islamaumaroc

لماذا نريد الإسلام ؟ -1-

  دعوة الحق

العددان 98 و99

لم يلاحظ اعراض صريح التحدي عن اختيار الإسلام كنظام للحياة مثل ما لوحظ منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ويزداد هذا الإعراض الصريح وضوحا وتحديا كلما قربنا إلى أيامنا هذه، التي لم تعد قضية صلاحية الإسلام تثار بجدية واهتمام، وإن تعددت لافتات الإسلام لتحمل في مناسبات معينة وفي أسواق الدجل السياسي. ولذا صار الإسلام في نظر بعض شبابنا القاصر بالعالم الإسلامي عنوانا لشتى الصور المشوهة؛ لأنهم يستمدون معرفتهم بالإسلام من خلال أشخاص يسيئون لهذا الدين عن حسن نية أو سوئها، ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث في حقيقة الإسلام نفسه بالاتصال بمصادره العلمية الصحيحة. وهذا ما جعل الاهتمام بالفكرة الإسلامية يتلاشى من قائمات اهتماماتهم بكل سهولة ويسر.
والفاجعة الكبرى أن ظاهرة الجهل بالإسلام لا تزداد إلا اتساعا ورسوخا. ولكن انطواء دعاته على أنفسهم لعلة أو لأخرى ليمثل العنصر الأساسي في هذه الفاجعة، وهو في نفس الوقت خيانة للرسالة التي حملوها.
وان الاعراض عن الإسلام في هذا العصر ـ وفي غيره ـ لهو إعراض سفيه لا يقدر المعركة حق قدرها، إذ يزهد في سلاح فعال كان له الفضل في الانتصارات العظيمة التي أحرزها العالم الإسلامي بفضله خلال التاريخ.
قد يقال أن أسلحة الأمس لم تعد صالحة في عصر الذرة المدمرة، وهذا صحيح بالنسبة للأسلحة المادية، ولكن سلاح الفكرة سلاح خالد، بل انه السلاح الحاسم في هذا العصر الذي يعتمد في الصراع حيث فشل السلاح المادي؛ ومما أضفى على هذا السلاح قيمة كبرى هو انتشار التعليم من ناحية، وتقارب أجزاء الكرة الأرضية فيما بينها بالمواصلات الحديثة من ناحية أخرى، مما جعلها أشبه بمدينة واحدة أو بناية واحدة ذات شقق وطبقات تسكنها الأمم المختلفة في تجاور متلاصق. فما يحدث في بكين صباحا سرعان ما تنتشر أخباره في شوارع دار السلام قبل الزوال، كما لو كانت الشقة بينهما أقل مما كان بين فاس ومكناس منذ قرن من الزمن. ولذا تقدر الأمم القوية سلاح الفكرة وترصد له ميزانية ضخمة مذهلة؛ وان أي أمة عزلاء من ها السلاح عاجزة عن الدخول إلى حلبة الصراع كمبارز يخشى، وإنما عليها الاستسلام للفكرة الغازية. وتقاس درجة كل أمة في الحضارة والرقي والقوة بما لديها من أفكار سامية وقيم إنسانية وبمدى تفاعلها مع هذه القيم وتأثرها بتلك الأفكار وارتباطها بها، لأن ذلك هو الذي يزودها بالحركة الهادفة المتصاعدة، ويلقحها بأمصال الوقاية من الأمراض الاجتماعية والخلقية والفكرية، ويضمن لها المحافظة على السير الحثيث المبدع، وتجعلها قادرة دائما على رد أي تحد أو هجوم.
وعلى الرغم من بداهة هذه الحقيقة فإن اضطراب إدراكنا ووعينا لحقيقة الصراع وطبيعة المعركة واعراضنا عن سلاحنا المصمم يطغى على تفكيرنا واتجاهاتنا. ويفسر هذا موقف المسلمين من التحديات على قيمهم ودينهم، فقد كان هذا الموقف مختلفا.
1 ـ فمنهم من يجهل حقيقة هذا التحدي والهجوم، ومن ثم فهو لا يعبأ بخطره.
2 ـ ومنهم من استسلم لأول وهلة وأصبح عامل هدم للإسلام في حماس وإخلاص وخبث، لأن عوامل الحصانة وعناصر رد الفعل على التحديات قد جفت أو جففت منابعها في كيانه، مما جعله جنديا في اللفيف الذي أعد لمحاربة الإسلام من الداخل.
