islamaumaroc

[كتاب] الإمام الأوزاعي سيرته-شخصيته-تعاليمه وآراؤه، تأليف شفيق طبارة

  دعوة الحق

العددان 98 و99

ذلك هو عنوان الكتاب القيم الذي دبجته يراعة الأستاذ شفيق طباره ليسد به في المكتبة العربية فراغا ملحوظا طالما أحس به المعنيون بالدراسات الإسلامية ولاسيما أولئك الذين يتتبعون منهم سير العظماء من أفذاذ العلماء وأهل الفكر الذين كان لهم نصيب في حقل التشريع والنظم الدينية في العصور الإسلامية الأولى، والكتاب الذي أتحفنا بها الأستاذ طباره صدر مؤرخا عن مطابع بيروت، ونحن في زمن تتوافر فيه المحاولات لجلاء الأصول التاريخية للمذاهب الفقهية التي تركت ظلالها العميقة على المجتمع الإسلامي في مختلف أدواره وعصوره.
وإن مثل هذه الدراسة المركزة لواحد من أبرز أئمة الفكر في الإسلام، جديرة بأن تلفت الأنظار في زمن يتطلع به الناس إلى الطريقة التي عالج بها هذا الإمام العظيم المشكلات التي واجهت معاصريه في القرن الثاني للهجرة، وهي مشكلات تكاد تتكرر في كل زمان ومكان على نحو واحد وإن اختلفت مظاهرها العابرة بين عصر وآخر.
فالجيل الذي عايش الإمام الاوزاعي منذ حوالي اثنى عشر قرنا من الزمان يكاد لا يبتعد في ظروفه وأوضاعه عن الجيل الذي نعيش معه اليوم، لأن الأستاذ هو الإنسان، قد يتغير إطاره الاجتماعي ولكن نظرته إلى الحياة والوجود تبقى دائما نابعة من تطلعه النهم إلى اعتماد نظم يرتاح إليها ويطمئن إلى جدواها في تأمين قاعدة منطقية تصلح للاستقرار والازدهار والسعادة.
وعلى هذا فإن كتاب الإمام الاوزاعي لمؤلفه الأستاذ شفيق طباره ليس غريبا عن الزمن الذي ظهر فيه بل هو متصل به أشد اتصال مما يجعله بحق أحد كتب الموسم الفكرية التي تساعد الناس على إيجاد الحلول التي تمكنهم من تلمس أفضل الوسائل في تنظيم شؤونهم الاجتماعية في حياتهم، والتغلب على ما يعترضهم من صعوبات ومتاعب وارتباكات.
وليس من شك في أن الإمام الاوزاعي، كما يتفق أكثر النقاد الاجتماعيون، ترك من الآثار والآراء ما هو جدير بأن يتخذ منه المصلحون مبادئ معقولة لإرساء المجتمع الراهن على قواعد مكينة من العدالة والتعاون والإنماء الروحي، بحيث يتاح له الانطلاق نحو الأحمد والأفضل ولاسيما في حدود العلاقة التي يجب أن تقوم بين المواطن العادي والمؤسسات العامة وبين هذا المواطن نفسه وزميله في الأرض والوطن والرابطة القومية بل والإنسانية الشاملة.
ولسنا في هذه العجالة المتواضعة في معرض الحديث عن سيرة الإمام الاوزاعي وشخصيته وتعاليمه وءارائه، فمثل هذا الحديث قد فصله المؤلف وتناوله في كتابه الموفق على نحو لا يترك مجالا للطمع في زيادة أو إيضاح، إذ أن في صفحاته التي قاربت الأربعمائة من القطع الوسط ما يفي بالغرب ويحقق المقصود، وإنما الذي يعنينا الآن هو تقديم الكتاب من خلال القيمة العلمية التي تحلى بها والروح البناء التي رافقت جهود الأستاذ طباره فيما أخذ نفسه به وهو يؤلفه كتابه. فلقد أعطى المؤلف الكريم موضوعه الطريف جاذبية خاصة جعلت القارئ يقبل عليه بشوق أكيد ورغبة كبيرة وهو على ثقة مما تقع عليه عينه واطمئنان إلى ما يجد فيه من معلومات وحقائق ووقائع دون أن يراوده الملل أو السأم أو تطرف عينه رغبة ظاهرة أو باطنة تدل على أن المؤلف يريد أن يتحول به إلى غير الهدف العلمي الصريح الذي عبر عنه الكتاب نفسه من أول سطوره إلى آخر كلمة فيه!
