islamaumaroc

الأدب العربي في مواجهة التغريب -2-

  دعوة الحق

العددان 98 و99

هناك شبهة ضخمة ودعوى عريضة تقول إن التراث اليوناني هو الذي نهض باللغة العربية ولولاه لظل العرب على ما كانوا عليه من بداوة وسذاجة وأن الفلسفة الإسلامية فلسفة يونانية مكتوبة باللغة العربية وأن البيان العربي خيوطه نسجت من البلاغتين الفارسية واليونانية وأن العرب والمسلمين لم يكونوا منشئي حضارة وإنما مجرد نقلة لتراث من سبقهم من الأمم.
وأن التراث الإغريقي كان الأساس الذي تشكلت وفقا لمقتضياته الحضارة الإسلامية.
يدحض هذه الشبهات قول واحد يسير قبل أن ندخل في التفصيلات هو أن الثقافة العربية الإسلامية كانت قد تشكلت وقامت دعائمها ورسمت مقوماتها قبل ترجمة التراث الهلينسي، ومن هنا فقد أخذت هذا التراث على قاعدتها وهي التي ترجمتها بمحض رغبتها. فلما قامت أسس الثقافة الإسلامية على التوحيد وعبادة الإله الواحد وعلى المزج الدقيق الخصب بين الروح والمادة والعقل والقلب والدنيا والآخرة، كان من أقوى دوافع قوتها وحيويتها أن تفتحت على الثقافات المختلفة القديمة والمعاصرة لها، من تراث الهند وفارس واليونان والرومان.
وقد قام الفكر العربي الإسلامي على أساس النظر العقلي أساسا وتوجه إلى النظر للوجود وقد أشارت الأصول والجذور الأصلية له إلى فضل العلم على العبادة، ولما كان التوحيد هو القوة الفاعلة الأساسية للفكر العربي الإسلامي فقد كان هذا مصدرا أساسيا واضح الدلالة على ترجمة اليونانيات، كما كانت آراء الفكر العربي الإسلامي في التوحيد والنبوة مما لم تعرفه الفلسفة اليونانية.
وقد واجه الشيخ مصطفى عبد الرزاق هذه الشبهات فقال: للفلسفة الإسلامية كيان ممتاز عن الفلسفة اليونانية، والفلسفة الإسلامية لا يمكن أن يقال أنها مجهود العلماء المسلمين في دائرة الفكر اليوناني، بل هي هيكل خاص له مميزاته وخصائصه، ومهما يكن من أثر الفلسفة اليونانية وغير الفلسفة اليونانية فإن له حظا عظيما من الشخصية والابتكار.
ويقول سيد أمير على أن الغرض الأكبر الذي نشده فلاسفة المسلمين هو أن يزودوا العالم بنظرية تامة عن وحدة الكون ترضي (الذهن) كما ترضي (الدين) وحاولوا أن يوافقوا بين الجانب الأخلاقي والروحي للعلم وبين جانب الفلسفة، وقال أن أول علامات الفلسفة الإسلامية (التوحيد) و(التنزيه) فالإسلام في جوهره إقرار لله بالفرد والوحدانية والهيمنة على الكون. والإسلام لا يعرف إلا مرتبتين من مراتب الوجود فوق الإنسان: مرتبة (الألوهية وهي مرتبة الله تعالى ومرتبة (النبوة) التي يهبها الله لمن يشاء من عباده، وفيما عدا هاتين المرتبتين يستطيع الإنسان أن يبلغ درجة الكمال حسب طاقته دون أن يعوقه عائق. فليس لله شركاء في حكمه وملكه ومن يقول غير ذلك يدعو إلى الوثنية، والعقيدة التي آمن بها جميع الفلاسفة المسلمين مستوحاة من «القرآن».