3 ـ ومنهم من أدرك خطر هذا الهجوم والتحدي، ولكن صلته بفكرة الإسلام لم تكن حية ولا ذات فاعلية بالقدر الذي يستجيب الاستجابة المناسبة، فهذا الصنف بين منطو على نفسه، مستسلم للواقع يحوقل ويتعوذ، وياكل القوت وينتظر الموت في بأس وعجز؛ وبين مترك حركة مشلولة زمنة أو رهينة مصالح ضيقة، لا تعود على الفكرة بالفائدة المرجوة.
4 ـ ومنهم من أدرك حقيقة الخطر وطبيعة الهجوم وغايات التحدي بسلاح من الفكرة الإسلامية يدافع عنها بإيمان قوي بالنصر. وهذا القسم هو الذي يقود الحركات الإسلامية الهادفة في العالم.
ولقد كان لهؤلاء فضل كبير في ملء فراغ خطير كنا نعانيه، وفي تسليح المؤمنين بالفكرة النيرة والحجة القاطعة في ميدان الصراع، وبذلك واجهت التحدي الداخلي والخارجي، واعني بالتحدي الداخلي تلك الانحرافات التي يحاول لصقها بالإسلام؛ وبالخارجي هذه المذاهب الوضعية التي تصدر إلينا بدون انقطاع وبمختلف الوسائل.
وعلى الرغم مما يوضع في سبيل هذه الحركات من عراقيل فإنها حققت انتصارات من الناحية الفكرية. وهذه الطائفة من المسلمين سارعت إلى الاختيار ساعة دقت أجراس الخطر، فلماذا أرادت الإسلام نمطا ونظاما لحياتها، وأساسا لعلاقاتها ومثلا أعلى من وجودها؟
ان الاختيار لم يكن يدافع الحنين إلى ماض مشرق عزيز ولا تعصبا جاهلا، وإنما هو عن وعي عميق وشامل، هذا الوعي الذي وجد نفسه أمام حضارة آسنة متدهورة أقامت الآلة وثنا تعبده، والمنفعة مبدأ تقدسه، حتى أنها أخضعت القيم الدينية لتسير في ركب المنفعة أو أقامت على أنقاضها دينا جديدا يعب من: المادية والإلحاد، كما يشهد بذلك بعض كبار مفكري هذا العالم.
يقول كارل ياسبرز عن الأفكار التي تسيطر على هذا العالم بأنها «نشأت في يئة الحادية متمردة التي ازدهرت فيها الأخلاق «النفعية» والقيم الحسية التي تستبعد كل ما هو غيبي، وتلبي الميول الغريزية النازعة إلى الاستمتاع العاجل المباشر دون أن تقيم وزنا لصوت الضمير أو تراعي مبادئ الحق والخير والجمال».
وهذا ما جعل فيلسوفا قبله وهو شبتكلير يؤلف كتابه العظيم «تدهور الغرب».. أو «انهيار الحضارة الغربية». لأن الغرب عبد العلم وآمن بالآلة، ونسي نفسه، وأصبح عبدا لمخترعاته وأشيائه على حساب خلقه وضميره وأهدافه الإنسانية العليا. وقد أدرك هذا الخطر عقلاء آخرون لهذا العالم، فصاحوا منذرين ومحذرين كالدكتور كارليل الذي يقول: «إننا لن نصيب أية فائدة من زيادة عدد الاختراعات الميكانيكية، فحقيقة الأمر أن العلم الخالص لا يجلب لنا مطلقا ضررا مباشرا، ولكن حينما يسيطر جماله الطاغي على عقولنا ويستعبد أفكارنا في مملكة الجماد فإنه يصبح خطرا؛ ومن ثم يجب أن يحول الإنسان اهتمامه إلى نفسه، وإلى السبب في عجزه الخلقي والعقلي. إذ ما جدوى زيادة الراحة والفخامة والجمال والمنظر وأسباب تعقيد حضارتنا إذا كان ضعفنا يمنعنا من الاستعانة فيما يعود علينا بالنفع. حقا أنه لمما لا يستحق أي عناء أن نمضي في تجميل طريق حياة تعود علينا بالانحطاط الخلقي وتؤدي إلى اختفاء أنبل عناصر الأجناس الطيبة...».
ومثل هذه الصرخات كثيرة تنبعث من أعماق حناجر وضمائر عقلاء هذا العالم الجديد الذي تسلم زمام مصير الإنسانية، فأرغمها على السير نحو التدهور الذي تنبأ به اشبنكلير وغيره.
ولذلك كان من البله والبلادة الاستسلام لهذه القيادة التي لا تحسن التسيير حيث تعمل على إفقار العالم من أروع قيمه.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here