islamaumaroc

استفتاء عام في موضوع اللغة العربية

  دعوة الحق

العددان 98 و99

أولا:
تعترض سير اللغة العربية مشاكل جوهرية منها:
أ) تخلف الأقطار العربية، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، واللغة تتأخر حتما بمختلف الأمة وتزدهر وتترعرع بتقدم الجماعة التي تتكلم بها.
ألم تكن اللغة اليابانية واللغة الروسية متخلفتين منذ نحو مائة عام، وكانتا قاصرتين، إلى حد كبير، عن التعبير العلمي والتقني الذي ظهر مع الحضارة الصناعية؟
ولنا أمثلة من التاريخ أيضا: فاللغة العربية التي كانت لغة الشعر والتعبير المجرد في الجاهلية والصدر الأول من الإسلام استطاعت أن تطفر طفرة كبيرة، بسبب الفتوحات والثروة والاحتكاك، فما لبثت أن انفتحت أمامها آفاق التقدم والرقي فأصبحت لغة العلم والفلسفة والأدب والدواوين (الإدارة),
وبمقارنة ذكية يتضح لنا ما حققته اللغة العربية، كذلك من تقدم ملموس في مدة مائة عام من مطلع النهضة العربية الحديثة.
ب) تقاعس الحكومات العربية أو عجزها عن بناء الوحدة الثقافية التي هي في نظري أس الوحدة السياسية والاقتصادية بين أقطار العرب. وقد بقي دستور الوحدة الثقافية العربية الذي وقعه وزراء التعليم في بغداد منذ سنوات قليلة حبرا على ورق.
وما لم تصبح هذه الوحدة الثقافية العربية حقيقة قائمة فسوف يبقى الكلام عن توحيد المصطلحات العلمية ووضع المعاجم والموسوعات والكتب الدراسية على نحو منسق، سوف يبقى الكلام عن ذلك ضربا من العبث.
ج) الاستعمار الفكري الأوروبي الذي كان من العوامل التي أضعفت الثقة باللغة العربية وعممت الجهل بها بين المتعلمين في عدد من الأقطار العربية. وقد ضرب الاستعمار الفرنسي الرقم القياسي في ذلك باضطهاده لغة الضاد في تونس والجزائر والمغرب وإنشائه طبقة متعلمة منفصلة عن جذورها جاهلة بلغة قومها وبحضارتهم.
هذه هي المشاكل الجوهرية، في نظري، أما تبسيط النحو العربي وتوليد المصطلحات ووضع المعاجم الضرورية فكلها مشاكل ثانوية متفرعة عن تلك ومرتبطة بها.

ثانيا:
الحلول الناجمة، كما أراها، هي:

أ) بناء الوحدة الثقافية العربية بأسرع ما يمكن. ومعنى الوحدة هو:
ـ مناهج دراسية واحدة.
ـ كتب دراسية واحدة.
ـ مجمع لغوي وعلمي عربي واحد، وجهود متناسقة ومتآلفة، ماديا وعلميا، لوضع المعاجم وإقرار المصطلحات والألفاظ الجديدة.
ب) العناية الكبرى بالبحوث العلمية اللغوية وغيرها في الجامعات خاصة.
ج) إيجاد أساتذة جامعيين، على مستوى عربي، مؤهلين للتدريس والبحث باللغة العربية في جميع الكليات. وذلك طبق منهاج مخطط تتفق عليه كل الأقطار العربية.

ثالثا:
لا شك أن اللغة العربية تصلح للتدريس والبحث الجامعي، لأنها لو لم تكن كذلك لما استحقت أن تحمل اسم لغة، ولما كانت قادرة أن تنقل عبر قرون عديدة ثقافة علمية وأدبية وفلسفية تعد من ألمع الثقافات العالمية المعروفة لو ما استطاعت كذلك أن تقف في وجه استعمار غربي قوي تسلط على البلاد العربية أجيالا وحاول فيما حاوله القضاء على لغة العرب.
نعم، ينقصها في الوقت الحاضر، عديد من الألفاظ والمصطلحات العلمية والتقنية التي ولدت مع حضارة العصر، وهذا ليس عيب في اللغة العربية، بل هو نقص في أبنائها وقصور وتخلف في شعوبها، وليس من المستحيل ولا من الصعب تداركه.

