islamaumaroc

لغة الشعر بين المنتج والمتلقي -2-

  دعوة الحق

العددان 98 و99

وإذن يتنازع الشاعر والقارئ أو السامع ثوب الشعر ويوسعان منه ويضيقان، حسب اختلافهما في الطبائع والاستعدادات الفنية والثوب بمرونته كقطعة مطاط، ينقبض وينبسط، ويطوي وينشر، ويزيد وينقص، ويأخذ فنونا من الأشكال، ويسع القامات الفكرية والشعورية على تفاوت أحجامها. وليس من سبيل إلى استغلال ما للشعر من قدرة على الإيحاء والإثراء النفسي إلا عن طريق هذا التنازع الخصب، الذي يضاعف من دلالات الألفاظ، ويجعل من العمل الشعري ميدانا حيويا لتألق المواهب والملكات، فهو يجذبها ويتحداها ويراوغها، ويستثير ما كمن فيها من أسرار الفن والجمال، فتقبل عليه من هنا وهناك فاحصة مستعدة للأخذ والعطاء، حتى ليستحيل العمل الشعري كوجه الحسناء، ثراه من ناحية فيشوقك بلون رائع من شبات الحسن، ثم تراه من ناحية أخرى فيطالعك بلون آخر لا يقل عن سابقه رواء وفتنة. أتكون لقصيدة الشاعر نسخ مختلفة باختلاف متلقيها من هواة الفن؟ أتكون لغة الشعر تتلون بحسب النفوس التي نتلقاها، كما يتلون ضوء الشمس بتلون ما ينعكس عليه من أشياء هذا الكون؟ أيعتبر هذا هيمنة  للشاعر على الناس، إذ يدفع إليهم بكلماته، ليعيشوا عليها فنونا من العيش؟ أم يعتبر تطاولا على الشاعر المبدع، وانتزاعا لبعض حقوقه، وسطوا عفويا على لغته التي فداها بدمه، وأدارها على خواطر ومعان أدى ضريبتها من ذات نفسه؟ إنها لعجيبة هذه الحرية التي ترقع فيها الأعمال الشعرية، فيما تتخذه من أشكال، وما تشقه من دروب في مجاهل النفس الإنسانية، حتى لنقف إزاءها حائرين، لا ندري هل نحن أصحاب القضية أو نحن المتهمون، هل نحن طرف فيها له كامل الحق في أن يقول ما في نفسه، أو نحن خارج نطاقها نسجل ونرقب، وليس لنا حق التدخل.
والقضية القائمة بين الشاعر وقرائه، قضية قائمة أبدا، لا نعرف حلها النهائي، يموت الشاعر وتتعاقب الأجيال من بعده، تتجدد القضية أثناءها جيلا بعد جيل، كل جيل يبعثها من جديد، ليقول فيها كلمته، ويؤتى بالشاعر حينا بعد حين إلى محكمة التاريخ الأدبي، ليخرج منها أما متوجا بتاج التبجيل والتقديس، وإما محملا باللعنة والويل، أو بشيء بين هذا وذاك. يا لها من محنة هذه التي تجرها على الشاعر كلمات جميلة تنفس بها في لحظات خاطفة، ولكنها أوقفته في محكمة التاريخ دهرا كاملا وإلى أبد الآبدين !!  وهي قضية كلما تقادم عليها العهد كلما عز شهودها وأعوز قضاتها كثير من الوثائق والمستندات، فتذهب بهم الظنون بعيدا في متاهات الفكر والخيال !! وويل للشاعر إذا تقرر مصيره بين الأعيب الخيال ومذاهب الظنون فحظ الشاعر هنا هو حظ شخص يفصل في قضيته بعد أن ذهبت به عوادي الأيام..
ومحور القضية التي بين الشاهر وبين المتلقي عنه، هو أن صاحب الفن ينظر إليه دائما على أنه        منهم. فلغة الشعر  أن هي إلا ضروب من الوعود والمزاعم، تخترق المألوف، وتخرج عما تعارف عليه الناس، وتدعى للشاعر مكانة عالية يشرف منها على ماجريات الحياة، فيراها من أفق واسع، وتصدم زبناء الفن الشعري إذ تطلعهم على بشاعة نقائصهم عند مقارنتها بما ينصبه الشاعر أمام أعينهم من صور مثالية جميلة التكوين رائعة التنسيق. أنها لدعوى عريضة هذه التي يعلنها الشاعر العربي إذ يقول:
وكنت مجهولة حتى أتيت أنا
   أرمي على صدرك الأفلاك والشهبا
وحتى عندما نجد الشاعر لا يتطاول هذا التطاول المكشوف، لا يخلو شعره من امارات الزهر والتيه والادعاء، فمجرد كلفه بالصور الشعرية، وأخذه لغته بفنون من التوشية، وابتعاده بألفاظه عن مألوف المعاني، متضمن لمعنى الزعم والادعاء، وأي زعم أروع من قول الشاعر:
أناك الربيع الطلق يختال ضاحكا
   من الحسن حتى كاد أن يتكلما
أو قول الآخر:
ربيب ملك كان الله أنشاه
   مسكا وقدر إنشاء الورى طينا 
