islamaumaroc

المؤتمر التاسع والعشرين للتربية والتعليم.-3-

  دعوة الحق

العددان 98 و99

تعرضنا في الفصل السابق إلى موضوع البحث التربوي وبينا الأهمية التي أخذ يكتسيها في مضمار التعليم والتربية والتي تجلت في مختلف التقارير التي أعدتها الدول المشاركة في المؤتمر الدولي التاسع والعشرين للتربية والتعليم والتدخلات والملاحظات التي أبداها الأعضاء والنواب الذين ساهموا في أشغال هذا المؤتمر، ونود اليوم أن نلقي نظرة على التوصيات التي خص بها المؤتمر قضية تنظيم البحث التربوي.
لقد افتتح المؤتمر هذه التوصية التي تحمل رقم ستين باستعراض الاعتبارات التي دفعت أعضاءه إلى الاهتمام بالبحث التربوي ثم قسمها إلى ستة أقسام تشتمل في مجموعها على اثنين وأربعين من الفقرات وهذه الأقسام هي:
1 ـ أهداف البحث التربوي ويتركب من ست نقط.
2 ـ تنظيم البحث التربوي وطبيعة الأشغال التي يتطلبها، ويحتوي هذا القسم على 12 فقرة.
3 ـ تطبيق النتائج وتوزيعها على الدول الأعضاء، ويتكون هذا الفصل من عشر نقط.
4 ـ الموظفون المكلفون بالبحث التربوي، ويضم هذا الجزء 16 نقطة.
5 ـ التعاون الدولي في ميدان البحث التربوي وهو يشتمل على ثلاث نقط.
6 ـ تطبيق التوصية في ثلاث نقط.
وقد ورد في الجزء الخاص بالاعتبارات الدواعي الأساسية التي أدت بالمؤتمر إلى إظهار أهمية البحث التربوي وإبراز الدور الحيوي الذي أخذ يلعبه في مضمار التربية، أن المؤتمر الدولي للتعليم العمومي ما عتم يلح أثناء الدورات الماضية وخلال المهرجانات والندوات التربوية التي عقدت في مختلف جهات العالم حول ضرورة معرفة الطفل والكائن البشري، بصفة عامة، من حيث جوانبه النفسانية والتربوية، وجعل هذه المعرفة نقطة الانطلاق لكل عمل تربوي.
ونصت هذه الاعتبارات على الأهمية القصوى التي يكتسيها البحث العلمي في جميع الميادين المتعلقة بالنشاط البشري، كما جاء فيها أن حل المشاكل التربوية يتوقف عاجلا أو آجلا على البحث المجرد والتجربة العملية وان الأهمية المتزايدة التي عدت تكتسيها الدراسات المتعلقة بالتربية تدل على أن هذه الأخيرة ترمي إلى تحقيق تقدم البشرية من النواحي الخلقية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وقد اعتبر هذا الجزء بصفة خاصة الالتزامات والفروض المتكاثرة التي تحتمها التخطيطات الدراسية في مختلف مراحل التعليم وأطواره والعواقب الخطيرة التي تنتج عنها فيما يخص صحة الأطفال وتطور دراساتهم كما اعتبر ضرورة نشر تربية مستمرة وتربية الكهول التي تقتضي استعمال طرق جديدة وتقنيات حديثة، وسجل المؤتمرون في هذا الفصل الطلبات المتواصلة التي تتقدم بها مختلف البلدان للحصول على خبراء في ميادين علم النفس المدرسي والتربية التجريبية وتخطيط التعليم وعلم الاجتماع الخاص بالتربية والنمو كما سجلوا فيه تعدد نشاط المعلمين والتلاميذ وما يتوقف عليه من أماكن دراسية ملائمة ومضاعفة الإصلاحات المدرسية في جميع الأقطار وضرورة اعتبار هذه القضايا من جهة مظهرها العلمي. وقد نص المؤتمر على ضرورة إيجاد حلول مختلفة لمشاكل البحث التربوي تستجيب للظروف والإمكانيات والتقاليد والأنظمة الخاصة بكل قطر كما نص على أن من واجب علوم التربية باختلاف ضروبها وأنواعها وأشكالها أن تحقق النمو الكامل للكائن البشري، من جميع نواحيه البدنية والمعنوية والخلقية والجمالية والاجتماعية حتى يحصل على أمثل تكوين وأحسن اندماج اجتماعي.