رابعا:
من المشاكل التي تعترض الأساتذة الجامعيين:
أ‌) نقص كتب الدراسة والمراجع والمعاجم، وخاصة في الكليات العلمية.
ب‌) تقصير الجامعات نفسها في ميدان البحث العلمي الذي لا يتصور أن تستغني عنه جامعة عصرية. ومازلنا نشاهد في المغرب، مثلا، مسؤولين يؤمنون أن الجامعة ما هي إلا مؤسسة غايتها تكوين الإطارات، أي تكوين الموظفين وأصحاب المهن الحرة.
ولا يخفى أن تشجيع البحوث في الجامعات عامل جوهري في إيجاد المراجع والكتب الدراسية وفي توليد المصطلحات وتعميمها بين الطلاب الجامعيين.
لقد دلت التجربة على أن العلماء الباحثين حينما يؤلفون كتابا أو مرجعا علميا لا يعوزهم استنباط المصطلحات أو توليدها أو تعريبها، وهم في ذلك لا ينتظرون ما ستعمله المجامع اللغوية، بل يعتمدون على علمهم وخبرتهم ومعرفتهم بلغتهم مع لغة أجنبية أو أكثر. والأدلة على ذلك موفورة، لذا فإن تشجيع الباحثين والمؤلفين الجامعيين عمل هام من شأنه أن يساعد على إثراء اللغة العربية بما هي في حاجة إليه من ألفاظ ومصطلحات ومراجع وأدوات علمية وتقنية.

خامسا:
من الخطأ الظن بأن المجامع اللغوية هي وحدها المسؤولية عن استنباط المصطلحات وتوليد الألفاظ الجديدة. ان الجهود الفردية وجهود أرباب المهن المختلفة ضرورية في هذا الباب. فالعالم الذي يبحث ويؤلف ويترجم، والخبير الذي يعمل في مكتبه أو معمله، والصناع الذين يشتغلون في المصانع، والرياضيون ورجال الفن كلهم يشاركون في ميدان اختصاصهم، في إيجاد الألفاظ والمصطلحات التي تدعو إليها الحاجة. ومهمة المجامع اللغوية، فضلا عن التوليد والابتكار، هي الجمع والتنسيق وتبني الألفاظ الصالحة المبتكرة وتصنيفها في معاجم وقواميس.
وليس يخاف على أحد أن معظم الألفاظ التي تستحدث يوميا في اللغات المتقدمة بأوربا وأمريكا تجري على الألسنة وفي الصحف السيارة حينما يبتكرها ذوو الاختصاص في المصنع أو المختبر أو النادي أو المسرح أو المرسم.
نعم، المشكلة عندنا، هي توحيد المصطلحات ولأجل ذلك وجد المكتب الدائم لتنسيق التعريب في العالم العربي، وعمله في هذا الباب نافع جدا، والمنهاج الذي أعده لجعل المصطلحات العربية «موازية ومساوية للمصطلحات الغربية الحديثة» منهاج صالح جدا، والمهم هو أن يسند عمل المكتب، ماديا وعلميا (وسياسيا أيضا) حتى يؤدي واجبه في أحسن الظروف والأحوال وحتى لا يعوقه عائق، وهذا الإسناد حتمي ومستعجل لأن عجلة التقدم لا تنتظره. وقد عرض المكتب الدائم حاجته ووسائله، وبنى تقديراته على أسس علمية وتقنية، وحدد زمن الإنجاز، وهو زمن ليس بطويل (عشر سنوات) إذا قسناه بمدة التخلف الفكري والاجتماعي التي عاشتها أقطارنا.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here