islamaumaroc

مع التواتي في قصيدته

  دعوة الحق

العددان 98 و99

نشر زميلي الشاعر عبد الكريم التواتي قصيدة في العدد الماضي من هذه المجلة التي أخذت على نفسها أن تفتح صدرها لكل المواهب والطاقات التي تتلمس طريقها إلى الانطلاق، ورغم أن الشاعر صديق لي، فإن هذه الصداقة لم تدفعني إلى التغاضي عما يشين هذه القصيدة من هفوات كان يجب أن يفتح عينه عليها وهو يتناول في شعره ذكرى وطنية غالية، بل إن صداقتي له هي التي أغرتني بقراءتها وجعلتني أقف أمامها وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه. وكل جزاء أرجوه على هذه الوقفة التي لا أطيلها أن يتسع صدر صديقنا لهذه النقدات العابرة فذاك أثمن ما أعوض به لحظات من أوقاتي أنفقتها غيرة عليه وعلى الكلمة التي نتشرف جميعا بالانتماء إليها.
وأول ما يلفت النظر طول هذه القصيدة التي جاوزت أبياتها معلقة لبيد وامتد فيها نفس الشاعر وطال، وطول النفس الشعري فضيلة تنم عن طبع كريم وشاعرية سخية متدفقة وعواطف جياشة مشبوبة قل من تمتع بها من شعراء العربية وفرسانها وقل من استطاع فيها أن يجمع بين الإطالة والإجادة، فقد كانت القافية وماتزال السد الذي يقف أمام الشاعر للانطلاقات البعيدة المدة إذ لا يجد بين يديه من مختاراتها إلا عددا قليلا متى جاوزه وجد نفسه على حالتين: إما أن يكرر نفسه ويعيد قوافيه واما أن يبلغ منه الاجهاد فيسف ويهوى إلى الحضيض... وهذا ما انتهى إليه زميلنا عندما صمم على أن تكون قصيدته أطول من المعلقات ولو هذبها كما هذب عبيد الشعر في الجاهلية أشعارهم وكما نقح أبو نواس روائعه وخمرياته لسلم من الضعف وتكرير القوافي فالشعر كما قال البحتري:
.. لمح تكفي إشارته
وليس بالهدز طولت خطبه

ومع هذه الإطالة التي كان الإيجاز أبلغ منها يتعثر القارئ في قراءته لبعض أبياتها بانكسارات في الوزن الذي التزمه وفي اللغة التي استعملها كأداة للتعبير.
وإلى الأخ بعضا من هذه النماذج في اختصار أضعها أمامه متتابعة:

1)
أسليل أكرم وألد حفلت به
مهج الورى لك أخلصت احنائيا
استعمل الشاعر الإحناء وهي الأضلاع عندما أراد التعبير عن حبه وإخلاصه وهو استعمال لم يعرف في حديث المحبين إلا كتابة عن نار الشوق التي تتأجج بين أضلاعهم ولا ينطفئ أوارها فلم يعرف في كلامهم: أخلصت لك أضلاعي فالقلب كان ولايزال منبع الحب والإخلاص أما الأضلاع فحسبها أن تنعم بما فيه من لذة الوصل أو تصلى نارا لما به من لواعج الشوق وهو ما وصفه أبو فراس إذ قال:
تكاد تضيء النار بين جوانحي
إذا هي أذكتها الصبابة والفكر

2)
وهبوا إليك مؤيدين ولاءهم
ومبايعينك باذلين تراقيا

أما عن هذا البيت فللشاعر أن يتأمل هذه النون في (مبايعينك) وهل لوجددها مسوغ عربية والجمع مضاف؟

3)
وهم البناة لمجده فاخبرهم
تجد الاساود مهطعين ضواريا

والاساود في البيت استعملها جمعا للأسد الذي يجمع على آساد وأسد أما الاساود فهي جمع الاسود وهو الثعبان الخطير وهو ما لم يرده لبناة المجد الذين يشبهون الآساد الضارية. وما أسخف أن نصف الأسد بالذل والاهطاع! وما أسحف أن يكون بناة المجد أذلاء مهطعين!

4)
وكذاك شعبك ان شعبك جنة
ورقى لعرشك لم يزل لك هاويا

ومن المؤسف أن تهوي هذه القافية (هاويا) بشاعرنا فلم يفرق بين هوى يهوي هويا فهو هاو، واحد هاوية، وبين هوي يهوى فهو هو فكانت هفوته في هذا المكان شبيهة بشاعر هشام الذي قال فيه:
صفراء قد كادت ولم تفعل
كأنها في الأفق عين الأحول

5)
ولكان ربك أيدا وقضاؤه
أزرا وروحك للعزائم هاديا

ونحن نرجو أن يكون الله أزرا وميعنا ومؤيدا لمليكنا في كل ما يهدف إليه من خير وأرجو كذلك من زميلنا أن يرجع دائما إلى اللغة ويحترم مدلولاتها، وأذكره بأن الأيد هو القوي الشديد وليس هو المؤيد المعين الذي أراد من الشاعر أن يؤديه.