كما يشجع الإسلام على التوفيق بين الفلسفة والدين، وانهما في المسائل الإسلامية متناصران، وقد كشف ابن رشد في كتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» إن الإسلام يشجع المسلم على النظر العقلي ويدعوه إلى التأمل الفلسفي وان القرآن يحث على طلب المعرفة والبحث عن الحقيقة ويرى أن الفلسفة والدين هدف واحد، هو توجيه نشاط الإنسان إلى بلوغ الكمال. فالإسلام دين يخاطب العقل والضمير على السواء.
وهناك إجماع الباحثين على أن للفلسفة الإسلامية رسالة هي فهم الكون ومعرفته لذاته بحيث يدع لضميره أمر تدبير سلوكه ويستشعر في جوانبه ثقة في الله وثقة في نفسه، عندئذ يستطيع أن يمارس حرية إرادته ممارسة تامة، فيمضي في الحياة مطمئن النفس، منفتح الوعي مبتهج القلب، وإنها هي النظر العقلي في الله والإنسان والكون، وقد عارض الفلاسفة المسلمون تلك الثنائية التي ضمنها أرسطو مذهبه: التي يتقابل فيها الله والمادة الأزلية عنده وأعلنوا وحدانية الله وتنزيهه عن ملابسة المادة، وعلى الجملة لم يكن الاتصال بفلسفة أرسطو وحدها ولا بمذاهب اليونان وحدها.
ولم يقف الإسلام أمام حرية الفكر بل أعطاها المدى، أما أولئك الذين قتلوا فإنما قتلتهم السياسية لا العلم، فقد كانوا ينتمون إلى دعوات هدامة للدولة والنظام العام، ولو اقتصروا على الفكر الخالص لما نالهم سوء.
وقد أثبتت اللغة العربية في مجال ترجمة الفكر الإنساني على قدرتها على الشمول والاستيعاب، وقد استطاع الأسلاف إحراز تقدم واسع في مجال المصطلحات التي فتحت الطريق اليوم لنقل العلوم الحديثة.
ولاشك كانت ترجمة التراث اليوناني للحضارة الإسلامية فقد استدعى هارون الرشيد العلماء الذين يجيدون اللغات وكون منهم هيئة علمية مهمتها تقدير التعويضات التي تدفعها الشعوب المغلوبة على أن تكون هذه التعويضات كتبا فلما جاء المأمون كون مجمعا علميا وكل إليه أعمال الترجمة وبرز فيه أبناء موسى بن شاكر الفلكي الثلاثة وكانوا لا يقدمون على الترجمة إلا بعد الحصول على ثلاث مخطوطات على الأقل من الكتاب المراد ترجمته فيقابل بينهما ويقوم نصها وتصحح.
ويرى محمد رضا الشبيبي أن الباعث على نقل الفلسفة اليونانية في أول عصر العباسية له علاقة بالدين، فقد عنيت برد الشبهات التي كانت تثار ضد العقيدة الإسلامية على طريقة الفلاسفة، وقال إن وجه نظر المسلمين إلى الفلسفة اليونانية انها كانت آراء نظرية بحتة بينما كانت رسالة الإسلام عملية بعيدة عن المسائل النظرية، ومن هنا كان أعضاء النقلة المسلمين عن نقل الأدب اليوناني مثل الالياذة والأوديسا لأن ما فيها من أساطير وخرافات كانت تعتبر ولا ريب مبنية على الشرك، لذلك. وقد أشار الشبيبي إلى خطأ القول بأن العرب لم يعنوا بالأدب اليوناني وقال إن للفارابي بحثا عن الشعر اليوناني بجميع أقسامه وهو ينقله بالمصطلحات التي كانت معروفة في ذلك الوقت، وقال إن المسلمين كذلك عنوا بنقل كتب كثيرة لها اتصال بالأدب والشعر اليوناني ومنها كتاب الشعر والخطابة لأرسطو.
وقال الشبيبي: إن الآداب اليونانية تحتوي على مسائل صبيانية غير جديرة باهتمام كبار العقول في وت أقبل فيه رجال العلم على الجديات من العلوم. أما هذه الصبيانيات من أن ظواهر الطبيعة من مطر وعواصف وبرق ترجع إلى خصام الإلهة مع بعضها وإلى انتقام بعضها من بعض، مع نزول الإلهية إلى الأرض وتزوجها بالإنسيات إلى غير ذلك، فالذوق العربي يرفض ذلك.