فالقضية كامنة في لغة الشعر نفسها، لكونها تهب الألفاظ أبعادا خاصة، وتجعل من الظنون والأوهام الممتنعة بالنسبة إلى الواقع، أمرا ممكنا بالنسبة إلى الواقع النفسي، وتفرق بين الأشياء التي طالما تعانقت في أذهان الناس، وتؤلف بين الأشياء التي تباعدت عندهم، وتمد إليهم يدا سحرية لترفعهم من عالمهم المشوش المضطرب، إلى عالم آخر يهزأ بأعرافهم وأساليب حياتهم، وتريهم من الأشياء صورا خلفية تتهمهم في سلامة نظراتهم العادية إلى ما يحيط بهم. هذا فيه تجاوز لمنطق العقل، ومخالفة لمسلمات الناس التي رسخت في عقولهم ونفوسهم بحكم مقاييسهم وبحكم الالف والعادة. كيف لا أيزعم الشاعر أن صاحبته ممتازة حتى لكأن الله أنشاها من مادة المسك، على حين أنشأ بقية الناس من طين؟ فما خطر ببالنا أبدا أن هذا ممكن. والشاعر لا يملك دليلا واحدا يستطيع إقناعنا به حتى نؤمن بدعواه، وليس هو بالشخص الذي يطالب بدليل، وكل ما له من حجة هو هذا الصدى الحلو اللذيذ، الذي تردد بين جنبات نفسه الشاعرة، عندما أخذته صاحبته بروعتها الطاغية. ونحن كقراء للشعر، قد لا نكون مستعدين لتصديقه فيما زعمه وما أحسه، إلا إذا استطاع أن يستولي علينا كما استولت عليه صاحبته،فهي لا تملك أية قوة تفرض بها نفسها عليه، إلا قوة جمالها وروعتها وقدرتها على اللعب بالعقول والألباب. وفعلا لقد استطاع ابن زيدون أن يفتننا عن منطقنا ومقاييسنا المحددة الجامدة، كما استطاعت صاحبته أن تفتنه عن صوابه، فقلنا آمنا وصدقنا وأمرنا إلى الله.. وقضيتنا مع الشاعر لم تقف عند هذا الحد، وجميع القضايا التي بين الشعراء وقرائهم لا تقف عند حد، وإنما تظل دائما معلقة، تثار من حين لآخر، وأقل القراء شأنا وخطرا قد يثيرها ليضيف إليها عنصرا جديدا، سواء بينه وبين نفسه، أو بينه وبين شركائه في القراءة والدرس. قضيتنا مع الشاعر تعود إليها مرات ومرات، كلما أقبلنا على نصه الشعري نقراه في إحدى حالاتنا النفسية والفكرية المختلفة. ودائما إلينا شيئا من الاطمئنان إلى أننا لم نكن مخدوعين به، عندما استرحنا إليه في مرة أو مرات سابقة. وكم نود أن يكبر النص معنا كلما كبرنا، وأن يتسع في جوانبه كلما اتسعت تجاربنا، وأن يكون قادرا على أن يهبنا شيئا جديدا كلما تجددت إليه نظراتنا. ومن خصائص الشعر التي  يزدان بها إلى جانب بقية الفنون الجميلة، أن له قابلية- في نصوصه القوية البارعة- ليمتع نفوسنا مهما تعاقبت الأيام، وتدرجنا في أدوار العمر، فامرؤ القيس الذي أمتعنا ونحن أطفال مدارس، هو الذي يمتعنا اليوم ويستجيب لحاجياتنا الروحية أو بعضها على الأقل، ونحن كبار لنا حظنا من الفهم، ونصيبنا من التجربة.
ومتى كان الشاعر ما يزال يعيش بيننا، فقد يضع قضية علاقته بقرائه موضع الدرس والمناقشة، فهو يتبين أولا طبيعة الصلة التي تربطه بنا، ثم مدى الأثر الذي استطاع أن يخلفه فينا، فأسلوب رد الفعل الذي قمنا به عندما وقعت الاستجابة. وقد يتجاوز شعره حدود المواطن والمنشأ، فيكون صاحبه مدعوا إلى أن يقوم بنفس العملية بالنسبة لنطاق واسع من الحياة الإنسانية. وقد يكون العكس، أعني أن الشاعر ربما يقول قصيدته، ويدفع بها إلى قرائه، ثم يقطع كل صلة له بالمسألة، لينصرف إلى دنياه الخاصة، لا يعنيه في شيء أن يرضى القراء أو يسخطوا، أن ينفذ إلى صميم مشاعرهم ليحملهم على الإعجاب به والافتتان بروائه، أو يطرق قلوبهم فيجدها مقفلة لا تريد أن تنفتح، وأن كان كل شاعر حريصا على أن يجس نبض قرائه، ليعرف مدى تأثيره فيهم، واستحواذه على مشاعرهم، إلا أن هذا الموقف لا يكون دائما نوعا من الاهتمام الخاص الذي يكتسي شيئا من الخطورة، وإنما هو شبيه بموقف شخص إلى جانب غدير، ويرمي الفتات إلى الأسماك، ليرى كيف تجتمع عليه وتفترق، على حد تعبير الحكيم. وقد يكون للشاعر في موقفه هذا من قرائه منطق خاص. أليس الشعر في لغته الجميلة الساحرة إبداعا لصور من العيش؟ أليس صوتا عذبا مؤثر يسكر آذان الناس ويأخذهم من جميع أقطارهم؟ أليس من أفضاله على الناس أنه ينتزعهم من ضرورات الأرض ويهبهم أجنحة خفية ليحلقوا في سماوات مشرقة؟ أن الشاعر ليشعر أحيانا كثيرة بنوع من الكبرياء الفنية، مقتنعا بتفضله على الناس، وإحسانه إليهم، وحسبهم هذا إمتاعا لنفوسهم، وتجميلا لحيلتهم، وترقيقا لحواشي عيشهم، ففيم السؤال إذن، وفيم البحث عن أسباب المتعة، وعن علة هذا الجمال الشعري الذي حققها؟ أليست النتيجة واحدة في كلنا الحالتين، حالة البحث وعدمه، وهي أن الشعر فن جميل مؤثر، يهب الحياة معناها الجميل؟ كثيرون من الشعراء يرون هذا الرأي، ويصدرون عنه عندما لا يعبرون كبير اهتمام لما يكتب أو يقال عن شعرهم. وليس من شأن هذا أن يصرف القراء عن تدارس الشعر ونقده، أحب الشعراء أم كرهوا، أنهم يعتبرون هذا من حقوقهم، بصفتهم طرفا في القضية، بل قد يكون سكوت الشاعر عنهم وإهماله لشأنهم، دافعا لهم لكي يحتدوا في المناقشة، ويتشددوا في البحث عما عساه أن يكون في نصوصه الشعرية من عيوب وثغرات، ينفذون منها إلى نقده وإقلاق راحته. فكأنما يعتبرون سكوت الشاعر نوعا من التعالي يستفز شعورهم، ويتهمهم في جدوى رد الفعل الذي يقومون به. فأي الطرفين على خطأ، وأيهما على صواب؟
أتكون لنا الصلاحية لإصدار الحكم، ونحن نعتبر أنفسنا طرفا في القضية التي نحن بصددها؟  إذن سيكون حكمنا مرفوضا ابتداء، ولكن هيا لنضع شخصيتنا كقراء جانبا، ونحاول تناسيها مستعيرين شخصية الناقد النزيه الذي لا يحكم إلا وفق المستندات التي بين يديه. أما القارئ فإليه يلقي الشعر، وبه يخاطب، ولا جله يخرج إلى النور ولذلك كان من حقه أن يحاكم الشاعر ويطالبه بما تقضيه طبيعة الفن الذي يزاوله وشرائطه وقوانينه. وأما الشاعر فله أن يتمسك بموقفه الذي ارقضاه لنفسه، وأن يصب عواطفه في القالب الذي يريد، شريطة حفاظه على ما للفن الشعري من مميزات عامة خالدة، لا تتنافي مع الخصائص التي يتصف بها  في مراحل معينة من تاريخه، ولكن ليس له أن يصد الناس عن النظر في النظر في شعره بعين فاحصة، بحجة أنه  يبلغ من إمتاعهم شأوا بعيدا، ذلك أن ظرف المتعة يمر سريعا، بحيث لا يستطيع الشاعر إمساكنا بين يدي روعته إلا لحظات قصارا، ثم نستيقظ من الحلم الجميل الذي أتاحه لنا لنعود إلى النص، باحثين عن أسباب انتشائنا وأسرار غلبة النص الشعري علينا.  
ودلال الشعراء بحكم أنهم ممتازون بين أصناف البشر، طالما وقف حاجزا بينهم وبين جمهورهم من جهة، وبينهم وبين أسرار صناعتهم من جهة أخرى، أما الأولى فلان الشاعر قد يعتبر تنازله من عليائه ليأخذ بأطراف الحوار بينه وبين جمهوره، اعتداء صريحا على قداسته، وانتهاكا لسموه. فالفنان الخالق عنده يوشك أن يكون أسمى من كل جدل أو نقاش. وأما الثانية فلان محك الفلسفات والقضايا الفكرية والصور الجمالية التي يقوم الشعر عليها، هو البحث الحر النزيه، الذي لا يعترف بقداسه النص الشعري بمعنى تأبيه وامتناعه عن كل درس.
ولكن إذا كنا بهذا قد أنصفنا القارئ، بقي أن نقول كلمة لعلها أن ترد  إلى الشاعر بعض حقوقه، وقصدنا إلى أن الشاعر قد لا يستطيع أن يبرر جميع مزاعمه ووعوده وادعاءاته، وقد لا يقوى على أن يحيط علما بجميع بواعثها ومصادرها وأبعادها. وقد فرغ الباحثون من إيضاح أن عملية الإنتاج الشعري قد تتم بوعي غير تام، بحيث يكون الشاعر في حالة حلم، تتم أثناءه العملية الشعرية بصورها وأشكالها ومضامينها، حتى إذا انتهى الشاعر منها أدهشه أن يجد بين يديه عملا فنيا رائعا يكون أول المندهشين له. وفي هذه الحالة يلفي نفسه إزاء خواطر وسبحات خيالية قد لا يدرك مأتاها ومصدرها ومدى معقوليتها، فإذا وضعها موضع البحث لم يجد لها مبررا إلا شعوره بها، وهو شعور قد يكون في منتهى الغموض والإبهام. فكيف نستطيع حينئذ أن نطالب الشاعر بأن يقدم لنا تفسيرا لخواطر لا يدرك هو نفسه مصدرها وبواعثها والغاية منها؟ لم يبق إذن إلا أن نعرف الحدود التي تجوز فيها مناقشة الشاعر، وأن نعمد إلى النص الشعري نفسه لنستنطقه ونستفسر، جاعلين نصب أعيننا كلمة قالها أحد البلاغيين العرب القدماء وهي: أمن الأشياء ما نحيط به المعرفة، ولا تدركه الصفة).