ولا يسعنا ونحن نتحدث عن الكتاب وصاحبه إلا أن نربط بينهما وبين المحيط الإنساني والإقليمي الذي يكتنفهما ونعني بهذا المحيط الواقع اللبناني بما له وما عليه من ملابسات تتدافع فيها التناقضات من كل حدب وصوب. وأن هذه التناقضات هي من الكثرة والتداخل جعلت كثيرا من المراقبين يصرون على أن يدمغوا لبنان بما تواضعوا على تسميته بالطابع الخاص، وإني وإن كنت لا أقر هؤلاء المراقبين على ما دمغوا به بلدي بصبغة مطلقة فإنه يبدو لي أن هذا البلد لا يخلو بالفعل، من سمات نفسية تجعله غير متكامل الشخصية الروحية فهو من هذه الناحية يفرض على الأقلام التي تعالج الموضوعات المتصلة بطبيعة تطوينه البشري الحذر ويجعلها مضطرة لأن تأخذ بحسابها المضاعفات الانفعالية التي تتركها كل كلمة تقال أو كل سطر يكتب ومن هنا تبدو لنا حسامية الموضوع الذي تولى الأستاذ شفيق طباره كبره ولباقته في معالجة هذه الحاسية، والتوفيق البعيد الذي أصابه المؤلف في هذا الصدد يحملنا على إعطائه قدره من التنويه والثناء وإكبار الجهود المشكورة التي بذلها في كل فصل من فصول الكتاب وفي كل موضوع من موضوعاته ليأتي محققا للغرض منه لا في الاتجاه التاريخي فقط، بل في الاتجاه الإنساني والوطني كذلك!
أجل، إن الأستاذ شفيق طباره الذي اضطربت جوانحه بالإعجاب العميق بعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي كان حريصا على أن يقدمه لمواطنيه في بلده لبنان، على أنه بمواقفه من السلطان الحاكم، وءارائه في النظام القائم، مدرسة قائمة بذاتها شعارها الشجاعة والصراحة والكرامة وأن الحق يعلو ولا يعلى عليه ليكون الإمام اليوم كما كان في الأمس البعيد إسوة حسنة لأبناء الجيل الحاضر والأجيال الآتية فتكون الاوزاعية التي وسم بها مذهبه وصدر عنها في كتبه مرة أخرى في المكان الذي أباح لها من قبل ناصية البقاء والخلود على تقلب الأيام والأحداث، وتفرض نفسها من جديد عبر لبنان إلى دنيا العروبة والإسلام، ليس بقوة الحديد والنار، ولا الإرهاب والإكراه، بل عن طريق المنطق السوي والحجة والدامغة والأسلوب الذي لا يشوبه زيف الرعاية الباطلة ولا بهتان التضليل الخادع!
لقد كان الاوزاعي، كما عرفناه من خلال كتاب الأستاذ كباره أمة في رجل وهذا ما جعله في قومه وزمانه (أمره أعز من أمر السلطان) وناهيك بها من مكانة لا يرقى إليها إلا العظيم الذي تكاملت في نفسه ثقة العالم وجرأة الرائد وزهد المومن. ولسوف تتعاقب على الأرض دورة الأفلاك قرنا بعد قرن والاوزاعي ثابت في مكانه من قمة الخلود كركز شاهق على الصلابة الراسخة في إعلان كلمة الحق في وجه الحاكم النافذ أيا ما كانت نتائج هذه الكلمة في شخصه أو ماله!
(يا أمير المؤمنين، رض نفسك لنفسك، وخذ لها الأمان من ربك، ان الدنيا تنقطع ويزول نعيمها، ولو بقي الملك لمن قبلك لم يصل إليك وكذلك لا يبقى لك كما لا يبقى لغيرك من بعدك. واعلم يا أمير المؤمنين أن السلطان أربعة، أمير يظلف نفسه وعماله، فذاك له أجر المجاهدين في سبيل الله ويد الله باسطة عليه بالرحمة. وأمير رتع ورتع عماله، فذاك يحمل أثقاله وأثقالا مع أثقاله. وأمير يظلف نفسه، ويرتع عماله، فذاك الذي باع آخرته بدنيا غيره. وأمير يرتع ويظلف عماله، فذاك شر الأكياس (يعني الأربعة) (... واعلم يا أمير المؤمنين أنك قد ابتليت بأمر عظيم لو عرض على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنه وأشفقن منه، فأعيذك بالله أن يخيل إليك أن قرابتك برسول الله صلى الله عليه وسلم تنفك مع المخالفة لأمره، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا صفية عمة محمد ويا فاطمة بنت محمد، استوهبا نفسيكما من الله، إني لا أغني عنكما من الله شيئا، وقد سأل جدك العباس النبي امارة على مكة والطائف فقال له: يا عباس، يا عم النبي، نفس تحييها خير لك من امارة لا تحصيها، هي نصيحة منه لعمه، وشفقة منه عليه.