1 ـ أهداف البحث التربوي:
بعد تحديد هذه الاعتبارات الأساسية التي لا يتصور الاهتمام بالبحث التربوي دون تقديرها والتمكن منها انتقلت التوصية إلى الكلام عن أهداف البحث التربوي. ويمكن إجمال هذه الأهداف في النقط التالية:
يتعين على التربية أن تحدد غاياتها وتحسن باستمرار وسائل عملها ومحتواها وطرقها، ولن يتأتى هذا إلا إذا تم تنظيم البحث التربوي وتطوره.
يعد البحث التربوي  ضرورة ملحة لإقرار التربية على مقاييس علمية ناتجة عن الدراسات النظرية والتاريخية والملاحظة المجردة وتجربة المربين.
ويتلخص هدف البحث التربوي في اكتشاف القوانين المجردة والمبادئ الأساسية لنظام التربية وضمان تطور النظرية وتحسين طرق تطبيق العمل التربوي.
ولتحقيق هذا الهدف يتحتم وضع دعائم نظرية وعلمية لتصميم عام للتربية بواسطة دراسات مجردة متعلقة بالإمكانيات والحاجيات التبشرية والمادية في الحاضر والمستقبل، ومن الضروري أن ينسجم هذا التصميم الهام مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتشريعية والسياسية للتربية.
ومن أهداف البحث التربوي تحسين قيمة التعليم ورفع إنتاجه، ويتحقق هذا التحسين بإصلاح البرامج والطرق التربوية في جميع مراحل التعليم وأطواره حسب طاقة جميع التلاميذ في مختلف أعمارهم وقدرتهم على هضم هذه الإصلاحات وقابليتهم لهذه التغييرات.
ولن يتسنى للبحث التربوي أن يلعب دوره كاملا في رقي التعليم وتطور التربية إلا إذا درست الوسائل الكفيلة:
أولا ـ بتحسين إنتاج طرق التوجيه المدرسي والمهني.
ثانيا ـ برفع قيمة التربية التي يتلقاها الطفل خارج أسوار المدرسة من طرف عائلته ومنظمات الشباب التي ينتمي إليها.
ثالثا ـ بتنظيم الدراسات في موضوع التربية المقارنة. هذه هي الأهداف التي حددها المؤتمر للبحث التربوي، ومما يلفت النظر في هذه الفقرات إلحاح المربين على ضرورة تحلي البحث بالتجرد الكامل عن النزعات السياسية وأعمال الديماغوجية وابتعاده عن كل ما لا يتصل بميدانه حتى لا تكون أعماله عرضة للضياع.

2 ـ تنظيم البحث التربوي وطبيعة الأشغال المتعلقة به:
بعدما تعرضت التوصية المتعلقة بالبحث التربوي إلى أهداف هذا البحث وألحت على صبغة التجرد التي يتحتم أن يتزين بها انتقلت إلى الكلام على تنظيمه ونوع الأعمال التي يتطلبها ويختص بها. وقد جاء في هذا الجزء أن من الواجب على المؤسسات الحكومية والحرة على السواء تخصيص اعتمادات مهمة للبحث التربوي ولباحثين مستقلين حتى يستطيعوا أن يضطلعوا بأعمالهم، في أحسن الأحوال، وأن يقوموا بتنفيذ منجزاتهم ونشر آثارهم ويتعين اعتبار قيمة الأبحاث في ميدان التربية والتوفر على شروط اعتبار قيمة الأبحاث في ميدان التربية والتوفر على شروط التجرد والنزاهة والمراقبة والصرامة والجدية العلمية التي يفرضها جميع الذين يقفون حياتهم للقيام بهذه الأبحاث على أنفسهم.
