هو اليأس، نظل ننتظره وننتظر دون أن يعود؛ نتساءل: أليست هذه هي العبثية في أشنع صورها؟ أو لسنا مباشرة أمام مسرح العبث (Théâtre de l’absurde).
إن سارتر يرفض أن يطلق هذا الاسم على هذا الاتجاه المسرحي، لأنه يراه غير مطابق لمضمون اللامعقول ـ حسب سارتر ـ لا يرى في الوجود البشري عبثية. ويرى سارتر أن هذا المسرح أجدر به أن يطلق عليه «المسرح النقدي» Théâtre critique فهو يقول في حديثه هذا، اننا في سائر الفنون الأدبية، عدا المسرح، قد رأينا ألوانا نقدية، رأينا «الرواية النقدية عند «فلوبير»، والشعر النقدي عند «مالارمي». ولكن المسرح النقدي لم نصادفه قبل هذه السنوات الأخيرة، وقد تضافرت عوامل فنية وأخرى مجتمعية، على ظهوره. والمسؤول الأول المباشر ـ وسارتر هنا لا يذهب وراء الأسباب البعيدة ـ هو السينما. فمنذ ظهور السينما نشب صراع بينها وبين المسرح، وهي وإن لم تستطع أن تجذب إليها كل جمهور المسرح، وإن لم تستطع أن تقضي على المسرح كل القضاء؛ فإنها استطاعت أن تجلب إليها الجمهور المسرحي، بل وحتى الجمهور الذي حافظ على ولائه للمسرح، فهو يتردد على السينما مرات عدة، قبل أن يتردد على المسرح مرة واحدة. أما أساس التمييز بين المسرح والسينما، وربما تفضيل السينما على المسرح، فهو أن مناظر السينما تؤخذ على أنها طبيعية أو يفترض أن تكون طبيعية، بينما الأمر غير ذلك في المسرح. فما «يعرضه المسرح يبقى تمثيلا بينما المشهد السينمائي حقيقي» الشجرة في المسرح إنما هي تمثيل، بينما هي في السينما شجرة طبيعية. ونحن هنا نقر هذه الإمكانيات، التي تتوفر عليها السينما، ويعجز عنها المسرح، إلا أننا نضيف بعض ملاحظات إلى ما جاء في حديث سارتر، وهي أن المسرح في أحيان كثيرة، يكون هو المشهد الحقيقي، بينما ينتقل المشهد التمثيلي إلى السينما. فالفاجعة التي تجري على الخشبة، هي حقيقة من حيث أنني ألتقي فيها بالمثل مباشرة، أما في السينما فهذا متعذر والاتصال بالمشهد السينمائي، لا يتم إلا بعد القص، والحذف، والتكملة... فكان كل ما يتبقى من واقعية تمتاز بها السينما على المسرح، هو إمكانية التقاطها للمشاهد الطبيعية على حقيقتها. وهو نشير إلى ظاهرتين متكاملتين إحداهما تخص المسرح، والثانية تختص بالسينما. فالمسرح أصبح بوسعه أن يستغني عن البناية الرسمية، ليعرض في الهواء الطلق؛ بل في مكان الأحداث الأصلي، وهكذا أصبح الجمهور يشاهد مسرحيات، في القصور والمعابد التي جرت فيها أحداثها بالفعل، كما أن الخشبة كثيرا ما تنقل إلى الميدان الأصلي الذي دارت فيه المعارك الحربية؛ طبعا كل هذا على نطاق محدود، هذه هي الظاهرة الأولى؛ أما الثانية فهي أن السينما كثيرا، ما تعجز لأسباب مادية أو فنية، عن نقل المشاهد الطبيعية، على حقيقتها، فتعمد إلى الديكور كالمسرح. فعلى ضوء هاتين الظاهرتين نحد أن المسرح والسينما يتساويان في كثير من الأحيان، بل قد يمتاز المسرح عن السينما في أصالة الأداء؛ ويبقى تفوق السينما منحصرا في التقنية التي تمتلكها، وسرعة تنقل الأفلام، وانتشارها.
