islamaumaroc

جامعة القرويين بفاس

  روم لاند تعريب محمد الخطيب

13 العدد

كان المغرب بلادا مجهولة خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، بل وحتى أيام الحماية مابين 1912 و 1956 ، فالمستعربون الاحترافيون أنفسهم، كانوا يعرفون عن المغرب أقل مما يعرفون عن الشرق الأدنى، وقليل منهم من كان يعرف أن المغرب كان أول دولة عربية أسس جامعة لا تزال موجودة حتى الوقت الحاضر.
أسس جامع القرويين على يد فاطمة بنت محمد الفهري، وهي بنت أحد أثرياء القيروان في تونس، وذلك في حدود سنة 857 أي قبل مائة سنة من تأسيس جامع الأزهر بالقاهرة.
والمساحة الأصلية للجامع كانت محدودة، إلا أن اتساع نطاق التعليم جعلها تتسع عاما بعد آخر حتى أصبحت سنة 918 المسجد الرسمي الذي يؤدي فيه السلطان صلاة الجمعة، وبذلك دخل الجامع تحت إشراف الحكومة.
كانت (القرويين) محل توسيع وتجميل مند عهد الأدارسة في القرن التاسع إلى أيام الدولة العلوية في الوقت الراهن، أما مساحتها الحاضرة فهي لا تزال كما كانت عليه مند عهد السلطان علي بن يوسف المرابطي.
إن هذا المسجد الإسلامي الكبير الذي يسع مائتي ألف مصل، قد أصبح مند عهده الأول، المركز الرئيسي للدراسات الإسلامية في إفريقيا، وأحد المراكز الإسلامية الكبرى في العالم الإسلامي. وهو يتميز كثيرا عن بقية مساجد فاس من ناحية البناء، وقصر الحمراء بغرناطة لا يفوقه حجما وعظمة رغم جماله ولطفه.
وان مكتبة القرويين اليوم، ليست إلا ظلا لما كانت عليه أيام السلطان أبي عنان المريني، حيث كانت تحتوي على الآلاف من المخطوطات التي غنمت للملك المسيحي في إشبيلية. وزائر القرويين ابن خلدون، نص فيها المؤلف بخط يده، على أنها النسخة الأصلية لكتابه، كما يعثر على نسخة من كتاب ابن رشد، ونسخة أخرى بخط يد ابن خاتمة، ولسنا في حاجة إلى ذكر نسخ أخرى لكتاب حديث البخاري.
وجميع هذه الكتب في حالة جيدة، وإن كان لا يزال على الحكومة المغربية، أن تعتني أكثر، بالمحافظة عليها وحفظها للمستقبل.
كان العصر الذهبي للقرويين خلال القرون الثاني والثالث والرابع والخامس عشر، أي أيام دولتي الموحدين والمرينيين، اللتين كانت أيامهما عصر علم، وعهد تشييد مدى ما تحتوي على مآثر تاريخية جميلة. ولم تكن (القرويين) مقصد التلاميذ من إفريقيا والعالم الإسلامي فحسب، بل كانت مقصد الأوربيين أنفسهم في ذلك العصر.
ونجد من بين أساتذة القرويين: ابن خلدون، وابن الخطيب، وابن حرازم، وابن باجة، ولربما؛ ابن العربي ويظن أن البابا ( سلفسنر) الثاني قد درس بالقرويين، وأنه تعلم فيها الأرقام العربية واستعمال الصفر، وأنه هو الذي أدخلها لأوربا، كما يظن أن ( ابن ميمون ) والمؤرخ الإفريقي (حسن ابن الوزان) المعروف (بليون الإفريقي )  كانا من تلامذة القرويين.