ولكي يكون قارئ النص الشعري رحيما بصاحبه، مشفقا عليه من قسوة الفحص الذي لا يقتنع بشيء، أدعوه إلى أن يفكر قليلا في هذه المسألة: ألم يسبق له أن صار مرة أو مرات نهبا لمشاعر حادة غامضة أخرجته عن صوابه، أو مشاعر خافته شاحبة بعثت في عقله الحيرة، وملأت نفسه بالهواجس، ووضعته في دوار خيالي وفكري لا يعرف له علة أو مصدرا؟ ألم يجد نفسه أحيانا في حالة غير عادية، بحيث ينكر منها أشياء، ويعجب منها بأشياء، دون أن يعرف بوضوح سر إنكاره إذا كان منكرا، أو إعجابه إذا كان معجبا؟ وهل إذا مرت حالته هذه تادر هو على أن يعطينا تفسيرا دقيقا لها بنفس الدقة التي يفسر بها مواقفه المعقولة الهادفة في أخص شؤون حياته؟ إذا كان الجواب بالنفي، فلماذا يشتط في محاسبه الشاعر على كل صغيرة وكبيرة، فيطالبه بخلاف ما يطالب به نفسه، في حالة ما إذا وجد في شبه الظروف النفسية الغامضة الغائمة التي قد يوجد فيها قائل الشعر؟ إلا رفقا بهذه الكائنات التي تمتع الناس ونشوقهم، دون أن ندرك من أمر نفسها شيئا في بعض الأحيان !!  
لا أريد بهذا الكلام إلى إعفاء الشاعر من كل تبعة أو مسؤولية، ولا وضعه في موضع يتناءى به عن النقد والملاحظة، وإلا فلماذا نحن نسوق هذا  الحديث؟ وإنما نريد فقط إلا نتهم الشاعر إذا نحن  لم نفهم عنه بعض ما يقول، وما يحس، وأن نطا من غلونا في النقد، منتظرين  أن تزداد تجاربنا في الحياة، عساها أن تضع أيدينا على كثير مما خفي علينا من أسرار النفوس الشاعرة، وكل هذا يتعلق بالآفاق الغامضة من تصورات الشاعر، أما الصياغة فلا عذر فيها للشاعر مطلقا، ولا يجول حائل دون مناقشتها إلى أبعد الحدود. ذلك أنها ظاهرة حسية مشتركة، على حين أن بعض الخواطر الغامضة قد يكون محجوبة عن عدد كبير من الناس، متى كانوا في استعداداتهم أقل مستوى من استعداد الشاعر. دونك مثلا شعر الصوفية، فأنك واجد فيه تصورات وخواطر وسبحات خيالية موغلة في الغرابة، فإذا كنت عجولا تبادر بالحكم عليها بأنها مظهر من مظاهر الجنون لا أقل ولا أكثر، ولكن إذا أنت قرأتها قراءة متأنية ربما تلتمس العذر لأصحابها، لأنهم يصدون عن حالات نفسية شاذة بالنسبة إلينا نحن الناس العاديين، ولكنها طبيعية بالنسبة إلى الزاوية التي ينظر منها أصحابها إلى الحياة  والكون. وقد لا نعيها إلا إذا استطعنا أن نرتفع إلى حالات التجلي التي تمخضت عن ذلك الشعر الصوفي الموغل في الرمز.  
وبعد، فكيف تصبح لغة الشعر المؤلفة بين أبناء البشر، مهما تناءت بهم الأزمنة والأمكنة، مثار نزاع وخلاف؟ وهل يريد الشاعر إلا أن يدعونا بواسطتها إلى الإنصات إليه، ومشاركته ألامه أو مسراته؟ وهل نريد نحن قراءة إلا أن نتمكن من الاستجابة لما يدعونا إليه خفاف الخطي؟ وهل يستقيم للغة الشعر معنى إلا بهذا اللقاء الجميل الرائع، الذي يهزا بعوامل التفرقة الكثيرة التي تباعد ما بين الناس؟ فما جمع بين الناس شيء كالأشياء الجميلة، إذا يلتقون حولها، ليذوب ما بينهم من خلافات، ولا يبقى إلا هذا الشعور الذي ينتظم جميعا بجمال الشيء في الأدب أو الفن أو الطبيعة، يقطع النظر عما يكون هناك من خلاف في ملابسات الشعور الدقيقة. فحول ورود الخمائل تحوم قلوب حانية ولهي، وفي موجات النغم تتعانق أرواح هائمة سكري، وفي رياض الأدب والشعر تتزاوج الضمائر والقلوب والأرواح تزاوجها الذي لا يقل روعة عن تزاوج الكلمات  الراعشة في ديباجة الأدب والبيان. فكيف يقدم لنا الشاعر عواطفه تختال في نغم بصبي الألباب، ويضع بين أيدينا قلبه نابضا متدفقا بالنور، ثم نخلص من كل هذا السحر لنسأله: كيف؟ ولماذا؟ وعلام؟ هل نحن قادرون على أن نواجه بنفس الأسئلة النجم اللامع، والبلبل الغريد، والحمامة النائحة، والنسمات الرقاق، والصائل العذاب؟ إنها يا صديقي ضريبة الكلمة !! الكلمة التي لم يعرف الإنسان مسؤولية في الحياة إلا منذ أن عرفها فأدرك المهام الجسام التي تنتظره في الحياة. قالها رب العالمين لرسله العظام، فحملهم مسؤولية تنوه بحملها الجبال الرواسي، وقالها هؤلاء لأقوامهم فغيروا من مصائرهم، ووضعوا على كواهلهم التمكين لكلمة الله في الأرض، وألقاها المصلحون وقادة الفكر إلى شعوبهم فتجشموا غوالي التضحيات لإعطائها مدلولها الحقيقي، فإذا نطق بها الشاعر وألقى بها إلى الناس، كان مطالبا بأن ينهض    بأعبائها، ويتحمل مسؤولية الجهر بها، فيغير ذلك لا يدفع الناس إلى احترامها والإحساس بخطورتها،  والعمل بوحي منها، والاندفاع وراء تحقيق رسالتها. فما ضاعت قداسه الكلمة بين قوم إلا هانت عليهم  نفوسهم، وتلاشت مبادئهم مثلهم، وخلت حياتهم من كل شيء نفيس لأن الأشياء النفسية أن هي إلا هبة الكلمة عندما بحافظ لها على جديتها وخطرها وشرفها. ولو أنك تدبرت عصور الانحطاط الأدبي، لوجدت أن السبب الرئيسي في ذلك هو هوان  الكلمة على الناس، بحيث صار يقصد بها إلى الملق والزيف والرياء والعبث، فضاعت قيمتها بين الناس. أفلا يكون بعد هذا من اللائق بل من الواجب أن يدخل القارئ والمنتج في حوار جدي ايجابي خصب، من أجل احترام الكلمة،  لتكون مثالا من أمثلة الخير والحق والجمال في الحياة الناس الأدبية والفنية؟
وكلمة الشاعر إلى الناس لها ميزة خصوصية لا توجد في غيرها، وهي أنها على شيء غير قليل من الفضول الفني، إذ نجدها تدخل بين القراء أو السامعين، وبين خاصة أنفسهم، تمس حياتهم  العاطفية في الصميم، وتضعهم أمام منازعهم الباطنية وجها لوجه، وتمتزج بدموعهم وآهاتهم ومسراتهم فتخلق لها أبعادا جديدة، تفعل كل ذلك من غير أن يقصد إليه الشاعر قصدا، وإنما يحيىء نتيجة لتعبيره عن نفسه، التي تربطها بنفوس الناس روابط عميقة الجذور قوية الأصول، فالشاعر إيليا أبو ماضي عندما يقول:
قال السماء كثيبة وتجهما
   قلت ابتسم يكفي التجهم في السما
يخاطب المجموع في مخاطبة الفرد، وبذلك يتدخل في أخص شؤوننا، إذ يريد لنا أن نبتسم، على حين أننا قد يكون لنا بواعثنا المختلفة التي تدفع  بالاكفهرار إلى وجوهنا، وليس لنا اعتراض على الشاعر إذ يدعونا إلى الابتسام، إذ أن ديدن الشعراء أن يريدوا الدنيا ضاحكة مرحة الأعطاف، عندما يجدون في نفوسهم البهجة والحبور، ويريدونها مظلمة كثيبة عندما يستولي عليهم القنوط والسخط. ولكن الذي نقصد إليه هنا هو أن الشاعر ينقل وجوده النفسي إلى نفوسنا، فلا يعدم هذا أن يصادف عندنا ردود أفعال مختلفة، وهذا هو مبدأ ما قد يكون بين الشاعر- شاعر- وبين قرائه من اتفاق حينا واختلاف حينا آخر.
وكلمات الشاعر لا تنقل إلينا وجوده النفسي إلا مصحوبا بفنون من الإغراء، وألوان من الدعوة الواضحة حينما، والخفية أحيانا، أي أن الشاعر لا يتركنا لأنفسنا، وإنما يحاول بحيل فنية مختلفة أن يعدينا ويكسب عطفنا، ويدفعنا إلى أن ننظر إلى الحياة بالمنظار الذي وضعه على عيوننا. وهذا لا يتوقف دائما على الدعوة الصريحة كأن يقول الشاعر:
عش عزيزا أو مت وأنت كريم
   بين طعن القنا وخنق البنود
بل ربما لم تكن هناك دعوة مطلقا في الظاهر، إذ يخيل ؟إلينا أن الشاعر لا يزيد على أن يعبر عن عاطفة يحس بها من غير أن يكون ذلك متضمنا لأي إغراء بشيء، أو دفع إلى شيء، كأن يقول محيي الدين بن عربي:
أدين بدين الحب أنى توجهت
   وكائبه فالحب ديني وإيماني
هاهنا يكتفي الشاعر بالتعبير عن مذهبه في الحب ولكن أي إغراء بالحب يرقد في أعماق هذه الكلمات القوية !!
وإذا كان الشاعر يتدخل في أخص شؤون الناس العاطفية، فلأنه يبدأ بنفسه فيضعها مكشوفة بين أيديهم، ليروا ما فيها من أسرار، حاملا قلبه على كفه مفتوحا لمن أراد أن ينظر فيه، فكأنه يتخذ ذلك ذريعة ليتحدث إلى الناس في أخص شؤونهم العاطفية، إذ أصبحت له شبه دالة عليهم، شأن صديقين زالت بينها الكلفة وارتفعت الحجب، فهما يتناجيان دون حيطة أو تحفظ. لذلك نجد لغة الشعر تحمل ضروبا من الأوامر والنواهي والنداءات والاستفهامات وألوان العتاب والتقريع، التي يفسرها رجل البلاغة على وجه، والناقد الأدبي على وجه، وهي في عمومها لا تخرج في مغزاها العميق عن هذا الذي شرحناه، وهو أن الشاعر يضع نفسه من الناس في موضع يسمح له باستدراجهم إلى الجو الروحي الذي يعيش فيه.
ومما يساعد كلمة الشاعر إلى الناس على أن تقع من نفوسهم موقعها المؤثر الجميل في أكثر الأحيان، هو أنها لا توجه إلى إنسان معين غالبا، وإنما توجه إلى الإنسان من حيث هو إنسان، يقطع النظر عن حيثيته الخاصة، الأمر الذي يزيل أسباب الحرج والتحفظ، ويهيئ النفوس لتقبل ما يلقيه الشاعر.     
إليها عن رضي واختيار، ديدن الإنسان في جميع مواقفه في الحياة. فهو يخاطب بصفة فردية يحتاط في تقبل ما يلقي إليه، ولا يمزجه بنفسه بكل سهولة، وبالعكس عندما يكون الخطاب موجها إلى مجموعة من الناس يكون هو ضمنهم، فإنه تسقط عنه بعض الكلفة، ويولي عنه الحرج.