ويتابع الاوزاعي عظته البالغة ويقول: ... (ان اشد الشدة القيام بالله بحقه وإن أكرم الكرم عند الله التقوى أن من طلب العز بطاعة الله رفعه، ومن طلبه بمعصية الله أذله ووضعه. هذه نصيحتي يا أمير المؤمنين إن قبلتها فلنفسك عملت، وإن رددتها فلنفسك بخست، والله الموفق والمعين عليه.
كلمات كأنها قدت من جبهة الأسد لا رياء فيها ولا ملق، ولا زلفى ولا خور، وإنما هي الجرأة تضيق عن روعتها الحروف التي نظمتها في معانيها، بها واجه إمامنا الفحل، خليفة عصره أبا جعفر المنصور الذي وكد بهيبته الأساس لملك بني العباس، وهي كلمات لا يتطال إلى حمل تبعاتها الجسام في وجه ملك الأنام إلا من كان مثل الاوزاعي الإمام في الانتصار للحق على الخلق كافة، ولو كان فيهم أبو جعفر المنصور الذي خضت سفه بدم قرن الطغاة في دولته، أبي مسلم الخرساني الذي لولاه لما كانت لأبي جعفر دولة تنمى إلى جده العباس بن عبد المطلب في التاريخ!.
وسيبقى الكتاب، ما استمسكت في أيديهم قوائم الأقلام، ينوهون بالموقف البطولي الحاسم، الذي تصدى له الإمام الاوزاعي في بلاد عامل العباسيين على الشام حينما استبدت بهذا الأخير ثورة الغضب على عملاء الأجنبي ممن دسهم البيزنطيون على أهل لبنان وكاد يصدر أمره القاطع بطرد هؤلاء العملاء ومعهم من يمت إليهم بنسب القربى في العشيرة أو الولاء بالمذهب لولا أن تداركه الاوزاعي إمامنا الكبير بأي من الذكر الحكيم كانت فيصلا بين قصاص المجرمين والعفو عن باقي الأبرياء من المتهمين بذنب لم يقترفوه!..
فقد روى الوافدي عن سعد في طبقاته أنه: خرج بجبل لبنان قوم شكوا عامل الخراج في بعلبك، فوجه صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، من قتل مقاتلهم وأقر من بقي منهم على دينهم وردهم إلى قراهم.. وأجلى قوما من أهل لبنان..
وان محمد بن كثير حدث: أن الأوزاعي كتب إلى صالح المذكور رسالة طويلة حفظ منها:
«.. وقد كان أجلاء أهل الذمة من جبل لبنان ممن لم يكن مماثلا لمن خرج على خروجه ممن قتلت بعضهم، ورددت باقيهم إلى قراهم ما قد علمت، فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة، حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم وحكم الله تعالى. ان لا تزر وازرة وزر أخرى. وهو أحق ما وقفت عنده واقتديت به. وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال: «من ظلم معاهدا وكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه!..».
مقالة أطلقها الإمام الاوزاعي من وحي القرءان لتكون شرعة إنسانية على أساسها قامت مؤسسات العدل في كل مكان.. العقوبة لنفس المذنب فلا يجوز أن تنقل منه إلى غيره، ولو كان ذا قربى أو قرين الإيمان والدين. ولكل عقوبة سبب، فلا يقبل من حاكم أن يلتوي مع نزوة الهوى أو ينزلق في ثورة الغضب ليدين قوما بسبب ما اقترفه سواهم إلا إذا كانوا مظلة للأذى أو ذريعة إلى الفساد. هذا هو حكم الإسلام، وما كان الإمام الاوزاعي ليحض من حكم دينه في سبيل مرضاة أميره.