وعندما انتصر الملكان الكاثوليكيان ((فرناند)) و ((ايزابيلا)) على العرب للتخلي عن مدنيتهم الجميلة التي أسسوها فوق التراب الاسباني، أصبحوا ينظرون لأوربا نظرة عداء، ويتطلعون لاسترداد إسبانيا إلى الحظيرة الإفريقية، فانتهى بذلك عهد التبادل الثقافي بين المسيحيين واليهود، وأصاب القرويين تأخر صاحبها مند ذلك العهد دون انقطاع، إلى أن أعاد المغرب استقلاله سنة 1956.
بالرغم من ذلك، فقد ظلت ( القرويين ) مقصدا للتلاميذ من سائر الشمال الإفريقي، رغم أن برنامج الدراسة فيها ظل متسما بأساليب التعليم في العصور الوسطى، بينما كانت تلك الأساليب آخذة في التطور في جميع أنحاء العالم.
وقد زاد التأخر إمعانا وبسرعة خلال النصف الثاني للقرن التاسع عشر، وعندما أخد الاستعمار الأوربي ينتشر في شمال إفريقيا، وزاد ذلك التأخر إبان الاحتلال الفرنسي مابين سنة 1912 و 1956. ويتجلى الفرق بين التعليم في القرويين خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، في المواد التي كان التعليم يتناولها خلال الفترتين.
فالتعليم في القرويين خلال الفترة الثانية عندما كان المغرب يتطلع إلى استقلاله، لم يعد مقتصرا على علوم الدين والنحو والمنطق والبيان والشعر، بل أدخلت عليه مواد أخرى مثل الحساب والهندسة والتنجيم والطب.
    بينما كان التعليم بالقرويين خلال منتصف القرن التاسع عشر، وإبان عهد الحماية لا يتناول غير التوحيد  والفقه والحديث والتصرف و الأمداح و البلاغة والبيان والعروض والقوافي وفلسفة النحو والمنطق، ولم تكن أبسط العلوم تدرس فيها.
كان التعليم بالقرويين يسلك طريقة غريبة في الأداء، فالتلميذ يقتصر على القراءة وإعادتها حتى يحفظ عن ظهر قلب ما قرأ، ولم يكن سؤال الأستاذ مسموحا به، كما لم يكن امتحان الأستاذ للتلميذ معمولا به أيضا.
فكل ما كان هناك أن التلميذ يقضي في التردد على الدروس مابين خمس، وعشر سنوات، لا ينال بعدها أية شهادة حسبما هو معمول به في الجامعات الحديثة.
وكل ما هنالك أنه ينال وثيقة تشهد بأنه حضر الدرس الفلاني، والدرس الفلاني، وأنه قرأ كتاب كذا وكذا، وأن معلوماته تسمح له بالتنقل بين أستاذ وآخر.
كانت هيئة التدريس تنقسم إلى أربعة أقسام، تتدرج من عالم – أي ما يقابل بروفسور – إلى المحاضر الذي هو عبارة عن شاب حديث العهد بإنهاء دراسته.
أما تعيين الأساتذة فكان من اختصاص الحكومة، وهم ينالون أجورا جد زهيدة، فيستعينون على ضروريات
حياتهم بوظائف أخرى، مثل القضاء، والوظيفة الحسبية والإفتاء، أو الوعظ الديني، أو التعليم القرآني، أو الأذان، أو مزاولة حرفة العدالة، أو الكتابة بإحدى الإدارات.
وقد تمتع علماء القرويين بميزة انتخاب السلطان وقراءة بيعة توليته. وهم عندما يظهرون في الشارع يلبسون ملابس بيضاء، ويظهرون بسحنة الوقار، ويسيرون بتؤدة دون أن يلتفتوا يمينا أو يسارا، وإذا مر بهم أمي، أو صاحب دكان، أو تاجر، أو موظف، يلزم أن ينحني ويحاول تقبيل اليد، أو على الأقل لمس الكساء، وتقضي الآداب بعدم ظهورهم في الأسواق أو المقاهي أو الحمامات العامة. فهم يعيشون في أجواء اجتماعية غريبة، وتعتبر طبقتهم طبقة خاصة، وإذا استثنينا طائفة محدودة منهم، فجلهم لا يظهر بمظهر القائد المفكر، إذ أن قراءتهم تقتصر على كتب القرون الوسطى، وأفكارهم محافظة لا تقبل التجديد، وهم لا يسايرون العالم إلا بصعوبة.
