islamaumaroc

حول كتاب "صفحات مغربية"، للدكتور نقولا زيادة

  دعوة الحق

العددان 98 و99

الدكتور نقولا زيادة من إخواننا علماء المشرق القليلين الذين يهتمون بقضايا الجناح الغربي لبلاد العروبة، وهو علم غني عن التقديم، نعرفه من خريجي جامعة لندن، يعمل أستاذا للتاريخ العربي الحديث، ورئيسا لدائرة التاريخ والآثار بالجامعة الأمريكية في بيروت. لا يستأثر به كرسي الجامعة ولا يصرفه عن الانطلاق في أجواء فسيحة. يتجلى ذلك في محاضراته، وبحوثه العديدة في مجلات الشرق والغرب، ومؤلفاته التي بلغت لحد الآن خمسة وعشرين، باللغتين العربية والإنجليزية. عرفت السنة المنصرمة منها مؤلفين اثنين، هما: دمشق في عصر المماليك، وصفحات مغربية.
هذا الكتاب الأخير هو الذي سنحاول التعرف على بعض محتوياته. وهو كما قال المؤلف في كلمة التصدير «مجموعة مقالات ومحاضرات وإذاعات أعدت في مناسبات متفاوتة في الزمن، متباينة في الحاجة. فأولاها ترجع إلى أواخر سنة 1951، وآخرها وضع في سنة 1965، بعضها نشر في دوريات علمية والبعض الآخر نشر في الصحف والمجلات، ومنها ما لم ينشر وإنما أذيع. ومن ثم فهي مختلفة في الحجم. وبسبب تباعد الزمن في كتابتها، وتنوع الحاجة التي كتبت من أجلها، فقد تفاوت الأسلوب فيها بشكل واضح...».
نعم تضم صفحات مغربية 42 فصلا تتناول تاريخ المغرب العربي بأقطاره الأربعة: ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب. نال المغرب الأقصى منها 12 فصلا. نقرأ في القسم الأول تراجم المنصور الذهبي، والمولى اسماعيل، والحسن اليوسي، ومحمد بن زاكور، وأبي القاسم الزياني، ومحمد اكنسوس، وفي القسم الثاني المخصص لرحلات حديثة نجد وصفا لأطلال وليلي الرومانية ومقارنتها بآثار بعلبك في الشام. وفي القسم الثالث المعنون بكتب من المغرب العربي، نقف على طرف من أدب شنقيط، فيه مقطعات لبعض أدباء هذا الإقليم المغربي، ونصوص من كتابي الوسيط في أدب شنقيط، وشعراء موريطانيا. ثم تعليق على كتابي الأستاذ عبد الله كنون: النبوغ المغربي، وأحاديث عن الأدب المغربي الحديث. أما القسمان الأخيران من الكتاب، المترجمان بقضايا مغربية، وفي الحياة الفكرة والأدبية المعاصرة، فليس فيهما إلا فصل واحد عن جامعة الرباط والتعليم بالمغرب.
هكذا نتبين ـ ولو من بعد ـ الغرض النبيل الذي قصد إليه الدكتور زيادة من تعريف مواطنيه عرب المشرق بأخبار إخوانهم عرب المغرب، محاولا أن يستقصي ـ في نتف يسيرة ـ تاريخ أربعة عشر قرنا لهذا القطر الشاسع الممتد من تخوم مصر حتى المحيط الأطلنطيقي.
«سهم أصاب وراميه بذي سلم
من بالعراق لقد أبعدت مرماك»
إذن لابد من الاختصار والاختيار. وإذا كان لا حق لأحد في أن يحشر أنفه في هذه العملية التي تختص بالمؤلف وحده وتخضع لتفكيره وذوقه، فإن من حقنا نحن المعنيين بالأمر ـ وأظن الدكتور متفقا معي في هذا ـ أن نحرص على أن يكون الحديث عنا فيما وقع عليه الاختيار سليما لا تشوبه شائبة. لذلك رأيت أن أقف وقفة قصيرة أمام بعض النقط التي استلفتت نظري أثناء قراءة صفحات مغربية دونما تصنيف أو استقراء...