ولقد كان لدفاع الإمام الاوزاعي عن ذمة المسلمين من نصارى لبنان ما بعده إذ لولا هذا الدفاع الجريء عما شرعه الإسلام في علاقة المسلمين بمن يساكنهم من أهل الكتاب، هودا كانوا أم نصارى، لولا هذا الدفاع لما بقي في هذه الرقعة من بلاد الشام ولا في غيرها من دار الإسلام تلك الأقليات التي يحاول الأجنبي أن يعيث في أوساطها فسادا وإفسادا نكاية بالمسلمين وطمعا في بلادهم وأموالهم!
وبعد أن وقفنا على جرأة الإمام الاوزاعي في إعلان حكم الدين مع غير المذنبين ولو كانوا ذميين كما وقفنا على انتصار صالح بن علي الوالي العباسي على نفسه التي عصفت بها شهوة الانتقام من الذين وضعوا سيوفهم في خدمة أعداء الأمة والوطن، وطأطأ رأسه خاضعا لما شرعه الله من نظام لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه.
بعد أن وقفنا على هذا كله، فإنه لا تثريب علينا إذ نحن سرنا مع قافلة الزمن بضعة قرون من السنين لنرى ماذا حدث في جبل لبنان بالذات على عهد الاحتلال الصليبي، هذا الاحتلال الذي اتخذ من صليب الفداء، عاصفة هوجاء، دكت جميع ما صادفته أمامها من معالم الحضارة والرحمة والإنسانية باسم الرسول الذي كانت حياته كلها معالم حضارة ورحمة وإنسانية..
إن الصليبيين ماكادوا يطأون بيروت بعدوانهم الآثم سنة (1291م) وسيوفهم لما تستقر بعد في إغمادها، لم يجدوا في انكفاء أمرائها البحتريين إلى المشارف المحيطة بالمدينة من الجبال القريبة، ما يبعث فيهم الثفة بالاستقرار أوضاعهم في البلاد العريقة ولم يطل تفكيرهم بحثا عن الوسيلة التي تبعد عنهم أسباب الخوف والقلق وتردهم إلى روعهم لا يخافون ثورة المغلوبين ولا يتوقعون انتفاضهم، وما كانت هذه الوسيلة لتختلف عما ألف الغربيون من الوقيعة بالخصم عن طريق استدراجه إلى حيث لا يستطيع الدفاع عن نفسه ولا المقاومة، ثم البطش به والقضاء عليه حتى لا تقوم له من بعد قائمة تخشى أو يحسب له حساب، وهكذا كان!
وهنا أترك الأب (لا منى اليسوعي) يروي لنا الأسلوب الذي اختاره الصليبيون للتخلص من أصدقائهم (الألداء) بطريقتهم الخاصة، حتى تأتي الرواية التاريخية من شخص لا ترقى على عاطفته الصليبية شبهة ولاشك!.. قال (لا شيء):
«تخيل الصليبيون طريقة موافقة أثرت دون شك في الشرقيين. اعرف الناس بتقدير القوة.. ان أمير باروت(1) (بيروت) كان يهم بتزويج أحد أبنائه، فدعا جميع الأمراء المجاورين (كآل لمبارياك) سادة جبل (جبيل) وسادة (سايت) (صيدا( وذوي إقطاعاتهم ولم يكن من اللائق أن ينسى أمراء الغرب (البحتريين) ولا يخفى أن أعراس الصليبيين كانت غاية من الأبهة والفخامة. وقد لبت رجالات البلاد الدعوة وفي جملتهم أمراء الغرب وكان لديهم السلاح الفاخر والخيول المطهمة ولم يكونوا ليتراجعوا عن التفاخر بها أمام سادة (باروت) وسكانها فيتنافسون وأولئك الفرسان لأبي الخوذ الفولاذية وحاملي الريش، ملوك الفرنج.
فلما كان وقت العرس، نزل الثلاثة (أمراء ءال بحتر) إلى بيروت فأنزلهم صاحبها في بستان بظاهر البلد واعتذر لهم عن إيوائهم خارج البلدة لكثرة ما اجتمع فيه من طوائف الفرنج لوليمة العرس وزاد في إكرامهم.
