islamaumaroc

الأحوال العقلية في مجالي التخلف والإنماء

  دعوة الحق

العددان 98 و99

تساهم عناصر عديدة تاريخية واعتقادية وغيرها، في تكييف العقلية السائدة في مجتمع ما، وتلوينها باللون الذي يميزها في الغالب؛ والعقليات التي تسود المجتمعات المتخلفة، تعتبر من العوامل الأكثر أثرا في أزمان حالة التخلف هذه، أو تصفيتها بالمرة. ما هي أبعاد هذه الصلة بين الأحوال العقلية في المجتمع وقضايا التخلف والإنماء عنده؟ وإلى أي حد يمكن لسياسة إنمائية أن تواجه العقبات العقلية التي يخلقها التخلف؟

أراد أحدهم أن يشخص أعراض التخلف، مثلما يحاول الطبيب تشخيص أعراض مرض ما، ليستدل منها على حقيقته، ودرجة الإصابة به، وما يلزم لعلاجه، إذا كان له من علاج؛ تردد صاحبنا طويلا قبل أن يسوق القول بأن كذا وكذا من المظاهر والظواهر تقوم أكثر من غيرها، كدلالة على اتسام بيئة ما، بسمة التخلف، وبالنتيجة لذلك، فإن أي مجتمع قد يعتبر متقدما، لابد أن يكون خاليا في عمومه من هذه المظاهر، على الأقل بهذه الصورة الشاملة التي تبرز في حياة المجتمعات المتخلفة وناقصة النمو، وأخيرا استقر به الرأي على أن ساق جملة من الظواهر تبلغ العشرة، قال عنها، أن اجتماعها في بيئة اجتماعية ما، قد يكون ذا دلالة كافية على اتسام هذه البيئة بالتخلف؛ وبالطبع، فهذه السمة تتناسب قلة أو كثرة، مع درجة إصابة المجتمع بالاعراض التخلفية، وعلى كل، فما هي هذه الظواهر التي هي بمثابة الاعراض دالة على وجود حالة التخلف؟ بحسب الرأي الذي قدمنا به، يمكن تلخيصها كما يلي:
1) الأمية. 2) الوقاية الصحية بدائية. 3) سوء أحوال المرأة. 4) وفيات الأطفال. 5) كثرة الفلاحين. 6) استخدام الأطفال. 7) سوء التغذية. 8) ضعف الطبقات الوسطى. 9) ضعف استهلاك الطاقة. 10) خصب فيزيولوجي في الزواج.

قد يعترض على هذه الملاحظات بأنها ـ ربما ـ غير محددة لحالة التخلف بصفة كافية، وأن هناك من الاعراض الأخرى غير هذه، ما هو ذو دلالة بليغة في هذا المعنى، يحسن سوقه لاستكمال ملامح الصورة المراد رسمها عن حياة مجتمع من المجتمعات المتخلفة، قد يكون ذلك صحيحا، ولكن لا ينجر عنه شيء ذو بال، فالمراد هنا، لا يتعلق بإحصاء الظواهر إلى درجة الاستقصاء، ورسم ملامح الصورة بكل ما فيها من خطوط رئيسية وفرعية، وإنما المراد هنا، استعراض نماذج معبرة عن حالة التخلف، والنماذج التي سقناها عن «كلود ليفي» هي في الواقع نماذج مهمة جدا؛

1) في نهاية موضوع سابق حول قضايا التخلف نشر في السنة الماضية ـ كنت وعدت بتخصيص بحث بالمظهر العقلي للقضية؛ وها أنا أفي بالوعد.

وتكاد تكون قاسما مشتركا بين مختلف البيئات المتخلفة مع غض النظر ـ بطبيعة الحال ـ عن بعض الأحوال المعزولة، التي تنفرد بها بعض المجتمعات المتخلفة دون غيرها تحت تأثير بعض العوامل الخاصة.
الاعراض التي أنبتناها آنفا ـ ليس مبدأها واحدا كما نرى ـ فهي ترجع إلى عدة أصول، منها الاقتصادية ومنها الاجتماعية، ومنها الطبيعية، ومنها غير ذلك؛ إلا أنه من الممكن أن نرجع بأغلبها إلى عوامل عقلية، وسيكولوجية، كنتيجة للتخلف العقلي عند السكان، وضيق أفقهم الفكري، وتلبس نفوسهم بعدة عقد ومركبات تلاحقهم في شتى آفاق الحياة؛ فالوقاية الصحية البدائية هي نتيجة تخلف عقلي قبل كل شيء، ان الناس مدفوعون بطبيعتهم إلى المحافظة على أنفسهم، وبالتالي على صحتهم، ولكنهم إذا كانوا متخلفين عقليا فإن تصوراتهم عن المحافظة على الصحة، والوقاية من الأمراض، والاستمتاع بسلامة العقل والجسم، مثل هذا التصور يكون عادة مشوبا بالأوهام والأساطير، وتتدخل فيه الغيبيات بصورة تند عن المراقبة المعقولة وبمرور الأجيال يتكون من مركب الأوهام والخيالات والمبالغات، جملة من الوصفات المغلوطة، يتناقلها الأبناء عن الأجداد، وكثيرا ما تقوم هذه الوصفات، على تجارب لم يتأكد من صحتها وفاعليتها المنتجة؛ وكثيرا ما يسفر العمل بهذه الوسائل عن فشل ذريع وواضح جدا، ولكن العقلية المتخلفة، لا تستطيع أن تتلخص ـ مع هذا ـ عن الاقتناع المغلوط بهذه الوسائل، لأن هذه العقلية، لا تستطيع (أولا) أن تنتقل من حالة تصور إلى أخرى إلا بصعوبة بالغة، (ثانيا) لأن عامل الغيبية هنا، يساعد دائما على إيجاد النعلات والمسوغات «الغيبية» للفشل الذي تمنى به الوسائل الوقائية أو العلاجية الموصوفة، (ثالثا) أن النفس ـ بصور عامة ـ تنزع إلى ما يسري عنها، ويفتح أمامها بابا للتفاؤل؛ والوصفات المغلوطة تفتح هذا الباب للأمل غير المقيد، وذلك ما يدعو إلى التمسك بها يضاف إلى كل هذا، عدم الإدراك إدراكا عميقا ماهية الوسخ والعفن بمفهوم صحيح، يشمل مختلف الحقائق المتعلقة بالموضوع وصلة ذلك بوقاية الصحة أو الإضرار بها، وما يفرضه الإدراك على هذا النحو من سلوك في الحياة الفردية والجماعية يتسم بالعناية الواسعة الشاملة، التي تفرضها الرغبة في وقاية صحية، مضمونة النتائج، فيما هو قابل للضمان.
