islamaumaroc

في نطاق الحوار حول موضوع الإسلام في العالم المعاصر

  دعوة الحق

العددان 98 و99

عقدت الجامعة الأمريكية في بيروت ندوة خاصة في نطاق الحوار حول موضوع: " الإسلام في العالم المعاصر" الذي هو سلسلة حوار موضوعه: " الله، والإنسان في الفكر الإسلامي المعاصر".
وقد دعت الجامعة الأمريكية لهذه الندوة كبار المفكرين في العصر الحديث، وكانت المحاضرات الأربع التي اختتمت بها الندوة، لأربعة أساتذة جامعيين هم:
الأستاذ اشتياق حسين قرشي (رئيس المؤسسة العالمية للخدمات الجامعية في جنيف) وقد حاضر عن  (الفن الإسلامي) والأستاذ تيطس بوركهارت ( مدير دار نشر أورسي غراف فيرلاغ) وكانت بموضوع " القيم الدائمة في الفن الإسلامي" والأستاذ جوار نور بخش( أستاذ الأمراض العقلية في جامعة طهران) وكانت بموضوع: " الصوفية غايتها وطريقتها" والأستاذ سيد حسين نصر ( أستاذ في كلية الآداب في جامعة طهران) وكانت عن : الصوفية وتحقيق وحدة الإنسان"
وقد تلقى سماحة العلامة نديم الجسر مفتي طرابلس الدعوة للكلام في هذا الموضوع من الرئيس الدكتور صمونيل كوكود.
وبما أن فضيلة الأستاذ العلامة نديم الجسر ينتسب " لمجتمع البحوث الإسلامية في الأزهر" الذي تأتي في رأس المهام الملقاة على عاتقة ، إقامة هذا الحوار" بالتي هي أحسن" كما أمر القرآن، ولا سيما بعد أن شق، المجمع المسكوني الأخير باب هذا الحوار، لأول مرفق تاريخ الكنسية الكاثوليكية استجاب بسرور رغبة منه في إيصال أهم الحقائق الجوهرية من التفكير الإسلامي إلى أكبر عدد من المفكرين في أروبا وأمريكا.
و" دعوة الحق" يسعدها أن تشكر فضيلة الأستاذ العالم الكبير الذي أتحفها بهذه المحاضرة القيمة التي تتناول" الإسلام في العالم المعاصر".
                                                                                       التحرير

تعجبني، في اللغة العربية، كلمة " تمهيد أو توطئة"، اللتان تستعملان، أحيانا، في محل كلمة (مقدمةPréface) ولاسيما في بحث وحوار كهذا. لأن كلمة " مهد الفراش" معناها بسطة ووطأه. وكلمة " وطأ الفراش" معناها دمثه ولينه، حين داس ووطأ برجله كل النواتىء والعقد التي فيه، ليجعل المستلقي عليه مرتاحا. وهذا ما سأفعله حين أمهد وأوطئ للكلام. لا جعل السامعين والقارئين في وضع نفساني مرتاح منشرح لقبوله، أو لا خفف، على الأقل حدة ما قد يكون عند البعض من نفرة سابقة منشؤها النظرة الجانبية غير المحيطة:
إن القرآن قد أمر بهذا الحوار الهادئ الكريم المهذب بين المسيحية والإسلام، ومهد له بذكر حقيقة أوضحها لأنها بذاتها حقيقة، ولأنها حقيقة ترضي النفوس حين قال:
( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي إلينا وأنزل إليكم والهنا وإلهكم واحد).
وسواء كانت  حروب الفتوح الإسلامية قد جرت لإزالة الموانع الصادة عن نشر الدعوة، كما يقول المسلمون، أوجرت لإيجاد  المجال الحيوي للبقاء والانطلاق" حتى لا يتحول نهر الدعوة الإسلامية إلى مستنقع يجف في أرض الجزيرة العربية"، كما يقول غوته"، أو جرت لإنشاء إمبراطورية، كما يقول خصوم الإسلام، فإن المفكر الغربي المحيط بأحداث التاريخ، لا بد له أن يحكم بأن تلك الحروب الإسلامية، مهما تفسرت بالدواعي الدينية، أو بالدواعي الامبريالية، لا تخرج، في أسبابها، عن أن  تشبه بالحروف الطويلة التي قامت بين الكاثوليك والبروتستانت، لخلاف لا يدور في جوهره حول أصل العقيدة، أو أن تشبه بالحروب الاستعمارية التي شنت، من دول على الآمنين الضعفاء من سكان أمريكا وإفريقيا والهند والشرق الأقصى، من أجل إنشاء إمبراطوريات، واستغلال ثروات البلاد المفتوحة، مع فارق عظيم في التشبيه قال به كثير من علماء الغرب. وهو أن هذه الحروب الاستعمارية كانت أكثر ضراوة وقسوة في معاركها، وأكثر ظلما في نهب البلاد المفتوحة وإفقار أهلها، مما كانت عليه الحروب الإسلامية في معاركها ونتائجها. وهو الفارق العظيم الذي جعل فيلسوفا مسيحيا عظيما ذا نظرة محيطة واضحة الرؤية، يقول: " لم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب".
كذلك لا بد للمفكر المسيحي المحيط بأحداث التاريخ، أن يقول، عن المظالم التي اقترفها بعض حكام المسلمين مع غير المسلمين، خلافا لحكم القرآن، أنها، عند التشبيه والمقارنة، لا تعد شيئا مذكورا بالنسبة إلى ما ارتكب في أوروبا، باسم الدين وخلافا لحكم الإنجيل، مع المسيحيين أنفسهم، ومع المسلمين واليهود من مظالم تقشعر لها الأبدان.