وتنحصر ميادين نشاط البحث التربوي في الغايات التي تحدد له كعلم قائم بذاته، ويشمل هذا النشاط الدراسات ذات الطابع النفساني والاجتماعي والاقتصادي كما يشمل دراسة طرق التربية ووسائلها في مختلف أشكالها بعد اعتبار حاجيات التلاميذ والطلبة ومؤهلاتهم وحاجيات المجتمع وإمكانياته.
وإذا كان في الإمكان إجراء الأعمال الخاصة بالبحث التربوي في المعامل والمختبرات والأقسام وغيرها من المرافق الاجتماعية فإن هذه الأعمال تحتم استعمال طرق الرياضيات والإحصائيات وتحليل نتائج الأبحاث تحليلا دقيقا، ومما لا ريب فيه أن أعمالا من هذا النوع تتطلب عمليات تهيئ نظرية حتى يتيسر التمييز بين البحث الصرف نفسه والاختراعات الحديثة وتدخل في إطار البحث التربوي الأبحاث المتعلقة بقوانين التربية وتاريخها بشرط أن تتم هذه الأبحاث وفقا لمنهجها العلمي.
وقد عبر المؤتمر عن آماله في أن يندمج البحث التربوي المتعلق بالقضايا العامة للتربية والتعليم في تصميم شامل ذي غايات متوقعة حتى يتحقق بين الباحثين تعاون وثيق.
ويفرض تنظيم البحث التربوي الذي يعم البلاد وضع تخطيطات بعيدة المدى وتصميمات سنوية لكل مؤسسة علمية كما يفرض تنسيق مؤسسات علمية عديدة تتعاون لدراسة قضية واحدة.
وينبغي التفكير في كل بحث وكل تجربة تخص التربية ومواصلتها حتى لا يلحق أي ضرر بالتلاميذ ولا بالطلبة الذين هم موضوع هذه الدراسات.
ومما لا شك فيه أن التربية بصفة عامة والبحث التربوي بصفة خاصة، يهمان مختلف العلوم، وهذا ما يفرض الاستعانة ببعض الفلاسفة والفيزيقيين والنفسانيين والاجتماعيين وغيرهم من العلماء حتى تتم دراسة تكوين التلميذ في مختلف مظاهر حياته ووجوده.
وقد نص المؤتمرون في هذه التوصية على ضرورة توفر كل قطر على مراكز للبحث التربوي ومختبرات خاصة به. حتى يضمن تنظيم هذا البحث بكيفية فعالة مع العلم بأن نشاط مخبر للتربية التجريبية موقوف على بعض الشروط من الوجهة المادية، ومما يحمل التذكير أن المخبر لا يحتاج إلى أدوات مرتفعة الأثمان لإنجاز عدد كبير من الأبحاث.
ومن الشروط الضرورية لنجاح هذا العمل التربوي أن يشترك فيه المربون والسلطات التعليمية فقد أظهرت التجربة التي جرت في بعض الأقطار ضرورة مساهمة المعلمين العاملين بمختلف المؤسسات التربوية والمدرسية في هذا العمل مساهمة نشيطة مباشرة.
وبما أن البحث التربوي التطبيقي يتجاوز المجهودات الفردية التي يقوم بها كل معلم لتحسين وسائل نشاطه فإن هذا البحث يتطلب إنشاء مدارس تطبيقية يتم فيها تغيير الوسائل بصفة جماعية وتتأتى فيها مراقبة هذه الأعمال حتى لا يتضرر منها النشاط المدرسي.