على أن سارتر عندما يجعل من السينما المسؤول الأول، عن الاتجاه المسرحي الجديد، اتجاه «اللامعقول»، فإنه يقصد بالذات أن السينما جعلت المسرح «يفكر في أمره» ويعي عجزه. فأصحاب هذا المسرح «يريدون أن يجعلوا من عدم كفاية المسرح نفسها، أدوات للتواصل» ومن هنا فالمسرح «النقدي» كما يسميه سارتر «يقوم على ثلاثة ضروب من الرفض وهي: رفض السيكلوجيا، ورفض العقدة، ورفض الاتجاه الواقعي» واضح هنا أن السينما في أغلب أعمالها الناجحة تعتمد كل ما يرفضه هذا المسرح الحديث، من سيكولوجيا، وعقد، وواقعية. والأسس الرفضية التي ينبني عليها هذا المسرح، تجعلنا نفهم إلى أي حد جعل من نقصانه شروط كماله. فهو بحكم نشأته لا يقبل السيكولوجيا باعتبارها تعقلا للمواقف والشخصيات، وهو لا يقبل الواقعية، لأن الواقعية ما هي إلا ابتاع خطة معينة في معالجة الموضوعات، ثم هو بالطبع يرفض العقدة لأن العقدة هي قمة التأليف العقلي. وإذا أمكن للسينما أن تجاري المسرح في نقطة من هذه الثلاث فهي عاجزة، عن مجاراته فيها جميعا، دفعة واحدة، وفي عرض واحد. والمسرح «النقدي» عندما يرفض الواقعية والعقدة والسيكولوجيا، إنما يشرك المتفرج أو القارئ في العمل المسرحي. فالمتفرج «مؤلف بالقوة» ولكن المسرح النقدي يجعله مؤلفا بالفعل، انه يدفعه ليقوم بدوره، فتنتهي المسرحية، وعليه أن يبحث لها عن عقدة، ويربطها بالواقع الذي يشاء، يصبها في السيكولوجيا الملائمة. ولعل هذا ما ينير قولة بيكيت عندما سئل عن «جودو» من هو؟ فأجاب بأنه لو عرف ذلك لقاله في المسرحية. فبيكيت هنا يظهر نفسه ـ حتى وإن لم يكن في حقيقته كذلك ـ كأي قارئ أو متفرج عادي، يستغلق عليه فهم الرموز التي تشير إلى شخصياته، وكان عليه بدوره، إذا أراد، أن يعرف من هو «جودو» الذي ينتظره الجميع، أن يبذل الجهد اللازم ليخرج من مستوى المتفرج الذي هو مؤلف بالقوة، إلى مستوى مؤلف بالفعل. والتناقض الذي يعتمد عليه المسرح «النقدي»، هو المظهر الذي تتجلى به، جدة مسرح اليوم. سواء كان التناقض مرجعه اللغة، أم نسبية الأحداث. والمتفرج عندما يشترك في معالجة هذا التناقض، إنما يقوم بأول ما يتطلبه المسرح الكامل كما يقول «ارتو Artaud»، أو المسرح الحق.
