islamaumaroc

نحن والتاريخ

  دعوة الحق

العددان 98 و99

إذا فكرنا واقعنا نجد أن الإنسان يعمل دائما للتدرج من حالته التي يحياها إلى حالة أحسن فيرجو الغنى بعد الفقر والصحة بعد المرض والسعادة بعد الشفاء واليسر بعد العسر والتقدم بعد الانحطاط بحيث لم يكن من المعقول أبدا أن يكون الرجاء لا يطمح بالإنسان إلى ما هو أفضل وأسمى.
وإن هذا الشعور هو المقياس الأول الذي تتميز به الدول ويتميز به الأفراد فإن الذين لا يكون تفكيرهم يدفعهم إلى التطور والرقي واستغلال الطاقات البشرية والإمكانيات العملية لا شك أنهم فاقدون لأعظم هبة منحها الله للبشر. ألا وهي هبة الحياة والكرامة.
فالعمل من أجل المستقبل إذن هو طابع غريزي يطبع الأفراد الجماعات. ولا يتيسر للإنسان أن يحقق رغباته إلا إذا استغل الإمكانيات التي بين يديه سواء كانت إمكانيات مادية أو إمكانيات معنوية.
وفي استغلال هذه الإمكانيات قد تقع الخلافات بين البشر لأن تخطيط الأهداف يتغير حسب الاتجاهات الفلسفية والفكرية والاقتصادية والروحية عند كل أمة من الأمم، ولا يدري الواضعون لهذا التخطيط أي طريق يتجهون وأي سبيل يتخذون.
فهناك من يجعل بينه وبين الماضي سدا ويرى أن الإنسان ابن حاضره يجب عليه أن يقوم بدوره في الحياة دون أي اعتبار لما مضى ودون أي ارتباط بتاريخ دالت دولته وانقضت أيامه فإن المنهاج السليم يتصل اتصالا بينا بروح العصر وان العمل المفيد هو العمل الذي يخفف من مشاكل العالم الحديث.
وهنا تختلف النظريات أيضا في اختيار أهداف العمل. وهل تكون أهدافا فردية أو أهدافا جماعية؟ وهل يصح للإنسان أن يعمل في حدود إقليمية أو لابد من أن يعمل في حدود عالمية. وما هو دور الإنسان المتخلف الذي مازال مضطربا حائرا جاهلا وما هو دور الدول التي زالت تعمل الآن من أجل ضمان حريتها واستقلالها وضمان اقتصادها وأي طريق تنهج؟
وهنا تتعدد النظريات الاقتصادية والفلسفية فتجعل الإنسان حائرا بين تحقيق ما يريد وبين الرضوخ لما هو واقع.
ولكننا في الحقيقة إذا ما تصورنا الإنسان في هذا العصر حائرا في الاختيار ثم فصلناه عن ماضيه فإننا بذلك سنكون قد فصلنا بين كيان الإنسان وغرائزه التي ورثها عن آبائه الأولين.
الإنسان في الحقيقة ليس إلا عنصرا يمثل وجوده الحاضر ويمثل وجود نوعه فهو تتجلى فيه صفات كثيرة ورثها عمن سبقوه ولكن التربية هي التي تهذب بعض هذه الغرائز وتدرب الإنسان على التحلي بالقيم الفاضلة والتخلي عن الشرور.
وليس في الإمكان تحديد القيم التي توحد بين البشر عن طريق علم الأخلاق فقط لأن مفاهيم القيم تختلف أيضا باختلاف المناهج والآراء والمصالح العامة لمختلف الدول.
وليس من خطل القول إذا قلنا أن هذه الاختلافات حسب الاتجاهات الاقتصادية التي تنهجها كل دولة وحسب بعض تقاليدها التي اكتسبها عن طريق الأديان والمذاهب العامة القديمة التي امتزجت بها وتأثرت بتعاليمها.