وبالرغم من عقم القرويين من الناحية الروحية، فقد ظلت فاس المركز الثقافي لغاية الوقت الحاضر ولم يكن المغاربة وحدهم هم الذين يقصدون مدينة مولاي إدريس بقصد التعليم، بل كان الجزائريون والتونسيون يقصدونها أيضا لنفس الغاية.
هذا ولم تكن جامعة القرويين وحدها مركزا للتبادل الثقافي، بل كان ذلك في بيوت تجار فاس، وفي الاجتماعات السياسية، وفي المقاهي والمتاجر.
ولم تكن المظاهرات الثقافية محصورة بين جدران المسجد الجامعي، بل إن المناقشات العلمية كانت تدرس في مدارس السكن الجميلة في بنائها والغير صحية في حالتها.
ويجدر بالذكر هنا أن حزب الاستقلال قد تأسس في إحدى غرف تلك المدارس.
بالرغم من سيطرة القرويين سيطرة تزمتية، فقد أنجبت قادة تقدميين ومجددين، وفي مقدمتهم الزعيم علال الفاسي رئيس حزب الاستقلال، وأحد القادة الذين قادوا الأمة إلى الاستقلال، وهؤلاء الزعماء قد تلقوا خصائص التقدم الاجتماعي ومبادئ التحرر من جامعة القرويين، وهم الذين نفخوا في الشبيبة روح الاستقلال، ويرجع الفضل في إصلاح الشبيبة من الناحية الاجتماعية والسياسية إلى ما كانت تتلقاه على يد حزب الاستقلال، وأن الكثيرين من رجالا ت المغرب من الوقت الحاضر، هم تلامذة القرويين، ومن المشبعين بروحها لما تلقوه فيها من علوم.
يجب ألا ينظر إلى قضايا القرويين في الوقت الحاضر بمعزل عن بقية القضايا الأخرى، فالقرويين ليست في حد ذاتها سوى واحد من مجموع القضايا التي جابهت المغرب بعد الأسبوع الأول من الاستقلال. ومن قضاياها الجديرة بالذكر، العمل على ربط ماضيها بحاضرتها، والتوفيق بين التعاليم الإسلامية وما يجب اتخاذه من الأوضاع السياسية والاقتصادية، وصيانة الشباب الذين تغريهم الأفكار الحديثة، وليست هذه القضايا جديدة ولا غريبة عن المغرب.
إن مغرب اليوم يعيش في فترة انتقال من حياته. وأن القليل من مظاهر تلك الحياة هو الذي وجد قالبه الخاص، أما الباقي فهو يعاني صعوبة في التكييف.
لقد تغير المغرب تغيرا ظاهرا محسوسا مند سنة 1956 إلى الآن أكثر مما تغير خلال ثلاثة عقود، فالموظفون بالقصر الملكي وفي دواوين الحكومة، ورجال الحرف و التجارة، والأساتذة والتجار قد تخلوا عن ألبستهم الجميلة، وارتدوا الملابس الغربية، وهم يعللون هذا بكون الملابس الغريبة أرخص ثمنا وأكثر أحكاما، وأن الملابس القديمة ليست عملية بالنسبة للأعمال الحديثة التي أصبحوا يزاولونها.
فلأول مرة سنة 1957 بدأ المغاربة يقدمون الطعام لضيوفهم سواء في الحفلات الخاصة أو الرسمية منها،مستعملين السكاكين والشوك، وغني عن البيان، القول بأن صنف الطعام المتقدم الآن أصبح أقل من ذلك الذي كان يطبخ في الماضي على الطريقة المغربية، وأن الضيوف أصبحوا يستمتعون الآن أقل مما كانوا يستمتعون من قبل، نظرا للأغلاط المرتكبة في استعمال الطريقة الغربية.