يبد أن القارئ أو السامع يخيل إليه وهو يتلقى الوحي الشعري عن الشاعر على انفراد أنه مسوق إليه وحده، على حين أن أرواحا عديدة حامت حول النص الشعري، وحملت عنه انطباعات، ومستها منه نفحات من شواظ الجحيم، أو نسمات من برد الجنة. فليت شعري كم مهج تلظت حول بيت قيس ليلي:
قضاها لغيري وابتلاني بحبها
   فهلا بشيء غير حب ليلي ابتلانيا
وكم نفوس تفتحت للدنيا، وافتتنت برونق العيش، منشدة مع بشار:
كأن رجع حديثها
  قطع الرياض كسين زهرا
وكأن تحت لسانها
  هاروت ينفث فيه سحرا
وتخال ما جمعت عليـ
  ـه ثيابها ذهبا وعطرا
ولكنك إذ تقرأ هذا الشعر في وحدتك، بعيدا عن ضجيج الدنيا من حولك، لا تسمح إلا لهذا الصوت العذب الذي يحدثك به كل من قيس وبشار، توشك أن ترى أن الشاعرين إنما يتحدثان إليك أنت دون  بقية الناس، ولولا السياق الذي ينفي كل مواجهة خاصة، ولولا أن بينك وبينها عصورا من التاريخ. فهذا الازدواج بين عالمية الشعر، بوصفه لغة إنسانية، وبين انسجامه مع الحياة النفسية الخاصة بالفرد، بقطع النظر عن لونه أو جنسه أو وطنه، أو أحد مقومات الشعر في نقطة ابتدائه ونقطة وصوله، وهو المعادل الخارجي لانبثاق الشعر عن الشاعر باعتباره فردا له مقوماته الذاتية، وباعتباره إنسانا تتمثل فيه المشاعر الإنسانية العامة، في مستواها العالي وافقها المشرق. فعند ما نتلقى العمل الشعري من مبدع الفن، تقع الاستجابة السريعة في نطاق المشاعر الإنسانية المشتركة، لتمهد الجو للإضافة الخاصة التي يقدمها المبدع إلينا من خلال الشعور العام، الذي يكون حينئذ بمثابة رشوة لأذواق القراء وحواسهم الفنية، كي تنقبل تلك الإضافة بكل ما تحمله في طبيعتها من خصائص ومميزات، قد تكون شاذة أحيانا أو هي موغلة في فرديتها. فأنت – مثلا- عندما تقرأ لأبي نواس،  تجده يمزج بين شذوذه الجنسي، وبين ملامح الغزل الذي يسير وفق الفطرة السوية، فينقل بعض صفات الأنثى إلى الغلام، ويبرز الغلام في هيئة الأنثى، ويسوق إليه العواطف الحسية التي قد تساق الأنثى عند الشعراء الغزليين. وأبو العلاء يثير إحساسنا المشترك، ويخاطب عواطفنا العامة، بواسطة مرثيته المعروفة بالدالية، فهو يذكرنا بالموت، متخذا من شحنة العواطف الحزينة التي يفجرها في نفوسنا وسيلته لبث آرائه في عبث الدهر وضياع جهود الإنسان، والتناقض المر البغيض، بين طموح الإنسان وبين هذه الجبرية الصارمة التي تخضعه لنوامس الكون ونظام الحياة والموت، هذا  إلى إيغاله في نظرته التشاؤمية التي قد تعدينا أحيانا، لأنها قدمت إلينا في شحنة من العواطف العامة التي نتقبلها دون تحفظ، فهي إذ تعمل عملها فينا تبث في نفوسنا ما تحمله في نموجاتها من آراء غريبة، أو معتقدات شاذة، أو خواطر لا عهد لنا بها، كنا تميتين برفضها لو أنها قدمت إلينا بأسلوب مباشر. قد يشق علينا جدا أن نتقبل قول ابن الرومي في رثاء ابنه الأوسط:
وما سرني أن بعته بثوابه
   ولو أنه التخليد في جنة الخلد
لو لم يضع الشاعر إحساسه هذا ضمن مزيج من الإحساسات التي نصلنا بمكانة كل ولد من أبيه، واللواعج المحرقة التي تنتابه عندما يودعه باطن الأرض، بعد ما ملأ نفسه بالآمال، وبيته بالمرح، وأبوته بالغرور، بحيث لم نكد نصل إلى بيته السابق حتى كنا مستعدين نفسيا للتجاوب مع هذا الحنان الأبوي البالغ حدا بعيدا من القوة والعمق، والذي لا يخلو من علو لا يتناسب وصدوره من أب مومن بالله راض بحكمه، حتى أننا نترك كل مناقشة مع الشاعر في هذا الذي أحسه وذهب إليه، لأننا مغلوبون على أمرنا، من جراء ما تقدم بين يدي ذلك من شعر رائع، يخاطب العواطف الإنسانية العامة، ويصيبها في الصميم.
فإذا نحن خضعنا لسلطان الشعر، وأسلمناه زمام نفوسنا ولو إلى حين، وتكرر هذا الموقف منا بالنسبة لشعراء عديدين، يملكون من قوة الشاعرية ما يبوئهم مكانة عالية في قلوب عشاقهم، إذا نحن فعلنا ذلك، ارتبطت عندنا أخيلة الشعراء الأفذاذ وعواطفهم بالصور، والقوالب التي أفرغوها فيها، بحيث كثيرا ما يحدث أن تختلج نفوسنا بعاطفة شبيهة بالعاطفة التي سبق أن أثارها الشاعر فينا عند قراءتنا لقصيدته، فتستدعي صورتها اللفظية لأذهاننا بطريقة محض تلقائية، كما صاغها فيها الشاعر. فنحن مثلا لا نتألم لتطاول الصغار على الكبار إلا ويطفح على ألسنتنا قول الشاعر:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص
فهي الشهادة لي بأني كامل

ولا نتعرض مرة لظلم الأخ أو الصديق، إلا ونلقي بثقلنا على بيت زهير:
وظلم ذي  القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند

وهكذا دواليك.