موقف سارتر إذن واضح من مسرح اللامعقول، انه ينظر إليه من زاوية وظيفية، وإذا هو مسرح نقدي. والنقدية تستلزم اعترافا مزدوجا بالواقع. اعترافا بواقع منقود، وقد يكون هذا اعترافا سلبيا. أما الجانب الإيجابي من النقدية، فهو الاعتراف بالواقع المنشود، مهما يكن هذا الواقع تصورا خياليا، أو مثاليا، أو مرتبطا بمعطيات عملية مباشرة. على أن هذا الوجه الثاني من النقدية، أي الجانب الإيجابي ليس من الضروري أن يكون جاهزا، كنموذج مجد، وخاصة في الأدب، إلا أن ما يكون واضحا في جميع الأحوال، هو تبرير الأحداث، فهذا التبرير بقدر ما يوضح العوامل التي تجعلنا ننتقد شيئا ما، فهو إشارة إلى ملامح الشيء الذي نود اعتباره بدلا مما هو منتقد، مهما يكن هذا الشيء غير واضح في تفاصيله. ويتضح من كل هذا أن النقدية، تجري في كافة مراحلها على مستوى العقل أي أنها عملية عقلية بالمعنى الشامل للعقل، المعنى الذي لا يخرج من نطاق العقل، ما من شأنه أن يعتمد على أسس عاطفية أو انفعالية. فهل تتوفر النقدية بهذا المعنى في مسرح اللامعقول؟ قد رأينا أن سارتر في حديثه عن هذا المسرح أثبت أنه ينبني على ثلاث ضروب من الرفض فيرفض السيكولوجيا، والعقدة، والواقعية. ويقول سارتر أن المسرح الحديث لا يحتوي على شيء من العبث L’absurde وإنما هو، بواسطة النقد، يرجع إلى المهمة الأساسية للعمل المسرحي، والتي هي «الإنسان كحدث، الإنسان كتاريخ في الحديث» ففكرة الحدث هنا تسلمنا إلى المجد. الإنسان حدث مجد على الخشبة. لكن الحدث كما يقول «كلود برنار» ليس شيئا في حد ذاته، وقيمته تأتي من الفكرة التي ترتبط به. والفكرة الحدثية هنا هي التاريخ. وعندما يبرز الإنسان على شكل حدث فهو فقط حلقة من التاريخ المتصل. وهذا بالفعل ما تلح عليه كثير من أعمال اللامعقول، بحيث يشعر المتفرج أو القارئ منذ الوهلة الأولى، أنه يحيا مع الشخصيات في التاريخ، إنه لا يشعر ببداية المسرحية، ولكنه يجد في أغلبها، تابعا لتاريخ سابق. فهو منذ الوهلة الأولى، أمام أناس «ينتظرون» بالفعل؛ أو هو أمام نتيجة «اللعبة»، أناس أو بقايا أناس، تعمهم الحيرة والعمى والشلل.. ففكرة الإنسان ـ الحدث ـ واضحة جلية؛ وهو حدث يحمل في ذاته تاريخا خاصة يغلفه التاريخ الكلي. ومن هنا تبدأ معالم النقدية التي ينسبها سارتر إلى مسرح اللامعقول، إنها نقدية تاريخية. نقدية تقف عند كشف الأحداث، وتمحيصها. والوقوف عند هذا الحد من الأحداث، هو ما لا يرضي الذين ينسبون العبث إلى هذا المسرح، مادام هذا المسرح في مبدئه، لا يبرر الأحداث، وبالتالي لا يستشف من نقديته، شيء من معالم البديل، التي يرمي إليه، بعد الانتقاد. والواقع أن هذا المسرح لو حاول التبرير، لناقض مبادئه الأولى، وهي رفض الواقعية وإظهار التناقض الذي يغمر الإنسان. فموقفه إذن محدود منذ البدء، وهو الوقوف عند الجانب السلبي من النقدية، أي الاكتفاء بالنقدية التاريخية، التي ليست إلا مرحلة، من عملية النقد الكاملة. فإذا أضيف إلى هذا، أن مسرح اللامعقول، حتى فيما يقف عنده، يعتمد بدءا، عجز اللغة عن تحقيق التواصل، أدركنا إلى أي حد يبدو موقف الذين يرمون هذا المسرح بالعبثية، منسجما مع معطيات هذا المسرح ذاته. فالعبث في الفكر الحديث، والوجودي خاصة، يعني الغربة المتبادلة بين الإنسان والكون، والأنا والآخر. هذا المعنى هو الذي يتجلى عند كير كجارد، وهيدجر؛ وعند كامو بوجه أخص. أما عند سارتر فالعبث بصفة عامة يعني ما ليس له معنى أو اللامعنى Le non-sense.