وإذا انتقلنا إلى موضوع المرأة، وسوء أحوالها في المجتمع المتخلف، فإننا نجد للعامل العقلي أيضا تأثيرا جوهريا في جود هذا المظهر الاجتماعي من مظاهر التخلف؛ وهذه الصلة بين انحطاط المرأة والتخلف العقلي في المجتمع، ليست ظاهرة مطردة دائما، ولا تتخلف، ففي بعض المجتمعات المتخلفة قديما أو حديثا، يلاحظ أن المرأة في حظيرتها تنعم ببعض المكانة اللائقة، أو قد تكون مرتقية أحيانا إلى مكانة مرموقة، لكن يمكن اعتبار حالات هذه المجتمعات، حالات خاصة، وتتدخل فيها بعض المؤثرات الدينية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو غيرها؛ أما الذي يلحظ بصورة متكررة طوال عصور التاريخ، وفي عصرنا الحاضر، فهو أن انحدار المرأة أو نهوضها، يرتبط ارتباطا شديدا بالأحوال العقلية التي تسود المجتمع، هبوطا أو صعودا، والمرأة معتبرة ـ منذ كانت ـ كمخلوق أسطوري بالنسبة للرجل؛ لكن دور التقدم العلمي الذي تقوم عليها عملية محاربة التخلف ـ هذا الدور ينصب ـ في جملة ما ينصب عليه ـ ينصب على إزالة الأسطورة عن الأذهان، إذا كانت حائلة ـ على نحو ما ـ دون تحقيق تقدم اقتصادي أو اجتماعي أو غيره؛ ومن هنا بقيت حظوظ المجتمعات متفاوتة اليوم في نصيب المرأة، فيها من التقدم والتطور؛ إذ أن ذلك يتوقف على مدى نصيبها من التطور العلمي والفكري الضروري في هذا المضمار؛ وينتج عن ذلك باستمرار اختلافات في فهم رسالة المرأة في المجتمع، وماذا عليها أن تأخذ به أو تتركه؛ والاختلافات في الفهم من هذا القبيل لا تؤدي عادة في مجتمع متخلف إلى حركية فكرية تستهدف التوصل إلى شيء أفضل؛ فهي اختلافات جامدة مجمدة لا تساعد المرأة على فعل شيء أفضل، ولا يقصد بجمود المرأة المتخلفة هكذا جمود دورها داخل المجتمع، بل ما هو أكثر من ذلك، فإن وضعيتها العامة هي أيضا وضعية متجمدة، لأن هذه الوضعية يتحكم فيها ـ في كثير من الأحوال ـ ويصوغها الاعتقاد بأن المرأة ـ كما تختلف عن الرجل في بعض الاعتبارات البيولوجية والمزاجية وغيرها، فيجب أن تختلف عنه كذلك فيما لكل من الجنسين من حقوق وواجبات اجتماعية، ان في المستوى الفردي أو في المستوى الجماعي أيضا، وأنجز عن هذا أن مركزها الاجتماعي كان ـ باستمرار ـ موضوع مراجعة درامية أحيانا.
والملفت للنظر بهذا الشأن أن المرأة، تعتبر هي نفسها، ذات تأثير مهم في الأمر فإذا اعتبرنا سعة أفق التفكير أو ضيقه في المجتمع فلا نقصد به تفكير الرجال وحسب، بل وكذلك حالة تفكير المرأة نفسها وبالذات فبقدر ما تتوقع في محيط عقليتها الضيقة بقدر ما تساهم في تبرير نظرة الرجال إليها، باعتبارها إنسانا من الدرجة الثانية إن لم يكن إنسانا تافها، وبقدر ما تستطيع الإعراب عن وعي بإنسانيتها وتفزع إلى تأكيد ذاتيتها كقوة سليمة ومنتجة بقدر ما تؤثر بذلك تأثيرا يذكر في تغيير نظرة الجنس الآخر إليها، وجعل هذه النظرة أكثر إيجابية وموضوعية.
وسوء أحوال المرأة يرتبط به في كثير من الصور ـ سوء أحوال الأطفال، ومن مظاهر التخلف، التي استعرضناها من قبل، استخدام الأحداث استخداما لا يقصد منه تكوينهم، أو توجيه مستقبلهم، وكانت هذه حالة سائدة في أوربا منذ بضعة قرون فقط، والآن لاتزال لهذه الحالة صور مختلفة في بعض أنحاء العالم المتخلف! ولا شك أن التخلف العقلي له أيضا دخل كبير في هذه الأمور، مثل ما يرجع ذلك أيضا إلى انحطاط مستوى العيش، وتدهور الأوضاع الاجتماعية، ففي الأحوال العادية، عندما يكون التخلف العقلي غير سائد، يدرك المجتمع أن الأحداث، هم قوام الطاقة البشرية عنده، ونواتها الحية، ولهذا يجب أولا تنمية هذه الطاقة بتنمية رصيد الحدث من المعرفة والمهارة والدربة، لكي يكون إنتاجه أجود، وعطاؤه أغنى وأخصب ولكي لا تنفد هذه الطاقة بسرعة، أو تفد منها على الأقل قدرتها الإبداعية والارتيادية.