في ترجمة المنصور الذهبي، وهي أطول وأهم  ترجمة في الكتاب ـ نحو 20 صفحة ـ تعترضك هذه العمارة المشوشة: «ظلت شواطئ المغرب الشمالية والشمالية الغربية موضع نزاع ومنافسة بين الإسبان والعثمانيين»(1). وكلنا يعلم أن شواطئ المغربي في تلك الجهات لم تكن قط موضع نزاع بين الإسبان والعثمانيين. إذ لم يكن الإسبان يحتلون من شواطئ المغرب على عهد الملك البرتغالي سبستيان ـ وهو العهد الذي يتحدث عنه المؤلف ـ سوى مدينة مليلية. ولم يملك العثمانيون قط أي ثغر مغربي، اللهم إلا ما كان من التجاء الأخوين عروج وخير الدين أثناء إغارتهما على الأندلس إلى حجر باديس. وهي ـ آنذاك ـ جزيرة صخرية صغيرة بالقرب من الشواطئ المغربية بين مليلية وسبتة. ولكي يؤمن الإسبان شواطئهم من إغارات الأتراك سعوا إلى احتلال حجر باديس، وقاموا ضدها بإغارات بحرية متكررة لقيت مقاومة عنيفة من طرف السكان المغاربة ـ حسب المصادر الأوروبية نفسها ـ ولا ذكر إطلاقا لاشتراك الأتراك في تلك المعارك من قريب أو بعيد. وليس هناك إلا تهمة باطلة ـ من جملة تهم كثيرة ـ رمى بها بعض المغرضين من المؤرخين الأوروبيين الملك السعدي، ورددها مؤلفنا بقوله: «فقد استعدى الغالب الإسبان على الأتراك»(2).
وفي الحديث عن مقدمات معركة وادي المخازن ذكر المؤلف «أن يوحنا الثالث ملك البرتغال (1521 ـ 1557) تخلى عن المناطق التي كانت بلاده قد احتلتها على شاطئ المغرب لانصرامه إلى العمل البعيد.. وخلفه على العرش سبستيان (1557 ـ 1578) الذي أراد أن يعيد أمجاد أسلافه في المغرب، فكان يرنو إلى تلك البلاد بنظره، دون أن يقوم بأي عمل..»(3) حتى استعان به محمد المتوكل فلبى النداء. والواقع أن البرتغاليين لم يتخلوا عن بعض الشواطئ المغربية زهدا فيها وانصرافا إلى العمل البعيد، وإنما اضطروا إلى ذلك اضطرارا بعد أن فتح السعديون ضدهم واجهتين حربيتين، أولاهما في بلاد عبدة بقيادة أحمد الاعرج، والأخرى في سوس برآسة محمد الشيخ. وجرت في بلاد حاحة والشياظمة من عبدة معارك طاحنة طوال سنتين (923 ـ 924/1517 ـ 1518) بين الوطنيين المجاهدين، والبرتغاليين ومن انضم إليهم من المارقين بقيادة يحيى بن تعففت. فكان الانكسار البرتغالي الأول بعد أن هلك كل من حاكم آسفي Lopez Barriga والقائد يحيى ابن تعففت، واحتمى الباقون بالأسوار منتقلين بذلك من طور الهجوم إلى طور الدفاع. وطال أمد المعارك في سوس 25 سنة (923 ـ 948/1517 ـ 1541) وتعددت الوقائع بين السعديين والبرتغاليين، كانت الحرب فيها سجالا بين الفريقين، إلى أن تمكن البطل محمد الشيخ يوم 12 مارس 1541 من تحطيم قوى الاحتلال في حصن فونتي (أكدير) وإلقاء من تخطته المنية من المنهزمين إلى البحر ليتشبثوا بالمراكب البرتغالية المدبرة إلى غير رجعة. فكانت الضربة القاضية على سياسة التوسع البرتغالي في المغرب وأصدرت لشبونة الأمر بتجميع قواتها في البرمجة (الجديدة الحالية)، وطنجة، وسبتة. والانسحاب من آسفي، وآزمور، والعرائش والمعمورة. وقد اعترف بتبخر أحلام المستعمرين البرتغاليين وحبط سياستهم العدوانية في المغرب حتى المتعصبون من مؤرخي الإفرنج(4). ثم إن سبستيان الطامع في استعادة ما خسرت بلاده في المغرب لم يبق (بدون عمل) ينتظر محمد المتوكل أن يستنجد به، بل صرف همه إلى إعادة الكرة على المغرب منذ أن أمسك بيده زمام الأمور. قبل أن يتصل به المتوكل بأربع سنوات ـ بحملة تمهيدية في المغرب حيث أقام بضعة أشهر في سبتة وطنجة، واشترك في