ولست هنا في مقام التفصيل لأذكر الوقائع والكتب والمراجع، لأنها معلومة لدى كل مثقف قرأ  التاريخ، وأن كنت أحيل على آخر ما قرأته في السنوات الأخيرة وهو" تاريخ الحضارة" الكبير للفيلسوف الأمريكي" ويل ديورانت" ، وكتاب" Les grands courants de l’histoire universelle " لجان بيرن الأستاذ في جامعة بروكسيل. ولا لزوم للتذكير بالأفران النازية، وقنبلة هيروشيما، وحروب فيتنام .. وما أقول كل هذا إلا لترتاح قلوبنا جميعا،  حين نتذكر أن لكل أمة أخطاءها بمقادير مختلفة والتاريخ المقارن، وحده، هو الذي يضع في الميزان حسنات كل أمة وسيئاتها. وبدون هذه المقارنة سوف تظل كل أمة تحتكر لنفسها الحسنات، وتنسب إلى غيرها السيئات، بحكم التعصب الوطني الذي يعبر عنه ويل ديورانت بقوله الظريف: " ما من أمة تنهزم في كتب تاريخها"
غثاء السيل
من أعاجيب كلام الرسول العربي أنه وصف لنا ما ستكون عليه حال المسلمين في المستقبل، وصفا ينطبق، بكل منه، على واقع المسلمين في العالم المعاصر من قبيل القرن الماضي إلى منتصف القرن العشرين.
أن واقع العالم الإسلامي المعاصر في الفترة المذكورة يتخلص وصفه بما يأتي:
1- في العدد: كتلة هائلة من البشر، يبلغ عددها الحقيقي، لو جرى إحصاء دقيق، أكثر من سبعمائة مليون أي ما يزيد على ربع سكان الأرض.
2- في المكان والمركز: تحتل، هذه الكتلة العظيمة، وسط العالم القديم وسرته، في رقعة واسعة متصلة، تجمع بين آسيا وإفريقيا، وتشمل أكثر شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وجميع البحر الأحمر، وأكثر من ثلث البحر الأسود، وثلثي بحر قزوين.
وتتسلط هذه الكتلة تسلطا تاما على أخطر الممرات والمعابر البحرية في العالم القديم: قناة السويس، ومضيق جبل طارق، ومضيق الدردنيل، ومضيق البوسفور، ومضيق باب المندب. ومضيق هرمز.
3- في الثروة المائية: تضم هذه الكتلة بالاستقلال، في أراضيها ثلاثة من أعظم أنهار الدنيا الخمسة: النيل، والفرات، والدجلة، عدا عن نهر العاصي ونهر السند وغيرهما من الأنهر والبحيرات
4- في الثروة النباتية والحيوانية والمعدنية: تعتبر رقعة الأرض الإسلامية، بحكم اتساعها واتصالها واختلاف أقاليمها وطول شواطئها، قارة  كاملة تجمع كل أنواع الثروات النباتية والحيوانية والبرية والمائة والمعدنية المتنوعة. ولكن ثروتها المعدنية العظمى، التي تتحكم في صناعة العالم القديم، وتجارته، وفي وسائل النقل، بل تتحكم في مصير العالم عند الحروب الكبرى، هي الثروة البترولية الهائلة التي تبلغ، في الإنتاج أكثر من ربع إنتاج العالم، وعلى مزيد جديد، وتبلغ، في احتياطي البترول، 26 ألف مليون طن، أي 56 في المائة تقريبا، من احتياطي العالم، المقدر بثمانية وأربعين ألف مليون طون.
5- الوحدة الدينية: يضاف إلى هذه القوى البشرية والطبيعية الهائلة قوة معنوية هي الوحدة الدينية، التي هي حقيقة لا تزول، رغما عما يبدو من تفكك الحكومات الإسلامية وتناحرها. فالحكام شيء، والشعوب في قلوبها وضمائرها شيء آخر.
ولكن على الرغم من هذه القوى الهائلة، فإن أكثر العالم الإسلامي: من المغرب العربي على الاطلانطيك، إلى اندونيسيا في أقصى الباسفيك، إلى أعالي التركستان والقفاس، إلى أواسط إفريقيا، كان محتلا مستعمرا إلى وقت قريب، ولا يزال بعضه محكوما ومستثمرا من قبل الدول الغربية والشرقية.
فصح وصدق، بهذا ذلك الكلام الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه المسلمين، في حديث مروى عنه:
( يوشك أن تداعي عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. فسأله أحد أصحابه: أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: لا . بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل).
خميرة البقاء:
ولكن هذه الأمة، التي أصبحت في عصورها الأخير كغثاء السيل، لا تزال تحمل في باطنها خميرة البقاء
لقد ظهرت على مسرح التاريخ أمم ودول وامبرطوريات حكمت العالم، ثم طواها الدهر حين دب فيها الوهن، واجتاحتها أمم فتية أخرى. فأكلتها وبلعتها وهضمتها حتى لم يبق لها وجود إلا في كتب التاريخ. ولكن هؤلاء المسلمين، الذين حكموا العالم، ثم صاروا كغثاء السيل، واجتمع لهم من أسباب الوهن ما يكفي لزوال الأمم وانقراضها، لا يزالون قائمين...تداعت عليهم الأمم، وأكلت من قصعتهم، ولا تزال تأكل، ولكنها لم تستطيع أن تأكلهم يذكرني هذا الصمود بالتقليد الذي كان متبعا عند الإسبارطيين: كانوا يغطسون الطفل منهم عند ولادته في البحر فإن مات ذهب غير مأسوف عليه، وأن صمد فهو الصالح للنضال والبقاء.