ففي بيت أحد التجار المغاربة الأثرياء، الذي كنت قبل سنة أتناول فيه طعاما مغربيا فاخرا، قدم لي عشاء على الطريقة الفرنسية، ومكان الشاي المنعنع الذي كان يقدم قبل الأكل، احتلته المشروبات المثلجة التي أصبحت تعوض ما كان يقدم من الماء خلال الطعام.
وأن ما يتمتع به المغرب الآن من وحدة اجتماعية و سلالية وسياسية، يرجع الفضل فيه لقيادة محمد الخامس، ورجال حزب الاستقلال، وأن الملك ليتمتع بسمعة عظيمة، ولا توجد فئة من المغاربة لا تنظر  إليه كرجل يستطيع حل الكثير من المشاكل الروحية والمادية وأن سرعة تقلب الأحوال قد أخذته على غرة، فأجابه الحوادث الغير منتظرة يوما بيوم، وهو يملي لها ما تستلزم من حلول كان في الماضي يسقبلها تأويل طويل وما يقال في حق الملك يقال في يقال أيضا في حق حزب الاستقلال وخاصة مفكريه ومنظميه، مثل علال الفاسي، والمهدي بن بركة، اللذين كانا يحصران جهودهما في الكفاح من أجل الاستقلال، وعندما تحقق الاستقلال حدثت كثير من القضايا لم تكن في الحسبان، من بينها السعي للتوفيق بين العرب والبربر الذين يكونون عناصر المجتمع المغربي، للاستجابة لمستلزمات الوحدة والتجديد وإقامة نظام ديمقراطي.            ومن قضايا البلاد الأساسية، قضية القرويين التي يلزم أن تساير مطالب الوقت حسبما يرغب في ذلك كل من صاحب الجلالة وزعماء حزب الاستقلال، وليس معنى هذا أن العلماء لا يعون أن القرويين يلزم أن تجابه هذا الأمر، فقد اجتمعت بالكثيرين منهم خلال صيف سنة 1957 وبعضهم من تقاليدي لا يتكلم كلمة فرنسية واحدة، وهم محافظون على تقاليدهم وعاداتهم، و ينادون بالطرق القديمة التي كان يسلكها العالم الفاسي إلا أن من بينهم شبابا يتحدثون بالفرنسية، ويرتدون الألبسة الإفرنجية، وينادون بالتقدم، وكلا الجماعتين متفقتان على وجوب القيام بشيء، إذا ما كانت القرويين تريد أن تلعب دورها في حياة المغرب الجديد. ولا أنهم يعلنون في صراحة أنهم لا يدرون ماذا يفعلون!!
وينحصر النقاش فيما يأتي:
هل يمكن للقرويين أن تجعل الدراسة دراسة إسلامية حقيقة كاملة، لكي تقي الشباب المغربي من الانسياق في التيارات العالمية التي يمكن أن تجرفه للانحراف عن التربية والأخلاق الإسلامية؟ فالنزعات الإنسانية كما تطورت في أوربا حتى بعد أيام النهضة قد ظلت في العالم الإسلامي تعتمد على التعاليم الإسلامية وحدها، وفصلها عن الإسلام معناه فصلها عن العمل الرئيسي للتربية والأخلاق الإسلاميين. والعلماء يقرون وجوب الاستعجال لحل هذا المشكل، إلا أنهم لا يملكون الجواب عن السؤال، وفي الوقت الذي يتوقف الجواب عليهم بوصفهم المشرفين على  شؤون الدين، غير أنهم متفقون على أن أساليب التعليم في القرويين يلزم أن تتغير، والشباب من العلماء أنفسهم يخشون نتائج التعليم الحديث إذا ما حرضوا على إدخال الإصلاح الضروري. وهذا معناه أن الإصلاح يجب أن يأتي من ناحية أخرى.