3 ـ تطبيق النتائج وإذاعتها:
لا يعتبر البحث التربوي منتهيا إلا إذا تأتى الشروع في تطبيق نتائجه، وهذا ما يجعل من الضروري تطبيق النتائج التي تم الوصول إليها بعد وضع تخطيط للبحث وبعد تنظيمه تنظيما محكما. ولن يتسنى دخول هذه النتائج في حيز التطبيق إلا بعد نشرها وإذاعتها عن طريق المحاضرات والمعارض والدروس النموذجية.
فإذا تهيأت هذه النتائج انتصبت المصلحة المكلفة بتنسيق البحث التربوي لوضع كشف عام لهذه التجارب ونشرها في الإطارين الوطني والدولي.
وتكتسي عملية نشر هذه النتائج شكلين اثنين:
أولهما: تحرير مقالات وإعداد كتب تشرح الأحداث والنتائج المتولدة عنها حتى يتمكن الباحثون في أقطار أخرى من تقدير العمل المنجز وتحديد الظروف التي يمكن أن تطبق فيها هذه النتائج في بلدانهم.
ثانيهما: تحرير مقالات موجهة للمسؤولين الإداريين ورجال التعليم ومربين آخرين بشرط أن تكون هذه المقالات التوجيهية خالية من المفردات والعبارات التي لا يدركها إلا المختصون.
ومن أهم شروط البحث التربوي إجراؤه باتصال وثيق مع المدارس نفسها حتى تستغل النتائج المتوصل إليها في هذه المدارس كمراجع لأبحاث أخرى.
ان البحث التربوي لا يعتبر غاية في حد ذاته ولكنه وسيلة فعالة لنقل النتائج إلى ميدان عملي يتجلى في البرامج الدراسة والمشاريع التربوية.
وإذا كانت بعض المصالح المكلفة بالبحث التربوي لا تتوفر على مدارس تجريبية فإن في إمكانها أن تنشئ أقساما تجريبية في المدار العادية وتدخل في هذه الأقسام بصفة تدريجية نتائج الأبحاث التي تم الوصول إليها. ويتعين إدراج نتائج البحث التربوي ضمن برامج مدارس تكوين المعلمين بأسرع ما يمكن، ومن أجل هذا يتعين اخبار المعلمين والمسؤولين الإداريين والمفتشين بنتائج الأبحاث وطريقة تطبيقها أثناء ندوات خاصة وخلال دروس تهدف إلى تحسين تكوينهم وتعمق معلوماتهم ورفع مستوى تفكيرهم. ولن يكتب النجاح الكامل لهذا العمل إلا إذا ربطت مراكز الأبحاث التربوية صلات وثيقة بالسلطات المدرسية.

4 ـ الموظفون المكلفون بالبحث التربوية:
نظرا لأهمية البحث التربوي والآثار الجليلة التي يمكن أن يخلفها والتطورات الطيبة التي قد يحدثها في مجالي التعليم والتربية فإن من آكد الواجبات أن يتوفر القائمون به على ثقافة محترمة وتكوين خاص لا يعقل أن تقل مدته على ثلاث سنوات ولا أن يعطى بغير الجامعات والمؤسسات التعليمية العليا والمعاهد التربوية الخاصة، ويتكون هذا التعليم من دراسات نظرية عامة كالفلسفة والتاريخ ونظرية الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع وتكوين الجهاز العصبي كما يتكون من تدريبات على بعض طرق البحث العلمي.
وإذا كانت هذه التوصية قد نصت على ضرورة توفر الرجال القائمين بالبحث التربوي على تكوين جامعي فإن ذلك يرجع إلى أن عملهم التربوي سيجعلهم مضطرين للاهتمام بالتعليم في مختلف مستوياته كما سيجعلهم على اتصال وثيق بمجموع المربين والمؤسسات التربوية.