فما هي الخميرة التي جعلت المسلمين يصمدون ويصلحون للبقاء، على الرغم من كل تلك الكوارث التي أصابتهم؟
إن المسلم المؤمن بالقرآن يجد الجواب في قول الله: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (سورة الحجر الآية 9 )
والذكر هو القرآن، وحفظه إنما يكون بحفظ الأمة التي تذكره وتحفظه، ولكن المفكر غير المسلم يجد التعليل العقلي الاجتماعي لصمود المسلمين في آيتين آخرتين، يقبلهما عقله، وأن لم يؤمن بالقرآن، لأنهما تكشفان عن ناموس اجتماعي تدركه العقول:
الآية الأولى:( كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) – سورة الرعد الآية 19 -.
و الآية الثانية: ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفروعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله  الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يثبت الله الذين أمنوا بالقول الثابت..) – سورة إبراهيم 21 ، 27 -. 
وما أجملها مثلين عندنا، وعند من تذوقوا سحر أمثال الإنجيل..
الزبد الرغوة، لا فلبث أن تتلاشى ونذهب جفاء...
والمعدن الذهب يمكث في الأرض، ويصمد لتأثير الماء والهواء، فلا يصدأ ولو تراكم عليه التراب..
والشجرة الطيبة يحافظ عليها الناس ...
والشجرة الخبيثة يجثتها لتذهب طعاما للنار...
أليس هذا هو ناموس بقاء الأنسب؟
وماهو الأنسب؟ أليس هو الذي يتلاءم مع ناموس التطور المستمر؟
وما هو الزبد؟ أليس هو الباطل؟
وماهو الذهب؟ أليس هو الحق؟
وماهي الشجرة الطيبة؟ أليست هي شجرة الحق والخير؟
وماهي الشجرة الخبيثة؟ أليست هي شجرة الباطل والشر؟
ولو تصورنا أن الفلك عكس دورته، ورجع القهقري إلى عهود الظلام العقلي القديم، لكان ممكنا للشجرة الطيبة أن تجثت بمعدل الجهل.. ولكان ممكنا للشجرة الخبيثة السامة أن تعبد على أنها الاه مخيف قتال... ولكن التفكير العقلي للإنسانية أخذ يسير في النور... ولكن التفكير العقلي للإنسانية أخذ يسير في النور.. نحو الحق، وكلما ازداد النور سطوعا، ازداد الحق ظهورا.
فخميرة بقاء المسلمين هي هذا الحق الذي يرتكز عليه الإسلام، والذي يزداد ظهورا وإشراقا كلما  ازداد التفكير الإنساني نضوجا وعمقا في إدراك معاني الحق والخير والجمال.
نعمة التحدي
منذ أكثر من عشر سنوات دعيت للكلام مع رهط من الأفاضل، أتذكر منهم صديقي الكاتب العربي المفكر الأستاذ سعيد عقل، في حفلة أقيمت لتجديد الندب والبكاء على كارثة فلسطين.
وكان أني بدأت الكلام عن الكارثة بقولي: " أنها نعمة وليست بنقمة" وكان هذا المطلع مفاجأة  للسامعين. وكنت أعني " نعمة التحدي" التي أيقظت نفوس العرب جميعا، على اختلاف أديانهم، من غير أن يخطر ببالي أني الأمس جانبا من الفلسفة العميقة التي كشف عنها المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد تومبي، حينما تكلم عن أثر " التحدي ورد التحدي" بين الأمم في سير التاريخ.
ولما كنت في القاهرة عام 1965، وأتيح لي، بمناسبة زيارة تومبي لمصر، أن أطلع على آرائه الكريمة عن العرب، وجهت إليه دعوة متواضعة لزيارة لبناننا الجميل في ذلك الصيف. وتلقيت منه كتابا كريما، فيه الشكر وفيه الاعتذار بأنه مرتهن بمواعيد كثيرة في بلاد عديدة. ومع إيماني بصدق المعذرة، لم أمرر الدعوة في صيف آخر، لأني خفت أن تكون قد أجفله اسم" المفتي" ولعله يستجيب لنا أذا تكررت له الدعوة على قاعدة " 6 و 6 مكرر"..
نعم أيها السادة، أن التحدي الذي تلقاه المسلمون من الأمم يؤلف العنصر الثاني من عناصر صمودهم وبقائهم، ولذلك سميته" النعمة".
فالتحدي في الحروب الصليبية هو الذي خلق من الضعف قوة في معركة " حطين".
والتحدي من هولاكو المغولي، الذي هدم بغداد وقتل آخر الخلفاء العباسيين، هو الذي خلق من الوهن قوة سحقت الجيوش المغولية في " عين جالوت" .
والتحدي في خلق إسرائيل هو الذي خلق الثورة العربية الشعبية، وسيخلق من الخلاف اتحادا في معركة "الراجعين"...
ومن طبيعة التحدي أن تختلف ردة الفعل له، سرعة وبطأ، باختلاف مكانة الأمة المتحدية وعزتها في التاريخ، وباختلاف الظروف، وباختلاف الناحية التي يجرحها التحدي:
فالأمة العزيزة قد تصبر، بعض الوقت، على التحدي، إذا كان من أمة عظيمة عزيزة مثلها، أو كان يستهدف ما في القصعة من غذاء البطون، ولا يمس المقدسات في الصميم، أو حصل التحدي عقب حكم سابق مزعزع مخلخل غشوم. وهذا كله قد اجتمع للمناطق الإسلامية حين تحداها الاستعمار واستولى عليها واحدة بعد أخرى، فكان رد التحدي بطيئا.