ولما دخل الليل سألهم الحضور، إلى مجلس خاص قد هيء لهم ولملوك الفرنج فدخل الثلاثة إلى القلعة معم نفر قليل. فكان آخر العهد بهم... وركب صاحبها (باروت) بمن عنده من جموع الفرنج في صبيحة تلك الليلة وطلعوا إلى الحصن وكان خاليا من الرجال، فهرب من كان به من النساء، فنهبت الفرنج الحصن وهدموه وألقوا حجارته في الوادي ولم يبقوا له على أثر وأحرقوا القرى وأسروا من تخلف..اهـ».
هاتان واقعتان شهدت إحداهما أرض لبنان في عهدين متناقضين وجد في أحدهما إمام صادق الإيمان بدينه فحال بين الحاكم وظلم أهل ذمته بينما لم يوجد في العهد الثاني من يتجرأ على الطغاة السفاحين فيردعهم عن الغدر بالأمراء البحتريين الذين ذهبوا ضحية لياقتهم في تلبية دعوة ذلك الصليبي الذي لم يرع للضيافة حرمة وخفر بذمة أشخاص جاءوا يشاركونه أفراحه ويزيدون من مقامه أمام أبناء بلدته وعترة دينه، بحضورهم زواج ابنه!
حكمنا فكان العدل منا سجية
فلما حكمتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأسارى وطالما
كنا على الأسرى نمن ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننا
وكل إناء بالذي فيه ينضح

ويكفي الإمام الاوزاعي فخرا أن يكون اسمه اليوم في القرن الرابع عشر من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، والقرن العشرين لميلاد المسيح عليه السلام، ولعله سيبقى إلى الأبد عنوانا لا لبس فيه ولا غموض، على ان الإسلام قدم للإنسانية الفاضلة رجالا لا يرتضون أن يجعل الحاكم من دينه مطية لأهوائه، ولا يهولهم أن يجابهوا الظلم انتصافا لخصمهم حتى لا يؤخذ بما لم تفرف بداء نزولا عند حكم الله في شرعه وقرءانه، لا يفرقون في ذلك بين أبناء دينهم أو أبناء ذمتهم لأن العدل والإحسان لا يختلفان بين إنسان وإنسان. على أساس من لون أو مذهب أو جنس أو لسان!
ولقد أحسن الأستاذ طباره حين تناول سيرة الإمام الاوزاعي من خلال المفاهيم الأخلاقية والشرعية التي تميزت بها حياة هذا العالم الكبير، فلقد كانت هذه المفاهيم قاسما مشتركا أعظم في كل أقواله وتصرفاته وأحكامه وبصورة أوضح كانت المثل الأعلى الذي يلازمه سواء بينه وبين نفسه أو بينه وبين سائر الناس من حاكم أو محكوم. وأنه ليس من اليسير على المؤلف أن يقدم الشخصية التي يترجمها، داخل إطار محكم من التوجيه الوطني السليم بحيث يتمكن من النفاذ إلى أعماق هذه الشخصية حتى يخرج بها من مجرد تاريخ عادي إلى أن تكون مدرسة قائمة بذاتها تأخذ بلب القارئ وتشد إلى التأثر بها والانطباع بلونها حتى تجعله متحاوبا معها ومستجيبا لها وخاضعا لمعاينتها، فلا ينتهي من قراءتها إلا وهو سائر في تيارها السحري وقد التصقت روحه بروحها وأصبح في عقله وإحساسه الوجداني صورة واقعية عنها لا يكاد يتحرك إلا بوحي من المعاني التي فرضتها عليه.
ومن يقرأ الفصل السابع من الكتاب الذي يتحدث فيه المؤلف عن ولاء المسلمين والمسيحيين عبر المسيحية والإسلام في لبنان، من يقرأ هذا الفصل الممتع، فإنه لا يستطيع إلا أن يعترف للمؤلف البارع بالمقدرة العجيبة على اهتبال الفرصة لبث أفكاره التقدمية القائمة على التقاء المسيحية والإسلام على صعيد الأخوة الصريحة والتعاون المتقابل والمصير المشترك!
«وان مظاهر تلاقي المسيحية والإسلام منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصى، وقد أكد الإسلام تبادل المنافع والمصالح بين الناس ودعا إليها فقال تعالى في كتابه الكريم: (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..) وقال الرسول الكريم: (الناس بخير ما تعاونوا)!