بل إننا يمكن أن نقول بأن الفلسفة ذاتها قد تفقد جزءا من تجردها حينما يصبح الفكر دون شعور مقيدا باتجاه خاص يومن به الفرد فيسلط أضواء فكره على تحليله وإيضاحه والدفاع عنه وإبراز محاسنه وقد يستطيع بذلك أن يصل إلى حد الإقناع وهذا هو السر في كوننا نجد تضاربا بين آراء مفكرين في العالم ولا نستطيع أن نقول أن هذا الخلاف ناتج عن ضعف في جانب دون جانب وإنما نجد أن الأسس المنطقية والعاطفية التي يسير عليها طرف من هؤلاء قد لا تتفق مع الأسس المنطقية والعاطفية التي يسير عليها الطرف الآخر، ولذلك لا يقع بينهما تفاهم، وقد تظل هذه الاختلافات شديدة الاحتدام رغم العمل على إقامة مؤتمرات وإيجاد جماعات تعمل على التأليف بين الطرفين والربط بينهما.
ولكن ليس من الغريب أن يكون لكل قوم مفكرون يومنون بالخطة التي يجب عليها أن يسيروا عليها في المستقبل ويربطون بين حاضرهم وماضيهم ويعملون على خلق انسجام بين فلسفتهم في الحياة وبين أنظمتهم الاقتصادية وبين قيمهم الخلقية، ولكن الغريب أن نجد قوما إذا حدثتهم عن تاريخهم ظنوا أنهم سفاكو الدماء وإذا حدثتهم عن دينهم ظنوا أنهم معاول هدم للبشرية وإذا حدثتهم عن قيمهم نبذوها وعارضوها وسخطوا على انتمائهم إليها وآمنوا بكل ما استوردوه ولو كان فجا مضرا متضاربا بعضه مع بعض.
والسبب في ذلك تعفن فكري استبد بهم فوجههم توجيها منحرفا، وتربية قاصرة لا تعتمد على أساس عملي وإنما تعتمد على أساس خطابي لا يفيد كثيرا في تهذيب الوعي وفي تقوية الإيمان، ولهذا كانت المعرفة هي الأساس الأول لتهذيب الفكر وتنوير الضمير. وكان الاطلاع على التاريخ واجبا لأنه الأمل الباسم والقوة الدافعة والمحرك الذي لا يفتر عن عمله والصورة التي تنطبع عليها أحسن الذكريات والإيمان الذي يقوي عصب مجدنا ويبشرنا بالمستقبل الزاهر السعيد.
التاريخ إذن يلعب دورا عظيما في المجال البشري لا يمكن لأي أحد أن يستغني عنه. وقد اختلفت الفلسفات التاريخية حين كانت تفسره وتحدد أهدافه وتتحدث عنه كعلم من جهة وكتربية من جهة أخرى.
نحن نرى أن التاريخ وإن كان له مدلول اجتماعي قد ينسجم مع العلم في جل صوره وقد يرتبط بالاقتصاد أو بالدين أو بالواقع المجرد دون أن يكون هناك أي اتصال خارجي عن واقع الحوادث التي يمكنها أن تكون قد قاعدة عامة ترتبط بأشباهها في كل زمن وفي كل مكان فإننا نرى أن جانب استغلاله في التربية الوطنية وفي المناهج الاقتصادية وفي الدعاية الدولية وفي إثبات الشخصية وفي توحيد الشعور الوطني أمر لا يمكن أن يستغنى عنه بالنسبة إلى الدول المتطلعة إلى المجد الراغبة في تشييد المستقبل الرغيد لأنها إن استفادت منه فإنما تقوم بعمل أصبح شعارا عند كثير من الدول المسيطرة على العالم بثقافتها وقوتها.