ولكن إذا كان التحدي من أمة ذليلة في التاريخ على أمة عزيزة، وكان مما يجرح الأمة في مقدساتها، فإن رد التحدي يكون ضاريا وسريعا. وهذا ما أصابنا نحن العرب من تحدي إسرائيل في أرض القبلة الأولى ومهد السيد المسيح، وكان من نعمته هذه الثورة العربية الشعبية الشاملة التي تجعل الشرق الأدنى على فوهة بركان تنذر جلجلته بقرب الانفجار.
ولا يفترن أحد ببطء رد التحدي وتأخر الانفجار عدة سنوات فنضوج الثورات الشعبية لا يتم في عشر سنوات، ولنتذكر أننا لا نرد التحدي لإسرائيل، ولكن نرده لأعظم دول الأرض التي خلقت إسرائيل ولا تزال تحميها... 
ولكن ما هو سبب هذا الوهن الذي جعل المسلمين في الأرض، على وفرة عددهم، وسعه أراضيهم، وخطورة مراكزهم، وضخامة ثروتهم ووحدة دينهم، غثاء السبل؟...
وماهو سبب هذا العدوان المستمر من الدول المسيحية على المسلمين...؟

الشعوبية والبترول
يقول تومبي في سلسلة الأحاديث التي تحدث بها في سنة 1948 عن الشرق الأوسط" من الغريب أن تصر الشعوب العربية الأسيوية نفسها اليوم، وبعد أن استردت استقلالها على التمسك بهذه الحدود التي خططتها الدول الأجنبية بعد عام 1918 . لقد كان من البديهي أن يتوقع الإنسان من العرب، بعد استقلالهم أن يلغوا هذه الحدود. وأنه لمما يثير الدهشة أن هذه الوحدة لم تتم، بل وأكثر من ذلك أن تقوم ضمن هذه الحدود المصطنعة مصالح محلية مكتسبة تصبح قوة لدرجة أنها أبقت العالم العربي في آسيا متفسخا، في الوقت الذي كان باستطاعته لو شاء أن يتحد مع العالم العربي الإفريقي" ا هـ.
أن هذا الاستغراب هو المستغرب من المؤرخ الكبير، بعد أن وضع يده على مكمن الداء، وذكر "المصالح المحلية" والخلافات الإقليمية، التي جاءت جريدة التايمس منذ شهرين تحللها في الملحق الكبير الذي أصدرته عن العالم العربي، تحليلا تنقصه الصراحة عن أثر الدسائس الاستعمارية في تأجيج تلك الخلافات.
إن هذه " المصالح المحلية" ، والإقليمية، والعائلية، التي اتخذت في أول أمرها طابع الشعوبية الخفية بين العرب والعجم والأتراك، ثم اتخذت طابع الفرق المذهبية بين الشيعة والسنة، ثم اتخذت طابع  القوميات والإقليميات، وهي التي قسمت العالم الإسلامي، من قديم الزمان، ومزقته، من عهد الدويلات المشرقية، والمغربية، وملوك الطوائف في اسبانيا، إلى عهد الثورة " الانكلو عربية " الخادعة المخدوعة، خلال الحرب العالمية الأولى، ولا تزال تمزقه إلى اليوم. وهذا ما جعل، فيلسوفنا الاجتماعي العظيم ابن خلدون، يخطىء خطاه الوحيد، في التعليل والتحليل، حين ظن أن هذا الخلاف ناشئ من طبيعة العرب، وعدم انقيادهم للحكم والسياسة، وتنافسهم على الرئاسة.
ولو بقي الأمر عند حدود الخلاف بين الشيعة وأهل السنة لهان الأمر، لأن الخلاف بين هؤلاء لم يكن أبدا في صميم العقيدة، وقد زالت أسبابه السياسية، وأن كان الاستعمار لا يزال يحركه. ولكن خرق الخلاف قد اتسع عندما تكاثرت الفرق، واخترعت لنفسها معتقدات خرافية تتنافى مع جوهر الإسلام، كالبهائية والقاديانية، التي تلقى كلها، من الدول الاستعمارية، ضروب التشجيع والتأييد والتمكين كيدا للإسلام.
و أنه  لمن المؤسف، بل المضحك حقا، أن تقف الدول الغربية المسيحية التي تزعم، وتتزعم الغيرة على الإيمان، ثم تتخذ من هذه الغيرة حجة لمقاومة انتشار الشيوعية في بلاد العرب والإسلام، هذا الموقف العدائي، الماكيافيلي، من دين يرفع الإيمان بالله إلى ذروة الكمال، لتناصر فرقا ضالة تمرغ سمو الإيمان في وحول الخرافة، وتفتح الباب على مصراعيه للإلحاد الماركي الذي لم يجد سبيله إلى العقول في أوروبا، إلا بعد أن تمرغ الإيمان الغربي في وحول الخرافة .. وهو موقف متناقض تكبر عنه القرآن الخمس الأولى من سورة الروم.
ويأتي البترول، بعد الشعوبية، ليزيد نار الخلاف شبوبا كلما أوشكت أن تسكن، حتى كادت نعمة هذا الذهب الأسود أن تصبح نقمة علينا.
أن هذه " الثروة النعمة " هي السبب في زيادة تفرق الحكومات والإمارات العربية وتنازعها، وارتماء بعضها في أحضان المستعمر للاستعانة به على حماية أكلها" لإذن الجمل" لقاء جسم الجمل كله يأكله هو أجرا على هذه الحماية.
