islamaumaroc

الأدب النسوي في المغرب (الأندلس) -9-

  دعوة الحق

العددان 98 و99

عصر ملوك الطوائف:
حتى إذا سلك الخلافة انتشر
وذهب العين جميعا والأثر
قام بكل بقعة مليك
وصاح فوق كل غصن ديك
وكثر العادي بعل والخائف
واقتسمت أقطارها الطوائف(1)

هذه الأبيات من أرجوزة ابن الخطيب في دول الطوائف التي يتحدث فيها عن ذهاب الخلافة الأموية، وتفرق كلمة المسلمين شذر مذر، واضطراب حبل الأمن في البلاد، ورغم اختلال أنظمة الحكم وفساد المقاييس السياسية، واستئثار كل أمير بدويلته، الأمر الذي جعل هذه الدويلات أشبه بجمهوريات إيطاليا في ثياب شرقية كما يقول غرسيا غومس(2) فإن الآداب والعلوم في هذه الفترة أورقت غصونها، وتبرعمت براعمها في صورة مثلى تبعث على العجب، وذلك يرجع إلى تعزيز الأمراء للحركة العلمية، وتشجيعهم لضروب المعرفة على مختلف أشكالها وألوانها.
ونتيجة لذلك انتعشت الحياة الأدبية فأثمرت المواهب المتفتحة، وتندت الأذهان بلطيف النتاج، وصقلت العقول، وحلق الخيال في سموات السحر والمال فكانت من ذلك المقطعات الفاتنة والموشحات الجميلة والقصائد العذاب التي تصف فيما تصف الطبيعة الصامتة والناطقة التي بانت بالنسبة للشاعر مرتعا لخياله ومقيلا لأفكاره، إذ أنها تنشيه باهتزاز الأزهار، وانسياب الجداول وتأود فروع الدوحات، وتمايل عذبات الأشجار وتأوه حفيف الأوراق، وهفيف الغصون.
ومن أجل ذلك هتف شاعرهم مستهاما مأخوذا:
يا أهل أندلس لله دركم
ماء وظل وأنهار وأشجار
ما جنة الخلد إلا في دياركم
ولو تخيرت هذا كنت أختار

وأيا كان الأمر فإن الأدب في هذه الفترة شهد تطورا ملموسا، وتقدما ملحوظا رغم أنه ينهل من منهل الأدب المشرقي، ولكنه يعرض في معارض جديدة فيها من الطرافة والجودة والرقة والابتكار ما ينسي الأصل المستمد منه، وذلك مرده جميعه إلى العامل الآنف الذكر وبالتالي إلى اتساع الدائرة الأدبية إذ لم تعد قرطبة وحدها قبلة الأنظار يؤمها الشعراء من شتى الأنحاء، بل تكاثرت المراكز الأدبية كما تكاثر الممدحون ومحبو الأدب، ودواوين الشعر، وأصبح التنافس بين المدين والبلدان على أشده فاستطاعت الأندلس أن تظفر بحظ كبير من النشاط العلمي والأدبي، ذلك أن ملوك الطوائف تباروا على أبهة الملك، فكل ملك يريد أن يبذ أخاه أو منافسه في الناحية المادية والعقلية، وكان منهم بنو ذي النون بطليطلة، وبنو هود بطرطوشة وسرقسطة، وبنو الأفطس ببطليوس، وبنو صمادح بالمرية وبنو عباد باشبيلية وبنو جهور بقرطبة.
وليس هذا فقط كان من أسباب امتداد الحركة الأدبية والعلمية، بل ان الملوك أنفسهم منهم من كان أديبا مثقفا مطلعا شغوفا أشد الشغف بالعلم، ولوعا أكبر الولع بأصناف المعرفة، ودليلنا على ذلك المظفر صاحب بطليوس الذي جمع في خزانته الرصيد الكبير من الكتب التي استطاع بها أن يكون موسوعته التي سميت بالكتاب «المظفري» وأن يكتسب ذوقا أدبيا وملكة نقدية، وقد روي عنه أنه قال: «من لم يكن شعره مثل شعر المتنبي والمعرب فليسكت».
وكذلك المعتمد بن عباد وهو أشهر من أن يعرف به في هذا الميدان، يقول عنه المراكشي:
«وكان لا يستوزر وزيرا إلا أن يكون أديبا شاعرا حسن الأدوات فاجتمع لديه من الوزراء والشعراء ما لم يجتمع لأحد قبله»(3).
ومن المقطوع به أن اشبيلية الأرملة الطروب كانت تضج حركة وجلبة كخلية نحل، بهواة الشعر،ـ ومعالججيه إذ أصبحت هذه المدينة مقصدا لأولئك ولغيرهم ممن هام بسحر الكلمة وجمال الحرف من جميع الجهات، وكان من بينهم ابن زيدون وابن عمار وابن اللبانة وابن حمديس الصقلي وعبادة القزاز وعبد الجليل بن وهبون واضرابهم.
ولا بأس أن نجعل مسك ختام هذا الحديث عن عصر الطوائف ما قاله أبو الوليد الشقندي في رسالته في فضل أهل الأندلس:
«وما ثار بعد انتشار هذا النظام ملوك الطوائف وتفرقوا في البلاد كان في تفرقهم اجتماع على النعم لفضلاء العباد إذ نفقت سوق العلوم، وتباروا في المثوبة على المنثور والمنظوم، فما كان أعظم مباهاتهم إلا قول العالم الفلاني عند الملك الفلاني، والشاعر الفلاني مختص بالملك الفلاني، وليس منهم إلا من بذل وسعه في المكارم، ونبهت الأمداح من مآثره ما يطاول الدهر بناء الخ»(4).