مناوشات حربية مع المجاهدين المغاربة ببلاد الهبط، تكشف له عن شدة مراس هؤلاء واستماتتهم في الدفاع عن حوزة الوطن. فأخذ ـ منذ ذلك الوقت ـ يعد العدة ويجري الاتصالات السرية والعلنية مع أمراء أوربا الصليبيين في إيطاليا وسويسرا وألمانيا والبلاد المنخفضة ليزوده بالسلاح والمقاتلة. ثم رجع إليه سفيره Nuno-Alvaros Pereira من بلجيكا بـ 4000 من أقوى الجنود المدربين و25000 قنطار من مسحوق البارود، و7000 بندقية من مختلف الأنواع، مع آلاف مؤلفة أخرى من القذائف وفتائل المدافع... و6000 برميل من الدقيق، و3000 قنطار من الجبن، و4500 قنطار من اللحم المملح(5).
أما ما ورد بعد ذلك من أن سبستيان «خرج في صيف 986/1578 من البرتغال واحتل طنجة وأصيلا دون صعوبة»(6). فإن الأمر لا يتعلق باحتلال جديد، بل بإنزال الجند فقط. وإذا كانت طنجة في يد البرتغال منذ عام 869/1464، وأصيلا منذ عام 876/1471.
وإذا انتقلنا إلى عهد المنصور نفسه فإننا نجد المؤلف يذكر أثناء شرح سعة سلطانه ويفصل في فتوحاته بأقطار السودان، وما كان منها بطريقة الحرب أولا فيقول: «أما توات ونيكورارين وبورنو فقد كتب المنصور إلى أصحابها فقبلوا طاعته»(7) وهنا أولا خلط بين توات ونيكورارين المنطقتين الصحراويتين المغربيتين، التابعتين اليوم لحكومة الجزائر بعد أن اقتطعتهما فرنسا في جملة ما اقتطعت من المغرب على عهد الاستعمار، وبين بورنو المملكة السودانية القديمة الممتدة من حدود مملكة سونكاي غربا حتى بلاد النوبة بتخوم مصر شرقا. ويحمل حتى اليوم جزء منها هذا الاسم (بورنو ـ كانيم) ويكون إقليما في شمال جمهورية نيجيريا. على أن المنصور ـ حقيقة ـ لم يجلب على بورنو بخيل ولا ركاب، وإنما بايعه ملكها ادريس الوما عن طواعية واختيار، بعكس الحال في بلاد توات ونيكورارين التي كانت قد أنفت من الخضوع إلى السلطة المركزية منذ أن فشلت ريح المرينيين والوطاسيين، فجرد المنصور كتائب متعددة لإرجاعهما إلى الطاعة ولا، ثم للقضاء على المتنطعين من الرؤساء فيهما بعد ذلك(8).
وأثناء الحديث على علاقات المنصور بالدول الأجنبية، وبخاصة الأوروبية منها، ورد في الصفحات أن الإنجليز نشطوا حينذاك في معاملاتهم التجارية مع المغرب «وكان المنصور قد أدخل قصب السكر وعصره إلى البلاد بحيث صار المغرب من البلاد التي تزود أقطارا كثيرة بحاجتها من السكر..»(9). والحقيقة أن المغرب عرف ازدهار صناعة السكر وزراعة قصبه الجيد قبل المنصور ودولته، بل وقبل الدول التي سبقتها من وطاسية ومرينية وموحدية. وهذا الجغرافي البكري يذكر في المسالك والممالك ما كان في القرن الخامس الهجري (11م) من توسع في زراعة قصب السكر بإقليم سوس، ووجود السكر بكثرة في مدينة ايغلي السوسية حيث يباع بسعر مثقالين للقنطار، ويستطيع الإنسان أن يحمل منه ما شاء مقابل ربع درهم فقط. وفي القرن التالي (6هـ/12م) يؤكد هذه الحقيقة الإدريسي في نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ويقول عن قصب السكر المزروع آنذاك بسوس أنه لا مثيل له في غير ذلك الإقليم، سواء من جهة حجمه الغليظ أو غزارة عصيره، أو من جهة مذاقه المتميز بحلاوة فائقة. وحتى لو قصرنا الحديث عن الدولة السعدية، فإننا نجد موسسها محمد الشيخ يعنى بمزارع السكر ومصانعه في السوس بمجرد استيلائه على حصن فونتي من يد البرتغال وتطهير الشواطئ الجنوبية من المحتل الدخيل. وقد احتكر هذه المادة الثمينة وجعل منها إحدى ركائز نظامه الاقتصادي الجديد.