وبما أن المشاكل التي سيتعرض لها البحث التربوي ستتطلب حلولا تربوية شائكة فمن المتعين أن يجري اعمال البحث التروي داخل مجموعات بشرية يتحتم فيها التعاون مع أخصائيين آخرين كالفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع والإحصائيات والاقتصاديين والمهندسين والأطباء المختصين بالأمراض العقلية.
ومما لا يعزب عن البال أن مراكز الأبحاث التربوية لن تستطيع القيام بمهمتها إلا إذا توفرت على حاجياتها الضرورية سواء كانت هذه الحاجيات تتعلق بالأفراد من أخصائيين ومساعدين أو كانت تتعلق بالتجهيز المادي من أدوات ومعلومات.
وإذا كان من المرغوب فيه أن تنظم هذه الأبحاث التربوية داخل المؤسسات الخاصة بها فإن من المطلوب كذلك مساهمة بعض رجال التعليم فيها نظرا للمسؤوليات المتعددة التي يتحملها هؤلاء المعلمون والأساتذة وما يمكن أن يتوفروا عليه من ملاحظات ومعلومات خلال اضطلاعهم بأعبائهم المهنية اليومية، ولن تأتي هذه المساهمة إلا بأجل الفوائد على البحث التربوي وعلى هؤلاء المعلمين الذين سيرتفع مستواهم ويتحسن تكوينهم كما ستسمح للبحث التربوي بإدراك الغاية التي يسعى إليها وهي تحسين التربية.
ومما لا ريب فيه أن رجال التعليم الذين قد يرغبون في مثل هذه الأبحاث لن يستطيعوا القيام بمهمتهم إلا إذا حظوا بنظام خاص يخفض من عدد الساعات التي يدرسون فيها ويسمح لهم بالحصول على المستندات والوثائق التي قد يرغبون في الحصول عليها والاتصال بمن شاؤوا الاتصال به من الشخصيات والمراكز العلمية ويتوفرون على تعويضات محترمة.
وإذا كان من المطلوب أن يساهم المعلمون والأساتذة القائمون بمهنة التدريس في البحث التربوي فإن هذا لا يعني أن يقوم جميع رجال التعليم بهذه التجارب مهما كان مستواهم وكيفما كان تكوينهم بل يتعين أن لا يقوم بهذه التجارب التربوية إلا رجال التعليم الذين تلقوا من الأخصائيين إرشادات وتوجيهات في الطريقة العلمية للتعليم والبحث التربوي والذين يخضعون باستمرار في أعمالهم التجريبية، لمراقبة صارمة من طرف رجال مختصين يقدرون قيمة أعمالهم وفعاليتها.
نعم! لقد أخذ البحث التربوي ينتشر انتشارا محمودا في كل مكان، الأمر الذي يبشر بأن الأعمال التربوية لن تظل ضحية الارتجال والتهور، وهذا ما يحتم ضرورة توفر إطارات التعليم والتربية، سواء الإطارات التربوية أو الإطارات الإدارية على تكوين نظري وعملي يجعلهم قادرين على تنظيم الأبحاث التربوية تحت مسؤوليتهم والقيام بتجارب تربوية محدودة تدخل في مجموع الأشغال التي يقوم بها المسؤوليون عن البحث التربوي، ولن يتحقق هذا التكوين إلا إذا حصل المعلمون والأساتذة على معرفة مبادئ البحث التربوي وتقنياته أثناء دراساتهم الجامعية حتى يكونوا على بينة من قيمة الاستقصاء العلمي في مضمار التربية وحتى تكون لهم الكفاءة المطلوبة لاستخلاص التطبيقات العلمية لهذه الأبحاث.