6)
تعلي مآثر ما الأوائل أسسوا
وتضيف تالدهم طريفا باقيا

وفي هذا البيت الذي ليس له صدر ولا عجز سليم يتحدث عن المآثر التي أسسها الأوائل وعما أضاف الممدوح العظيم من طريقه الباقي إلى تليدهم الخالد. ولكنه يتعثر في ركاكة ظاهرة في صدر البيت (ما الأوائل أسسوا) ويخالف العربية بحذف الجار في العجز (وتضيف تالدهم طريفا باقيا) وهو يريد تضيف إلى تالدهم طريفا فسوغ لنفسه حذف ما لا يحذف إلا سماعا.

7)
وتطلعت لروائها احناؤه
فتراقصت جدلا ودوت عاليا

ومرة أخرى يتحدث عن الاحناء أي الاضلاع فيجعلها متطلعة مشرئبة ومتراقصة مدوية، ومنظر الأضلاع مخلوعة متراقصة أو صائحة مدوية صورة تنفر المشاعر منها حين تبدو وتشمئز النفوس وليت الأبصار كانت هنا مكان الأضلاع فإن الجمال الشعري في انسجام الكلمات وترابط الألفاظ بالمعاني وليس في اختيار الكلمات ذات الجرس والإيقاع.

8)
امنوا بعهدك أن يدوم رخاؤهم
ورأوا لعهدك أمنهم متتاليا

واذكر زميلنا الشاعر هنا بما يعرفه في دروس النحو من حذف الجار بكثرة قبل أن الذي مثل له صاحب الخلاصة بقوله: نحو (عجبت أن يدوا). أي من أن بدوا وفي القرآن (وترغبون أن تنكحوهن) وجربا مع ما تقرر نلحظ حذفا للجار في قوله: أمنوا بعهدك أن يدوم رخاؤهم. أي أنهم: أمنوا من أن يدوم رخاؤهم وهو كلام فاسد المعنى إذ يستحيل إلى انعدام دوام رخائهم وهو كلام لا يقال إلا في الهجو لا في المدح.

9)
وأقمت أوريكا ففاض نعائما
وسقى الظماء ربي وشابا شافيا
ووجدت عيدك فرحة ونعائما
الله أسبغها البلاد تهانيا

وهنا يرتكب زميلنا خطأ لغويا آخر فيجمع النعمة على النعائم وهي لا تجمع إلا على نعم وأنعم ونعمات أما النعائم فهي منزل للقمر من ثمانية أنجم على صورة النعامة ولعلها علقت بذهنه أيام دراسته للمقنع فاختلط عليه الحال، ولكن لا يجوز أن يختلط عليه في قوله (الله أسبغها البلاد) وهو يريد أسبغها على البلاد كما ورد به القرآن: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) ولكن مذهب الأخ كما اتضح أن يتصرف كما شاء وأن يستجيب للوزن والإيقاع ولو أدى ذلك إلى إحداث تراكيب في العربية غير معروفة.

10)
فرحا بعيدك أن تدوم عهوده
وبعيد عرشك أن يدوم وراثيا

جملة أن كما يعلم الزميل مؤولة بمصدر فلها محل من الإعراب فكيف ساغ له أن يعمل فيها فرحا اللازمة ويسلطها عليها؟ وما رأيه لو صاغ البيت هكذا:
أرجو لعيدك أن تدوم عهوده
ولعيد عرشك أن يدوم وراثيا

11)
وأقمت في كل الشطوط مواخرا
ومن الاجاج عصرت عذبا صافيا

أما عن المواخر يا أخي الشاعر في كل الشطوط فأتمنى أن تصبح للمغرب الإمكانيات الكافية لتصبح له مواخر ليست في الشطوط فحسب ولكن عبر القارات والمحيطات. وأما عن تحلية مياه البحر وتحويلها إلى مياه صالحة للشرب فذاك ما لا أعرف عنه شيئا وما أظن ألمغرب بحاجة إلى ذلك وهو مازال لم يفرغ من إقامة السدود للانتفاع بالمياه العذبة.
هذا أبرز ما ظهر لي وأنا أقرأ قصيدة زميلنا التواتي اكتفيت به غير مكلف نفسي الذهاب وراء ذلك. راجيا أن يزيدنا عطاء أكثر ويكلف نفسه اهتماما زائدا بتهذيب إنتاجه ورعاية فلذة كبده لتصبح كما قال عنها فرائد تحتذى وقوافيا وما ذلك عليه بعزيز.


الأمة
تطلق كلمة «أمة» ويراد بها معنى من المعاني الآتية:
الجماعة: قال تعالى: «وجد عليه أمة من الناس يسقون» آية 23/ القصص
الدين: قال تعالى: «أنا وجدنا آباءنا على أمة» آية 23 / الزخرف
الزمان: قال تعالى: «واذكر بعد أمة» آية 45/ يوسف
الرجل ا لقدوة: قال تعالى: «إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا»
آية 120/ النحل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here