ففرنسا مثلا لا يمكن أن تتحدث عن تاريخها دون أن تبرز مظاهر العظمة في حضارتها وفي ماضيها ودون أن تربط بين الإشعاع العلمي الحديث وبين ما قدمته فيه من جهود ودون أن تتغنى بالبطولة والتحرير والثورة التي مهدت لأوروبا كله طريق النصر ضد الظلم والطغيان تلك الثورة التي جعلت العدل والإخاء والمساواة شعارا لها.
إن فرنسا لا تفصل تاريخها عن هذه الصور اللماعة التي يطمئن إليها كل من اطلع عليها وبذلك تجعل ثقافتها والتعريف بحضارتها سبيلا إلى استمالة النفوس وطريقا إلى الغزو الفكري في مختلف البقاع التي استولت عليها في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن العشرين.
وأمريكا أيضا لا يمكنها أن تتحدث عن تاريخها دون أن تذكر ما تراه لامعا في هذا التاريخ فهي تتحدث عن ثورة بعض رؤسائها ضد الميز العنصري وتتحدث عما قامت به في التطور العلمي الحديث وما قدمت من أعمال جبارة في التأليف بين الولايات والربط بين الأقاليم وبذلك أزالت كثيرا من الفروق البشرية التي كانت حائلة بين الإنسان والتقدم ولذلك كان المجهود الذي قامت به دافعا إلى التقدم العلمي وسببا في التطور الحضاري.
وهذه روسيا أيضا إذا تحدثت عن تاريخها لا تغفل ما قامت به مجهودات بشرية أدت إلى إيجاد الاتحاد السوفياتي وهي تفتخر بأنها أوجدت فلسفة اقتصادية أبعدت شبح الجوع عن كثير من البشر وفتحت أمامهم باب العمل حتى أصبحت من أعظم الدول تقدما في العلم وأقواها اتصالا بالعدل والمساواة والحزم.
كل دولة كما رأينا لا تحاول أمام الرأي العام العالمي إلا إبراز أعظم ما لديها من مواقف أما إذا تحدثت عن بعض حروبها وعن اشتباكاتها مع دول أخرى فهي تحاول دائما تبرير مواقفها إزاء الآخرين.
والإنسان بطبيعته يتأثر بما يرى ويسمع فإذا يسرت من يستمع إليك فإنك في الغالب تملك شعوره وهذا هو السبب الذي يدفع كثيرا من الدول إلى نشر لغاتها والعمل على شيوعها.
فبمقدار ما تنتشر لغة يكثر قراؤها وبمقدار عدد القراء تستطيع الدولة التي تتكلم بها أن تكسب المعركة في نشر آرائها وأفكارها ووجهات نظرها وتقرب إليها شعور الأفراد.
وإذا تمكنت أمة من شعور فرد أصبح ملكا لها يدافع عنها ويؤازرها ولهذا نرى أن العرب حينما يريدون نشر لغتهم وحينما يطالبون بجعلها لغة العلم إنما يسعون في ذلك لأنها ستصبح موحدة لشعورهم معرفة بأحوالهم مبينة لثقافتهم محببة لتاريخهم.
ففرق إذن بين موقف العرب في جعل اللغة عاملا من عوامل توحيد الشعور وبين موقف غيرهم من الذين تتحكم فيهم فروق أخرى جذرية كالحالة التي توجد عليها أمريكا  وانجلترا مثلا فرغم اتحاد لغتهما فإنهما لا يمثلان قومية واحدة.
إن توحيد الشعور بين الأفراد يعد أعظم مؤلف بين قلوبهم ونحن في عصرنا الحاضر نرى أن التاريخ له دور فعال في توحيد الشعور وتقوية الشخصية وقد لاحظنا فيما قدمنا من أمثلة أن جميع الدول تعمل على الاستفادة منه في تربية الأفراد وتنوير الرأي واستمالة المناصرين فلماذا نتخلى عن ذلك؟ ولماذا لا نقلد الدول العظمى في هذه الظاهرة التي سنستفيد منها.