ويتابع المؤلف كلامه قائلا: ثم إن الإسلام قد اصطفى المسيحية صنوا ودعا إلى تعاون وثيق بين المسلمين وإخوانهم النصارى، وفي القرءان ءايات بينات تشهد بحسن إيمان النصارى وجميل مودتهم، يقول تعالى: «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا. ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون...!».
إلى أن يقول: «ولا ريب أن التعاون الإسلامي المسيحي في التاريخ العربي كان ظاهرة بارزة فاقت كل ظاهرة حضارية في غيره من الشعوب، فإذا تعطلت في بعض أحوال والعصور المبادي السامية التي كانت سائدة بين أهل الكتب السماوية وتبع ذلك قهر واضطهاد فإن ذلك لا يعيب الأديان المنزلة بل يعيب أولئك الذين أساءوا إلى روح الدين وغلب عليهم الجهل والتعصب فانصرفوا عن مكارم الأخلاق ناسين أن التعصب ليس من خلق الأديان أن شعار الأديان السماوية كلها: الإخوة الإنسانية، فالمسيحية محبة والإسلام رحمة... وقد كان الإمام الأوزاعي في طليعة أولئك الهداة البررة الذين نشروا الفضائل وبشروا بالتآلف والمحبة والاتحاد بين فئات الناس المختلفة.. والتاريخ قد ذكر بإعجاب وإكبار فضائل الإمام ومواقفه الباهرة في مثل هذه المجالات.
وهكذا يمضي الأستاذ شفيق طباره في كتابه «الإمام الاوزاعي» في تصميم وإصرار نحو قبس رسالة الحق الذي آمن بها الاوزاعي نفسه، حتى ليخيل للقرائ أن المؤلف قد استغرقته هذه الرسالة بفيضها الإلهي حتى أصبح لا يعنيه من موضوعه الناحية التاريخية التقليدية المألوفة، وإنما هو معنى بالعقل بفرض أخلاقي أسمى وأبعد ذلكم هي الوحدة الوطنية في قومه وعشيرته الأقربين بلبنان مع رغبة صادقة وأمل مخلص في أن تتسع هذه الوحدة وتنتشر حتى تبسط ظلالها الوارفة ليس فقط على أبناء وطنه المعدودين بل على سائر البشر من كل جنس ومن كل لون ومن كل مذهب ليعيشوا جميعا في رحاب وحدة إنسانية شاملة، تصدر عن الخير وتسعى إليه، لا تقفها الفردية والإقليمية بآفات الأثرة والعداوة والتحديات القومية. ولا تشدها إلى التنافر والتخلف رواسب البهيمية الغشوم التي كانت تمسك بثلابيب وجود الإنسان يوم كان أسير الخوف والطمع بين الصخور العاتية والأدغال المظلمة...
ويزكي المؤلف رغبته في تأليف القلوب وإشاعة المحبة بين الإنسان وأخيه الإنسان، بكلمة رئيس أخبار النصارى الكاثوليك في العالم البابا (بولي) السادس التي نشرها في صحيفة الفاتيكان (دبلوسيسر فاتوري رومانو) بتاريخ 3 كانون أول 1965 والذي يقول فيها هذا الحبر المسيحي الكبير:
«يجب أن لا يتجه اهتمامنا نحو التناقضات القديمة أن الحاضر والمستقبل يواجهاننا بمهمة وهدف رفيعين جدا، وهما يستوجبان التخلي عن كل تنافر عقيم لبناء عالم أكثر عدالة وسلاما وأخوة..».
ويعقب الأستاذ طباره على ما ختم به البابا رسالته التاريخية بقوله:
1) «عن هذه الكلمات البليغة المقتطفة من رسالة قداسة البابا (بولس) السادس تستوقف كل إنسان يفكر بإخلاص ومحبة في تآخي الشعوب وإقرار السلام العالمي، وهي تدل دلالة واضحة على أن العلاقات بين الدين الإسلامي والدين المسحيي قد دخلت من باب النصوص إلى عهد يذكرنا بالتسامح الذي كان سائدا بينهما في صدر الإسلام، فليس على المومنين بهما بعد الآن إلا الاتقاء في تصرفاتهم إلى مستوى الرسالات السماوية القائمة على الهدى والمحبة والسلام!.
