islamaumaroc

التحكيم في الفقه والقانون -1-

  دعوة الحق

العددان 98 و99

ما هو التحكيم؟
غير خاف أن للأطراف المتنازعين الحق في عرض نزاعاتهم على محكمين بدل اللجوء إلى المحاكم المختصة فقد نص الفصل 527 من قانون المسطرة المدنية أن لكل الأشخاص أن يتفقوا على التحكيم في الحقوق التي يملكون التصرف فيها إلا ما استثناه المشرع ولم يجز فيه عرض المنازعات على المحكمين.
فالتحكيم ليس بمؤسسة للتقاضي بالمعنى الصحيح وإنما وسيلة خاصة عرفها الإنسان منذ أقدم العصور واستعملها الناس لفض بعض النزاعات الناشئة بينهم. فكان من الضروري أن يتناولها فقهاء القانون بالدرس لإرسالها على قواعد فقهية وحصرها في نطاق معين حتى لا يطغى أثرها على السلطة القضائية التي هي من سلط الدولة.
ومن البديهي أن التحكيم كوسيلة من وسائل التقاضي يتوفر على عدة مزايا بالنسبة لسرعة القرارات المتخذة لفصل النزاعات، والحد من مصاريف الدعوى، وحل المشاكل ذات الصبغة التقنية، لكنه كاد أن يصبح على جانب من الخطورة لولا أن القانون جعل منه مادة تخضع إلى عدة شروط وقيده بقيود تكفل حقوق الأشخاص الذين يتفقون على استعماله.فقد نصت الفصول 527 إلى 543 من قانون المسطرة المدنية على القواعد المتبعة للحد من استعمال حق التحكيم سواء بالنسبة لادعاءات الخصوم أو لسلطة المحكمين وجعل هذا النوع من التقاضي يخضع لمسطرة خاصة تقي الخصوم من كل شطط وتجعل الأحكام التحكيمية تخضع لسلطة قضاء المحاكم. ومن تحليل فصول المسطرة المدنية المتعلقة بالتحكيم سنرى أن المشرع عالج بدقة عدة جوانب هامة لتقنين حق التحكيم والتحديد من استعماله.
فما هي النزاعات التي يمكن عرضها على المحكمين؟ وكيف يبرم عقد التحكيم؟ وما هو الفرق بين التحكيم الاختياري والتحكيم الإجباري؟ وما هي الإجراءات المسطرية المتبعة أمام المحكمين؟ وهل هناك فرق بين الأحكام التحكيمية وأحكام المحاكم؟ وكيف يقع الطعن في احكام المحكمين؟ وإلى أي حد يخضع تنفيذ الأحكام التحكيمية لسلطة القضاء؟ وكيف يميز بين مهمة المحكم ومهمة الخبير؟ وما هو الفرق بين مقتضيات التحكيم ومقتضيات الصلح؟
ونود قبل الدخول في صميم الموضوع أن نلقي نظرة تاريخية على التحكيم لنعرف بسنده في الشرع الإسلامي وتطوراته في القانون الغربي، ويتخلل البحث دراسة مقارنة للتحكيم في الفقه وفي القانونين المغربي والتونسي.

التحكيم في الشرع الاسلامي
تداخل الصلح والتحكيم:

إن الشرع الإسلامي يخلط نوعا ما بين التحكيم (Arbitrage) وبين الصلح (Transaction) فهو يجعل الأول في خدمة الثاني ويحث عليهما معا في صالح المجتمع الإسلامي والعدالة البشرية. فقد ورد في القرآن الكريم «وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها أن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما». وكما ندب الله سبحانه الزوجين إلى الصلح بواسطة حكمين عند التنازع في حقوقهما ندب طائفتين مقتتلتين إلى الصلح وأمر المسلمين بالتحكيم بينهما «وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما» وقال تعالى: «لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس» وقال أيضا «إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون».
روى الترمذي أن النبي (صلعم) قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حلل حراما أو حرم حلالا). فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضى الله ورضى الخصمين ويعتمد العلم والعدل فيكون المصلح أو الحكم عالما بالوقائع عارفا بالواجب قاصدا للعدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم كما قال عليه السلام «ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصائم القائم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البيت..» وأصلح (ص) بين كعب ابن مالك وابن أبي حدرد في دين على هذا الأخير بأن استوضع من دين كعب شطرا وأمر غريمه بقضاء الشطر الباقي. ونرى في عمل الرسول عليه السلام نوعا من التحكيم على أساس المصالحة إذ كان ما صولح عليه الخصمان أمرا صادرا منه عليه السلام باستيضاع شطر من دين الدائن والحكم على المدين بقضاء الشطر الباقي.
وجوز صلى الله عليه وسلم في دم العمد أن يأخذ أولياء القتيل ما صولحوا عليه، وقال عطاء عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا بالمخارجة يعني الصلح في الميراث، وسميت المخارجة لأن الوارث يعطى ما يصالح عليه ويخرج نفسه من الميراث.
وحتى في القانون المغربي يمكن لعقد التحكيم أن يخول للمحكمين سلطة في النزاع كوسطاء للصلح، فيصبح المحكمون مفوضين مصالحين غير مقيدين بالفصل طبقا لقواعد القانون (المادة 536) وهذه ظاهرة لتداخل الصلح والتحكيم.
ونجد نفس الظاهرة في القانون المدني التونسي، فقد نصت المادة 264 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية على أنه يجب على المحكمين أن يتبعوا في أحكامهم القواعد القانونية ما لم يتضمن صك التحكيم صرامة تفويض الأمر إليهم فيصيرون بذلك محكمين مصالحين وهم معفون بصفتهم تلك من التقيد بالإجراءات والقواعد القانونية ولهم حينئذ اتباع قواعد العدل والإنصاف.
فإلقاء نظرة على الفقه الإسلامي تدلنا على أن مواد الصلح والتحكيم لا يختلف بعضها عن بعض فالحقوق التي لا يسمح بالتحكيم فيها هي نفس الحقوق التي لا يكون للصلح مدخل فيها. فكما أنه من المقرر بأن لا صلح يحرم حلالا أو يحل حراما يجوز التأكيد بأن لا تحكيم يحرم حلالا أو يحل حراما، كنقل نسب أو ولاء عن محل إلى محل أو أكل ربا أو إسقاط واجب أو تعطيل حد وما أشبه ذلك. فالشرع الإسلامي وضع للصلح شروطا وأحكاما لا مجال هنا لتفصيلها إذ المرجع فيها لكتب الفقه، وبالجملة فالحقوق نوعان: حقوق الله وحقوق العباد. فحقوق الله لا مدخل للصلح ولا للتحكيم فيها كالحدود والزكوات والكفارات ونحوها. وأما حقوق الأفراد فهي التي تقبل الصلح والصلح فيها نوعان: نوع يجيزه الشرع مطلقا وهن ما كان إسقاطا أو إبراءا، ومصلح على عوض وهذا يجوز إلا أن أدى إلى حرام، وحكمه حكم البيع سواء كان في عين أو دين بشرط الاحتراز من الجهل والغرر والربا والوضع على التعجيل الخ... ولا نريد بهذا أن ندخل في تفاصيل احكام الصلح في الفقه الإسلامي فقد لا يسع المجال لذلك، وإنما أردنا أن نذكر بأن الشرع الإسلامي وضع للصلح شروطا وقيودا جعلته يسير جنبا لجنب مع العدل والحق ومراقبة القضاء، ومن ثم فالتحكيم مثل الصلح يمارس شرعا في نطاقات معينة ومجالات محدودة حتى لا يؤثر في الحقوق البائنة ولا يطغة أثره على سلطة القضاء.
وتلك المبادئ الفقهية نجدها بعينها في مقتضيات الفصول 527 إلى 543 المتعلقة بالتحكيم فالمشرع المغربي الذي يسعى دائما في أن تكون قوانينه العصرية مستمدة من روح الشريعة الإسلامية أخضع «قضاء» التحكيم لعدة شروط وإجراءات لوقاية المتحاكمين من كل حيف أو شطط كما استثنى من النزاعات التي يمكن عرضها على المحكمين عدة مواد لها صلة بالهبات والوصايا وبنظام العائلة والأحوال الشخصية أو بالنظام العام، وذهب القانون التونسي في هذا المضمار إلى حد أبعد مما ذهب إليه القانون المغربي فقد نصت المادة 260 من المجلة صراحة أن من المواد التي لا يجوز فيها التحكيم: المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، ومن ثم فحكم التحكيم في القانون التونسي هو حكم الصلح مثل ما هو مقرر في الفقه الإسلامي فيتضح مما تقدم عرضه أن أحكام الصلح والتحكيم تتداخل بعضها في بعض وتربط بينها علاقة فقهية متينة.