ليس الاعتزاز بتاريخنا مظهرا من مظاهر التعصب ولكنه سبيل من سبل التربية. إن التخلي عن تربية الجيل الصاعد بمواقفنا التاريخية المثيرة يعد انحرافا عظيما قد يؤدي إلى محو شخصيتنا في العصر الحاضر.
قد يكون هذا الاعتزاز تعصبا لو كان موقف الدول العالمية لا يعتمد عليه في تربية الأفراد، ولكن حيث أنهم يلتزمون في تعليم التاريخ إبراز حضارتهم وتبيين فضلهم على العالم، فلماذا نحن لا نبحث بجد عن تاريخنا الحافل المجيد الذي أشع على العالم بنوره في جل الميادين؟ ولماذا لا نجعله عنصرا أساسيا في دراستنا ونولي القيام به طائفة من المختصين به والعارفين للعلاقات الدولية والدارسين للثقافة الإسلامية والعربية والمهتمين بالتاريخ العالمي في جل صوره ويحاولون آنذاك التعريف بما في تاريخنا من لمع أفادت العالم وأفادت الإنسان في مختلف حاجياته.
مما يؤسفني كثيرا أنني أرى طائفة من الشباب المغربي لا يكفيها لتكوين رأي صادق وحكم سليم بل قد تكون تلقنت ذلك التاريخ منحرفا فتحمل في نفسها حقدا دفينا ضد العرب والإسلام. ويتمكن ذلك من نفسها فتحاول ما أمكنها أن تطمس الدول الجبار الذي حققته العرب والمسلمون في تاريخهم وفي تاريخ البشرية وتتحمس أحيانا لآرائها المنحرفة ويكون موقفها أشد ضررا على الأمة العربية من موقف أعدائها ولله در الشاعر العربي الذي يقول:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند

ولعل السبب في ذلك يرجع إلى الانحراف النفسي والثقافي والتربوي الذي يظهر في الإيمان المطلق بالتيار الجديد الذي يسود العالم والذي أصبحت السلطة فيه إلى جنس غير عربي وإلى دين غير إسلامي، أو لعله يرجعه إلى كون تلقين مادة التاريخ في أغلب المدارس الثانوية في يد قوم غير عرب لا يحسون بمشاكلنا ولا يتذوقون تاريخنا ولا يربطون بين مواقفنا الحاسمة واتجاهاتنا في الحياة. وقد يكون الأمر راجعا إلى فقدان الثقة في نفوس شبابنا بمستقبل البلاد العربية وإلى تسلط شبه يأس عليهم ظانين بأن عجلة الزمن تسير دائما في مصلحة الآخرين ولن تعود إلى مصلحتنا نحن أيضا.
مع أن طبيعة التاريخ تقتضي عدم التوقف وعدم الجمود. انه تطور وتغيير والإنسان ليس بينه وبين التقدم إلا التسلح بمقوماته فيتجه إلى العلم بكل قوة ويتصف بالأخلاق الفاضلة التي تروضه على أن يحب للناس ما يحب لنفسه ثم يعمل على توحيد شعوره وتقوية عقيدته الهادفة وإحياء تاريخه الذي يستند عليه في إذكاء عواطفه وفسح مجال العمل أمامه.
وعلاج هذا المشكل لا يأتي عن طريق التمني وإنما يجب أن تكون هناك خطة ترتكز على تصميم عملي هادف إلى رفع معنوية الباب المغربي وإلى العمل على تزويده بالتاريخ العربي الإسلامي بطريقة تتناسب مع واقعه ومع أمانيه ومع ماضيه المجيد.
ولهذا لا يمكن أبدا أن ندعي بأننا نستغني عن التاريخ في فسح مجال العمل أمامنا في المستقبل.
إن تاريخنا العربي الإسلامي جزء لا يتجزأ من كياننا سواء كان تاريخا سياسيا أو كان تاريخا علميا أو كان تاريخا اجتماعيا.