ويكاد هذا البترول يكون السبب الأوحد الباقي لاستمرار كيد الدول الغربية للعرب : لقد خفت وطأة الاستعمار باسم التبشير، وخفت وطأة الاستعمار فيه هو هذا البترول، الذي تخاف الدول المستبدة  به، إذا تخلت عنه، أن تمنع منه يوما، إلا إذا ضمنت صداقة العالم العربي ضمانا أكيدا وأبديا، وهذا ما لا تعرف كيف تضمنه.
صحيح أن المستقبل بيد الله، وصحيح أن تطور الأحداث يجعل الصداقات في السياسة شيئا غير مضمون إلى الأبد. ولكن العقل السليم يحكم بأن هنالك فرقا عظيما بين الخطر المؤكد وقوعه، والخطر المظنون وقوعه:
أن خطر عدم بقاء الصداقات إلى الأبد موجد حتى بين الدول الغربية المتصادقة اليوم في معسكرين.
ولو اتخذ الحذر الشديد أساسا للتعامل لجمد كل تعاون، وبطل كل اتفاق بين الدول والأمم.
إن العالم العربي، الذي يعاني التخلف والحاجة الماسة لهذه الثروة الموجودة في أرضه، قد أصبح على أبوابه انفجار مؤكد، مهما برعت الدول الاستعمارية في حوك المؤامرات والدسائس لاستمرار تمزيقه وإضعافه. ولكن إذا انقلب هذا الظلم الأليم إلى عدل كريم، فإن انقلاب المودة إلى عداوة، والمحبة إلى بغضاء، يكون بعيد الوقوع، أو على الأقل، غير مؤكد الوقوع.
ومهما استهزات السياسة الماكيافيلية بالحق والعدل والمحبة، فإنه سوف يبقى إلى الأبد شيء يسمى الحق، وشيء يسمى العدل. وتبقى هذه المعاني السامية أقرب إلى أن تثمر الخير والمحبة والوفاء مما يثمر الظلم والباطل... وعسى أن يكون قريبا ذلك اليوم الذي يصغي به أحرار الغرب إلى قول صديقهم المفكر الكبير الدكتور مالك في وصف الأحرار" أنهم لا يستطيعون إلا الحب لأن البغض يفرق وأنهم لا يحيكون الدسائس ولا يتآمرون في الظلام"...
أعرف غنيا أميا علمته التجاريب شيئا كثيرا من حكمة الحياة ، كان يقول: " رطل من ذهب يحتاج حفظه إلى قنطار من عقل" فالي كم من العقل كنا نحتاج لحفظ هذه المليارات من القناطير من الذهب الأسود الذي اختلسه المستعمرون الدهاة من أطفال بلا عقول؟
إن الكلام عن الاتفاقيات والامتيازات البترولية سيظل سخيفا ومضحكا إلا إذا عطلنا عقولنا، وعطلنا شرائع الله، وشرائع القانون التي تقدس مبدأ أهلية التعاقد.. ومهما حمت القوة هذا الظلم فإنه لا بد من يوم يعطي به التحدي أثره، لأنه ليس من المعقول أن تصبر أمة تعاني ضروب الجوع على أن يأكل ثروتها، من قصعتها، أولئك المستعمرون الذين استغلوا " طفولة الأمية" عند بعض رؤساء القبائل، وانتزعوا منهم امتيازات ظالمة، تجعل العرب كما قال شاعرهم:
 كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ
   والماء فوق ظهورها محمول
 العــــدو الأوحــــد
ولكن السؤال عن سبب وهن المسلمين، وعن سبب استمرار هذا العداء والعدوان من الدول الغربية المسيحية، لا يزال قائما، ينتظر جوابا أكثر شمولا مما ذكرناه عن تفرق المسلمين، ورواسب الأحقاد، ومطامع الاستعمار وغير ذلك من الأسباب التي يحث عنها المفكرون وعلى رأسهم مفكر عظيم من لبنان وهو  الأمير المجاهد شكيب أرسلان.
وقد كنت، على هدى الأسباب الكثيرة التي ذكروها، ابحث عن السبب الجامع، الذي ترقد إليه وتتوحد فيه كل الأسباب، لأجد الدواء الذي تشقي به كل العلل، فلم أجده إلا في سبب واحد: هو الجهل، وما ينشأ عنه من التناكر.
فالجهل هو الذي أعمى بصائر المسلمين عن عواقب الفرقة والتنازع، والجهل المركب هو الذي جعل أكثر من ثلثي المسلمين في أمية أو يشبه الأمية من الثقافة السطحية. والجهل هو الذي صرفهم عن اتخاذ أسباب القوة الصناعية التي بها. وحدها، اكتسحهم الغرب المستعمر. والجهل هو الذي أعماهم عن هذا الذهب الأسود الذي يمكن تحت مواطئ أقدامهم، بل يسيل على وجه الأرض. فباعوه، بأبخس الأثمان. وهم يفرحون ويضحكون من قلة عقل العلماء الذين اشتروه منهم.. والجهل هو الذي أعماهم عن معاهدة  "سايس بيكو" التي تقسمت  في أعينهم دولة عربية مستقلة تمتد من الحرمين إلى جبال طوروس. والجهل هو الذي قصر بهم عن تصحيح الصورة المشوهة للإسلام التي رسمتها رواسب التاريخ، وزادها التخلف والتعصب والاستعمار  تشويها، فأدى الأمر إلى زيادة التناكر الذي لو استطعنا القضاء عليه لوجدنا في الشعوب الغربية نفسها أنصرا لنا على المتعصبين والمستعمرين والصهيونيين.