القصة فن من فنون الأدب الإنساني وهي ليست حديثة في الأدب العربي بل قديمة وتتمثل في عشرات من القصص العربية القديمة.
وفي العصر الحديث عندما بدأ الأدب العربي يقظته كان لابد أن يبرز في القصة مترجما أول المر من اللغات الأوروبية ثم مؤلفا.
وقد بدأت الترجمة منذ وقت باكر في ظل المؤثرات والضغط التي فرضها النفوذ الفكري الغربي على الأدب العرب الحديث، ومن هنا فقد تطورت الترجمة من الاتجاه العلمي الذي بدأه «رفاعة الطهطاوي» إلى ترجمة القصص الفرنسية المكشوفة وشارك في هذا الاتجاه كثير من الصحفيين السوريين، ثم شارك فيها الدكتور طه حسين حيث عنى بالقصص المكشوفة ونشر فصوله في جريدة السياسة وقد شهد مستر جب بأن القصص التي ترجمت إلى اللغة العربية في هذه الفترة لم يراع في اختيارها حالة مصر الاجتماعية ولا حالة الثقافة العامة ولا الذوق الأدبي للبلاد(1) وقد أشار المازني إلى مدى خطر طه حسين في ترجمة القصة الفرنسية المكشوفة حين قال: إنما كان هم مدح الخيانة والاعتذار للخونة وتصوير الخلاعة والمجون في صورة جذابة ليقضي بهذه الترجمة حق الإباحة لا حق اللغة ولا حق الفضيلة، وكان شعار طه حسين في هذه القصص «ان من خلق الله لهم عقولا تجد في الشك لذة والقلق والاضطراب رضاء».

وكان هدف ترجمة القصة هو التسلية لا الثقافة، وبذلك قدم نجيب الحداد ونقولا الحداد وإلياس فياض وطانبوس عبده وإلياس أبو شعلة وخليل بييرس وغيرهم قصصا اختاروها مليئة بروح الإثارة للطبقات المتوسطة وكان نوع القصص نازلا وأسلوبها أسلوبا ركيكا وكان هدف التغريب من ورائها الإثارة وتعمد تدمير القيم في النفس العربية، وقد عجز هؤلاء عن ترجمة الروايات العالمية الممتازة لضعفهم في الترجمة ولرغبتهم في إرضاء غرائز الجماهير.
ثم كانت صيحات جب وغيره الداعية إلى إنشاء القصة المصرية أو العربية الحديثة التي لم تكن في أول أمرها إلا قصصا غربية مترجمة غيرت فيها الأسماء والأماكن وبقيت كما هي تصور مجتمعا غريبا عن مجتمعنا. ومن عجيب أن هذا الاتجاه مازال مستمرا.
وقد أشار جب إلى خطر بعيد المدى في طريق القصة المصرية ذلك هو:
إن المجتمع متى بقي تطوره وتقدمه محصورا في المبادئ الإسلامية أو في التقاليد التي كانت أثرا لهذه المبادئ فإن ذلك سيحول دون ظهور القصة الحديثة.
ومعنى هذا أن القصة لا توجد إلا في مجتمع مختلط تقع فيه الأزمات وعمليات الصراع بين الرجل والمرأة. فقد كانت القصة في عرف الفكر الغربي هي علاقة ما بين الرجل والمرأة وتتم في ظل الغرائظ ودوافع العاطفة وتجري إلى نهايتها دون أن تقف إلى وجهها حدود أو قيم.
ويبدو هذا واضحا في طابع القصة العربية الحديثة على العموم، حيث لا ترى مشاعر نابعة أساسا من مجتمعنا وإنما تجد مشاعر غربية فكل المشاكل والأزمات والقضايا التي تعرضها القصة العربية الحديثة بعيدة جدا عن التماس حلولها في مقومات فرنا العربي الإسلامي الأصيل، وإنما تشهد حلولها من طبائع أخرى مختلفة كل الاختلاف عن طبيعة النفس العربية الأصيلة.