إن القضية هنا قضية استغلال للطاقة، لكن حسن هذا الاستغلال يتوقف على مقدار ما يتحقق للمجتمع من تقدم فكري يمكنه من النظر إلى الأمور في هذا الباب نظرة بعيدة القرار؛ وسوء استخدام الأطفال إذا كان علامة على وجود تخلف فكري في المجتمع، فإن ارتفاع نسبة الوفيات بين الأطفال ظاهرة تتأصل في العادة عن كثير من العوامل، من بينها عامل التخلف العقلي كذلك، إنها ظاهرة صحية حقا، ولكنها في نفس الوقت ـ ظاهرة اجتماعية وظاهرة عقلية أيضا؛ لماذا؟ لأن كثرة الوفيات بين الأطفال تعود في جملة ما تعود إليه، إلى انعدام الوعي والشعور بالمسؤولية العائلية، وضعف الثقافة الزواجية وهبوط مستوى الثقافة الجنسية، والخضوع لروح الأساطير في معالجة الأمراض الطفولية، وسوء التدبير الغذائي للأطفال، وانتشار السحر والعرافة في عدد من المجتمعات، مضافا إلى هذا عدم الاهتمام بمحاربة أنواع الضعف والأدواء الوراثية والمتوطنة، بل وعدم التفكير في الأمر بأية صورة من الصور لا وعلى الرغم مما يظهر من أن الأمر هنا يتصل بالعوامل الصحية والاجتماعية، وما هو من هذا القبيل، فإن المداخلات العقلية بل والمؤثرات العقلية في وجود هذه الأحوال، مما لا يخفى، بل ومن الجائز الاعتقاد بأن مستوى التفكير العام داخل مجتمع من المجتمعات إذا ما ارتفع قليلا عما هو عليه في الأقطار الغارقة في خضم التخلف، فإن المضاعفات الاجتماعية والصحية التي يخلقها الجمود الفكري عند السكان، لابد أن تقل نسبتها بشكل ملحوظ؛ ومن الممكن ـ على أي حال ـ أن يسير الكثير منها في طريق الاضمحلال بالتدريج.
ونأتي إلى النقطة الأخرى، المعتبرة من قبيل الاعراض الدالة على التخلف، وهي ما يسمى بالخصب الفيزيولوجي في الزواج؛ ويمكننا أن نعدل التعبير، لينطبق على الحالة بصورة أكثر واقعية، فندعو الحالة بـ «حالة التضخم الديمغرافي في غير المراقب» وهذا النوع من التضخم، تلحظ آثاره في شتى بقاع العالم، بما في ذلك الأقطار المتقدمة، كالولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي، غير أن النسبة في أقطار العالم الثالث، وبالأخص في آسيا لا يمكن أن تقاس بما عليه الأمر في الأقطار المتقدمة؛ أما العوامل الاجتماعية ذات الأصول العقلية، التي تتسبب في وجود هذه الظاهرة، وامتدادها في كافة الأقطار النامية تقريبا، فمن بينها1 الزواج المبكر الذي يتم أحيانا في سن لا تعقل تماما2، الاتجاه الذي تتخذه عقلية التأمين على المستقبل عند بعض الشعوب المتخلفة! إذ أن مادة هذا التأمين تعتمد على الأبناء في الدرجة الأولى، وربما يعتمد عليهم إطلاقا، ومن غرائب العقلية التخلفية، إنها تعنى هنا بالكم لا بالنوع، فيكفي أن يتوافر كذا وكذا من الأولاد، ليحصل هذا الشعور بالتأمين على المستقبل، أما مدى استعداد هؤلاء الأولاد للقيام بدورهم في التأمين فلا يفكر فيه؛ ومن ثم كانت حالة كثرة الأولاد بدون تربية ولا حتى إعداد للمستقبل؛ وتشتد هذه الحالة أكثر في المجتمعات البدوية، وفي المجتمعات شديدة التخلف عموما3!  ضيق الأفق الفكري الذي لا يفتح مجالا للمتع البريئة في تقدير الأفراد المتخلفين، مجالا يتميز بتنوعه وسعة نطاقه! ومن ثم تنشأ نفسية التعويض، ويشتد نزوعها اشتدادا قد لا تكون نتيجة فقط، عدم القدرة
على التربية، بل كثيرا ما تكون من آثاره كذلك، الاضرار بالمرأة صحيا، عن طريق الإرهاق الجنسي غير المقيد.