وليس معنى هذا أن جميع ما سجله تاريخنا خاليا من الأخطاء والهفوات لأن التاريخ في الحقيقة إنما هو تسجيل أعمال الإنسان. والإنسان قد يخطئ وقد يصيب، قد يعدل وقد يظلم، قد يوفق وقد لا يوفق ولكن العاقل هو الذي يأخذ من التاريخ عبرة ويستفيد من أحداثه. ونحن في تربيتنا العامة يجب أن نستفيد من أخطائنا الماضية وأن نعتز بما حققناه من صالحات وأن نعمل من أجل مسايرة العالم من جديد.
ولا يفهم من هذا أننا سنكفر بما حققه غيرنا في المجال البشري لأن الإنسان يكون وحده جنسية قبل أن تأتي هذه الفروق الأخرى التي جعلت منه أمما مختلفة.
وآنذاك سنكون قد مهدنا لأنفسنا السبيل لنحيا حياة العزة والكرامة ومهدنا السبيل لكل من يعمل خيرا للإنسانية جمعاء.
إذا آمنا بدور التاريخ في تكوين الوعي وفي إتاحة الفرصة للعمل الصالح من أجل المستقبل لم يبق لنا إلا أن نيسر الطريق لتوعية الشباب بإذاعة تاريخنا العربي الإسلامي ليكون لهم ذلك إيمان «جديد» يربطهم بالقيم العربية الإسلامية ليستأنسوا بها وليركنوا إليها وليجعلوها لهم شعارا منيرا.
ومن خير ما في الإسلام أنه لا يعترف بهذه الحدود الاصطلاحية التي أقامها البشر وجعلوها مظهرا من مظاهر سلطتهم فالمؤمنون إخوة وتاريخ العرب والإسلام وحدة لا تتجزأ لذلك يجب أن نفتخر بكل ما وجدناه قد نفع البشرية سواء كان ذلك في المغرب أو في المشرق.
وتبتدئ عظمة الحضارة الإسلامية العربية بظهور الإسلام الذي أخرج الفرد العربي من عصبيته القبلية الجزئية إلى الالتحام بتعاليم الإسلام فغير مواقفه وأصبح معتصما بحبل الله يدافع عن أسمى الصفات التي توحد بين أبناء البشر، قال الله تبارك وتعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير»(1).
وليس الإسلام بمسؤول عن عدم تطبيق جميع تعاليمه من بعض الذين انقسموا إليه لأن فكرته إلهية أبدية، وان أهملها جيل فستحييها أجيال وإن أضاعتها طائفة فستحييها طوائف.
ومن أهم ما يمتاز به الإسلام أنه دين عملي يحارب الخرافات ويحارب الظلم ويحارب العنصرية ويدعو إلى الإخاء والمساواة ونشر العدل بين الناس ويجعل المسؤولية عامة بين جميع الأفراد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولية عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته...»(2). وهنا تتجلى عظمة الإسلام بحيث لا يمكن لأي فرد أن يعتمد على غيره فقط دون أن يكون مسؤولا عن عمله الذي يقوم به. ولا يسمح للشخص بأن يقتصر على النقد الهدام وهو نفسه غريق الآثام بل يجب أن يبدأ الإصلاح من نفسه وأن يعتبر المسؤولية مشتركة بين جميع المسلمين لا فرق بين غنيهم وفقيرهم عالمهم وجاهلهم حاكمهم ومحكومهم.

وفي تاريخ الإسلام مواقف شاهدة على بطولة المسلمين وعلى عملهم الحضاري الذي كان له فضل في شيوع الثقافة الإسلامية والثقافة العامة التي اقتبسها الإسلام من الأمم التي امتزجت به فهذبها ونقحها وأضاف إليها ما جعلها صورة حية شاهدة على فضل العرب والمسلمين في التاريخ البشري.