إن الحكومة المغربية نفسها مصممة على وجوب تجديد التعليم في القرويين، وأن هذا التجديد يلزم أن يكون على العموم ضمن إطار التربية المغربية. وقد كان تعريب التعليم من الأعمال الأولى التي حاولت الحكومة المغربية القيام به بعد الاستقلال، نظرا لكون التعليم كان على عهد الحماية يلقن باللغة الفرنسية، وكانت اللغة العربية تدرس كلغة أجنبية، كما أن سلطات الحماية كانت تبذل الجهد لإحلال البربرية محل العربية، أما تاريخ وأدب اللغة العربية، فقد كان مجهولا تماما بالنسبة لتلك المدارس. ولذا أصبحت الجهود منصرفة لتغيير هذا الوضع، غير أن هذا الأمر يتطلب وقتا حتى يتمكن من تدريب القدر الكافي من المعلمين المواطنين.
ومن الإجراءات المهمة المتخذة في هذا السبيل إنشاء جامعة حديثة، وفي الوقت الذي يظهر فيه هذا المقال يكون المشروع قد أخرج لحيز الوجود. وستحتوي الجامعة على بعض المدارس العليا التي أسست في الرباط على يد الفرنسيين، والتي كانت كل واحدة منها تعمل بمعزل عن الأخرى، وكان القصد منها التهييء  للحصول على الشهادات من الجامعات الفرنسية. فهناك مدرسة للحقوق، وأخرى للعلوم، ومعهد للدراسات العربية العليا قام بأعمال ذات قيمة من الناحية اللغوية والتاريخية والآثار القديمة. وقد كان البعض من الرؤساء يستعمل تلك المعاهد لبذر الدعاية الاستعمارية
هذه المعاهد الثلاثة تكون نواة الجامعة الوطنية، وستتكون هيئة الأساتذة فيها مغاربة وفرنسيين وبعض الأجانب، وستصبح القرويين كلية للحقوق الإسلامية والآداب، أما المادية فتتطلب التجديد، ومنهاج التعليم فيها يجب أن يساير منهاج التعليم في جامعة الرباط، وستقوى هيئة الأساتذة فيها من العالم العربي مثل مصر والعراق وسوريا. وقد أعرب وزير التعليم السيد محمد الفاسي الذي كان نفسه مديرا للقرويين عن ثقته في نجاح تجديد القرويين.
أما فيما يخص الحكومة فإن تجديد القرويين ليس بالأمر الهين، ولما يلزم إدخاله من الأساليب الصحية بالنسبة للتلاميذ وما يلزم تجديده من الأساليب بالنسبة للتعليم. فالمدارس التي يسكنها التلاميذ، بالرغم من جمال هندستها، عتيقة من الناحية الصحية، ولذا فهي تحتاج إلى إصلاح كبير كما تحتاج لذلك أيضا الأساليب الدراسية، فليس في القرويين صفوف مستقلة، وإنما يجتمع التلاميذ حول أساتذتهم في حلقات دروس موزعة بين أطراف المسجد، والتلاميذ مخيرون في حضور درس أو آخر، أما فيما يخص سير الدروس  فليس هناك أي اتصال بين جماعة وأخرى. وكل هذا يحتاج لأن تقوم مقامه طرق حديثة تساير طرق التعليم الحديث.