والسؤال الموضوع الآن هو: هل تكون لغة الشعر بهذا الاعتبار حائلا دون انطلاقتنا العاطفية التي نود ألا يحدها شيء؟ ذلك أن عاطفتنا عندما تندفع تصطدم بالنص الشعري الملائم لها تماما فتتبلور فيه، وقد تتحول إلى معنى محنط في لفظ. هل يكون الشاعر قد أساء إلينا عندما فرض علينا عبارة قوية ترتبط بالإحساس الذي ترمز إليه، كلما تحرك في حياتنا النفسية، بحيث لو لم تقف هذه العبارة في مواجهتنا تحاصرنا من كل جانب، لكانت لنا وثبات خيالية وشطحات عاطفية لا يحدها شكل معين من أشكال التعبير؟
نريد أن نتناول القضية في نطاقها الواسع، واضعين نصب أعيننا بادئ ذي بدء، أن العواطف المجردة عن أي قالب أو شكل حسي تكاد تكون منعدمة. فكل عواطفنا تقريبا ترتبط بمدركاتنا الحسية المتنوعة، فالأماكن والأشخاص والأحداث والأصوات كلها تكون أشكالا لعواطفنا لا تنفصل عنها أبدا، بل تنتقل معها بانتقالها معنا من طور إلى طور، ومن حالة إلى أخرى، فعندنا من العواطف ـ مثلا ـ ما يرتبط بظلام الليل، أو حريق مهول، أو أمطار طوفانية، أو شخص اتصلنا به زمنا ثم ولى عنا إلى الأبد، أو قطعة موسيقية انتشينا بسحرها زمنا، وما إلى ذلك مما لا يحصى عددا لأنه يتسع اتساع تجاربنا العاطفية. ولعل العلة في ذلك ميل الإنسان الفطري إلى أن يركز خواطره وعواطفه في اتجاه معين أو اتجاهات معينة، كبديل عن تشوشها واضطرابها والأشكال الحسية هي خير ما يحقق هذا الغرض. وما القالب اللفظي إلا أحد هذه الأشكال بل هو أقواها فعالية وأسرعها استجابة لحاجيات الإنسان العقلية والروحية. وقد لا نأتي بجديد عندما نقول مع علماء اللغة أن الإنسان يفكر بالألفاظ، فكل عملياته العقلية تتخذ من الألفاظ قالبها الطبيعية الذي به تنتظم الأفكار، وفيه تتبلور الأحاسيس. وهذا هو الأساس الأولي في ارتباط كثير من خواطرنا وأفكارنا ومشاعرنا بقوالب شعرية قوية، لها علينا سلطان ليس إلى مقاومته من سبيل. فنحن نلقي بثقلنا المعنوي على النص الشعري، لكوننا نجد فيه الصورة التي نرتضيها لمشاعرنا، والتي ما كنا لنعثر على أجود منها ـ في اعتقادنا ـ لو كان إلينا شيء من مقاليد الكلمة الشعرية. والنص الشعري يختلف أسلوب تأثيره فينا باختلافنا في خصوبة النفس قوة وضعفا، فهو حاجز يعوق عن الانطلاقة الروحية بالنسبة لبعض النفوس الفقيرة، في استعدادها الفكري والعاطفي، وهو نقطة انطلاق نحو آفاق مشرقة بالنسبة لبعض النفوس الغنية القوية الخصوبة. هذا إلى أن النص الشعري نفسه قد يكون محدود الدلالة، شحيح المعاني، ضئيل الإيحاء، وقد يكون مثالا للحيوية والقوة والعنق، فيحول دون توثب المواهب وتفتحاتها في الحالة الأولى، ويكون قوة دافعة لها في الحالة الثانية، وقوة النص وضعفه يقاسان بمدى استعداد المتلقي، فرب نص تعتبره أنت في منتهى القوة والأصالة، وهو عند غيرك متهافت هزيل، إلى طبيعة اللحظة التي نكون فيها عندما نستعير النص الشعري للتعبير عما نجده من خاطر أو إحساس، فهي قد تكون على شيء، غير قليل من الكثافة وضيق الأفق، فتصيب الطبع بالبلادة، والسليقة الفنية بالجمود، أو تكون فياضة المعاني، مشرقة الجوانب، فتتيح لنا أن نحيي النص الشعري إلى أبعد جوانبه، ونمتص كل معطياته، وكأنما هو مفتاح لدينا من السحر والفنون. وأجمل القراءة الشعرية تلك التي تجتمع لها هذه العناصر الأساسية: نص شعري فيه طرافة وإبداع، يتجدد كلما عاودت النظر إليه، والتأمل فيه، وقارئ كفء للنص، يمتاز بخصب النفس، وقوة الطبع، والمرونة النفسية للتكيف مع الأجواء الشعرية على اختلافها، ولحظة غنية مشرقة تتم فيها عملية القراءة، فإذا اجتمعت هذه العناصر، فلا خوف على حرية خيالاتنا وعواطفنا من هذا السياج الرقيق، الذي تضربه النصوص الشعرية حولنا، لأنه سيكون حينئذ من الشفوف، بحيث لا يحجبنا عن أنفسنا، ولا يحجب مطارح الخيال عنا، وإنما يكون باعثا على كثير من الإبداع في تخيل أنماط الحياة المعنوية وتمثلها.