فجر التعارف
كنت قرأت لشاعر المائي يدعى نوفالس قوله" لا يمكن لإنسان أن يصبح عالما بمعنى الكلمة من غير أن يصير، قبل ذلك، إنسانا بمعنى الكلمة" فعلقت على قوله هذا " أن العكس هو الأصح. فلا يمكن لإنسان أن يكون إنسانا بمعنى الكلمة من غير أن يصير، قبل ذلك، عالما بمعنى الكلمة". وأظن أن قولي هذا يكون أوضح حجة إذا قيل في معرض التعارف بين الأديان السماوية، التي تريد أن تصنع إنسانا بكل معنى الكلمة، وإنسانية بكل معنى الكلمة..
إذا ذهبنا نبحث عن بدايات التعارف بين المسيحيين والمسلمين وجدناها في أشد عصور التناكر.
ظلاما بتعبير أدبي يجمع بين الحقيقة والمجاز نقول: أن أول ومضات التطرف قد بدأت تحت وميض السيوف.
وليست لا دخل في تفصيل ماهو معلوم لديكم من التلاقح الفكري الذي سببته الفتوح الإسلامية، والحروب الصليبية. ولكني اكتفي بشاهدين: أحدهما ذكره الكردينال كوننغ رئيس أساقفه النمسا العظيم في المحاضرة التي ألقاها عن " عقيدة التوحيد في العالم المعاصر" في الأزهر سنة 1965. حينما استشهد بالفيلسوف اللاهوتي الشهير حنا الدمشقي الذي قال الكردينال عنه أنه" تأثر في كتاباته اللاهوتية بعلم الكلام أكثر مما تأثر بعلم اللاهوت عند الغرب".
والشاهد الثاني أجده أنا في الفيلسوف اللاهوتي الأكبر توما الاكويني الذي ولد وعاش في إبان احتدام الحروب الصليبية. ولم يمنعه هذا أن يقول عن وجود الله ووحدانيته وسائر أوصاف كماله، ولا سيما صفة الإرادة، نفس الأقوال التي ذكرها الغزالي وابن رشد.
ولكن تباشير فجر التعارف، إنما ظهرت على أيدي المستشرقين، الذين يطيب لي أن أسميهم أصدقاء الإسلام، على الرغم مما عرفناه عن بعضهم من سوء الفهم، أو تعمد إساءة الفهم وتحضرني هنا كلمة لبعض الصالحين يقول فيها:" طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله" وهو قول ينطبق على الإستشراق الذي بدأ " هواية " ثم اتخذ دعاية ضد الإسلام، ثم انتهى، عند بعض الناضجين إلى أن يكون دعاية للإسلام.
وبهذه الدعاية خلقوا لنا أصدقاء من عظماء الغرب: أمثال غوته الألماني، وكارليل الانجليزي، وغوستاف لويون الافرنسي، وواشنطون ارفنع الامريكي وماسينيون وسواهم من الذين وضعوا مشاعل النور على الطريق المظلمة وهيئوا الأفكار لهذا الحوار الذي نحن فيه اليوم.
وهذا شأن العالم الحق، حين يعشق الحق، لا يصده عنه تعصب، ولا هوى، ولا سياسة، لأنه أصبح إنسانا بكل معنى الكلمة بعد أن أصبح عالما بكل معنى الكلمة.
التلاقي بين ركائز التفكير الغربي المعاصر والتفكير الإسلامي الأصيل
لا ريب في أن التفكير الغربي المعاصر قد استقر اليوم على ركائز كبرى أساسية وهي:
 ّأ- تقديس العقل.
 ب – تقديس العلم.
 ج- تقديس الحرية
لكن هذا الإفراط، في احترام العقل والعلم والحرية، الذي أردت أن أعبر عنه بكلمة" تقديس"، " وهو إفراط نشأ من تفريط سابق في احتقار العقل والعلم والحرية على حساب الدين" – قد أدى، مثلما يؤدي كل إفراط وتفريط، إلى ردات فعل عنيفة كان من أثرها تولد أزمات، أخطرها:
أ‌- أزمة الصراع الفكري حول الإيمان والإلحاد
ب‌-  أزمة الصراع الفكري حول طرق التعاون الاجتماعي بين الطبقات.
ج – أزمة الانحلال الأخلاقي.
وقبل أن أحدد ركائز التفكير الإسلامي الأصيل، ألفت النظر، إلى تجنب الخطأ الذي يقع فيه أكثر الغربيين، وبعض المسلمين، حين ينظرون إلى الإسلام بمنظار واقع المسلمين المصابين بنفس الأزمات الثلاث الناشئة من الإفراط والتفريط ولهذا أبادر إلى القول أني إنما أتكلم عن ركائز التفكير الإسلامي الأصيل التي وضعها القرآن وهي: سلطان العقل- وسلطان العلم- ومفهوم الحرية.
أ- سلطان العقل في الإسلام: أن القرآن قد جعل للعقل السليم السلطان الأعلى في إدراك كل معاني الحق والخير، ومن أنفه شيء، كاماطة الأذى عن الطريق، إلى أعظم شيء وهو الإيمان بوجود الله ووحدانيته، وهذه أولى مزايا الإسلام والقرآن نفسه هو الذي أمر بتحكيم العقل في أكثر من 300 آية، أشدها وأصرمها وأوجعها قوله: ( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)- سورة الأنفال الآية 22 - .