من كل ما تقدم، يبدو واضحا لماذا يعتبر سارتر مسرح اللامعقول نقديا، بينما يرى فيه الآخرون عملا عبثيا. فسارتر لا يجد في هذا المسرح «اللامعنى»، حتى وإن كان معناه فقيرا من الوجهة النقدية، يقف عند أولى الدرجات، بينما غيره لا يقنع بذلك، ويشترط في النقدية أن تكون تامة مبررة هادفة، أو بعبارة أوضح؛ أن هؤلاء يريدون بدلا من النقدية التاريخية، نقدية واقعية.
لا نريد أن نتعسف، فنتحيز لسارتر أو لخصومه فذلك يتطلب دراسة الكثير من أعمال اللامعقول، واحدا وحدا بعناية، إذ من الصعب، أن يحكم المرء بأنها جميعا تخضع لمفهوم واحد، نقديا كان أم عبثيا. وهذا ما تدل عليه بعض أقوال كتاب اللامعقول أنفسهم. فبيكيت نفسه عندما يسأله البعض عن «جودو»

من هو؟ يجيب بأنه لو عرف ذلك لذكره في المسرحية! بينما في أحيان أخرى ينطلق في الحديث عن بعض مسرحياته وكأنما ينظمها ناظم المنطق والنقد. ولا يمنع هذا من أن نكون ميالين مبدئيا إلى اعتبار الجانب العبثي في هذا المسرح، وذلك بالنظر إلى المبادئ التي اعتمدها هذا المسرح، وانطلق منها.
تدعونا هذه المناقشة لمسرح اللامعقول بين النقدية والعبثية، إلى إلقاء نظرة على هذا المسرح، كما تجلى في الأدب العربي، وعند توفيق الحكيم خاصة. فالمعروف أن مسرحيات توفيق الحكيم هي من النوع الذي يقرأ أكثر مما يمثل، أي أنها من المسرح الذهني في أغلبها. وبالإضافة إلى ما يمتاز به هذا النوع من التأليف من نظرة إنسانية، فإنه يمتاز بأنه يستقطب مشاكل ميتافيزيقية وأخلاقية. وقد اختار الحكيم لهذه المشاكل الأطر المناسبة لإبرازها. فكان جل عمله، يدور حول القصص الديني أو الشعبي أو التراجيدي اليوناني (أهل الكهف، شهرزاد، بيجما ليون...) لأن هذه الألوان تحفل بمعاني الأسطورة، التي لا تضيق بأي بعد إنساني كما تضيق بذلك، كثير من الحكايات المحلية. وكان الحكيم في كل ذلك متأثرا بالموجة التي عمت الأدب الغربي خاصة في الفترة التي يدرس فيها، في فرنسا، وتمتاز بالتفتح على كنوز الشرق الأدبية والخلقية.