ولادة بنت المستكفي(5):
حسناء فاتنة ساحرة، ناقدة شاعرة، حصينة ذكية، استقبلتها الحياة والمعارك محتدمة، وجيوش المسلمين تتلاطم تلاطم الأمواج العاتية من علويين وبربر وأمويين.
أتت الحياة عند أفول شمس أجدادها، فوجت الملك على وشك أن يصبح ذكريات تطفو على وجه الزمن، وشتيت حطام تتقاذفه العواصف الهوجاء، وأضغاث أحلام تقتات عليها الأنفس الجريحة اللاهثة.
تبرعمت براعم صباها في جو مكهرب مخيف، فوالدها محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله الناصري الملقب بالمستكفي تولى الخلافة عام 414هـ فكان بلية ومحنة على أهل قرطبة إذ أنه كان مجبولا على الجهالة، عاطلا من كل خلة تدل على فضيلة كما يقول ابن بسام، كما كان عبدا لشهواته لا يهمه من الدنيا غير بطنه وفرجه.
أوقع بنو حمود بأمراء بيتها فلم يكتب لهم النجاة غير أبيها الذي لم يدم متربعا على العرش سوى تسعة عشر شهرا، على حين ظلت شاعرتنا ولادة بقرطبة تثقف نفسها وتنهل من مناهل المعارف، وكانت أول من سن للنساء سنة الانكشاف وتمزيق حجاب الحشمة والوقار ولاسيما وهي بنت لقينة حبشية والقيان كما هو معروف لم يكن لهم حجاب.
من أجل ذلك غشى منزلها الأدباء والشعراء واتخذوه منتدى لهم يديرون بين جنباته أحاديث في شتى الفروع العلمية والأدبية، وما قامت به ولادة قامت به في الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر «مدام دي ديفاند» التي كانت هي بدورها ميالة إلى اللهو والعبث وأحبها نبغاء الفكر حينذاك أمثال فولتير ومنتسكيو وكذلك «مداموازيل دي لسبيناس» والآنسة مي زيادة في أدبنا العربي الحديث.
ومهما يكن فولادتنا وجدت في جوها الحافل متنفسا لها ينسيها الفواجع التي تجرعتها والارزاء التي أذاقتها الأمرين، وحاولت أن تتغافل عن كل ذلك بما تقوم به من مقابلات في قصرها لرواد الثقافة،وما تقضيه معهم من الساعات الطوال في المطارحات الأدبية.
ونحن إذا قمنا بالبحث عن عفافها واستقامتها الخلقية وجدنا أصحاب الأخبار كالمقري وابن بسام مثلا يصفانها بالعفاف فيقول هذا الأخير وهو أسبق وجودا من المقري:
«...ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها، تخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب على أنها ـ سمح الله لها وتغمذ زللها ـ أطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل، بقلة مبالاتها، ومجاهدتها بلذاتها»(6).
وليست شعري كيف نوفق بين قول ابن بسام يصفها بطهارة الأثواب وبين مجاهدتها باللذات، فهو تناقض لا محالة ظاهر واضح وخاصة حين نعثر على قول لأبي عبد الله بن مكي شيخ ابن بشكوال نصه: لم يكن لها تصلون يطابق شرفها»(7).
وبالجملة فإننا نستطيع ـ مادامت البراهين بين أيدينا ـ أن نقر ـ إلى حين تظهر براهين أخرى معاكسة ـ أن شاعرتنا ولادة كانت مستهترة لا تكترث لما يخدش شرفها وكرامتها، مجنة تأخذ الحياة على أنها رشقة من كأس الملذات، وقبلة حارة من خد أسيل.
وفي الحق أن العفاف والرزانة الخلقية لا تنتسب إليها ولا هي تنتسب من قريب أو بعيد إلى قيمة من قيمها، ولو كانت تتوفر على نصيب من ذلك لما تجرأ صاحبها ابن زيدون على تسجيل كل ما جرى له معها في ليلة زاهرة حلوة عذبة في قطعة له نثرية أثبتها ابن بسام نفسه وهو الذي وصفها بطهارة الأثواب من غير ما تعليل منطقي يزيح سحابة التناقض الذي وقع فيه.
ونص القطعة يبتدئ من قوله: «كنت في أيام الشباب، وغمرة النصاب، هائما بغادة تدعى ولادة «إلى أن يقول في إباحة سافرة» وبتنا بليلة نجني أقحوان الثغور ونقطف رمان الصدور»(8).
وقد يمكن لنا أن نتهم ابن زيدون بأنه نسج بعض حوادث الحكاية من خيالة عن قصد تشفيا بعد أن وقع سوء تفاهم بينهما(9) وخاصة وهو الشاعر الرقيق المولع بالخيال، قد يصدق هذا، وقد لا يصدق بيد أنه يسوغ لي أن أؤكد أن ما صرح به الشاعر يعتمد على أصول وجذور، وكما يقال: لا دخان من غير نار.
والظاهر لمن يقرأ ما كتبه ابن زيدون عن الليلة التي قضاها مع صاحبته أن الشاعرة كانت تزوره ليلا ـ ومن يدري لعل الحكاية تكررت مرات ومرات ـ بعد أن ينام الناس فيفيء كل واحد إلى فراشه حتى يخلو لهما الجو، وهي نفسها تؤكد هذا وتعترف به ـ والاعتراف كما يقول المشتغلون بالقانون سيد الأدلة ـ في قولها:
نرقب إذا جن الظلام زيارتي
فإني رأيت الليل أكتم للسر
ولي منك ما لو كان بالبدر ما بدا
وبالليل ما أدجى وبالنجم لم يسر