وأكثر مما تتوقف (القرويين) على المظهر الخارجي وناحية طرق التعليم، تتوقف على الروح التي تقودها وتسيطر عليها، فروحها لا تزال روح مؤسسة عتيقة طبقا لقدم عهدها، بحيث لا يمكن تغييرها بين يوم وليلة، بل إن ذلك سوف يستغرق سنوات حتى يوجد جيل من الأساتذة المدربين تدريبا حديثا، إذ أن تلامذتها لا يزالون يدعون في الوقت الحاضر بقرويي الروح كما كانوا يدعون سابقا. فمعظمهم من القبليين، ولهم إلمام ضئيل بالتربية الحديثة والمظهر المدني بين القبليين لا تزال القوة تخالف مظهر سكان المدن. والدين في ((القبائل)) لا يزال القوة الشاملة، والكثيرون من شباب (القبائل) لا يحنون حتى الآن إلى التربية التي تلقن في المدارس الحديثة التي تتبع الطرق الغربية، فهم لا يتجهون اتجاها رياضيا أو طبيعيا، بل ينهجون نهجا دينيا وقانونيا، وليس مثلهم الأعلى أن يصبحوا مهندسين أو أطباء، بل قضاة دينيين، أو موظفين في الأحباس، أو أساتذة قرآنيين.
لقد زرت تلامذة القرويين في صومعة نسكهم إبان عهد الحماية وبعد الاستقلال فوجدتهم متواضعين، كرماء كمواطنيهم، وأن مستواهم التصنيعي أكثر من المستوى العام لبقية مواطنيهم، إلا أنهم فيما يخص القرويين يظهرون إعجابا كبيرا بها، بل إنهم يظهرون عجرفة وغطرسة تتنافى مع تواضعهم الشخصي.
والحقيقة أنهم يتطلعون إلى مستوى أرغد في العيش، كما يريدون أن تكون صفوفهم أحسن تنظيما، إلا أنهم مقتنعون بأن التعليم الذي يتلقونه أعلى مما يتلقى في المدارس الحديثة. وقد حاول البعض خلال زيارتي الأخيرة، إقناعي بأن وزير العدل- وهو من الأشخاص الممتازين في القانون الحديث – وغيره من الوزراء يعرفون من مادة الدين أقل مما يعرفون هم.
إن المغرب قد بدأ تطوره مند سنة 1956، ومن البديهي أن يستدعي هذا التطور ثورة سياسية واجتماعية واقتصادية من ناحيته الشكلية، إلا أن البادية التي توجد بها جذور الدين عميقة، فإن كل إصلاح فيها يجب أن يكون إصلاحا في الدين نفسه، غير أنه لم يمر بعد الوقت الكافي لإعادة التفكير في الإصلاحات الدينية المستعجلة التي يلزم إدخالها. وكل إجراء يتخذ في السبيل يجب أن يكون تجارب مؤقتة أكثر من إجراءات نهائية. ففيها يتعلق بالأحوال الشخصية، فإن مادة الشريعة هي التي لا يزال العمل جاريا بها. 
أما القانون المدني والجنائي فهما لا يزالان فرنسيين، ومعظم القضاة الذين يحكمون بهذين القانونين هم من المغاربة مع عدد كبير من الفرنسيين والاسبانيين. ولسوف يوقف العمل بالزواج الباكر، كما أن المرأة ستمنح حق اختيار زوجها، سوف لا يكون ضروريا أن يكون الاختيار من حق الوالدين. غير أن قانون تعدد الزوجات لم يصدر بعد، والعمل جار لإرجاعه إلى أصله الديني حسب نصوص القرآن.
إن الكثير من نساء المدن قد رفعن الحجاب، وهم يختلطن بالرجال اختلاطا اجتماعيا، أما في البادية فلا يزال الحجاب معمولا به، والاختلاط الجنسي غير معروف.
فهل هناك ما يدعو للأمل بأن المغرب سيستطيع حل القضايا العديدة التي تواجهه؟ إن المغاربة رغم احتياجهم إلى اتخاذ الكثير من الأساليب الإدارية الغريبة، قد حققوا خلال عامين من الاستقلال أكثر مما كان أكثر أصدقائهم تفاؤلا يأملون. وقد أكدت حوادث السنوات القليلة أنهم يحسنون إصابة الهدف.
 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here