وهكذا إذا ما سرنا في استعراض ظواهر النقص العام، الذي يسود الشعوب المتخلفة، فإننا نجد الكثير منها يرجع إلى عامل التخلف الفكري عند هذه الشعوب، أو ما له صلة بالتخلف الفكري على وجه من الوجوه! فسوء التغذية مثلا الذي ورد في جملة الظواهر التي سردناها من قبل، بصفته عرضا من الاعراض الدالة على التخلف، هو في الأصل ظاهرة اقتصادية بدرجة أولى حقا، إذ يرتبط في العادة بانخفاض مستوى المعيشة، وقلة الدخل الفردي وضآلة المدخول الوطني أيضا، لكن يمكن أن نلتمس لهذه الظاهرة كذلك أصولا عقلية، ترجع إلى الجهل والسطحية التي يتسم بها أفراد المجتمع المتخلف، فهؤلاء قد يكون سوء التغذية ناشئا عند بعضهم حقا عن فقر وقلة ما باليد، وهذا مظهر اقتصادي واجتماعي للقضية، لكن عددا من أفراد المجتمع الآخرين قد يكونون من ذوي اليسار وممن يستطيعون توفير الإمكانيات الغذائية الكثيرة لأنفسهم ولذويهم إلا أنهم يعانون مع ذلك من سوء التغذية، لأنهم لا يعرفون ـ لجهلهم ـ كيف يوفرون لأنفسهم تغذية صحيحة وكاملة فهم يعنون بالكم أكثر من النوع، فتجدهم يقاسون من نتائج التخمة سوء الهضم، وفي نفس الوقت يعانون من سوء التغذية الناتج عن حاجتهم إلى التوازن بين العناصر التي تناولونها، واعتماد على مقياس غذائي صحيح ومنتج.
ثم ضعف استهلاك الطاقة الذي أشير إليه من قبل هو ـ بحق ـ مظهر تخلف اقتصادي في المقام الأول لكن ثمة كذلك أوجها لتعليل وجود هذا النقص من الناحية العقلية، أي ما يتعلق بالتخلف الفكري، وصلته بالتخلف من ناحية استهلاك الطاقة، ذلك أن المجتمعات التي يكون فيها الاستهلاك الطاقي ضعيفا بشكل أو بآخر، لا يتحتم أن تكون مجتمعات ناضبة الموارد من الناحية الطاقية، وخصوصا إذا كان الأمر يتعلق بمصادر الطاقة الكلاسيكية من فحمية وغازية ومائية، وبترولية وما إلى ذلك؟ فهذه المصادر هي بالعكس متوافرة كثير التوافر للأمم المتخلفة بل هي أكثر ما عندها من مصادر! ومن تم فلا يعتبر ضعف استهلاكها للطاقة من هذا النوع آتيا من حالة فقر وشح في الموارد، إذن ليس سببه اقتصاديا البتة في كثير من الحالات، وإنما هو ناشئ عن حالة تخلف عقلي، أو فقر عقلي، يصحبه عادة ضيف أفق النظرة الاقتصادية عند طبقات المجتمع المتخلف وقناعتها بأبسط أنواع الاستهلاك، أي استهلاك المصنوعات المستوردة، والاستمتاع بما تتيحه من منافع عابرة، أو مسرات سطحية، والاعتقاد بأنها قد تكون قد نالت بذلك قسطا من التقدم، يخفف عنها من سمة التخلف! والواقع أن حالة التخلف لا تستأصل إلا من الجذور، ومن عوامل هذا الاستئصال الجذري، وجود سياسة طاقية معينة عند المجتمع الذي ينبغي سلوك سبيل تنمية ما، وإلا فمن السهل أن يحكم على هذا المجتمع بالتخلف، مادام استهلاكه للطاقة ضعيفا، أو ليست له سياسة طاقية بالمرة.

وليس من المستغرب هذا التلازم الموجود بين التخلف الفكري، وأنواع التخلف الأخرى من اقتصادية واجتماعية وغيرها، فقد كان التخلف الفكري في أكثيرة الحالات سببا من جملة الأسباب الجوهرية التي تؤدي إلى انحطاط المجتمعات في ميادين الحياة المختلفة، وانحدار مستويات الإنتاج والاستهلاك، والتعامل والسلوك في مثل هذه المجتمعات التي توسم تبعا لذلك بسمة التخلف! والمفاهيم بهذا الشأن، قد تختلف فيما بينها، وإن كان المقصود واحدا! ذلك أن التخلف الفكري الذي قد يكون متأصلا في مجتمع ما، كامنا في أعماق عقليته فيكون سببا في إعاقة تطوره، بينما الحاجة تدعو إلى التطور! ثم من جهة أخرى، هذا الانحدار الأخلاقي، أو التفاهة الفكرية التي يصاب بها مجتمع من المجتمعات، تطرأ عليه فتنال من صفاء نظرته، وعمق تفكيره، وتؤثر تبعا لذلك على طاقته الفكرية المنتجة، وعلى استعداده الخلقي، لتحمل أعباء الحضارة، التي كان متحملا لها في وقت من الأوقات ـ هذه العلاقة بين التخلف الفكري، وبين عدم القدرة على التطور بالنسبة للمجتمعات المتخلفة، ثم هذه العلاقة بين الانحدار الفكري والأخلاقي في أمة من الأمم، وبين ما يحدث لها بحتمية الأشياء، من فقدان القدرة التي ربما كانت لها من قبل، على القيام بأعبائها الحضارية المنتجة (كما نرى صورا من ذلك في التاريخ) هذه العلاقات بين هذا وذاك، بين هذه الأسباب وتلك المسببات ـ يمكن ملاحظتها في مدى تاريخ المجتمعات الإنسانية الطويل، لأن صلات من هذا النوع، هي عبارة عن ظاهرة حضارية ملحوظة قديمة، بقدم نشوء الأنظمة الاجتماعية المختلفة عند الإنسان، فمنذ عصور الإمبراطوريات في الشرق القديم، وفيما قبل ذلك وبعده، يلاحظ المؤرخون حالات صعود وانحدار حضاري أو سياسي في مجتمع أو ذاك، من المجتمعات، فإذا التمس المؤرخ أسبابا يعلل بها مثل هذه الأحوال التي يعكسها تاريخ المجتمعات الإنسانية، تجده يأتي بعدة تعليلات لذلك، من بينها وفي طليعتها، التحول العقلي، وما يرتبط به من تحول خلقي في حظيرة المجتمع الذي كان مزدهرا، ثم انحدر، أي أن صفات عقلية معينة، عندما تسود مجتمعا ما، فمن شأنها أن تساعده على افتتاح الطريق نحو تطور إيجابي يؤدي به إلى بناء حضارة، أو إقامة إمبراطورية فإذا ما فقد المجتمع جوهر هذه الصفات، فإن ذلك ينعكس في الغالب على أحوال العامة، مؤثرا على حيويته الحضارية، وقدرته السياسية، ومن ثم، يمكن أن ينحدر إلى حالة من الحضارة والإدارة أقل مما كان عليه، وتتناسب مع مقدار ما فقده من صفات عقلية إيجابية كانت له من قبل،! ونحن لا نقصد من هذا الدخول في موضوعات تعليل التاريخ، وتحليل ظواهره، وإنما نقصد من إثارة هذه النقطة الإشارة إلى أن هذا التشديد الذي نلحظه اليوم على الصلة بين التخلف العقلي، والتخلف السياسي والحضاري ـ هذا التشديد ليس ناشئا عن فلسفة حديثه، وإنما هو حالة كان الناس يلحظونها دائما، ويتخذونها كوسيلة لتعليل بعض الظواهر التاريخية، بما فيها الظواهر الكبرى كسقوط الدول وقيامها! وربما يغالي البعض من المؤرخين في اعتمادهم على تعليلات من هذا النوع، لتفسير الظواهر وشرح اتجاهاتها، فالواقع أن هناك في شتى جوانب الحياة الإنسانية على صعيد التاريخ، أو في نطاق الحياة الحاضرة ـ هناك أكثر من وجه، لإدراك الظواهر وتعليلها، وقد يوقع في الخطأ النظر إلى الموضوع من زاوية واحدة، كربط كل ظواهر الانحدار والارتقاء الحضاري بالأحوال العقلية للمجتمع، على أساس أن ذلك هو العلة الوحيدة، وليس هناك علة غيرها! فالعوامل التي تنشأ عنها الظواهر الإنسانية هي متعددة في الغالب، وتتداخل مع بعضها البعض! تداخلا متشعبا يحتاج فرز تعاريجه إلى أناة وعمق نظر، لكن ذلك لا يجب أن يحجب عن أذهاننا أهمية العامل العقلي في نشوء الظواهر المتعلقة بتطور المجتمعات ـ خلال التاريخ ـ ارتقاء وانحدارا وإن كانت المفاهيم بهذا الشأن تختلف كما قدمنا حسب العصور وما يسود كل عصر من حقائق وقيم؛ وإذا قلنا أن المفاهيم تختلف بهذا الشأن فنقصد بذلك أن الأحوال العقلية التي تؤثر في تقدم المجتمعات أو تخلفها، هذه الأحوال ليست واحدة في جميع العصور؛ ان هناك ـ حقا ـ قيما عقلية ثابتة في جميع الأحوال، لابد أن تتوافر لأي مجتمع، لكي يحقق قدرا من التطور أو يحتفظ بما حصل عليه من تطور؛ ومن هذه القيم، أو بالأحرى، من هذه الأحوال العقلية الضرورية: إرادة التقدم ـ النظر البعيد ـ حب العمل ـ وأشياء من هذا القبيل، غير أن ذلك لا يلزم منه أن كل الظروف العقلية التي أدت إلى قيام الحضارات السابقة أو ساعدت على سقوطها هي هي ذاتها التي يجب أن تراعى في ظروفنا الحضارية الحديثة، لكي نضمن قدرا من التقدم في هذه الظروف الحضارية؛ فلابد من مراعاة فوارق الزمن المديد الذي يفصلنا عن عصور ما قبل المسيح مثلا! ومنطق الحضارة الراهنة نفسه يفرض هذه المراعاة بين الظروف التاريخية التي تنمو فيها بذور الحضارات المختلفة؛ وهذا لا يمنع بطبيعة الحال من الحفاظ على مقومات التراث المنحدر من الحضارات التقليدية الأصيلة؛ ولكن أصالة أي تراق حضاري جدير بالتقدير تظهر في كونه قابلا للتكيف مع الظروف الحضارية المختلفة دون أن يفقد الميزات الأصيلة التي ينطوي عليها، ومن غير شك فإن ميزة التراث الإسلامي ـ العربي هي قابليته هكذا لاستيعاب أحوال حضارية متجددة من هذا القبيل، وتبقى بعد كل هذا على أي مجتمع، له تراث حضاري، أو مجهول الهوية الحضارية (مع التجوز في استعمال هذا التعبير ـ يبقى على أي مجتمع كيفما كان شأنه أن يبحث عن هوية عقلية صحيحة الأسس تمكنه من معاناة التجربة الحضارية الحديثة بكل إيجابية وكفاءة، والخروج من هذه التجربة بشخصيته سليمة، من آثار الانصهار الذي لابد أن يتعرض له، واختطاط طريق له في نفس الوقت، نحو عالم التقنية والأوتوماتيكية، وسيلته الوحيدة للخروج من إطار التخلف المادي، الذي يغوص في وحله؟ والبحث عن هذه الهوية العقلية، هو سبيل المجتمعات الواعية مصيرها المادي في عالم اليوم؛ وعلى قدر ما ينجح أي مجتمع في العثور على المزايا العقلية، التي تمكنه من قرع باب التقنية دون وجل ودون تخبط أو عشوائية ـ بقدر ما يضمن هذا المجتمع أكبر حظوظه في الخروج من إطار التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي ويؤدي ذلك حتما إلى الاختزال من أنواع التخلف الأخرى التي ليست كما قدمنا ـ إلا تفرعات لهذا التخلف ـ المحور، التخلف ـ الأصل أي التخلف الفكري بكل أبعاده ومضاعفاته.