وبخصوص ما ورد في الصفحات من نهيب المنصور من الإسبان، وارتيابه منه مقام الناصر بن عبد الله الغالب عندهم، فلم يستجب لرغبة بريطانيا في التحالف معه «إلى أن كانت سنة 1588 إذ انكسر أسطول إسبانيا الارمادا في مهاجمته لإنجلترا، فأضعف ذلك نفوذ فيليب، وجرب فيليب حظه بإطلاق الناصر ففشل أمره. عندئذ قبل المنصور بأن يهاجم إسبانية مع انكلترا على أن يقتسما الغنيمة..»(10). الواقع أن التحالف بين المنصور وإيليزابيت تحقق قبل هذا التاريخ، بل ان التحالف بين المنصور وإيليزابيث تحقق قبل هذا التاريخ، بل إن الفضل في انتصار الإنكليز على أسطول الارمادا الإسباني يرجع إلى المساعدات المادية المهمة التي قدمها الملك السعدي لحليفته ملكة إنكلترا. وعلاوة على الرسائل الكثيرة في الموضوع التي تزخر به مجموعة مصادر غير منشورة لتاريخ المغرب ـ السلسلة الإنكليزية ـ. فقد سجل هذه الحقيقة مؤرخ مغربي معاصر كان في نفس الوقت أمين سر المنصور ووزيره، وهو عبد العزيز الفشتالي في كتاب مناهل الصفا(11). على أنه كان للمنصور في قضية ابن أخيه الناصر المقيم في إسبانيا تاكتيك سياسي آخر بالتشويش على فيليب بإمكان إثارة المطالب بعرش البرتغال ضده(12). وفعلا كان المطالب بالعرش الدون انطونيو ملتجأ إلى البلاط الإنكليزي، وابنه كريستيان مقيما ببستان المنارة في مراش طوال سنوات كانت الاتصالات السرية مستمرة بين المنصور وإيليزابيت في تحديد المبالغ المالية اللازمة لتهييئ العدد والعدد من أجل الاجلاب على الملك الإسباني من الخارج والداخل. وحتى قضية الهند التي ظن المؤلف أنها كانت السبب في صرف همة اليزابيت عن إسبانيا وجيرانها ـ المغرب؟ ـ فإن المنصور كان في الواقع مشاركا فيها مشاركة فعالة، وتبادل في الموضوع مراسلات عديدة مع ايليزابيث، لوضع الترتيبات الكفيلة بنجاح حملة مغربية ـ إنجليزية لاحتلال الهند واقتسامها بين الإمبراطوريتين البريطانية والسعدية. وقد أملى هذا التعاون ضرورة ملحة باحتياج كل من العاهلين إلى الآخر في تلك العملية العسكرية العظيمة. فإيليزابيث كانت بحاجة إلى ذهب المنصور، وهو لا غنى له عن أسطولها العتيد لقطع المحيطات. وطال الحوار بينهما في ذلك، بسبب رغبة إيليزابيث في الاستئثار بمباشرة الغزو على أن ينال العاهل المغربي حظه من الغنيمة بعد. ويأبى هو إلا  أن يشارك جنده جنبا إلى جنب لمقاتلة الإنجليز، ويسند في إحدى رسائله الأخيرة لملكة إنكلترا وجهة نظره بأن الجنود المغاربة أقوى على تحمل حرارة الهند من الجند الإنكليز الناشئين في منطقة باردة، وبأن كثيرا من الهنود وجيرانهم يعتنقون الإسلام فلا ينفرون حينئذ من إخوان لهم في الدين. ويضيق المقام عن تعداد النصوص المعاصرة بخصوص مخطط المنصور في غزو إسبانيا واسترجاع الأندلس، سواء من رسائل المنصور نفسه، أو من آثار المؤرخين والأدباء الذين عاشوا في بلاطه، ولم يكن ذلك وليد أمنية عابرة (دغدغت) المنصور بعد أن مد إليه الخليفة العثماني يد السلم والصلح، وسعت إليه الملكة الإنكليزية بالحلف والتعاون، خلافا لما توهمه عبارة الصفحات.