5 ـ التعاون الدولي:
لن يستطيع البحث التربوي أن يدرك الغاية المنشودة إلا إذا اعتمد سائر المهتمين به على تعاون دولي فعال بين المؤسسات الوطنية والإقليمية والدولية المكلفة بهذا النوع من الأبحاث. وسيكون لهذا التعاون الدولي أجمل العواقب إذ سيسمح بتقوية التبادل بين مراكز البحث التربوي خصوصا إذا ما تم تأسيس مصلحة دولية تجمع هذه التجارب وتدرسها وتنشر مختلف النتائج في مجلات تربوية دولية كما سيسمح بتيسير الأبحاث في مضمار التربية المقارنة وطرقها وتذليل العقوبات التي قد تحول دون القيام بهذه الأبحاث والمساعدة على وضع المسائل التي قد يضطر بعض الباحثين إلى وضعها وتحديد موضوعات مشتركة للبحث التربوي بين قطرين أو ثلاثة والحيلولة دون تكرار نفس العمل والابتعاد عن التقيد وعدم الانطلاق الناتجين عن قلة الاتصال والاستخبار.
ومما تجدر الإشارة إليه أن المنظمة الدولية للثقافة والتربية والعلم (اليونسكو) والمكتب الدولي للتربية يبذلان جهودا محمودة لتسهيل تنسيق أعمال مراكز الأبحاث التربوية بعقد مؤتمرات دولية وإقليمية لمقارنة هذه الأعمال وبضمان توزيع الأخبار، المتعلقة بهذا النشاط التربوي عن طريق المجلات والأفلام...
ومع هذا فقد أوصى المؤتمر الشعوب المتقدمة في هذا المضمار باتخاذ التدابير اللازمة لمساعدة الدول النامية بمختلف الوسائل كإمدادها بالخبراء الأكفاء وتشجيعها ماديا ومعنويا على تأسيس مراكز خاصة بهذا العمل وإعطائها المنح الضرورية لتكوين طلبتها الراغبين في التخصص في البحث العلمي وقبول بعض الطلبة كمتدربين في المراكز الموجودة بأقطارهم.
هذه نظرة موجزة عن التوصية الستين التي أصدرها المؤتمر الدولي التاسع والعشرون للتربية فيما يتعلق بتظيم البحث التربوي، وقد ختمها بفقرات تهتم بمتابعة كيفية تطبيقها وطريقة مراقبتها في مرحلة التنفيذ ملحا على مختلف الأقطار الأعضاء بالمكتب الدولي للتربية والتعليم حتى يعتنوا بالبحث التربوي وينظموا مراكز خاصة به نظرا لما في ذلك العمل من ربح للتعليم وفائدة على مستقبل التربية والمربين، ويتجلى من هذه التوصية أن المؤتمر لم يهتم بالبحث التربوي من حيث تنظيمه المادي ولكنه انكب على دراسة الجوانب البشرية والمعنوية ملحا حول ضرورة الاهتمام بالموظفين الذين سيكلفون بهذا النشاط التربوي الهام والذين يتعين عليهم أن يتوفروا على جميع الضمانات المادية والمعنوية حتى يستطيعوا القيام بأعمالهم في جو من الراحة والهناء دون أن تضغط عليهم السلطات مهما كان نوعها أو اتجاهها، ويتضح من إلحاح التوصية أن من الواجب أن يتمتع المربون والعلماء المكلفون بالبحث التربوي بالحرية الكاملة والاستقلال التام في عملهم حتى لا يتأثر نشاطهم ويفتر حماسهم وتضيع بذلك التجارب التربوية التي يقومون بها، ومما لا ريب فيه أن رجال البحث التربوي لن يتمكنوا من أداء مهمتهم إلا إذا حصلوا على الأجور المناسبة حتى لا يظلوا منزعجين بالتفكير في أحوالهم المادية وحاجياتهم اليومية، وهكذا فقد نص المؤتمر على ضرورة احترام هؤلاء الموظفين وتمتعهم بالحرية والنزاهة والتجرد والحقوق المادية ليستطيعوا الاضطلاع بمسؤوليتهم التربية في أحسن الأحوال وأطيب الظروف.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here