أسلفنا في الفقرة السابقة أن الأمر في كثير من عوامل الارتقاء والانحدار عند المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ ـ كان أمر تطور فكري، أو جمود فكري أو انحراف فكري بحسب كل حالة على حدة؛ وقد يسمي مؤرخونا ذلك بانحطاط خلقي ويلاحظون في ذلك، استشراء الفساد الأخلاقي داخل مجتمع من المجتمعات القديمة ليعللوا به تدهوره وتهافته، وقد ذكرنا أيضا أن المفاهيم بهذا الشأن، تختلف فيما بينها بعض الشيء فهل يعني ذلك أن الجانب الخلقي في حياتنا الحديثة، ليس له ما كان له من أهمية قبل، وأن العقلانية العصرية التي تخطط السبل لتصفية التخلف، لا تضع في حسابها للاعتبارات الخلقية الخالصة، اعتبارا كبيرا، قد يرى البعض مثل هذا الرأي، مستشهدين عليه بكون كثير من المجتمعات عالية التطور التقني تنتشر فيها مظاهر فساد خلقي، دون أن يؤدي ذلك إلى تخلفها، ويذهب مثل هؤلاء إلى الاستنتاج من ذلك بأن الجوهر الذي تقوم عليه الحضارة الحديثة، هو جوهر مادي، ولهذا لا غرابة في استبعاد التعلق في نطاق هذه الحضارة بالمثاليات المجردة التي فقدت قدرا من فاعليتها نتيجة لما ذكر؛ وقد يرى آخرون، أن الأمر ليس أمر مادية أو مثالية، وإنما هو أمر تحول في المفاهيم الأخلاقية، فللمدنية الحديثة مثالياتها الخلقية، ولكن كل ما في الأمر أنها تختلف في كثير من مناحيها ومقتضياتها عما كان سائدا من قيم أخلاقية في عصور مضت، وليس المجال هنا مناقشة لهذه الآراء، فكل ما يهم بهذا الصدد ـ هو الإشارة أولا إلى أن مادية الحضارة الحديثة ـ رغم سعة تأثيرها ـ فهي لا تلزمنا بشيء حتمي ولا معدل له، إذا كان لدينا من الإمكانيات المعنوية، ما يخولنا قدرة على السير في سبيل تطور يجمع بين خصائص المادية وغير المادية، ثم الإشارة ثانيا إلى أن القضية، قضية التطور بمفهوم عام، بما فيه الجوانب المادية البحتة ـ هذه القضية هي أيضا قضية أخلاق ـ إذا كانت قضية عقلية ـ الأخلاق التي يجب أن تربى عليها الشعوب المتخلفة وتتشبع بها لتؤثر ـ وهذا هو الأهم ـ على نظرتها إلى الأشياء وتصورها القضايا المادية وغيرها، وإدراكها لما تتطلبه معالجة هذه القضايا من مقتضيات مختلفة!  وهذا هو المظهر العقلي لهذه التربية، أما المظهر الأخلاقي فيتمثل في تأثر سلوك المجتمعات المتخلفة بهذه النظرة الموضوعية إلى الأمور، وانعكاس الخلقية الناشئة عن ذلك، على حياة الأفراد والكتل الاجتماعية، سواء في علاقتهم بالطبيعة، أو صلتهم بمصاعب المعايشة الإنسانية في نطاقها العصري، أو موقفهم من قضية التقدم والتطور أو طريقتهم في معالجة المشاكل إجمالا هذان جانبا العقلية «الفعالة» التي تستطيع الكثير من العمل ضد حالة التخلف بحيث يؤدي عملها بالضرورة، إلى تحقيق تطور متناسق وموزون وذا روح شمولية راديكالية، وتعترضنا في هذا المقام قضية لابد من ملاحظتها، لأنها تفرض نفسها بالبداهة، ذلك أن التخلف ومحاربة التخلف، يدوران في الواقع داخل حلقة مفرغة، قد تحتار بعض المجتمعات المتخلفة طويلا في الخروج منها، على وجه من الوجوه! فحالة التخلف العام، تعتبر ناشئة ـ كما أسلفنا ـ عن وجود حالة تخلف فكري، تتجمد بسببها اندفاعية التقدم عند المجتمع، وتبقى الحياة هكذا متقوقعة ضمن حدود معينة لا تستجيب إلا بقدر ضئيل، لتزايد الحاجيات من تضخم سكاني وتشعب حياة عالمية وغير ذلك لكن التخلف العادي، الذي هو ناشئ عن هذه الحالة العقلية غير المتطور، يساهم هو نفسه في استمرار مثل هذه العقلية بل وتشعب مضاعفاتها في شتى الميادين؛ ان هناك إذن مجالا واضحا لملاحظة هذه الظاهرة، وهي أنه بقدر ما يعمل على محاربة التخلف بقدر ما تقف الحواجز العقلية دون وصول عمل المحاربة، هذا إلى أقصى مداه، بينما لا يستطاع إلا بقدر محدود، تقويم هذه العقليات المتحجرة، في كثير من المجتمعات، بسبب أنها متخلفة ومتأثرة بعوامل التخلف العام الذي يحبط بهذه المجتمعات!  وهذه صورة الحلقة المفرغة التي يدور فيها التخلف العام، والتخلف العقلي دورانا لا نقول أنه حتمي، ولكن على الأقل فهو دوران واقعي يفرض قدرا غير قليل من التعقيدات على مشاريع الإنماء والتطوير في عدد من الأقطار كالهند مثلا! والمسألة التي تلح على الأذهان كثيرا في شتى المجتمعات المتخلفة هي: كيف يمكم التخلص من هذه الحلقة المفرغة وذلك بالنجاح في تصفية مظاهر التأخر الاقتصادي والاجتماعي والسيطرة ـ في نفس الوقت ـ على حالة التخلف العقلي، لكي لا تحول دون ذلك؟ وعلى أساس النظر في نقطتي التواجه هذه، نجد كثيرا من سياسات الإنماء المتبعة اليوم، تقوم على مراعاة عدد من الحقائق والمقتضيات في وضع الخطط المختلفة، الرامية إلى محاربة التخلف في شتى مجالاته؛ ومن هذه الحقائق والمقتضيات التي تراعي؛ 1) اعتبار العملية التثقيفية داخلة في صلب مجموع الخطة العامة، التي تحدد سياسة قطر من الأقطار في ميدان الإنماء والتطوير الاقتصادي وما في نوعه؛ ويفرض هذا الاعتبار بطبيعته، النظر إلى العملية التثقيفية بصفتها وسيلة لتربية المرء على صفات المواطنة لا من جانبها الفلسفي المثالي فحسب، بل من جانبها الاقتصادي كضرورة ملحة أي توجيه الأفراد ـ عن طريق التربية توجيها، يجعل منها أدوات إنتاج اقتصادي، واستهلاك اقتصادي أيضا، ولكن يراد به الاستهلاك المنتج، أي الاستهلاك الذي يساعد الأفراد على زيادة الإنتاج، أما عن طريق تحسين مستوى صحتهم أو توسيع أفكارهم، أو الترويح عنهم بما يجدد لهم نشاطاتهم، أو شيء من هذا القبيل. 2) محاولة توعية سواد الناس الذين لا تشملهم عمليات التثقيف المنظمة في المعاهد والمختبرات والدورات التدريبية وغيرها ـ محاولة توعية مثل هؤلاء، عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، التي تهيئها التقنية الحديثة لنشر الثقافة الشعبية، كالسينما مثلا، لكن لا يجب أن يعزب عند الذهن، أن التوعية على هذا الأساس قد تكون لها فوائدها المثمرة بعض الشيء، لكن لا يمكن الاتكال عليها إلى ما غير حد، و لا يرجع هذا إلى عدم جدوى التقنيات الإعلامية الحديثة في حد ذاتها، بل يرجع الأمر فقط، إلى أن الأمية الضاربة أطنابها على سواد الناس في الأقطار المتخلفة، هذه الحالة من الأمية، تجعل في الغالب على الأذهان غشاوات، لا تسمح لهذه الأذهان ـ أن تربط بين المقدمة والنتيجة، فيما يعرض عليها بواسطة وسائل الإعلام العادية، وحتى إذا تمكنت قليلا من هذا الربط، فإنها لا تستطيع إلا بقدر ضئيل، هضم النتائج العملية في العمق، والتشبع بها حتى تصبح جزءا من التفكير اليومي، وحتى إذا استطاعت شيئا من هذا القبيل، فلا يضمن أن تكون له نسبة من التغلغل في العقول تؤكد إمكانية استمرار تأثيره لأمد طويل، واكتساب الحصانة العقلية اللازمة التي تحول دون أن تؤثر على هذا الوعي المكتسب أية تأثيرات سلبية، فتنال من جدواه بوجه أو بآخر، كالعقائد السحرية، والطقوس الجامدة، والتواكل والسطحية والإيحاءات التي تخلقها البيئة الاجتماعية، أو تركزها فاعلية الوراثة، أو ما إلى ذلك كثير، ومن ثم يقع في كثير من الحالات، أن تبقى نتائج التوعية من هذا القبيل طافية على السطح، معرضة للتيارات السلبية من كل نوع، لأن الأمر يبدو بالنسبة للرجل العادي البسيط نوعا من الوعظ المؤثر ليعض الوقت وما أكثر ما يتلقى هؤلاء من وعظ، لا تكون له إلا نتائج سطحية ومؤقتة إذا كانت له من نتائج! ولا يعني هذا ضرورة الاستغناء عن وسائل الإعلام التقليدية، بل هي أساس جوهري في مجال التوعية لا يغني غناءه شيء آخر، وإنما كل ما هناك، هو أن يعزز عمل التوعية النظرية هكذا بنوع من التوعية العملية، وذلك بمساعدة هؤلاء الذين هم موضوع توعية ـ مساعدتهم على لمس الجانب العملي في المشاكل اليومية البسيطة التي يعيشون في إطارها باستمرار، دون أن يدركوا دورهم الحقيقي في نشوئها وتقعيدها، ومن ذلك أن يكون هناك موضوع واقعي، تدور حوله التوعية العملية كالأسباب الموضوعية و«العقلية» التي سببت نقص المحصول في منطقة معينة، أو أحدثت مرضا وبائيا معينا، أو حالت دون ارتفاع مستوى المعيشة أو غير ذلك ـ والعامل الأساسي في الأمر من هذا القبيل هو احتكاك العامة فعلا بمشاكلهم عمليا، وإدراكهم التدريجي ـ ومع مرور الأجيال ـ بحقيقة دورهم في وجود هذه المشاكل من التخلف، والمراد بالإدراك هنا ـ كما قدمنا ـ الإدراك العملي الناشيء عن الاحتكاك الواقعي بالمشكلة، لا الإدراك النظري المجرد ـ لأنه ليس من المعقول أن يؤخذ بالتجرد بالنسبة لأفراد، هم كالأطفال في مدرسة ابتدائية يحتاجون إلى التشخيص في كل ما يشرح لهم، أو يراد بهم أن يتشبعوا به