ب- سلطان العلم في الإسلام: وعلى أساس سلطان العقل يضع القرآن سلطان العلم فكل حقيقة علمية يقينية قاطعة لا يجوز التنكر لها لأن التنكر لليقين العلمي هو تنكر للعقل نفسه.
وبغتيتي عن الإسهاب أن أسواق ثلاثة أدلة منها القديم منها المعاصر:
أما أولها: فهو من القرآن الذي حصر خشية الله "الكاملة" بأولئك العلماء العارفين بأسرار المخلوقات النواميس الكونية الدالة على النظام والحكمة في الخلق والتدبير، حين قال في الآية 28 من سورة فاطر: ( إنما يخشى الله من عباده العلماء).
وأما الدليل الثاني فهو من قول الإمام الغزالي في صدر كتابه" تهافت الفلاسفة " عن بعض رجال الذين المنكرين للحقائق العلمية اليقينية " أن هؤلاء هم أضر على الدين من أشد أعدائه".
أما الدليل المعاصر فإنه من لبنان بالذات، ومن هذه الجامعة بالذات، ذلك أنه في الوقت الذي كانت فيه هذه الجامعة الأمريكية تنساق، بإخلاص الغيرة الدينية، مع فورة الغضبة العالمية الكبرى على مذهب دارون، حتى تطرد أستاذين مالا إليه، وجد في العالم كله عالم ديني واحد يقول:"أن مذهب دارون عند ثبوته، لا يتناقض مع الإيمان بالله ولا يتنافى مع القرآن"
وأنه ليزدهيني أن أقول: أن هذا العالم هو أبي كما ذكر المستشرق الأمريكي تشارلس أدمس في كتابه" الإسلام والتجديد في مصر" نقلا عن المستشرق لهولاندي" سنوك هورغرونيه" كما أنه يطيب لي، لا من باب الغمر، بل تصحيحا لتهمه القائلين بجمود التفكير الإسلامي، أن أذكر بأن قول الإمام الغزالي قد كان في القرآن الحادي عشر أي قبل عرض " فاليله" على المحرقة وقبل حرق"برونو" بأربعة قرون..
ج- مفهوم الحرية في الإسلام: أن مفهوم الحرية في الإسلام. كما أوضحت في المحاضرة التي ألقيتها في الأزهر سنة 1964، يرتكز على أصلين:
الأول: أن حرية الإنسان، في نظرة القرآن هي أمر طبيعي وضروري وبديهي.
الثاني: أن حرية الفرد مطلقة إلى آخر حدود الإطلاق ولا تقف إلا إذا اصطدمت بالحق أو بالخير.
وهذا المفهوم الجامع، كما أنه يشمل كل أنواع الحريات من حرية الفكر، وحرية العقيدة، والقول، والعمل، التملك والتصرف، فإنه يشمل كذلك كل أنواع الحق والخبر، بالنسبة للفرد ذاته، و بالنسبة لغيره، وبالنسبة إلى المجتمع، لا فرق في ذلك بين أن يكون العمل بذاته مباحا للفرد، أو حقا من حقوقه المشروعة، أو ضربا من القربات إلى الله، فلو أسرف في أكل الطيبات، إسرافا مضرا بصحته، انقلب المباح حراما. ولو أسرف في إساءة استعمال حقه (Abus de droit) وقف حقه. ولو أسرف في الزهد والتقشف والتبتل، بل في العبادة نفسها. أو إسراف في الصدقات والمبرات إلى الحد الذي تصطدم، عنده، حريته بخير نفسه أو خير زوجه، أو أولاده، أو وراثه، لانقلبت قربانه هذه كلها إلى محرمات يمنعها دين الإسلام.
هذا هو مفهوم الحرية في القرآن. ولكن القوانين الوضعية المعمول بها قد خالفت هذا المفهوم الجامع المانع، ومن هنا انفصلت أخلاقية الأديان السماوية الصحيحة عن أخلاقية القوانين، وانفصل الدين عن الدولة.
فالإسلام يتلاقى، مع المسيحية في الأخلاق على المثل العليا التي أقرها الإنجيل والقرآن، تلاقيا حرفيا. ولكن أخلاقية القوانين وفصل الدين عن الدولة هما اللذان أفسدا العمل بالمثل الأخلاقية العليا: فأباحت القوانين الزنا بين الراشدين غير المتزوجين وكانت اليوم تبيح اللواطة.. وأباحت الميسر، والسكر، وبيوت الدعارة، وأخرجت بعض مساوئ الأخلاق، كالكذب والنميمة والخيانة والديانة عن حدود المسؤولية الجزائية.

الله والإنسان في الفكر الإسلامي المعاصر
في أزمة هذا الصراع القائم بين الأديان السماوية وبين الماركسية المادية الملحدة، وبين" الوجودية" المتأرجحة بين ما يشبه الإلحاد، وما يشبه الإيمان، يهمني أن أعرض، في سطور وجهة نظر الإسلام في موضوع " الله والإنسان في الفكر الديني المعاصر"
هل الإنسان هو الله؟
هل الإنسان ملك من الملائكة؟
هل الإنسان حيوان مادي وجد على الأرض بلا خالق أو هو الذي خلق نفسه؟
إن فكرة الله والإنسان في القرآن بسيطة وواضحة، ولم يزدها الجدل الفلسفي المؤمن أو الملحد، على نور العلم الحديث، إلا بساطة ووضوحا وبقينا.
في القرآن آيات بينان تحدد حقيقة الإنسان، وحدوثه على الأرض، وعمله في الحياة، ومقامه بين الموجودات يقول القرآن:
1-( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا)- سورة الدهر الآية 1-.