ومع اعترافنا بأن ترجمة ملك عظيم كالمنصور لا تفي بها صفحات معدودات، فإننا نلاحظ غمطا بينا في جانب الرجل وفي جانب عصره الذهبي باختيار أمثلة تافهة في بعض النواحي المهمة. فالطب بالغرب آنئذ أجل من أن يستدل عليه بإنقاذ محمد الطبيب حياة الملك المريض، أو برسالة يشرح فيها المنصور لابنه طرق الوقاية من الوباء المنتشر. فلماذا لا يشار ولو في سطور إلى وجود هيئة طبية عظيمة منظمة في مراكش، يرأسها أبو القاسم الوزير الغساني صاحب التآليف الخالدة، كالروض المكنون في الحميات والأورام، وحديقة الأزهار في شرح ماهية العشب والعقار، ومقتطف ريحانة الجيوب في العقاقير والعشوب. وإلى جانبه عبد الغني بن مسعود الزموري مؤلف كتاب الفائق المقيد في علاج الحصى بقول سديد، وأبو القاسم الفشتالي صاحب حافظ المزاج ولافظ الأمشاج بالعلاج، وعلي بن إبراهيم الأندلسي صاحب الأرجوزتين الطبيتين في خواص الخضر والفواكه، وطبائع الأعشاب ومفعولها في مداواة مختلف الأمراض... وكذلك الشأن في علوم الفلك والهندسة والرياضيات التي أشار إليها المؤلف إشارة عابرة، وكأنها لم تعرف إذاك عشرات الجهابذة المتخصصين الذين غصت رحاب مجالسهم التعليمية في المساجد والمدارس، وخلفوا مجموعة صخمة من المؤلفات المقيدة، أمثال ابن حميدة المطرقي، واحمد بن التقليتي، والحسن المسفيوي، وعبد الرحمن البعقيلي، وعبد القادر الطليط وغيرهم. أما الأدباء فما أكثرهم في ذلك العصر الزاهر. ونظرة خاطفة في روضة الآس التي أثبت فيها أحمد المقري أسماء الأدباء الذين لقيهم في مراكش وفاس، وبعض آثارهم الأدبية أثناء رحلته قبيل وفاة المنصور، كافية للتعرف على مدى الثروة الأدبية الضخمة في المغرب آنذاك. وربما كان أبو الحسن الشامي الذي اختاره مؤلف الصفحات ثالث ثلاثة، أقل أدباء ذلك العصر آثارا معروفة لدينا اليوم ـ ولو أن المقري ردد ذكره في نفح الطيب وأزهار الرياض ـ. ونحن نعتز به (وبأصله الشامي) اعتزازنا بابن ميمون الغماري دفين جبل لبنان، ونشير إلى أن الأسرة الشامية عاشت في المغرب قبل عهد المنصور بمدة غير قصيرة وماتزال حتى اليوم متفرعة في فاس وغيرها من مدن المغرب..