تشبعا عقليا واعيا ينعكس على ملكاتهم وقدراتهم! والملاحظ أن من الظواهر الإيجابية في محاربة التخلف، ما يبدون من اهتمام عدد من الأقطار بهذه المزاوجة الماهرة بين عمليات التوعية النظرية والعملية في نفس الوقت (3) وبين هذا وذاك يسير عدد من الدول المتخلفة، على تنفيذ خطط مختلفة للتنمية، تلاقي فيها ـ حقا ـ المصاعب الجمة، التي يعود كثير منها إلى التخلف العقلي حسب ما لاحظناه قبل ـ ودوران التخلف المادي والتخلف العقلي ـ في حلقة مفرغة وهائلة ـ نقول: رغم هذه المصاعب، فإن من الآمال التي تظهر من خلالها أن يستطيع تيار التنمية في الأخير، إقحام نفسه على جميع عوالم التخلف، بما فيها التخلف العقلي نفسه، الذي هو عقبة أساسية، ان هناك سباقا مع التخلف العقلي بالأخص، والرهان القائم هو أن يقع التوصل في هذا القطر أو الآخر، إلى اجتياز المرحلة، التي يكون فيها التخلف العقلي شرسا وضاريا وبذلك يسهل تحديد أثره، والسيطرة عليه في النهاية، ومبدأ الانطلاق في هذه المسألة، هو أن التنمية والتخلف العقلي ـ وإن كان كل منهما عامل قوي ضد الآخر، إلا أن أحدهما إيجابي الصفة، والآخر سلبي، ولابد أن للإيجابية من الممكنات، ما يجعلها في حلبة الصراع أوسع حولا، وأطول نفسا، مما قد يمكنها ـ متمثلة في حالة التنمية مثلا ـ من مصاولة سلبية التخلف العقلي، وتجاوزها في الأخير، بعد أن يضعف ـ تحت وطأة المصاولة ـ تأثيرها المضر بسير التنمية، وإذا سلمنا بمدلول هذه الفكرة على نحو ما، فلابد أن نسلم كذلك، بأن الأمر يقتضي ـ في هذا المقام ـ الاعتماد على قوة الترويض والتعويد، وذلك على أساس الاعتقاد بأن التعويد على شيء من الأشياء من شأنه أن يؤدي إلى تحقيق بعض النجاح في عمليات الاستبدال المنشودة، أي استبدال أحوال بأخرى، استبدال العادات التي خلقها، ومكن لها عامل التخلف العقلي ـ بمرور الأجيال ـ بعادات أخرى أكثر استجابة لمنطق التطور الذي تفرضه التنمية الحديثة، وأشد قدرة على التفاعل مع الضرورات التي تفرضها طبيعة الحياة المتقدمة اليوم، ان الفكرة لا غبار عليها من جانب نظري، فإمكانية الاستعاضة عن عادات بأخرى جائزة جدا، سواء من زاوية علم النفس الفردي أو الاجتماعي، وإن كان هذا الجواز ليس مطلقا دائما، وقابل للتطبيق في جميع الأحوال، غير أن القضية التي تأخذ ـ حول هذا الموضوع ـ بعناية مختلف الدول المتأخرة التي لها برامج إنماء ـ هي هل ينجح ما تطبقه من برامج في غرس عادات جديدة، على أنقاض بعض العادات العقلية السيئة أم يخفق في ذلك! والأمر بهذا الشأن يقتضي ـ كما تقدم ـ توفر رصيد هائل من التوفيق لاجتياز المرحلة الأولى ـ مرحلة الخروج من الحلقة المفرغة التي يدور فيها كل من التخلف المادي والعقلي، والمرحلة هذه، مرحلة الخروج من هذه الدائرة الفاسدة، هي أهم ما يمكن أن تتوصل إليه الدول المتخلفة في سياساتها الإنمائية المتبعة، وبعد ذلك يسهل عليها ممارسة سياسات ناجحة في استبدال العادات العقلية والسلوكية بأخرى.
وتعني مصالح الأمم المتحدة ببذل مساعدات تقنية في هذا المضمار حيث ينتشر خبراء المنظمة في المناطق الأكثر تخلفا في العالم، يدلون على التقنيات الحديثة، التي ترسخ بعض الوعي ضد التخلف عند الفلاحين وغيرهم، عن طريق إرشادهم عمليا ومساعدتهم على اكتساب عادات جديدة، ونظرة جديدة للأمور والحلول المقترحة لها في شتى الميادين غير أن الجهود الدولية بهذا المضمار، تعترضها عقبات كثيرة، وينقصها التمويل الكافي، بالإضافة إلى محدودية المجال الذي تنشط فيه، بالقياس إلى ضخامة العالم المتخلف، وضخامة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يتخبط فيها، والتي هي ناشئة في كثير من عواملها عن التخلف العقلي السائد، ثم يأتي نقص الإطارات والإمكانيات والتخطيطات كفروع عن ذلك،  أو بالأقل مضاعفة لخطورته.
ان العقيدة السائدة اليوم، هي أن مخرج العالم من مشاكله المعقدة، رهين بنجاح سياسة إنمائية عالمية الوقت الاعتقاد بأن سياسة من هذا القبيل، لا يمكن أن تستنفد أهدافها إلا بتدخل فعال في إعادة صياغة نظرة وعقلية هذه الكتل المتخلفة الهائلة، ومساعدتها على التفكير حقا تفكيرا مضادا للتخلف، وذلك شرف أساسي لابد منه.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here