2- إذ قال ربك للملائكة أني خالق بشرا من صلصال من حما مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)- سورة الحجر-29 -.
3- ( ومريم ابنة عمران التي أحضنت فرجها فنفختا فيه من روحنا)- سورة التحريم الآية 12-.
4-( والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين)- سورة الأنبياء لآية 91 -.
5- ( وإذ قال ربك للملائكة أني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال أني أعلم ما لا تعلمون)- سورة البقرة الآية 30-.
6- ( ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) – سورة البقرة الآية 36-.
7-( ولقد كرمنا بني آدم) – سورة الإسراء الآية 70 -.
8- ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) – سورة لطور الآية 35 -.
ويقول الله:
( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) – سورة الداريات الآية 56 –
فالإنسان في الفكر الإسلامي ليس بالاه، وليس بملك، ليس بحيوان مادي صيره عقله ربا للكون.
ولكن فيه من المادة أصله الترابي الصلصالي. وفيه من الحيوان غرائزه.
وفيه من الملائكة كرامته.
وفيه من روح الله التي نفخها سبحانه في آدم وفي السيدة البتول ليجعلها وابنها آية للناس ودليلا  على قدرته على الخلق الأول.
والعبادة في الإسلام: إيمان وعمل والإيمان تفكير حر واقتناع حر.
والعمل جهاد في معركة قائمة بين الغرائز والعقل.
 وما كان لله العليم الحكيم الذي خلق الإنسان وأراد له البقاء على الأرض، إلى حين، أن يجعله ملكا بلا غرائز.
وما كان لله الذي خلق الإنسان ليعبده أن يجعله بلا عقل.
وما كان له سبحانه أن يجعله مجبرا مكرها على العبادة لأن الإكراه تفقد العبادة معناها.
وما كان لله الذي خلق الإنسان ليعبده أن يجعل هذا الإنسان إلاها يخلق نفسه، ويعبد نفسه..
ففي أصلة الترابي سر الخلق والحياة.
وفي غرائز سر البقاء على الأرض.
وفي عقله سر الإدراك والإيمان.
وفي حريته سر العبادة.
وفي هذا الكيان من روح الله التي نفخها فيه فكرمه وأسجد له الملائكة.
وسطيه الإسلام
في القرآن الكريم آية تقول للمسلمين:
( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس)- سورة البقرة الآية 143 -.
والوسط هو العدل والتوسط الاعتدال والشهادة، هنا، بمعنى العلم والإعلام كما في القاموس.
فما هي هذه الوسطية العادلة المعتدلة، التي أمرنا الله أن نقف عندها، ونرشد الناس إليها؟
إنها ليست في الوقوف مع الحق ضد الباطل..
وليست في الوقوف مع الخير ضد الشر..
فهذه بديهيات ساذجة لا تحل أزمات الصراع الفكري حول قضايا الإيمان والدين والأخلاق والمجتمع.
ولكنها في الوقوف بالمركز الوسط العدل، الذي نكون به قادرين على أن نمتع تعارض الحق والخير مع الحق والخير...
فالحق بذاته لا يعارض  الحق والخير بذاته لا يعارض الخير ولكن الإفراط والتفريط في النظرة هو الذي يعطل صفاء الإدراك، وصفاء الاستنتاج،  ويعطل القدرة على التوفيق بين هذه المعاني الكريمة ومن هنا ينقلب الحق إلى باطل والخير إلى شر.
فالإيمان بالله حق وخير، والعقل حق وخير، ولكن لا يجوز أن نجعل تحمسنا المفرط لخدمة الإيمان سببا لتعطيل العقل...
والعلم حق. ووجود الله حق. ولكن لا يجوز أن نجعل تحسنا المفرط للإيمان بالله سببا لتعطيل بقينيات العلم، التي هي انكشاف لنواميس الله في خلقه أو لجعل تقديس العلم سببا لإنكار وجود الله وتأليه الإنسان..
والحرية الفردية حق وخير. ومصلحة المجتمع، حق وخير ولكن لا يجوز أن نخنق الحرية الفردية على حساب مصلحة المجتمع، ولا أن نتجاهل مصلحة المجتمع من أجل تقديس الحرية الفردية..
فالوسطية الإسلامية هي في هذا التوفيق بين الحق والخير من كل الوجوه، في نظرة شاملة، يكون فيها الله والحق، والخير، والإنسان، حقائق يقينية غير متعارضة، ولا متناقضة، ولا يفني بعضها بعضا.

نحن على موعد
هذا هو الإسلام في العالم المعاصر: في واقعه، وأسباب ضعفه، وأسباب صموده، وفي ركائز تفكيره التي تتفق مع ركائز التفكير الغربي الحديث المعاصر، والتي يمكن بها أن نتلاقى على " الوسطية الإسلامية". وتنتهي بهذا التلاقي أزمة الصراع التعصبي المتطرف بين الأديان التي أنزلها الله أزمة الصراع بين الإيمان والإلحاد. وأزمة الصراع بين الرأسمالية المتطرفة والشيوعية المتطرفة وأزمة الانحلال الخلقي التي هي أم الأزمات ..
إننا على موعد ، غير بعيد مع تلاق كريم ينتصر فيه الغرب المسيحي نفسه لوسطية الإسلام.
لا ليتخلى عن مسيحيته، بل ليتخلى عن نفرته وعداوته، ويرجع إلى المودة، التي قررها القرآن حين قال لمحمد عبد الله ورسوله:
( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا. ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا أنا نصارى..) سورة المائدة الآية 85-

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here