لقد نبغ العرب والمسلمون في الميدان العلمي والميدان الفكري وكان لهم فضل عظيم في تعميم العلم والفن والأدب في العالم فأينما ذهبت في الأصقاع الإسلامية تجد تاريخ المسلمين زاهرا سواء في العمران أو في الثقافة أو في الميدان الاجتماعي.
وقد فكروا في وسائل كثيرة تؤلف بين البشر وتعودهم على الشفقة والحب والرأفة فهم الذين فكروا في جعل أوقاف خاصة لمواساة الطيور والرفق بالحيوانات وللتخفيف عن المرضى بالأمراض العقلية ولتجهيز الفتيات الفقيرات ولإيجاد مدارس لتعليم الكبار ولبناء أحياء جامعية تعين الطلبة على العلم وتيسر لهم طرق الثقافة وتضمن لهم السكنى والطعام.
وهم الذين فكروا في إيجاد مستشفيات عامة تساعد على مقاومة الأمراض ومعالجتها ومن يطالع رحلة ابن بطوطة أو رحلة ابن جبير فسيرى صورا مختلفة لمواقف قيمة في تاريخنا تدل على العناية الكبرى التي كان يوليها المسلمون للإصلاح الاجتماعي.
ولم يكن الازدهار العربي يقتصر على هاته المظاهر الاجتماعية ولكنه كان يرتبط أيضا أشد الارتباط بالثقافة العامة فقد تأسست خزانات للعلم في مختلف الأقاليم الإسلامية وما بيت الحكمة الذي جعله المأمون العباسي مركزا للكتب العلمية وترجمتها وما خزانة الحكم المستنصر بالأندلس وخزانات الفاطميين بمصر والخزانات العلمية التي كانت توجد بالمغرب إلا أكبر دليل على الاهتمام بالثقافة في مختلف صورها.
ولقد كانت بعض المدن الإسلامية في أيام ازدهارها تجعل الخزانات العامة داخل متنزهات عمومية حتى يتيسر للقارئ أن يمتع روحه ويغذي عقله بالمطالعات المفيدة فإذا شعر بإرهاق وجد في مظاهر الطبيعة ما يريحه ويبعد عنه تعبه.
وأما الجانب العلمي فنحن لا ننسى جابر بن حيان والخوارزمي والفارابي وابن باجة وابن طفيل هذا العالم المغربي الأندلسي الجراح الشهير وعباس ابن فرناس أول عالم فكر في صناعة الزجاج من الحجارة وحالة الطيران(3). وبالفعل فقد استطاع أن يحلق في أجواء السماء بصورة عجيبة إلا أنه لم يوفق في التعرف على وسيلة منها الطائر عند نزوله إلى الأرض.
ونحن عندما نتحدث عن هذه الظاهرة إنما نقصد إبراز طموح العرب إلى المعرفة ومحاولتهم التغلب على مظاهر الطبيعة ولا ينبغي أن يكون مجالا للمقارنة بين الطيران في أيامه الأولى وبين ما بلغ إليه الآن عندما أصبح الإنسان يخترق الآفاق ويتغلب على الجاذبية الأرضية لينفصل عنها. ثم يتغلب مرة أخرى فيخترقها ليعود إلى الأرض من جديد.
ان هذه المقارنة ستكون حينئذ سلبية لأنها تفقد عنصر التوازن الزمني أما إذا جعلناها في سلسلة التقدم العلمي فسنرى أن الاعتزاز بها وبأمثالها من المحاولات القيمة التي كان يبديها العرب في أعمالهم وتجاربهم سيكون له أثر كبير في تكوين شخصيتنا ورفع معنويتنا.
وقد بلغ الاهتمام بالعلم درجة قصوى جعلت بعض الخلفاء والملوك يقربون إليهم العلماء ويغدقون عليهم العطايا ويستأثرون بهم.