المعنى الشرعي والقانوني للتحكيم
وأسند الشرع الإسلامي أمر التحكيم والإصلاح بين المسلمين إلى ذوي الرأي المحمود فالحكم يستمد علم الواقعة من القرآن فإن لم يجدها ففي السنة، فإن لم يجدها في السنة ففيما قضى به الخلفاء الراشدون فإن يجده ففيما قاله واحد من الصحابة رضي الله عنهم فإن لم يجده اجتهد رأيه، قال علي ابن الجعد: أنبأنا شعبة بن سيار عن الشعبي، قال: أخذ عمر فرسا من رجل على سوم، فحمل عليه فعطب، فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلا، فقال الرجل: إني أرضى بشريح العراقي، فقال رشيح: «أخذته يا عمر صحيحا سليما فأنت له ضامن حتى ترده صحيحا سليما. فأعجب عمر حكمه فبعثه قاضيا وقال له: ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه، فإن لم يستبن في كتاب الله فمن السنة، فإن لم تجده في السنة فاجتهد رأيك».
أما التحكيم بالمعنى العصري كما عالجه القانون المغربي فله سنده في الفقه الإسلامي، فقد جاء في مذهب الإمام مالك أنه إذا حكم المتخاصمان رجلا لزمهما حكمه إذا حكم بما يجوز وذلك خلافا للإمام الشافعي الذي لا يجيز اللزوم، وفي مذهب أبي حنيفة يلزم حكم المحكمين إذا وافق حكم قاضي البلد. ويتضح من المذهبين المالكي والحنفي أن الحكم التحكيمي يلزم الخصوم إلا أن هذا اللزوم مقيد بمطابقة الحكم التحكيمي للشرع وما جرى به العمل وبعبارة بموافقة القاضي. وهذا المبدأ بالذات مبدأ خضوع الحكم التحكيمي لسلطة القضاء، هو الذي أخذ به المشرع المغربي في الفصول 537 و538 و543 من قانون المسطرة المدنية بمعنى أن حكم المحكمين لا يصير قابلا للتنفيذ إلا بأمر من رئيس المحكمة الإقليمية التي صدر في دائرة اختصاصها أو رئيس محكمة الاستيناف إذا كان محل التحكيم النظر على وجه الاستئناف في حكم، كما لا تنفذ أحكام المحكمين ولو كانت تحضيرية إلا بعد صدور أمر في ذيل أو في هامش أصل هذه الأحكام يأذن به رئيس المحكمة لكاتب الضبط بتسليم نسخة من هذه الأحكام بالصيغة التنفيذية، وزيادة على ذلك فإن المشرع أجاز للخصوم أن يطعنوا بالتعرض على الأمر بالتنفيذ أمام المحكمة التي أصدر رئيسها هذا الأمر وأن يطلبوا إبطال حكم المحكمين وذلك في الأحوال التي لا يجوز فيها للخصوم الطعن بالاستئناف أو طلب إعادة النظر في الأحكام التحكيمية.
ونجد نفس القواعد في القانون التونسي طبقا لما نصت عليه المادتان 278 و281 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية فحكم المحكمين لا يصير نافدا إلا بإصدار الحاكم إذنه بذيل نسخة الحكم بعد الاطلاع عليه وعلى صك التحكيم والتثبت من عدم وجود ما يمنع من تنفيذه قانونا كما أنه يمكن القيام بطلب إبطال حكم المحكمين الصادر نهائيا ولو اشترط الخصوم خلاف ذلك وقد عين القانون التونسي عدة أحوال أجاز فيها طلب البطلان أمام المحكمة التي صدر بدائرتها الحكم.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here