وما معنى «ترقب إذا جن الظلام زيارتي الخ» هل يعني أنهما سيلتقيان لبث كل لصاحبه هواه واختلاجاته، ويتركان روحيهما تتناغيان في عالم الأحلام الجميلة لا تدنسها رغبة أو نزوة، وكيف يكون لقاؤهما نقيا نقاوة ماء المزن وهي التي كتبت على عاتقي ثوبها في جرأة متناهية:
أنا والله أصلح للمعالي
وأمشي مشيتي وأتيه تيها
وأمكن عاشقي من صحن خدي
وأعطي قبلتي من يشتهيها

ورغم ذلك كله فهنالك من يزعم أن الأشعار الإباحية التي صدرت عن ولادة وشواعر اخر إنما هو من قبيل التغزل والتخيل، شأنهن في ذلك شأن سائر الشعراء الذين قال فيهم القرآن الكريم «.. ألم تر أنهم في واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون».
ثم استدل على عفتها بقول ابن زيدون:
وغرك من عهد ولادة
سراب تراءى وبرق ومض
هي الماء تأبر على قابض
ويمنع زبدته من مخض

ولكن هذا الرأي لا ينهض حجة مقنعة تستند على المنطق، إذ لو سلمنا بهذا التأويل المفتعل، والتعليل المتكلف لاقتضت الحال أن نقوم بنفس العمل بالنسبة للنتاج الأدبي الإباحي الذي تفتفت عنه قرائح شعرائنا في الأدب العربي. ومن المسلمات، أن الآثار الأدبية أكبر معين للباحث في تاريخ الأدب على استكشاف الحقائق، وإذا كان العمل الأدبي ينطوي على هذا الجانب الكبير من الأهمية، فلماذا لا نعتبره معبرا عن حياة صاحبه بكل ما يكتنفها من خير وشر.
وأما الاستدلال على طهارة ولادة بقول ابن زيدون فإنه يحتمل أن الشاعر تعتمد أن يهول الأمر على منافسه ابن عبدوس حتى لا يعود يأمل في حبها ولاسيما البيتان من قصيدة طويلة نظمها الشاعر ابن عبدوس يستهلها بقوله:
اثرت هزبر الشرى إذ ربض
ونبهته إذ هدا، فاغتمض

مدح ـ غيرة ـ عذر
عن عبد الله بن مسعود، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل، ومن أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش، وليس أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل».
«رواه مسلم»


ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر رقم الحلل في نظم الدول ص 45 مطبعة تونس 1316هـ.
(2) انظر الشعر الأندلسي ص 44 لغرسيا غومس، ترجمة الدكتور حسين مؤنس.
(3) المعجب: 65.
(4) انظر نفح الطيب ج 2 ص 128 ط ليدن.
(5) ذكر الفتح بن خاقان في «قلائد العقبان» أنها بنت المهدي، والثابت أنها بنت محمد بن عبد الرحمن كما سنرى بعد قليل.
(6) الذخيرة 1/1 ص 376.
(7) الصلة: 607.
(8) الذخيرة 1/1 ص 377.
(9) سيأتي الحديث عن الخصام الذي وقع بين ابن زيدون وولادة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here