ومن أحسن ما يروى في ذلك ما ذكره المؤرخون عن يوسف بن عبد المؤمن وعلاقته بابن طفيل وكذلك ما يذكرون عن المنصور الموحدي وما قام به إزاء الطبيب الشهير أبي بكر بن زهر الأندلسي الذي قربه إليه وجعله في مدينة مراكش من خاصته الأقربين.
ولم يكن الطبيب قد ارتحل إلى مدينة مراكش بأهله وذويه فكان يعز عليه أن يستمر على فراقهم دون أن يراهم من حين لآخر وقد هزه الشوق يوما إلى أن يتذكر ابنا له صغيرا فقال:
ولي واحد مثل فرخ القطا
صغير تخلفت قلبي لديه
وأفردت عنه فيا وحشتي
لذاك الشخيص وذاك الوجيه
تشوقني وتشوقته
فيبكي علي وأبكي عليه
وقد تعب الشوق ما بيننا
فمنه إلي ومني إليه

فلما سمع المنصور هذه الأبيات التي تظهر لوعة الشاعر واحتدام شوقه وشدة وجده أرسل جماعة من المهندسين ليراقبوا منزل ابن زهر في اشبيلية وما يجاوره في حارته وطلب منهم أن يبنوا شبيها له في إحدى ضواحي مراكش وأن يضيفوا إلى البناء ما يجعل الحارة شبيهة بالأصل وأن يزينوه ويفرشوه بمثل ما كان يزين به منزله في الأندلس ثم حمل إليه أهل ابن زهر وآنذاك أخرج الخليفة المنصور طبيبه من القصر وجعله إمام البيت الجديد فاضطرب وكان يغشى عليه. وكم اشتد عجبه لما أدخل إليه فوجد زوجته المتلهفة وابنه المشتاق وفرشه العادية.
ان هذه العناية بأهل العلم كانت تدفع الناس إلى العمل الجدي من أجل البلوغ إلى المراتب العلمية الجليلة التي ترفع من كيانهم وكيان الدولة التي إليها ينتمون.
ان هذه اللقطات التي ذكرناها من تاريخنا تضيء لنا جوانب قيمة منه قد تكون سبب الانطلاق إلى تتبعه في ينابيعه ومظانه فنتصل به اتصالا وثيقا لا يكون معه انفصال.
إن الانفصال عن تاريخنا معناه أمانة الروح العربية الإسلامية ونحن لا نريد أن تتلاشى هذه الروح في أمتنا لأنها عنصر فعال في تحريرنا وفي تسطير الأهداف السليمة التي ستجعل لنا خطتنا في الحياة.
ومن المعلوم كما لاحظنا سابقا أن هذه الروح لا تأتي عن طريق التمني وإنما تأتي عن طريق برنامج منظم هادف إلى إحيائها.
ومن أهم الأسس التي تنبني عليها في الاحياء إذاعة تاريخنا نزيها من الخرافات بعيدا عن التدليس والانحراف ولا نستطيع أن نتوصل إلى ذلك إلا إذا تولى تدريسه من يعينه ويشعر به ويعرف حقيقته ومغزاه ويؤمن بدور العرب في التاريخ وبوجودهم في الحاضر والمستقبل ويكون ذا وعي وطني شامل يربط به بين المصلحة الوطنية والمصلحة الإنسانية.

ـ عيش البطل ـ
كل عيش قد أراه قذرا
غير ركز الرمح في ظل الفرس
شريك التغلبي
وفي اللين ضعف، والشراسة هيبة
ومن لم يهب يحمل على مركب وعر
                                 سعد بن ناشب


ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من سورة الحجرات الآية 13.
(2) الحديث رواه ابن عمر يوجد في صحيح البخاري في باب الجمعة. (من هداية الباري بترتيب أحاديث البخاري، الجزء الثاني صفحة 11).
(3) نفح الطيب بتنقيح الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد، الجزء الرابع، صفحة 345 وانظر أيضا الإسلام والحضارة العربية لمحمد كرد علي الجزء الأول والثاني الطبعة الثانية صفحة 225.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here