نجتزئ بهذا القدر لتعذر تتبع كل موضوعات الكتاب في هذه العجالة، ونود قبل أن نطوي الصفحات إلى أن ننبه إلى هفوات حول أعلام حرفت ـ ربما كانت المطبعة مسؤولة عن بعضها ـ مثل البريجة (كتبت البريغة) وابن عسكر (حذفت كافه) وعلى ابن محمد التمكروتي (كتب التامفروتي) وأبو العباس ابن القاضي _أسقطت منه كلمة ابن) وخلفون (كتبت بالحاء المهملة)... ونشير إلى طريقة المؤلف في الإتيان بنقول طويلة يضعها بين قوسين ولا ينسبها إلى أصحابهــــــا(13)، أو يستعمل في ذلك عبارات مبهمة كالنسبة إلى أحد المؤرخين(14). أو أحد كبار المؤرخين الغربيين(15). وإذا كان ذلك من ضرورة المحاضرات الإذاعية ـ مثلا ـ فإن الأنسب أن تراجع قبل دفعها إلى المطبعة لتخرج في كتاب، وتزود بهوامش تبين مصادر وأرقام صفحات النصوص المقتبسة، ويعاد النظر في الفصول المكتوبة قبل سنوات لتصحح على ضوء ما جد في موضوعها: فاليوسي لم يحج مع (المعتصم ابن السلطان) وإنما رافقه ابنه محمد اليوسي الذي كتب الرحلة الحجازية وأتى فيها بنص إجازة والده الحسن اليوسي لأشهر علماء الأزهر إذاك محمد الخرشي صاحب الشرح المشهور لمختصر خليل(16). ولم يؤلف اليوسي كتابا في الهيئة، وإنما وهم الأستاذ بيرك في قراءة ترجمة اليوسي المكتوبة في الصفحة الأولى من القانون المطبوع على الحجر بفاس فحرف كتاب في الهيللة إلى كتاب في الهيئة(17)، وتبعه مؤلفنا في ذلك. كما تبعه في عد القصيدة الرائية من الحكم الصوفية، وهي رثاء الزاوية الدلائيــــة(18)، واعتبر ككتب فقهية التعليق على شرح كبرى السنوسي، ومشرب العام والخاص، مع أن موضوعها علم التوحيد(19)... ولعل أهم فصل كان من المؤكد مراجعته ـ بالنسبة إلينا ـ هو المتعلق بجامعة الرباط والتعليم العالي في المغرب. إذ هو يحتوي على أرقام لم تعد تعبر عن واقع التعليم العالي ببلادنا، لاعتماده على إحصائيات سنتي 1958 ـ 1959. وكان بإمكان المؤلف ـ وقد قضى شطرا من عطلة الصيف الماضي بالرباط ـ أن يحصل بسهولة على إحصائيات جديدة، وفيها يجد أن كلية الآداب وحدها تضم 2581 طالبا وطالبة.
وبعد، فهذه ملاحظات عابرة أوحت بها قراءة صفحات مغربية لا ترمي إلى التعريف والتعقيب بقدر ما تستهدف إثارة همة الدكتور زيادة، حتى يولي بلادنا اهتماما أكثر في نشاطه العلمي ويخرج لنا كتبا أخرى عن المغرب لا تقل عمقا وطرافة عن مؤلفاته في الموضوعات المشرقية.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صفحات مغربية، ص 56.
(2) المصدر السابق في نفس الصفحة.
(3) المصدر السابق، ص 57.
(4) انظر مثلا: H. Terrasse, Histoire du Maroc, 2 : 162-164.
(5) انظر في هذا الموضوع: H. de Castries, les Sources In&dites de l’Histoire du Maroc, France.
(6) صفحات مغربية، ص 57.
(7) المصدر السابق، ص 62.
(8) انظر كتاب (مناهل الصفا) المطبوع في تطوان سنة 1964، ص 36 وما بعدها.
(9) صفحات مغربية، ص 65.
(10) المصدر السابق، ص 66.
(11) النسخة المخطوطة الموسعة، ميكروفيلم المكتبة العامة بالرباط، رقم 779.
(12) من المعلوم أن فيليب ملك إسبانيا ضم إليه بلاد البرتغال وإمبراطوريتها، بعد هلاك سبستيان في معركة وادي المخازن بنحو ثلاث سنوات. وظلت البرتغال تابعة لإسبانيا زهاء 60 سنة.
(13) انظر مثلا صفحات 13 – 19 – 20 – 23 – 43 – 59 – 62 – 67.
(14) ص 47.
(15) ص 21.
(16) ارجع إلى كتاب الزاوية الدلائيبة، ص 105.
(17) المصدر السابق، ص 102. ـ هامش ـ.
(18) نفس المصدر، ص 104. هامش رقم 89.
(19) صفحات مغربية، ص 100. والزاوية الدلائية، ص 102.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here