ولسنا مجافين للصواب، إذا ذهبنا إلى أن لغة الشعر قد تكون أقوى إيحاء عند الطرف المتلقي، منها عند الطرف المبدع، ذلك لأن هذه اللغة تعيش بالنسبة لهذا الأخير بروحين: روح الشاعر بما لها من خصائص وشيات، وروح المتلقي بما لها من ملامح ومميزات. فهي تأخذ من هذا وذاك، ويتكون لها مزيج عجيب يزيد في عمقها وفعاليتها حتى لتصبح أحيانا لغة جديدة في نكهتها وطبيعتها. فتقابل الطبائع والميول واجتماعها حول النص الشعري هو في الحقيقة عملية خلق جديدة، قد لا تقل عمقا وأصالة عن عملية الخلق الأولى، تماما كما يحدث عندما تطالعك وجوه مشرقة كلها صباحة ورواء، فأنت تستمد قبسا من هذا الوجه، لتمزجه بقبس من وجه آخر، فيتكون عندك انطباع خاص لا ينتسب إلى وجه دون وجه، وإنما ينتسب إلى الوجوه التي طالعتك كلها، عند تحليل العناصر التي يتكون منها، وفي الوقت نفسه يكون فيه شيء من نفسك أنت، كما تشعر بالأشياء الجميلة وتتجاوب معها.
ومادمنا بصدد الحديث عن أسلوب تأثرنا كقراء بالنصوص الشعرية الجميلة، فلا بأس أن نقف وقفة قصيرة عند مسألة أراها كالنتيجة الطبيعية لما سبقها من مقدمات: هل صحيح ما يزعمه بعض الباحثين من أن الأثر الذي يحدثه النص الشعري في نفوسنا سريع الزوال، وأنه إذ يزول، يترك المجال لنص آخر ليشغلنا هو الآخر فترة من زمن؟ ان هذه الفكرة تكاد تتحول إلى عقيدة عند الباحثين، إن لم تكن قد تحولت فعلا، والطلاب يلقونها فيما بين أيديهم من كتب، فيأخذونها على أنها حقيقة مسلمة لا تقبل نقدا أو مناقشة. فهيا لنختبر مدى صمود الفكرة أمام ما تبعثه في عقولنا من شكوك حول قيمتها. فإذا كان المراد زوال كل أثر للنص الشعري من نفوسنا بعد انتهائنا من قراءته، بحيث يمحى منها محوا، بعد أن ملأها بكيفية مؤقتة، فهذا لا يتفق مع أبسط نظريات علم النفس، إذ الثابت أن كل شيء يمر بنفس الإنسان أو يؤثر فيها من قريب أو بعيد، لابد أن يخلف فيها آثارا لا تزول أبدا، وإنما تصاحبه في كل أدوار حياته، ويكون لها دخل كبير في أسلوب تفكيره، وطريقة تذوقه، ومنهجه في النظرة إلى الأشياء. قد تستقر هذه الآثار في ذاتنا السفلى، أو ما يسمى بالعقل الباطن، لتعود إلى الظهور على مسرح الحياة النفسية، لكما استدعاها مؤثر من مؤثرات الحياة المختلفة. وهكذا نستطيع أن نفهم ما يخلفه النص الشعرب عندنا من أثر، يدخل في صميم حياتنا النفسية، ولا يزول نهائيا. وما يظهر علينا من ابتهاج ببعض نصوص الشعر، واكتئاب بنصوص أخرى، ليس في الحقيقة محوا لنوع من البواعث، لتحل محله بواعث أخرى، وإنما ذلك إبعاد لشيء منها ليستكين في عقلنا الباطن، فيحل محله شيء آخر في عقلنا الواعي. فنحن مثلا عندما نقرأ هذا الشعر:
يا خليلي تيمتني وحيد
ففؤادي بها معنى عميد
غادة زانها من الغصن قد
ومن الظبي مقلتان وجيد
وزهاها من فرعها ومن الخد
ين ذاك السواد والتوريد

ينقل إلينا ابن الرومي إعجابه بوحيد المغنية ذات القد الأهيف، والعينين الجميلتين، والصوت الهادئ الرخيم الذي يصبي القلوب والآذان، وهو يجعلنا نتمثلها بكل عاتيك المفاتن والروائع التي خلعها عليها، فنقع تحت سلطانها صانعة بنا مثل ما صنعته بالشاعر المسحور، فإذا نحن انتقلنا من هذا الشعر لننشد مع الشاعر الآخر:
أنساك محياك المماتا
فطلبت في الدنيا الثباتا
أوثقت بالدنيا وأنت
ترى جماعتها شتاتا؟
وعزمت منك على الحيا
ة وطولها عزما بتاتا
يا من رأى أبويه فيـ
ـمن قد رأى كانا فماتا

لا يكون معنى ذلك أن آثار الأبيات الأولى في أنفسنا ألقى بها خارجها بقدرة قادر، لتمتلئ بإيحاء الأبيات الثانية، وإنما معناه فقط أن الأولى صارت ذكرى وشعورا غامضا يستقر هادئا وادعا في اللاشعور، وقد يتسلل خفية ليخفف من كآبتنا ونحن في ظلال أبي العتاهية، فإذا أخذنا شاعر مرح بعد خروجنا من جو اليأس المميت، فقد لا يتركنا ما تخلف في نفوسنا من هذا الجو، وإنما يجعل انشراحنا مبطنا بشيء من الظلال القاتمة التي ألقاها في جنبات قلوبنا شاعر الموت في الأدب العربي، وهكذا تختلط عندنا حالات الاكتئاب بحالات الابتهاج، وأي الناس تصفو مشاربه؟

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here