فالحياة الإنسانية لها في عالمنا العربي الإسلامي طابع يختلف اختلافا بينا عن الحياة في الغرب فالعقلية العربية الإسلامية عقلية توحيدية لا تسرف في الفلسفة ولا تسرف في التصوف ولا تسرف في الإباحة ومن هنا كانت مصادمتها للواقع حين تعرض القضايا التي ليست من مجتمعنا أو الحلول التي ليست من طوابع فكرنا فضلا عن أن رغبة التسلية وإرجاء الفراغ قد حالت بينها وبين هدف التسامي.
ومن الخطأ على حد تعبير زكي مبارك أن يقاس أدبنا على أدب الإنجليز والفرنسيين أو الألمان وإنما يقاس الأدب على مزاج الأمم التي تصدر عنها وملاك الأمر أن يعبر الأدب عن عقول أهله وأحلامهم وشهواتهم وما يجري في خواطرهم، ونحن أحفاد العرب وأسباطهم من واجبنا أن ننظر إلى ماضيهم حين نفكر في حاضرنا وقد كان العرب تكفيهم اللمحة والإشارة في إشعارهم ورسائلهم حتى عرفوا بين الأمم بقوة الإيجاز.
ولاشك يختلف طابع القصة العربية عن القصة الغربية التي استمدت مصدرها الأول من الفن الوثني وأدب الثلوج وتمجيد الأبطال الخرافيين وفي المناطق الباردة كان طابع الكشف والجنس أكثر بروزا بينما لا يوجد هذا في الشرق ذي الشمس المشرقة.
ولا توجد في مجتمعنا مشاكل المجتمع الغربي الفردي ولا تستطيع النماذج الذي يقدمها قصص دافيد كوبر فيلد لدكنز، أو البؤساء لهيجو وتاببيس لاناتول فرانس أو غيرها توجد في مجتمعنا.
وماتزال القصة الغربية خلال السنوات المتوالية منذ الحرب العالمية الأولى واقعة تحت عوامل الذعر من الحروب والذرة وما يتصل بانهيار روابط الزواج والأسرة وانتشار ثقافات الإباحة.
وأعتقد أن مراجعة شاملة للقصة الغربية تكشف عن خلاف جذري بين صورة المجتمع الغربي ومشاكله وحلول القصة لهذه المشاكل ولو وضعت هذه الصور والمشاكل والحلو في ضوء العقل العربي لأنكرها إنكارا واضحا.
وفي أحدث كتاب عن القصة الغربية (Onvala Roman) لبودفور يذكر كيف قامت حركة تحرير الأدب من سلطان الأخلاق وإعطاء الكاتب الحق في الاستقلال عن قواميس الأخلاق الشاملة، مما دفع الأدب إلى إطلاق الوجدانات والعواطف من عقالها وظهرت على إثر ذلك الدادا والسريالية التي أزالت ألوان الحرام الاجتماعية والأخلاقية وكيف فتح «فرويد» مجالا هائلا من اللاشعور وكيف عاش جيل الثلاثين يصور الأشخاص في صرع مع القدر الاجتماعي ثم برز طابع البطل المغامر المتمرد المنشئ ثم كانت تجربة اليأس والقلق واللامعقول بعد الحرب العالمية الثانية وكيف قاد سارتر وكامو هذا التيار فالإنسان لا فائدة في حياته وما هو إلا ميت تأجل تنفيذ حكم الموت عليه ولا أمل في إنقاذه والعالم لم تعد ثمة ضرورة لوجوديته أنه لا معقول وأينما وجه المرء نظره ألقى «اللامعقول».

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يراجع كتابينا (الفكر العربي المعاصر) و(الثقافة العربية المعاصرة في معركة التغريب والشعوبية).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here