أما بعد
فلست أزعم أن هذه السطور المحدودة جاءت كفاء ما يستحقه الجهد الكبير الذي أنفقه الأستاذ شفيق طباره في وفاء الدين التاريخي الذي بقي عالقا بذمة أهل بيروت نحو الذي اتخذ من تراب بلدهم مثوى كريما يوم اختاره الله إلى جواره أجل، أن للإمام الاوزاعي في رقاب أهل بيروت فضلا عن بقية المسلمين، حقا بقي معلقا إلى أن ندب أستاذنا نفسه ليحمل عن أهل بلده عبء هذا الواجب المقدس وجعل من المعلومات المتفرقة هنا وهناك في بطون الأوراق والأسفار كتابا كاملا فشيب الحلة موفور المادة تدعمه المصادر الموثوقة فيما يرويه من خبر أو أثر، ويزينه أسلوب أنيق لا تنقصه العبارة السليمة ولا تعوزه الفكرة الجميلة، وانه لكتاب تضافرت بين جنباته أسباب النجاح والتوفيق وقد ضم بين دفتيه اللتين تفصلهما ثلاثمائة وسبع وستون صفحة من متوسط القطع تفاصيل حياة الإمام الاوزاعي ومذهبه التشريعي الذي قر به نظام الإسلام وأهدافه كما شرح مواقف هذا الإمام الأخلاقية والإنسانية تحت ظلال السيوف التي كانت ماتزال بعد تشخب بدم الصراع المميت بين بيتين عريقين يتنازعان الملك والسلطان.
وخاصة القول أن الأستا شفيق طباره قد استطاع أن يجعل من كتابه الذي نحن بصدده، مرجعا لا يستغنى عنه في درامة التشريع الإسلامي من خلال «الاوزاعية» التي استطاعت أن تفرض نفسها عبر المشرق العربي ومغربه حتى أقاصي الأندلس في عصر إمامها نفسه. واستطاعت كذلك أن تثير فضول المفكرين إليها وأن تكون حديث الناس في هذا العصر الذي صدر فيه كتاب الأستاذ طباره بعد فترة من الزمان طوت من تاريخ البشرية ألفا ومائتين من السنين المضطربة بين التقدم والتخلف في حياة الإنسانية.
ان الأستاذ شفيق طباره جعلنا نعيش معه في كتابه القيم «الإمام الاوزاعي» برفقة إمام عظيم ماتزال آراؤه في الكون والحياة والدين تشع بالجدة والطرافة كأنها إحدى ظواهر الفكر الحديث في العالم المتمدن، وانها لتراود أذهان رواد الإصلاح في دنيا العروبة والإسلام كلما حاولوا تنظيم المجتمع على اساس متين من الإدراك والمنطق والواقع والأمل في مستقبل أفضل.
ولعلني أستطيع أن اهتبل هذه الفرصة لأطمع في أن تحفز بادرة الأستاذ طباره أهل بيروت لأن يساهموا في تخليد إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمرو الاوزاعي بما يبذلونه من عمل في إحياء تراثه عن طريق مؤسسة فكرية راقية تكون مثابة لأهل العلم من المسلمين وغيرهم، كلما أرادوا معرفة الإسلام على حقيقته والأمل كبير في أن يعطي البيروتيون المثل الصالح في الوفاء لذكرى رجل منحهم دنيا واثرهم في ءاخرته.
وإذا كانت آثار الحجارة تدل على عراقة الأمم التي شادتها على مر العصور والدهور فإن ءاثار المعرفة والعلم والثقافة أجدر بأن تكون علامة على مكانة من تركها ونبراسا تضيء للإنسانية سبيلها إلى الخير والحق والجمال، وها هي إمكانات العمل تتوافر أمام مدينتنا الخالدة لكي تستعيد سمعتها التاريخية التي جعلت منها: «ثغر الإسلام ومرابط أهل الشام» كما قال عنها الإمام الاوزاعي نفسه رضي الله عنه وأرضاه.
وإذا كان لي ما أختم به هذه العجالة المتواضعة التي فرضها علي واجب الشكر للأستاذ شفيق طباره على ما بذله للمكتبة العربية في كتابه المرجع فإني أختم ما كتبته بالإعراب عن تقديري العميق لعلم هذا المحقق والروح العالية التي اتصف بها وهو في صدد موضوعه. وإني لأدعو الله عز وجل بأن يتقبل منه هذا الجهد المبارك الذي بذله في خدمة المثل الإسلامي الأعلى، الذي كان الإمام الأوزاعي نفسه، أحد أعلامه البارزين في التاريخ.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here