لن ندعي بأن هذه الموجة وحدها هي التي جعلت الحكيم يتجه إلى استلهام الفكر الشرقي، فله من طبيعته الشرقية، ما يغنيه عن ذلك. إلا أن المؤكد أنه تأثر بها، في الاتجاه الذي جعله يضفي على شخصيات الماضي، رموزا تتصل بحياتنا الحاضرة. وهو لم يتأثر بالوسط الأدبي، إذ ذاك في الشكل فحسب، بل في المضمون. فمسرحياته متماسكة، مبنية على أسس منطقية صحيحة. وهذا ما يسمها بالعقلانية التي كانت تشكل النموذج المقبول في الأعمال الأدبية والمسرحية خاصة؛ إلا أن الحكيم ما لبث أن انحرف عن هذا الاتجاه العقلاني، في أعماله الأخيرة: (يا طالع الشجرة، رحلة قطار، الطعام لكل فم...) ويقول توفيق الحكيم عن هذا الاتجاه الجديد «.. كان في اتجاهي إليه مع المتجهين مع عشاق المسرح الحديث، في العالم يومئذ، غير  أني تحولت به التحول الذي يناسب طبيعتي وحالة المجتمع الذي نشأت فيه...» فكيف أمكن لتوفيق الحكيم أن يقفز من العقلانية المتطرفة إلى اللامعقول؟ هذا السؤال بالضبط ما يلقيه الأستاذ سعد الله ونوس (مجلة المعرفة عدد كانون الأول 1964) ويذهب كاتب المقال إلى أن الخاصيتين اللتين تطبعان مسرحية الفترة الأولى عند الحكيم هي أنها ذهنية، وأنها مستقاة من الفكر الشرقي والصراع بين الشخصيات ينشأ عن مواقف عقلية... ويستخلص الأستاذ ونوس أن هاتين الخاصيتين، وكذلك الجدل الفكري، توحد بوضوح فيما يسمى باللامعقول عند توفيق الحكيم. والواقع أن توفيق الحكيم نفسه في مقدمة «يا طالع الشجرة»، يذكر أنه في مرحلته الجديدة، لم يزد على أن استلهم الأدب الشعبي كما سبق له أن فعل في «شهرزاد».. ويرى الحكيم أن الخلط الذي نجده لأول وهلة وحسب النظرة السطحية، في الأدب الشعبي، ليس إلا وسيلة تلقائية من وسائل تعبير هذا الأدب، مشحونة بطاقات فنية صالحة للاستلهام. وإذا كانت خصائص المرحلة العقلانية عند الحكيم، توجد بتمامها في المرحلة التي أطلق عليها اللامعقول عنده، فإن هذا المسرح عنده يختلف عن كتاب اللامعقول في الغرب. فبينما لا تنبئ كثير من أعمال اللامعقول عند هؤلاء عن شيء من المعنى، فإن أعمال توفيق الحكيم ـ كما يرى الأستاذ ونوس بحق ـ لاتزال على النمط ـ العقلاني «غير أنها هذه المرة تطهرت من التجريد، ومن التقابل العاري الذي يسرق من العمل ظلاله وإيحاءاته وأعماقه» وهو شكل يغني كثيرا هذا المضمون، ويملؤه بالإيحاءات. والواقع أن الحكيم نفسه، سجل تراجعا عن تسمية مسرحه الأخير باللامعقول فهو يقول: «...فأنا لست من هذه الطائفة، ان ما يصدر عني، إنما يصدر تحت سيطرة عقلي، غير أني أعتقد أن عقلنا البشري، له من سعة الأفق ما يسمح لنا أحيانا، أن نخرج عليه لنتأمله، وندرسه عن بعد». وهكذا يكون بالإمكان بعد إعمال الفكر، وخاصة لمن نهل من مسر الفترة الأولى للحكيم، بالقدر الكافي، أن يصل إلى أعماق مرحلته الأخيرة فيجد فيها نفس الخصائص، ونفس المتعة العقلية المعهودة أو أكثر.
لنعد الآن إلى ما أوردنا عند مناقشة العبثية والنقدية في مسرح اللامعقول عند جيني، وآداموف، وبيكيت، واونسكو، وهم الذين ركز عليهم سارتر، فنجد خصائص النقدية بمعناها العقلي الذي يعتمد التبرير، والنظم المتماسك، مهما يكن الشكل الذي يضم محتواها تتوفر بشكل واضح في مسرح توفيق الحكيم، وحينئذ إذا أمكن أن تنسب العبثية إلى مسرح أولئك، فهي أبعد ما تكون عن مسرح الحكيم.


1) مؤلف مسرحي، وممثل فرنسي توفي سنة 1948 وقد قاد ثورة على المسرح التقليدي من اعتماد على اللغة والبيان ودعا إلى تجديد في أساليب الديكور والإخراج عموما.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here